لما أبصرت العين العود المستقيم أعوج، وهو في كأس الماء، لم ينخدع العقل بما رأت العين، بل عرف أنه لم يزل مستقيما، ولما رأت التراب ماء في الصحراء، عرف العقل أنه سراب، وأنه ليس ماء ولكنه تراب. ولما أبصرنا ساحر (السيرك) يخرج من فمه مئة منديل، ومن كمّه عشرين ارنباً أدرك العقل أنها خدعة. فالعقل أصح حكما، وحكمه أبعد مدى، ولكن هل يحكم على كل شيء ويمتد مداه إلى غير ما نهاية؟
ان العقل لا يستطيع أن يدرك شيئاً، حتى يحصره بين اثنين: الزمان والمكان، فما لم ينحصر بينهما، لم يدركه العقل بنفسه. فلو قال لك مدرس التاريخº ان حربا وقعت بين العرب والفرس، ولكنها لم تقع قبل الاسلام ولا بعده، ولم تقع في زمن من الازمان، ولكنها وقعت فعلا، لم تدرك ذلك ولم تصدقه، ولم تقبله. ولو قال لك مدرس الجغرافيةº ان بلدة ليست في سهل ولا جبل، ولا في بر ولا بحر، ولا في أرض ولا سماء، ولا في مكان من الأمكنة، ولكنها موجودة – لم تدرك ذلك، ولم تصدقه، ولم تقبله.
فالعقل لا يحكم الا في حدود الزمان والمكان. فما كان خارجا عنهما من مسائل الروح، وأمور القدر، وآلاء الله وصفاته، فلا حكم للعقل عليه.
ثم إن العقل محدود، لا يحكم على غير المحدود، ولا يستطيع أن يحيط به. تصور خلود المؤمنين في الجنة! ان عقل المؤمن موقن بأنه حقيقة وقد جاءه هذا اليقين من الخبر الصادق. ولكن انظر هل يحيط عقلك بالخلود؟ ركز فكرك فيه، تجد انك تتصور بقاءهم في الجنة قرنا وقرنين، ومئة قرن، ومليون والف مليون، ثم تجد عقلك يقف عاجزا، ويسألك وبعد؟ إنه يريد أن يضع لذلك نهاية. انه لا يدرك الِ (لا نهاية)، واذا افترض الوصول اليها وقع في التناقض الذي يقول ببطلانه.
ان للفيلسوف الالماني (كانْت) كتابا مشهورا، في اثبات ان العقل لا يستطيع أن يحكم الا على عالم المادة وحده. ولكن ما قال به (كانْت) قاله علماؤنا من قبل وردّدوه وأثبتوه حتى صار كالبديهية المسلّمة، وصار الكلام فيه كالحديث المعاد. حتى (متناقضات كانْت) المشهورة، سبق اليها علماؤنا، وبينوا بالادلة الرياضية ان (الدور والتسلسل) باطل.
من أقرب أدلتهم هذا الدليل ، وهو أن تخرج من نقطة (م) ، مثلا (في الشكل) شعاعين ، أي خطين مستقيمين متباعدين ، وتفرض مد كل خط إلى ما لا نهاية له ( & ) وتصل بين الخطين على أبعاد متساوية خطوطاً :
(ن هِ) و (ن1 هِ1) (ن2 هِ2) وهكذا، حتى تصل إلى الخط (& &) هل هذا الخط محدود، أم هو غير محدود؟

اذا قلت أنه محدود يردّ عليك انه بين لا نهايتين، فكيف يكون محدودا؟ وان قلت أنه غير محدود، ردّ عليك بأنه بين نقطتين، فيكف يكون غير محدود؟ فهو محدود، وغير محدود، وهذا تناقض!
فثبت ان العقل يختل ميزانه ان حاول الحكم على غير المحدود، ويقع في التناقض المستحيل، اذا بحث فيما لا ينتهي.
فالعقل اذن لا يستطيع أن يحكم، ولا يصح حكمه الا في الأمور المادية المحدودة. أما (ما وراء المادة)، أي عالم الغيب (الميتافيزيك)، فلا حكم للعقل عليه. وهذا الذي أثبته (كانْت) في كتابه، وقاله علماؤنا من قبل، موجود في كتاب شرح المواقف للسيد، ورسالة (المقصد الاسني) للغزالي وسائر كتب علم الكلام.