الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

تقديم ومقدمات

تقديم بقلم الأستاذ محمد عبد الحكيم خيال

إهداء

إلى كل الإخوة الذين أمطرتهم الدعوة كالغيث في أنحاء العالم – التواق إلى دعوة الحق والقوة والحرية – أقدم مواقف في الدعوة والتربية للإمام حسن البنا، نموذجاً للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، التي ندبنا إليها ربنا عز وجل وسلك بها رسولنا صلى الله عليه وسلم طريقه ففتح بها قلوباً غلفاً وأعيناً عمياً وآذاناً صماً، فاستجابت وأنابت وأشرقت بالهدى والنور.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}

صدق الله العظيم

هذا الكتاب

تقديم بقلم: الأستاذ محمد عبد الحكيم خيال

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.

{يا أيها الناس اتقوا ربكم، الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً}.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.

 

أما بعد:

فبلغت المأساة الإسلامية ذروتها منذ أوائل القرن الهجري الماضي...

فالعالم الإسلامي في هذه المرحلة من تطوره قد فقد فعاليته الدافعة التي منحته الحياة وبعثت فيه القوة والحركة، فسجل بذلك نهاية دور، والإنسان المسلم انتهت حاله إلى تفتت روحى وتوقف عقلى وعجز فاضح عن متابعة حركة الحياة والنهوض برسالته..

 

فكيف كان العمل؟

إن المحاولات التي برزت في هذه المرحلة لتنظيم الجماهير المسلمة وبعثها من مرقدها كثيرة متعددة، وتنوعت بتنوع المصادر التي صدرت عنها، وأهم هذه المحاولات اثنتان تظهران كقطبين متعارضين.

-                المحاولات العلمانية، وهي التي تتمثل في الأحزاب السياسية والتشكيلات القومية.

-                والمحاولات الإسلامية، وهي التي تتمثل في دعوات الإصلاح الإسلامي.

·              أما المحاولات العلمانية، فهي التي كتب لها أن تنتصر، ولكنها فاقدة لجذورها العميقة في شخصية المسلم، كما أن انتصارها هذا جاء قلقاً ومضطرباً حيث ظل الوجدان العميق للمسلم العادي بعيداً كل البعد عن مفهوم العلمانية الوافد، ويرجع الانتصار السياسي لهذه الحركات إلى التيار العنيف الذي أوجدته الدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة المدعوم من السلطات الاستعمارية في الأوطان الإسلامية، يضاف إلى هذا أن صلة أصحاب هذه المحاولات بالدين ليست وثيقة قوية حتى تكون لديهم القدرة على إدراك حقيقة المنهج الإسلامي وطريقة عمله وأهدافه في الحياة، وذلك بحكم تربيتهم في لندن أو باريس أو مدارس وكليات الإرساليات التبشيرية.

ويكفي هذه المحاولات خزياً أنها تجهد في جعل المسلم عميلاً دون أصالة، ومقلداً لحضارة أجنبية، هي الحضارة الغربية المتمردة على الدين وعلى القيم الإنسانية العليا.

·              وأما المحاولات الإسلامية، فهي تلك التي تفاوت حظها من الجرأة في العمل والسعة في الانتشار وموافقة الظروف الخارجية لها، ولكنها عكست حقيقة الوجدان العميق عند المسلم، وإن لم تصب في انطلاقها من المسالك والأساليب والخطط التنظيمية ما يكفل تحقيق أهدافها.

لقد ظهرت أولى هذه المحاولات مع ابن عبد الوهاب، ومن بعده بقرن من الزمان جاء الأفغاني بثقافة افتتحت عهد الإنسان الواعي في العالم الإسلامي الحديث واجتذبت إليها فريقاً من الشبان المثقفين في استانبول والقاهرة وطهران تحولوا بدورهم أركانا للحركة الإصلاحية الحديثة.

