وكل ذلك جر اليه الفهم الخاطئ منا لعقيدة القدر، هذا الفهم الذي جعل منا من يخلط بين النصوص الواردة في الأمور الارادية، التي نملك التصرف فيها، والامور التي جعلها الله فوق ارادتنا، وأعلى من أن تصل اليها طاقاتها، ونشأ هذا الخلط العجيب في المذاهب الكلامية. فمن مدع ان الانسان مسير لا ارادة له، لأنه لا يستطيع أن يتحكم في عضلة قلبه مثلا، ولا عمل له في اختيار أبويه، وانتخاب بيئته الأولى، ونسوا ان الله أعطاه عضلات يتحكم فيها، وأعطاه عقلا يستطيع به أن يصحح (على قدر الامكان) اخطاء بيئته وآثار تربيته.
وتوسع آخرون، وأعطوا ارادة الانسان أكثر مما لها في الواقع. وخلطوا تبعا لذلك في أمر الثواب والعقاب، ونسوا ان الله لا يحاسب الانسان الا في حدود حريته وقدرته، ولا يؤاخذه على ما أكره عليه. وتَخبّطوا في البحث عن عدالة الله، ونسوا الحقيقة الأولى، وهي أن عدالة الله لا تقاس بمقايس العدالة البشرية، وطريق السلامة في عقيدة القدر وفي سائر العقائد، ان نعود فيها إلى المنبع الأصلي: القرآن. وأن نتبع فيها ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين، وأن ندع هذه البحوث العقيمة التي أثارتها الدراسة الناقصة، للفلسفة اليونانية البدائية السطحية.