قد وضح الطريق، وتأكد لدينا أن برج السيطرة هو الذى يهيمن على حركة الحياة .
وليس اعتلاؤه بالهين، ويحتاج بجالاً هم الرجال حقاً، وفى طبقات واسعة تنتشر على أرض العلوم والفنون، وفى الأسواق، وفى ذرى الجبال.
ولكن مع ذلك يتميز من هؤلاء الرجال نفر قليل هم الحلقة الأهم فى السلسلة .
(الأول) : هو الرجل الفذ الذى يقود، فإن هذه القيادة الجماعية الواسعة لحركة الحياة من قبل مئات المبتكرين المبدعين أصحاب الأداء الجيد لا تغنى عن وجود هذا الرأس الذى يمتاز بالشمول وعمق الإيمان بالله وبالقدر وبالقضية، وهو مقدام قوى الشخصية، يقول فيفعل، ويصمم فيثبت، ويدق صدره فيقتحم.
متنوع الثقافة، مرهف الإحساس، حين يرى الجمال يستأسر له، ففيه من الشاعر والفنان خصال، لكنه رابط الجأش، فكأن له فى قادة الحروب مثالاً .
وهو لين العريكة، فى غير ما ضعف، عنيد قوى الارادة، فى غير ما تكبر ويبوسة .
كريم، إذ يغلب غيره العد، متوكل، إذ يقلق غيره المستقبل، حليم، إذ تبقى فى قلوب الآخرين الرواسب.
سائح يرى، ومجالس يشافه، ومطرق يفكر.
وهب له ذكاء وحياء
طاف حول البروتون مع الألكترون، وذهب بعيداً إلى المجرات وأجرام السماء، وتأمل ما بين هذين العالمين، فآمن بالقدر حق الإيمان، وعرف سر حركة الحياة حق المعرفة، وله استئناس برؤى الصالحين ومذاهب المتفرسين، مع حرص على إشارات الملهمين، واستبشار بالفأل الحسن.
فهو بذلك كله من صناعة الحياة على خبر، وله فيها سهم، وقد جعلته يقينه بأن الحياة لا يصنعها إلا ألف صانع: ملتقى لهؤلاء الصناع الألف وألوف من ورائهم، يطيعونه ويوالونه عن قناعة ورضا واختيار، بما عرفوا من حرصه على جماعية الرأى والدور والاداء تبعاً ليقينه بجماعية صناعة الحياة، فهم معه على تعاون وحسن ظن وطيب علاقة وتقديم، وهو معهم على وفاء واحترام، وبه يتم السير الجامع والانتظام .
هذا الأول، وأما (البقية) فهم رجال قلة عصبة واحدة، يمثلون المجموعة العالية الفكر، المجتهدة المخططة الرقيبة، ذات التربية العميقة، والعلم الواسع، فهم فرسان الفوارس.
إن لمعة الفكر هى التى تقود العمل، والفكر المقلد لا يقود، بل يشطح أو تصل حلوله متأخرة وناقصة، وإنما الفكر الاجتهادى الابداعى هو الذى يقود ويدق باب المستقبل، وهذا الفكر الاجتهادى الابداعى إنما يؤسسه وقوف مع أى القرآن الكريم، ولبث مع سيرة النبى صلى الله عليه وسلم وقوله، وفحص لمذاهب المسلمين السالفين والمحدثين، ومعرفة بأخبار التاريخ والحضارات، واطلاع على آفاق الفلسفات والتأملات العقلبة، وجرى مع خيالات الشعراء ونبرات البلغاء، ونظر فى صفحات الجمال.
إن هذا الفكر المتقدم الاجتهادى لا يقدمه سواد الدعاة وجمهورهم، وإن كان كل واحد منهم يعلم جانباً من ذلك أو جوانب ربما، كما أن القيادة لا تقدم هذا الفكر، أو يفترض فيمن يكون كذلك أن يكون قيادياً، وذلك لأن القيادة منشغلة بالاداريات وترهقها هموم منوعة، وأنها دائمة الملاحظة لساحة السياسة وترصدات العدو.
لكنها مهمة مجموعة ليس لها صنعة غير الفكر والحوار والقراءة والتأمل ولقاء الغير والرحيل إلى المؤتمرات واصطياد الخواطر وتأليفها، وأحسب أن هذه المجموعة هى القيادة الثانية، وهى ضمان التخطيط الحسن، وليسوا هم لجنة التخطيط، وهم ضمان التربية الحسنة، وما هم أعضاء لجنة التربية، وضمان الرؤية السياسية الواضحة والاحتياطات الأمنية الكافية والاستثمارات المالية الرابحة، وليسوا هم رجال لجان السياسة والأمن والمال، ولكنهم عصبة فكر فقط، مهمتهم إتحاف القيادة واللجان بالاقتراحات وإثراء الخطط بأنوع الخيارات، مع نظرات ناقدة، وتحليلات تستقصى جذور المسائل ومقدماتها فتبرزها، وحين تواجه الدعوة ما هو جديد من الأمور وطارئ طارف يعاونها هؤلاء بالقياس والاشتقاق والترجيح.
حوار التخصيص فى دار الندوة وسوق عكاظ .
وترافق الحاجة إلى هؤلاء الرجال الحاجة إلى أسلوبين :
(الأول) : الخروج من التعميم إلى التخصيص، فى الفكر والمناهج والتخطيط والعمل، فقد أدى التعميم وظيفته الأولية المرحلية بنجاح، ولا أقول إنه كان دليل نقص، بل أشاع وجمع وألهب، ووازى مستوى الناس المدعوين وحاجتهم، بل ولم يحسن جيل الداعين غيره، واليوم تتفتح أبواب جديدة أمام الدعوة وآفاق لابد من ولوجها والبلوغ إلى الأقاصى، كما أن الدعاة قد نضجوا، وكل ذلك يتطلب هذا الميل إلى التخصيص، وليس يكفى اليوم أن نقول: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإنما علينا أن نطرح حلولنا الجزئية لمشاكل الاقتصاد والسياسة وقضايا التربية والتنمية. وليس يصبح أن نستمر فى مناهج العواطف والحماسة، وإنما على منهجنا التشعب لانتاج صناع الحياة. وعلى خطتنا أن تكون مجموعة خطط، لكل حقل وميدان خطته الاستراتيجية البعيدة المدى، والمتوسطة والقريبة التعبوية .
(الثانى) : تكميل العمل النظامى التربوى الخلفى للدعوة بأعمال أمامية مؤسسية، وإعطاء هذه المؤسسات دوراً أكبر مما مضى، فإنها مدارس تعلم الحياة وأسرارها، وشرفات تطل على ساحة الحياة، ومراصد، ومنافذ، وقنوات، ومسارب، ومصاعد، وجوامع ومصانع. وانتبه إلى وصفى لها بالتكميل، فإنى أعنى ما أقول، فإن هناك من مستعجلة الدعاة من اشتط وتطرف فى الحماسة للعمل المؤسسى وبالغ، فدعا فى غمرة حماسته إلى إلغاء الصفوف الخلفية ومحاضن التربية، ولم يسأل نفسه: من ينتج له جيلاً آخر للمؤسسات إن أراد؟ وكان شطط آخرين قالوا بأن الدعوة يقودها أصحاب المؤسسات، وتغافلوا عن أتقياء أخفياء بالوراء، كأن الضرورة الأمنية تجلب جريرة، وما ثم جريرة، وإنما الجريرة فى الذهول عن التكامل.