وفي غفلة من التاريخ وجد جمال الدين نفسه شاهداً وقاضياً في مجتمعات كمل انحلالها بينما كان الاستعمار يرسي قواعده في أرضها، وهو الحادث الذي بعث في ضميره إرادة الثورة والحرب الشعواء ضد المؤسسات البالية والآراء الميتة، فقامت خطته على تحقيق هدف هو تحطيم السلطات القائمة ليرفع قواعد سياسة جديدة للعالم الإسلامي مرتكزة على الدعوة إلى الجامعة الإسلامية التي صدعتها الأهواء والخلافات وهدمتها العهود الاستعمارية بصورة نهائية حاسمة.

كان جمال الدين مدركاً لعفن بيئته وتخلفها، وظن أنه قادر على محو هذا التعفن وإزالته بمجرد القضاء على الأطر السياسية لهذه البيئة دون أن يكرس جزءاً من وقته في دراسة العوامل الداخلية للبيئة الإسلامية، الأمر الذي لم يجعل تركيبه السياسي الجديد موجهاً نحو الرجل الفرد موضوع الإصلاح، بل نحو الجماهير والمؤسسات السياسية القائمة.

وهكذا لم تتناول حركة هذا السيد – رغم ثوريتها – الإنسان الفرد في أخلاقه الشخصية وخصائصه النفسية التي تجيء في مقدمة المنهج الرباني، فظلت قضية الإصلاح فاقدة لمنطلقها الأول.

وجاء شيوخ المدرسة الإصلاحية من بعد جمال الدين، وعرفوا أن تنفيذ الإصلاح مرتبط بإصلاح الفرد أولاً مستندين إلى قول الله تبارك وتعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11.]

في هذه الآية التي أصبحت شعار المدرسة الجديدة تكمن حقيقة المسألة الاجتماعية التي نجد منطلقها الأساسي في نفس الفرد. كيف تتطور هذه النفس وتتغير؟ هنا رأى شيوخ هذه المدرسة أن إعادة صياغة "علم التوحيد" ضرورة لازمة.

وعلم التوحيد كما يعرضه الكلاميون لا يتناول في الحقيقة مسألة النفس إلا في جوانبها الفكرية. لقد ظل المسلم مؤمنا – حتى في عصور التخلف – ولكن إيمانه كان قد فقد قيمته وخسر إشعاعه الاجتماعي، ومرد ذلك إلى أن هذا الإيمان قد أصبح انطوائيا فردياً، إنه إيمان فرد منفصل عن بيئته الاجتماعية.

والمسألة ليست فحسب في إعادة صياغة العقيدة وتصفيتها، بل هي في تزويدها بقيمتها الايجابية السابقة، وإبراز حقيقة الألوهية في وعي الفرد الإيجابي وملء نفسه بها كمصدر للطاقة أكثر منها إثباتاً أو نفياً لرأى فرق كالمعتزلة أو الأشاعرة في الذات والصفات.

إن تغيير النفس وتطويرها هو في جعلها تتفوق على ذاتها وتستعلي بإيمانها، وهذا أمر عسير ليس في مقدور "علم التوحيد" – بمنهجه التقليدي – أن يقوم بأعبائه، وليس في وسع شيوخ الطرق حيث عجزت الصوفية عن تزويد النهضة الإسلامية الحديثة بقاعدة ضرورية للعمل الإصلاحي.. إنه مهمة علم إحياء الربانية الذي يستهدف تحويل القلب وتحويل الفرد وتحويل جموع الجماهير المسلمة التي يجب أن تزود بنابض داخلي، وهي جموع متعطشة إلى التطلع نحو الأعالي لتتغلب على جمودها الشخصي لتستأنف رسالتها.

وعلم التوحيد بمنهجه الكلامي يوقظ الفكر الخامد ويبعث اليقظة في الحركة العقلية، ولكنه في الوقت نفسه يحصر المسألة الإسلامية ولا ينطلق بها في آفاقها الرحبة الفسيحة، فالحقيقة التي يُطرح الإسلام من خلالها كنهج حياة ونظام اجتماعي ليست من مسائل المتكلمين.

ولئن لم يضع شيوخ المدرسة الإصلاحية المسألة وضعاً صحيحاً في الوعي الإسلامي، فقد حملوها إلى الميدان الفكري، ميدان العقل.. لقد كان للعمل الإصلاحي في هذ الميدان صدى بعيد الأثر تشهد عليه النهضة الفكرية التي ظهرت من بعد في مصر وانتشرت في مختلف بقاع العالم الإسلامي.

