والإسلام هو أول دين وأول نظام في العالم فرضَ العلم على الرجل والمرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة، واطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.
والمرأة مثل الرجل .. لن تستطيع القيام بدورها في المجتمع ما لم تتعلم أمور دينها ودنياها.. ولقد حثّ الإسلام على تعليم الفتاة وتربيتِها.. عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) .
وعن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله) .
وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نساء الأنصار: لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين .
وقد ثبت أن الشفّاء بنت عبد الله المهاجرة القرشية العدوية علّمت حفصة بنت عمر أم المؤمنين الكتابة، بإقرار النبي إياها على ذلك.
وكما نبغ في الحياة العلمية رجال.. نبغت نساء.. قال الحافظ الذهبي: لم يؤثر عن امرأة أنها كذبت في حديث . وقال الشوكاني: (لم ينقل عن أحد من العلماء بأنه رد خبر امرأة لكونها امرأة. فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول من امرأة واحدة من الصحابة .
كان الناس يرون علم عائشة رضي الله عنها (وهي خريجة مدرسة النبوة) قد بلغ ذروة الإحاطِة والنضج في كِل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه، وكانت في المدينة مع الفقهاء الكبار كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وابن عباس في مقام الأستاذ من تلاميذه. كتب عنها الذهبي في كتابه (سير النبلاء) فقال: لو جمع علم الناس كلهم وأمهات المؤمنين لكانت عائشة أوسعهم علما..
يسألون: لماذا تخلف المجتمع الإسلامي؟
قد تكثر الإجابات.. والأهم فيها جميعا هو يوم تخلف العقل المسلم.. وما لم يعاد تشكيل هذا العقل فيستقيم مع الشريعة والحياة فلا أمل في تجاوز هذه المرحلة.
إن نظرة إلى واقع المرأة في عهد الرسالة.. كيف اقتحمت المسجد تنهل من منبع العلم.. وعندما لم تكتف.. طالبت بحلقات خاصة مع رسول الله تستزيد من علمه.. وتفاعلت مع هذا العلم.. وحولته إلى سلوك مثالي ميداني.. وإلى تربية رائعة ترضعها للأبناء.. وإلى مسيرة مباركة في كل ميادين الحياة.. لم تسأل المرأة (يومذاك) عن دورها في العمل السياسي.. أو الاجتماعي.. أو الاقتصادي.. فقد كانت تمارسه والهدي النبوي يشجعها ويأخذ بيدها..
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة أم المؤمنين لم تبلغ التاسعة عشرة من عمرها.. ومع ذلك فقد ملأت أرجاء الأرض علما، ففي رواية الحديث كانت نسيج وحدها ولم يكن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من كان أروى منها، وقد روى لها عشرة ومائة وألفا حديث أخرجها كلها بقي بن مخلد الأندلسي في مسنده المصنف بالأسانيد المتصلة إليها..
قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه خبر، وهي من المفتيات. قال ابن حزم: يمكن أن يجمع من فتياها سفر ضخم، وكانت من المفسرات أيضا قال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن من عائشة. وكانت من أنفذ الناس رأيا في أصول الدين ودقائق الكتاب المبين، وكانت من العارفات بالطب والسياسة والرواية والتاريخ والأنساب، كما كانت رضي الله عنها تجيد القراءة.
ومن العالمات المجتهدات والمفتيات: أم سلمة، وحفصة، وأم حبيبة، وجويرية، وميمونة، أمهات المؤمنين، وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وزينب بنت أبي سلمة ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو رافع: إنها أفقه امرأة في المدينة، وليلى بنت قائف، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك بنت ثويب، وأم الدرداء الكبرى، وعاتكة بنت يزيد، وسهلة بنت سهيل، وفاطمة بنت قيس، وأم سليم، وأم أيمن.
وقد عقد، محمد بن سعد جزءاً من كتاب الطبقات الكبرى لروايات الحديث عن النساء أتى فيه على نيف وسبعمائة امرأة روين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الثقات من أصحابه وروى عنهن أعلام الدين، وأئمة المسلمين.
أما واقع المرأة في القرون الأخيرة.. فقد كان مزريا.. ودورها هامشيا.. حاصروها وجهّلوها.. وزعموا انه لا يجوز للمرأة أن تدخل دور العلم.. وواجب تثقيفها يقع على أبيها أو زوجها.. وإذا كان الأب أو الزوج جاهلا.. فقد حرمت المرأة من نور العلم.. ومن فقه الحياة.
(واغتنمت المدارس الأجنبية الفرصة.. فقد رأوا الميدان مفتوحا لا مقاومة فيه، ولا شاغل يملؤه، فعبئوا كل جهودهم كي ينفذوا إلى صميم بنيان الأمة عن طريق التأثير في المرأة صانعة الأجيال، حتى قال المستشرق جب: إن مدارس البنات هي بؤبؤ عيني) .