هي ان الانسان يدرك بالحَدْس ان هذا العالم المادي ليس كل شيء، وان وراءه عالماً روحياً مجهولا، يدرك منه لمحات تدل عليه. ذلك ان الانسان يرى اللذات المادية محدودة، اذا هي بلغت غايتها ووصلت إلى حدها، لم تعد اللذة لذة، ولكن صارت (عادة)، فذهب طعمها، وبطل سحرها، وصارت كالنكتة المحفوظة، والحديث المعاد.
يبصر الفقير سيارة الغني تمر به، وعمارة الغني يمر بها، فيحسب أنه يحوز الدنيا ان حاز مثلها، فان صارت له، لم يعد يشعر بالمتعة بها. ويسهر المحب يحلم بوصل الحبيب، يظن ان متع الدنيا كلها بحبه، والاماني كلها في قربه، فاذا تزوج التي يحب، ومر على الزواج سنتان، اضمحلت تلك الأماني، وماتت تلك المتع، ولم يبق له منها الا ذكرها، ويمرض المريض ويتألم، فيتصور اللذة كلها في ذهاب الألم والشفاء من المرض، فاذا عاودته الصحة، ونسي أيام المرض، لم يعد يرى في الصحة شيئا من تلك اللذات، ويتمنى الشاب "الشهرة" ويفرح ان اذاعت الاذاعة اسمه، ونشرت الصحف رسمه، فاذا هو اشتهر وصار اسمه ملء السمع، وشخصه ملء البصر، صارت له الشهرة أمراً معتادا.
ثم يجد أنه يسمع الاغنية الحالمة، في الليلة الساجية، قد خرجت من قلب مغنٍ عاشق، فهزت من سامعها حبّة القلب، وأطلّت على عالم الروح، ويقرأ القصة العبقرية، للأديب البارع، فيحس كأنها تمشي به في مسارب عالم مسحور، فيه مع السحر شعر وعطر، فاذا انتهت القصة رأى كأنه كان في حلم لَذٍّ فتّان، وصحا منه، فهو يحاول عبثا أن يعود إلى لذته وفتونه.
ويعيش في لحظات التجلي، حين تصفو النفوس بالتأمل فتتخفف من أثقال المادة، فتعلو بجناحين من الصفاء والتجرد، حتى تصل إلى حيث ترى الأرض وما عليها، أصغر من أن ينظر اليها، لما تجد من لذة الروح التي لا تَعْدلها لذة الطعام للجائع، ولا لذة الوصال للمحروم، ولا لذائذ المال والجاه للفقير المغمور.
واذا بالنفس تتشوق أبدا إلى هذا (العالم الروحي) العلوي، العالم المجهول، الذي لا تعرف منه الا هذه اللمحات، التي لا تكاد تبدو لها حتى تختفي، وهذه النفحات التي لا تهب حتى تسكن. فيعلم أن اللذات المادية محدودة، وان اللذات الروحية أكبر منها كبرا، وأعمق في النفس أثرا. ويُوقن (بالحدس النفسي، لا بالدليل العقلي)، ان هذه الحياة المادية ليست كل شيء، وان العالم المجهول، المختبئ وراء عالم المادة، حقيقة قائمة، تحن اليها الأرواح، وتحاول أن تطير اليها، ولكن هذا الجسد الكثيف يحجبها عنها، ويمسكها عن ان تنطلق وراءها، وهذا هو الدليل النفسي على وجود العالم الآخر.