·              العوامل الخارجية ودورها في إحباط المحاولات الإسلامية:

لا نقول إن الاستعمار هو السبب الأول في أزمة العالم الإسلامي، فالأزمة كانت قد بدأت هناك في نفوس المسلمين قبل أن يدهم المستعمر ديارهم، ولكن لا يمكن إغفال الدور القذر للسلطات الاستعمارية في تغذية عناصر الرجعية والتخلف ودفع المال سخياً إلى كل من يساعدها على تجميد الوجود الإسلامي وعرقلة حركة البعث ووضع الأشواك في طريق الأحرار من الدعاة.

لقد كبَّلت السلطات الاستعمارية كل محاولة جادة لإحياء الشعوب الإسلامية وفرضت القيود على حرية العمل، لأنها تعرف جيداً بأن الدين ما يزال هو الملجأ الوحيد بأن والوسيلة المثلى لبعث القوة الأخلاقية لشعب مسلم خسر في أزمته التاريخية كل حافز أخلاقي، وإذا كان هناك شيء ينبض في النفس المسلمة.. شيء يجعلها جديرة بالتغير والتفوق على نفسها، فهو الإسلام. لذلك تكرس الإدارة الاستعمارية كل همها على مهاجمة قوة البعث هذه من كل مكان. فأصبح الإسلام هدفاً لكل القيود وموضوعاً لكل مراقبة، إن تأسيس مقهى أو افتتاح ملهى أو ناد للقمار والسكر أسهل إلى حد بعيد من افتتاح معهد أو مكتب لتحفيظ القرآن، يضاف إلى هذا أن التعيينات في وظائف المفتين والدعاة وأئمة المساجد لم تكن موضع رضا الشعب المسلم، بل كانت متفقة مع مصالح الاستعمار، فبهذه الأجهزة تمسك الإدارة الاستعمارية بزمام الوسائل العليا للإفساد والتخريب، فلا يختار الشيخ الذي يؤم الناس في المسجد بسبب من تقواه وكفاءاته العلمية، بل لما يعود على الإدارة الاستعمارية من منافع يؤديها هذا الشيخ بتحذير الناس وحصر العبادة في طقوس جوفاء لا تحرر نفساً ولا تطلق روحاً.

لقد كان تحويل دور الوعظ والفتيا وإمامة الصلاة والدين إلى وظيفة ذات راتب شهري تابعة لإدارة من إدارات الدولة، بعد أن كان هذا الدور محرراً لا تطوله يد الطغاة.. لقد كان هذا من أكبر جرائم الإدارة الاستعمارية في حق الشعوب المسلمة، لقد أثقل ضمير المؤمن عندما وجد نفسه في لحظة أمام فئة من العلماء الرسميين شكلت طابوراً لإحباط المحاولات المخلصة والجهود المتفانية في حركة البعث.

وهكذا وضعت الإدارة الاستعمارية الصخور والعقبات في طريق النهضة الإسلامية، في حين مهدت الطريق أمام تيارات الإلحاد، فدخلت على ثقافتنا أشكال متعددة من الإلحاد الخفي والظاهر:

ففي مناهجنا العلمية حاشية من الإلحاد...

وفي تنظيمنا الاجتماعي سحابات من الإلحاد والانحلال..

وفي الفسلفات المتخصصة أصول الإلحاد..

وفي الفن والأدب دعوة إلى الإباحية والإلحاد...

وفي القانون والتشريع حماية للمجون والإلحاد...

وفي أساليب التربية نزوع إلى الإلحاد...

وفي تدوين التاريخ تمجيد لحركات الزندقة والإلحاد..

وفي تناول البحوث الإسلامية ذاتها تطلعات إلى الإلحاد..

وفي تكييف العلاقة بين الإسلام والأديان الأخرى تورط في الإلحاد..

