ويسألون : أهذه هى الخطة الوحيدة فى العمل العام؟
فنقول: كلا، وإنما هى شق، والشق الآخر المكمل المعادل يكمن فى (منهجية الانفتاح)، فإن الحياة يقودها قادتها وصناعها كما قلنا، فنصف هؤلاء الصناع تصنعهم هذه النظرية وتربيهم وتدفعهم إلى المزاحمة واحتلال مكان يمارسون منه التأثير، والنصف الآخر هم صناع القرار، ولهم ذكاء ومهارات وفنون، وقد جمعوا من الولاء رصيداً ضخماً، وواجب منهجية الانفتاح أن تصل إلى الصالحين منهم وتتفاهم معهم، لتحوز صناعاً جاهزين يمنحونها ما جمعوا بمبادرتهم، من بين عالم وواعظ وشاعر وإعلامى وتاجر وسياسى وباحث ومخترع وعميد عائلة وشيخ قبيلة ونبيل، فالمؤمن منهم يحس بالقرابة لابد، ويحن إلينا، فإن العرق دساس، والأشكال حلفاء، وهذه قصة أخرى مستقلة كاملة ذات أخبار وفصول وفروع، ليس هنا محل بسطها، ويكفينا الآن أن نعلم أنها تسير بموازاة صناعة الحياة، وأن الثنتين من خلفهما الخط الثالث الداخلى .
ويقولون: لم نسمع بهذا من قبل، ولم ينفذ ؟
ونقول : شأن الأمور التطور، وليبلغ الشاهد الغائب، وتدوين هذا الكتاب جزء من الترويج لهذه المعانى، ومما لم يفطن له أكثر الناس أن عصر الصحوة هذا يشهد صحوة فى القيادات كما شهد صحوة الشباب الصاعد، وأن هذه المرحلة تشهد ثورة فى التخطيط والاستدراك على نقص الأمس، وقد بدأ ذلك يوم ولد العمل العالمى، والطاقات الإسلامية الكامنة تزداد اليوم انطلاقاً، ولكن الأعمال الجبارة تحتاج أن ننتظرها سنوات لتنضج، ونحن نعانى أمراً حضارياً صعباً وليس عملاً هامشياً أو مجرد وصول سياسى، وما كان للدعوة إلا أن تمر بمراحل النضوج المتتابعة لتطل اليوم على عملية صناعة الحياة من موطن الوعى والاقتدار، والله القادر، وهو للظالمين القاهر، وقد أذن الله تعالى للدعاة أن يشيع بينهم الابتسام من بعد الحزن، وشعارنا الآن إنما هو التفاؤل ورجاء الخير وانتظار النصر، ولا استثنى من تطبيق نظرية صناعة الحياة إلا الأقطار التى يسودها إرهاب وحكم تعسفى شديد الارهاق، فإن الداعية هناك قد لا يستطيع الاعلان عن نفسه او اعتلاء المنابر أو توزيع الأشرطة. ومع ذلك فإننا إذا استبعدنا هذا الاعلان فإن هذه النظرية قد تكون أصلح ما تكون لهذه البلاد التى تئن، إذ تتيح مجالاً لوجود مئات نقاط التجمع الدعوية بعدد وجود صناع الحياة حين يكون العمل التنظيمى صعباً، فتكون هى الحل للمعضلة على عكس ما نتصور.
شىء واحد يلزمنا لذلك : أن ننشط وندأب ونسعى ونتحرك ونعمل !
