ومع ذلك تبقى الموعِِظة لصناع الحياة واجبة، فإن الشيطان قريب من ابن آدم ويجرى منه مجرى الدم، وقد يزين للبعض ويجعله يكثر أن يقول: أنا، أنا. ويقول: من السواد الأعظم؟ بل الخطط أنا وضعتها، والأعمال أنا نفذتها، والآراء انطلقت من قريحتى، والبلاغة سالت من لسانى، وأنا صنعت الحياة، ويشهد لى محمد أحمد الراشد!
بل أنا برئ من هذا المدعى، ولا أشهد له، وإنما أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأشهد أنه بفضل الله صال وجال، وهو الفقير الضعيف، ثم بفضل الدعاة وأموال الدعوة ودعاية الدعوة، ولولا أن الدعاة زاملوه لاستوحش الطريق، وكل طبقات الدعاة لهم عليه فضل حتى الأمى منهم، بدعائهم له.
ومن أصل الإيمان أن يعتقد المرء: أن محبة العباد له واجتماع القلوب حوله لا يؤسسهما عمله هو ولسانه وبيانه، وإنما ذلك محض هبة من الله تعالى وتفضل، يهب لمن يشاء قبولاً بين الناس، ويخفض أمر وسمعة من يشاء، بحسب ما فى القلوب من نية وبذور خيرية أو فضولية، كما فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم حين قال : (إن الله تعالى إذا أحب عبداً أمر ملائكته أن ينادوا فى الناس أنى قد أحببت فلاناً فأحبوه، فما يصبح أحد أو يمسى إلا وهو يحب ذلك العبد، وإن الله إذا أبغض عبداً أمر ملائكته أن ينادوا فى الناس أنى قد أبغضت فلاناً فابغضوه، فما يصبح أحد أو يمسى إلا وهو يبغض ذلك العبد.)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام .
والمفروض أن يتعظ كل داعية بهذه الحقيقة، وأن يصلح ما بينه وبين الجماعة ليصلح أمره مع الله، لينال المكانة بين الناس، كما أن فى هذه الحقيقة كل التطمين للدعاة أن لا يخافوا من مشاكس يتحدى، وأن لا يحسبوا طويل حساب لمنخزل ينافس ويدعو لنفسه ويخذل فإنه غير واصل إلى نتيجة بإذن الله، وسيبذل الجهد كل الجهد ويستعمل كل طاقاته وأوقاته وأمواله ثم يؤول إلى لا شىء، لافتقاده الملائكة الذين ينادون فى الناس بحبه .
ونصيحة أقولها للقيادات : إن غرور بعض الدعاة إذ هم يصنعون الحياة وإذ هم يرون أنفسهم فى مكان الوجاهة يجب أن لا يمنعنا من المضى فى هذه الخطة، لأن عملية صعود سلم التطور الحضارى والدعوى كفيلة بالغربلة، وسيأتى جيل أفقه منهم وأركز وأنضج وأوفى للجماعة وأعمق شكراً لله، ويكطون هؤلاء قد أدوا دورهم القدرى الذى كتبه الله عليهم، فإن فى أصل سنة الحياة أن ندفع ضريبة التطور على شكل نفر يتساقطون، وهؤلاء هم الضريبة، وسيأتى الله بعدهم بقوم أعلم منهم وأظهر تواضحاً وأحرص على أجر اللبث فى الصفوف الدعوية.