 

·              حسن البنا مرحلة حاسمة:

في حركة التاريخ الإسلامي:

وهبت المدرسة الإصلاحية النفس المسلمة بعضاً من الحركة والطموح، ومع هذا فقد بقيت هذه الحركة قاحلة لافتقارها إلى التنظيم والتخطيط في إطار مبادئ واضحة لعمل منتج فعال، لقد ظهر بها حافز إلى النهضة ولكنه فاقد للتوجيه المنهجي المنظم، فيكاد المراقب يحس أن قوى مجمدة قد حررت دون أن يعين لها مجال حيوى أو دور خاص تقوم به...

في هذه المرحلة ومنذ اختفاء آخر كبار رواد المدرسة الإصلاحية وممثليها، وحيث كان العمل الجماعي غائباً عن الساحة الإسلامية وهو شرط جوهري في تحقيق أهداف الإسلام التي لا تنهض بها جهود فرد.. في هذه المرحلة وحيث كان العمل الإسلام مفتقراً إلى جماعة تقوم به في إطار أهداف واضحة ومنهاج محدد الخطوات، برز الإخوان المسلمون في أعقاب إعلان أتاتورك عن سقوط دولة الخلافة رسمياً، فبدأت الدعوة الإسلامية تستأنف بهم حركتها التاريخية بشروطها المنهجية الشاملة.

في هذا الوقت ظهرت حركة "الإخوان المسلمون"، التي تتميز أساسا بالعمل على التآخي الذي يوحي به اسمها، فلم تؤسس أول جماعة إسلامية على عاطفية مجردة، بل على عمل أخوي جوهري بين المهاجرين والأنصار. إن هذا التعاهد نفسه اليوم هوالذي يوحد "الإخوان المسلمون".

ليس مرشد هذه الحركة وقائدها "حسن البنا" فيلسوفاً أو صاحب دعوة جدلية كلامية أو شيخ طريقة صوفية، فقد اقتصر على أن يعيش الحقيقة الإسلامية متحررة من أغطيتها التاريخية، ومبدؤه الأول هو القرآن، ولكنه قرآن متصل بالحياة، فلم تكن الآية القرآنية عنده مادة تعليمية فحسب أو مجرد مصدر للموازين من كل نوع: حججاً لمهاجمة الخصوم، وعللاً لشجب بعض البدع غير المتآلفة مع سنن الإسلام، ومصدراً لقوانين أدبية يقتضيها علم البلاغة أو الفصاحة في العربية!!.. ذلك أن الآية القرآنية في هذا الإطار لا تلمس ضمير المسلم أو طبيعته بطريقة مباشرة، كما لا تلمس جميع حوافز حياته والوجوه الأساسية لتفكيره وسلوكه.

بهذا أراد "حسن البنا" أن يبقي لفعالية القرآن الإجتماعية أثرها الناجع، لأنه يجب أن يوضع في قاعدة النهضة الإسلامية، التي يعتمد منهجها على تجديد الذات وتغيير النفس الجوهر الحقيقي للنهضة، وهو الذي لا يقتصر على الحقل الذهني.

لقد تجددت القيمة القرآنية نفسها بحركة الإخوان المسلمون، فأصبحت قيمة حية ووسيلة عملية لتحويل الإنسان.. لقد اعترف دعاة وعلماء ومثقفون بثقافة إسلامية أتاحت لهم ظروف حياتهم أن يكونوا قريبين من "حسن البنا" مجمعين بما له من سلطان فريد أصبحت به الآية القرآنية ذات حافز حي يملي على الفرد سلوكه الجديد ويدفعه إلى العمل بقوة لا تقاوم.

إن هذا الأستاذ الذي يُدرّöس في الصفوف الابتدائية، كنت تراه متنقلاً في طول مصر وعرضها بين المساجد، وفي المقاهي وساحات الأسواق، فالمصلح عنده يجب أن يكون أبداً في المكان الذي يكون ممثلاً لفكرته، في كل مكان تبرز فيه نقائص المجتمع التي يستهدف تقويمها.. كان حسن البنا ينتهز كل مناسبة ليذكر المؤمنين بما غفلوا عنه من تعاليم القرآن بطريقة خاصة، إنه لم يكن يفسر الآيات تفسير الاصطلاحي المطول، فميدان التفسير الإصطلاحي هو الكشف عن الحقائق اللغوية والكلامية والفلسفية والتاريخية، إنه حقل علمي لا يتصل بالواقع ولا يلامس النفس الإنسانية إلا في الميدان الثقافي البحت، وهي صلة نظرية بين الحياة والعلم، وهذا في منهجه لا يكفي لتغيير ما بالنفس أو ليكون مولداً لتحول اجتماعي جذري...