وقد رأيت من خلال تجولى أن أوقاتاً كثيرة لدى بعض الدعاة يبذرونها، فيكثرون تبادل الزيارات العائلية مثلاً، فيصطحب الداعية زوجه إلى بيت أخ له، ثم آخر وآخر، فى سلسلة لا تنتهى، وربما يبيت مع زوجه وأطفاله الليالى ذوات العدد فى بيت أخيه، فيشغله. ورأيت إكثاراً من الولائم بأدنى مناسبة، وخروجاً جماعياً للعوائل إلى الحدائق والبرارى بنوع إكثار وتكرر، وما ثم إلا أحاديث أبعد ما تكون عن العلم وقضايا الإسلام، بل عن الأولاد والزوجات والأسعار والسيارات، وهذا النمط قاتل للقابليات والطاقات، وهو ضد منهجية صناعة الحياة، وفيه هدر للمال والوقت، وغيرنا يدأب ويبنى نفسه ويكتال من العلوم، ولابد من وضع حد لهذه الأعرف الخاطئة، ويلزمها فدائى فى كل مدينة يضرب عن حضور ولائم الآخرين ويتخلف عن بعض الرحلات ليقتدى به البقية، وسيتهمه إخوانه بقلة الذوق وربما بالبخل، ولكنه سيأطرهم على الحق أطرأً بذلك. وقد سألت بعض الدعاة من طلاب البعوث فى أمريكا عن صنيع الطلاب اليابانيين الذين معهم، فقالوا : ربما يلبثون فى مكتبة الجامعة إلى نصف الليل، وربما نام أحدهم وهو جالس علىكرسيه ويواصل الدراسة فى اليوم الثانى من غير ذهاب للبيت، فعجبت لحرصهم وقلة حرص بعض الدعاة على الأوقات. وشفعت مرة لداعية أن يقبله الأستاذ فؤاد سزكين طالباً بمعهده فى فرانكفورت: معهد تاريخ العلوم الإسلامية، فاشترط الأستاذ سزكين أن يشتغل الطالب ست عشرة ساعة يومياً، فرفض، ثم أرانى الأستاذ سزكين من بعد عدداً من الطلاب اليابانيين فى معهده وقد انكبوا على المخطوطات العربية يدرسونها ويبعثونها إلى الحياة وقد رضوا بهذا الشرط، فتأمل .
ولست بالذى يدعو إلى فرط الجد الذى لا راحة معه، بل أرى التمتع بالمباحات والاصطياف والسياحة والراحة، وأفعل ذلك، ولكنى لا أرى الإسراف فى ذلك كما يسرف إخوانى.
وقد رويت لى رواية وعظتنى: قالوا: كان مدير سكك الحدي فى الزمن القديم فى العراق بريطانيا، فوضع أمامه ملف موظف مرشح للترفيع درجة وظيفية أعلى ليوقع عليه، وفى التقرير المرفق عنه أن من محاسنه أنه لم يطلب إجازة عشر سنوات، فصعق المدير وقال: ما هذا بشر، ويعاقب على ذلك، وأمر بتخفيض درجته الوظيفية أعتقد وجوب راحةالداعية كل موسم والترويح عن عائلته، ولكن الشىء إذا خرج عن حده المعتدل صار ضرراً.
بل أنا أرى أن من تمام صانع الحياة لنفنسه أن يكون كالغربيين فى ممارسة أنواع الرياضة والتسلية، من المشي ولعب الكرة وركوب الزوارق، بل والطائرات الشراعية والبالونات إن استطاع وكان ميسوراً، وأن يصيد السمك ويتجول فى الغابات، لأن هذه الممارسة تزيده نشاطاً وقوة بدنية ونفسية، وترفع معنويته وتنسيه همومه، لا كمل المجالس المكررة التى تقتل النفس وتولد الضجر .
وغايتى أن أقول: إن عنايتنا بأمرنا الدعوى ضعيفة، ولابد من إتعاب النفس فى ذلك، ولابد من بذل المزيد، ووضع حد لتمنيات الزوجات .
وقد كنت فى الأيام الخوالى ألاطف إخوانى فأفتش على أحذيتهم! .
ليس على نظافتها وصبغها ورونقها، كالتفتيش العسكرى، بل على استهلاكها وتقطعها والغبار الذى عليها، وأقلبها فأرى النعل، فمن كان أسفل حذائه متهرئاً تالفاً فهو الناجح، وأقول له: شاهدك معك: حذاؤك يشهد لك أنك تعمل وتغدو فى مصالح الدعوة وتروح، وتطبق قاعدة : (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قول اتبعوا المرسلين)، وبكثرة حركتك تلف حذاؤك، فأنت المجتاز المرضى عندى.
قال (صباح): قد والله بعد عشرين سنة يأخذنى تأنيب الضمير كلما رأيت حذائى لا غبار عليه، وأتذكر ذاك التفتيش!
فاختر لنفسك أخى أن تكون صباحاً، أو أن تنام حتى الضحى، ولكن يلزمك أن تعرف أن علامة التوفيق: الكد والتعب والسهر، ولذة الأحرار إنما يفجرها البذل، ولو عرف المتجنبن المنعزل ما يغمر المتلف لنفسه فى الله من نشوة وفرح غامر لزاحمه وسابقه ونافسه، ولكن فاقد الشىء لا يعطيه، وقد يحرم المرء نفسه اللذائذ جهلاً أو إذا اختل عنده الميزان وكان حسابه غلطاً ..