بداية الموضوع..
كانت البداية محاضرة ألقيتها في الخرطوم.. بمناسبة تأسيس الاتحاد الإسلامي العالمي للمرأة المسلمة.. وعندما رجعت إلى مختلف المراجع المتوفرة التي تحدثت عن المرأة المسلمة.. شخصيتها ودورها في البناء الحضاري..أذهلتني المفاجأة.. فقد كانت أدبياتنا في الموضوع محدودة للغاية.. بل ومتزمتة أكثر من اللازم..
وفي زياراتي الكثيرة إلى جهات الأرض الأربعة.. وجدت عند المرأة المسلمة تحفزا ورغبة في الالتزام، والعمل الدعوي، والتضحية بالوقت والمال في سبيل الله.. تعادل ما عند الرجل وتفوقه أحيانا.
فأين الخلل إذن..؟
· يكمن الخلل في بعدنا عن الفهم السليم المبني على المصادر الإسلامية الأصيلة المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.. وكم في ثنايا الكتب الأخرى من اجتهادات تجاوزت أحيانا الصحيح وتمسكت بالضعيف للوصول إلى آراء تناسب الكاتب في مرحلة محدودة أو بيئة معينة. حتى وصل الأمر في هذه القضية وغيرها إلى تفريط أو إفراط.
· ويكمن الخلل في أعراف تحكمت بالعقول.. خلال فترة طويلة من الجمود.. توقفت فيها الأمة عن الحركة.. وتوقفت فيها العقول عن الإبداع.. وجدير بنا جميعا وقد بدأت عجلة العمل الإسلامي بالدوران.. أن تتفتق العقول عن فكر صحيح يحكم مسيرة المرأة المسلمة السائرة في موكب الدعوة.
· ويكمن الخلل في نظرة الكثيرين (من إسلاميين وغيرهم) إلى المرأة باعتبارها كائنا جنسيا ينفتح على الحياة من موقع الانفعال الجنسي في طبيعته الغريزية وفي نتائجه التناسلية، وبذلك يختصرون حياتها في هذه الدائرة.. وهؤلاء لا ينظرون إلى الرجل هذه النظرة، في الوقت الذي لا نجد فيه فرقا بين الفريقين.
· ويكمن الخلل في أنانية الرجل الذي يحب الراحة والتمتع بمباهج الحياة الدنيا، ويصعب عليه أن يتحمل شيئا من التعب ليترك لزوجته فرصة المشاركة في العمل الإسلامي. إن إصرار الرجل على بقاء زوجه في البيت تسعى على خدمته وخدمة أولاده.. سيحرم المرأة المسلمة من الخروج لتتلقى درسا أو تعطي درسا أو تشارك في عمل يساهم في إصلاح المجتمع أو في بناء مجتمع نسائي إسلامي جديد.
ما هو الحلّ..
· الحل هو تصحيح وضع المرأة المسلمة.. في فهمها.. وتكامل شخصيتها.. وقيامها بدورها. وإذا كان الرجل اليوم هو المتحكم.. فالمطلوب منه أن يتنازل عن تحكمه ويطلق حرية المرأة لتبني المجتمع الحرّ.. فالمجتمعات الحرة لا يبنيها إلا الأحرار.
· وأن ترتفع الاهتمامات.. من الأمور الشكلية إلى الاهتمامات العالية.. ولتتخذ كل أخت مسلمة، صدّيقة هذه الأمة.. أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مثلا وقدوة.. المرأة التي انفردت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة.. كانت شريكته في محنته الطويلة، تقويه بمالها، وتدافع عنه بكل مالديها من قول وفعل. خاضت معه آلام الكفاح صابرة محتسبة راضية، لاينبض عندها عرق بلين أو تخوف. بصدرها الرحب كانت تستقبل العواصف.. كانت مع القلائل الذين صنعوا التاريخ..
وكذلك نحتاج اليوم أخوات مسلمات يصنعن مع إخوانهن الدعاة التاريخ الإسلامي من جديد.. فقد طال عهد التخلف.
· نحتاج إلى أخوات مسلمات يتمثلن دور أسماء وهي تشارك في ترتيبات الهجرة.. ودور نسيبِِة بنت كعب وهي تحمي النبي يوم أحد بسيفها.. ودور عائشة بنت أبي بكر العالمة الفقيهة السياسية.. ودور نساء الأنصار الذين لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين..
كيف ستُستقبل هذه الأفكار..؟
هذه الأفكار الجريئة الخاصة بالمرأة.. لست أول من طرحها.. فهناك علماء وفقهاء في القديم والحديث قالوا بمثل ما قلناه.. وأنقسم الناس تجاههم إلى فرقاء:
فريق.. يستنكر ذلك أشد الاستنكار.. فالمرأة (عندهم) هي الجوهرة المصون.. المحفوظة في صندوق الحلي.. التي يجرح أناملها الهواء.. لا ترى أحدا ولا يراها أحد..
وفريق.. يمثل الرجال المتحكمين الذين لا يرغبون في التنازل عن جبروتهم.. ويمثل النساء اللواتي ألفن التحكم فتطبعن بطبعه.. وهم كذلك ضدّ أفكار هذا الكتاب.
وفريق آخر.. سيجد نفسه في هذه الأفكار.. يلتقطها وقد طال انتظاره.. وهو من الصنفين الرجال والنساء.. وحسبنا أن هذا الفريق هو المهم في حساباتنا.
والحمد لله رب العالمين
المؤلف
استانبول: 3/9/1418هِ
الموافِق: 1 /1 /1998م
دور المرأة في العمل الإسلامي - فيصل مولوي، ص- 61.