فالتكافل الإسلامي – مثلاً – في مناهج الدعوات السابقة على حسن البنا يقوم على مفهوم الأخوة النظري المجرد، بينما يتحول عند هذا الإمام إلى عملية "تآخٍ" فعّال، وهي عمل جوهري به يصير الإنسان "أخاً مسلماً".. إن هذا العمل الذي نراه بسيطاً في الواقع تحول تام في الإنسان ينتقل به من حال إلى حال، كما كان ينتقل من قبل بالعمل نفسه من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع المسلم. ولتحقيق هذا التحول في الفرد يتوسل مرشد الإخوان المسلمون الأول بالآية القرآنية ولكنه يستعملها في الشروط النفسية ذاتها التي كان يستعملها فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من قبل. السر كله هنا هو في استعمال الآية كوحي موحى لا كنص مكتوب.

فإذا كان حسن البنا يهز سامعيه ويثيرهم، فلأنه لا يفسر القرآن بل يبعثه في الضمائر التي يهزها هزاً عميقاً، والقرآن لم يكن على شفتيه وثيقة باردة أو قانوناً مكتوباً، ولكنه انبثاق الكلام الإلهي الحي، ونور يأتي مباشرة من السماء ينير الطريق ويقود إلى الحق، ومنبع للطاقة يمنح الإرادة قوة وثباتاً، حيث يتجلى الله سبحانه بعظمته البالغة، إنه الإله الفاعل الذي كان يشعر المسلمون الأوائل بوجوده في بدر والخندق.. هنا تبدو الحقيقة القرآنية في صورة مباشرة بوقعها في الضمائر وفعاليتها في الناس، والمفهوم النظري المجرد يصبح قيمة حية نابضة ملموسة في أعمالهم، إنه التركيب الحي للفكر والعمل اللذين يتداخلان مندمجين في تطور مجتمع يعي ما يعمل ويعمل بما يعيه.

إن دعوة حسن النبا هي تجربة لا تستوحي حرفية القرآن، بل تغرف من مصدر الوحي نفسه.. إنها تجربة يصبح نتاجها شديد الحساسية تحت شكل "الحقيقة الفاعلة" في كل ميادين الحياة، وهي قي قاعدة هذه الحياة تحول نفسية الفرد. إن الشاب المصري الذي كانت تحترق وطنيته قد أدرك أن الطريق الوحيد للوصول إلى حقوقه وكل أهدافه هي طريق الواجب والبذل والتضحية والجهاد في سبيل الله، واكتشف إمكانياته وسلطانه على النفوس والأشياء منذ انطلق في طريق الإسلام.. لقد أصبح القطب الذي يلمس نداؤه القلوب، فيقود رجالاً آخرين ويحولهم ليصبحوا هم بدورهم إخواناً جدداً.

وتحرك المحرك العملاق ثم بعث الحركة في حياة البلاد كلها مؤسساً بيوتاً مالية لتوجيه رأس المال، وصحافة إسلامية قوية لتوجيه الثقافة والرأي العام، وصناعة لفتح أبواب العمل وتوجيهه. وجمعت الأموال ثم وظفت بواسطة "الإخوان المسلمون" الذين بنوا القاعدتين الضروريتين لحياة الفرد: القاعدة الروحية والقاعدة المادية.

إن دعوة حسن البنا تبرز في التاريخ الإسلامي الحديث كتجربة إيجابية ترفع قواعد الجسر الذي يخترق التاريخ فيما وراء ركام السنين حتى ينابيع الروح الإسلامية ومن فوق مواطن الشلل والعجز المضيع، إنها تمثل المحاولة الرائدة لإعادة بناء المجتمع المسلم مستلهمة خطة بانيه الأول صلى الله عليه وسلم.

