لما كانت المباراة بين موسى وبين سحرة فرعون، ألقوا حبالهم وعصيهم، فرآها الناس حيات وثعابين. وألقى موسى عصاه فصارت حية، وأكلت هذه الحيات والثعابين. فهل الأمران سواء؟ هل عمل موسى من جنس عمل سحرة فرعون؟!
اذا كان من جنسه فلماذا آمن السحرة؟ كان عمل السحرة خداعا للبصر وإيهاماً للناس. أرَوْهم حيات وثعابين مع أن الحبال والعصي لا تزال على حالها، حبالا وعصيا. أما عصا موسى فقد تحولت (فعلا) إلى حية. ولو كان ثمة آلة تصوير والتقطت صورتها، لظهرت في الصورة حية حقيقية، على حين تظهر حيات السحرة حبالا وعصياً.
لذلك آمن السحرة هذا الايمان السريع، إنهم رأوا شيئاً ليس من السحر ولا من التخييل ولا من التهويل. شيء هز قلوبهم حتى اضطرها إلى الإيمان، وبلغ منهم الايمان مبلغاً، جعلهم يتحدون فرعون ولا يبالون به، إنهم تصوروا عظمة الله الذي آمنوا به، فهانت عليهم عظمة فرعون الزائفة، وربوبيته المكذوبة، لقد صغرت الدنيا في عيونهم فلم يحفلوا بتهديد فرعون اياهم بالصلب وقطع الأعضاء، ان فرعون لا يملك الا تعذيبهم في الدنيا وما الدنيا في جنب الآخرة؟ وما عذابها المؤقت عند نعيم الآخرة الدائم؟ لذلك صرخوا في وجهه مستهينين بقضائه: {فاقضö ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا}.
إني أتمنى والله وأنا المولود في الإسلام، الذي تسلسل في آبائه الاسلام، أن يكون لي مثل هذا الايمان الذي كان لسحرة فرعون، بعد دقائق معدودات من اسلامهم.