لقد استلهم حسن البنا روح النبي عليه السلام واستضاء بور هديه فكان في شخصه ترجمة حية لبمادئ الإسلام وقيمته التي عبر عنها بالمواقف على صعيد القضايا التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا ما جعل "الإخوان المسلمون" يأخذون زمام المبادرة بالمواقف التي اتصلت بقضايا الأمة المصيرية من خلال المنهج الإسلامي، فاستطاعوا استقطاب الجماهير المسلمة، التي لم تكن لتواكب مسيرات الأدعياء، ذلك أن قضايا العدالة ورفع الظلم ومجاهدة أعداء الله وتحرر الإنسان والتصدي للطغاة والظالمين في الداخل واليهودية والصليبية والاستعمار في الخارج يحتاج إلى رجال لسان حالهم أوقع من لسان مقالهم يدركون الفرق بين الدعوة بالنظرية والدعوة بالمواقف، والفرق بين من يجاهد ويضحي وبين من يتحدث عن الجهاد والتضحية، أو بين من يصبر ومن يتحدث عن الصبر.

 

·              هذا الكتاب:

ويجيء هذا الكتاب ليضع بين أيدينا مواقف حسن البنا كما عاشها مؤلفه الكريم وتفاعل معها وتغير بها وأدرك سر وجوده، وكما عشت معها في أصول هذا الكتاب.

لقد عشت مع هذا الإمام الجليل وهو يرسي دعائم الربانية الخالصة في زيارته لمدينة رشيد وهو يطلب إنزال صورته من منصة السرادق.. عشت معه وهو يدعو ويربي على التوكل على الله والجهاد ويعمل على إعداد الرجال المتوكلين المجاهدين.. عشت تغمرني مشاعره الرقيقة وعواطفه الجياشة.. ولمسته داعية إلى الله على بصيرة وأنا أقرأ مواقف بُعْد النظر.. وسرى في قلبي روح الحياة وأنا أستطلع معالم حركته وهو يحيي القلوب ويوقظ الضمائر بالقرآن..

لقد عشت مع إمامنا الشهيد وهو ينمي الوعي العقائدي ويوثقه في نفوس الإخوان.. عشت معه وهو يشرح مراحل دعوته.. وهو يخطط لمؤتمراته ولقاءاته ويضع لها كل ضمانات النجاح.. وهو يجاهد من أجل إقامة حكم الإسلام.. وهو يحول المواقف لصالح دعوته.. وهو يوضح موقفه من التصوف.. وهو يعمل على إحياء السنة ويدعم منهج السلف.. وهويضبط حركة الشباب ويدخرها ليوم الفصل.. وهو يدعو إلى إقامة الجامعة الإسلامية ويقيم علاقات مع الهيئات الإسلامية الأخرى على قواعد المودة والمحبة والتآخي.. وهو يرسي قواعد الإعلام الإسلامي.. وهو يعمل للنهوض بالمرأة المسلمة ويضع لها المناهج التي ترفع من شأنها..

لقد عشت معه وهو يصد عن بسطاء المسلمين غارات التنصير.. وهو يواجه الاستعمار وسلطانه ودعاة العلمانية والتغريب المتمثلين في رجال الأحزاب السياسية ورجال الفكر والثقافة.. وعشت معه حركته بالقضية الفلسطينية وهو يدفع حياته فداء للمسجد الأقصى.

لقد عشت هذه المواقف الزاخرة وغيرها لإمامنا الشهيد، التي تضمها صفحات هذا الكتاب الكريم.. فتذوقت وتعلمت.. وجزى الله أخي الأكبر الحاج عباس السيسي الذي أمدني بهذا المعين الزاخر، فنهلت منه عبرة وعبرة واكتسبت منه خبرة وخبرة.

والله نسأل أن ينفع به أجيال هذه الدعوة كما نفعني...

إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب...

محمد عبد الحكيم خيال

[1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية 

من المذبحة إلى ساحة الدعوة 

الذوق سلوك الروح 

الطريق إلى القلوب 

الدعوة إلى الله حب، جميع الأجزاء 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca