الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

حسن البنا.. يحول المواقف لصالح الدعوة

اعتقال

كان مساء الخميس من كل أسبوع في الدار القديمة للمركز العام بالحلمية من منتصف عام 1941 موعدا للقاء دائم لفضيلة المرشد مع الطلاب، وكانت محاضرة ذلك اليوم في موضوع "نظرة الإسلام للمرأة".. وفيما فضيلته يتحدث، إذا بجلبة تحدث خارج الصالة، ويتقدم أحد الإخوة بورقة مكتوبة، فيقرأها الأستاذ المرشد، ثم يستأذن معتذراً عن المحاضرة ويخرج.

وبعد فترة من الوقت يعتلي الشيخ عبد المعز عبد الستار المنصة ويتحدث إلينا في حماسة تبنئ أن في الأمر شيئاً، فنتبين بعده أن أمراً عسكرياً قد صدر بنقل الأستاذ المرشد إلى قنا.

لقد حاول الإنجليز أن يغروا الإخوان كما أغروا غيرهم من الهيئات الأخرى، ليسيروا في ركابهم أثناء الحرب ضد المحور.. ودهش الإنجليز، فلم تصادف الامبراطورية مثل هذا أبداً، فلا الجاه أغرى حسن البنا عندما عرضوا عليه مدرجات الجامعة بدلاً من فصول الابتدائي، ولا المال خلب لبه عندما حاولوا بذله إليه بسخاء.. إذن فليستخدموا أسلوب البطش والتنكيل، والبلاد في هذا الوقت ترزح تحت الحكم العسكري، ودولة الحاكم العسكري هو حسين سري باشا المعروف بولائه لهم، وتم الاتصال بين السفارة البريطانية والباشا الحاكم العسكري ليصدر أمره بحل جماعة الإخوان المسلمون وإغلاق شعبهم! .. ولكن ما الدافع إلى هذا، قالوا: إن رئيسهم عدو لنا ولن نأمن وجوده في حالة الحرب هذه.. إذن أنفيه لكم إلى آخر الدنيا، اطلبوا أي شيء اطلبوا اعتقال قادة الإخوان بل اطلبوا اعتقال الإخوان، ولكن طلب حل جمعية دينية لا أستطيعه! ثم أصدر أمره إلى وزير المعارف وهو الدكتور محمد حسين هيكل آنذاك.. عندك مدرس بمدرسة عباس الابتدائية بالسبتية اسمه حسن البنا مطلوب نقله حالا إلى قنا، وأسرع هيكل إلى الاستجابة والتنفيذ.. وأبلغ حسن البنا بقرار النقل.

فجمع فضيلة المرشد نواب الشُعَبö بالمركز العام في اجتماع عاجل وعرض عليهم أمر النقل، فأجمع الحاضرون على رفض النقل مع تقديم الأستاذ استقالته للتفرغ للدعوة.

ولكي تتفادى الحكومة الوقوع في حرج مع السادة في السفارة البريطانية، أصدرت أمراً عسكرياً بتنفيذ النقل بالقوة، وضحك فضيلة المرشد لما سمع الخبر وقال: "ناس لا يستطيعون الحصول على وظيفة، وناس لا يستطيعون ترك الوظيفة".

وبينما كان الأستاذ بالمركز العام ينتظر ما تسفر عنه الأحداث، إذا به يرى وزير المواصلات يقف بسيارته أمام المركز العام وينزل منها ثم يصعد للقاء المرشد العام على غير ميعاد، وكان القادم إبراهيم دسوقي أباظة سكرتير حزب الأحرار الدستوريين، وبعد أن سلم وجلس بدأ الحديث مباشرة: لعل فضيلة المرشد العام يعجب من قدومي على غير ميعاد أو سابق معرفة وتوفيراً للوقت أقول: لقد علم عبد العزيز باشا فهمي رئيس الحزب بالأمر العسكري الصادر بنقلك بالقوة إلى قنا فكلفني بدعوة عاجلة لمجلس إدارة الحزب فوراً واجتمع المجلس وعرض عبد العزيز باشا الأمر شارحاً أن الحزب لا يمكن أن يشارك في اضطهاد جماعة إسلامية ولا يتحمل هذه المسئولية والسابقة الخطيرة، وقرر انسحاب الحزب من الوزارة واستقالة وزرائه إو إلغاء الأمر العسكري والرجوع عن اضطهاد أي جماعة إسلامية. وفعلا أخذت استقالات الوزراء مع قرار الحزب وذهبت لمقابلة رئيس الوزراء وسلمته الاستقالات.

ودهش رئيس الوزراء وقال: ما هذا يا إبراهيم باشا؟ معنى هذا سقوط الوزارة وأنتم تعلمون معنى هذا جيداً. وكان ردي حاسما، هذا قرار من الحزب بعد دراسته ولا رجوع فيه.

وكيف يلغي الحاكم العسكري أمراً ولم يمض عليه 24 ساعة، أين كرامة الحكومة، ورد إبراهيم باشا هذا قرار نهائي.

وما العمل وكيف الخروج من المأزق. هناك حل واحد هوأن نقنع حسن البنا بتنفيذ أمر النقل وكأنه لا يعلم بالأمر العسكري، وأعد بشرفي أن ينقل ثانية إلى القاهرة بعد شهر. وقال إبراهيم باشا الأمر الآن بين يديك يا فضيلة المرشد إما أن تتمسك برأيك – وهذا حقك – أو ترجع عن استقالتك وتنفذ النقل وتسافر إلى قنا، وأعد بشرفي أنه إذا لم يوف رئيس الوزراء بوعده فلن نسحب الاستقالات.

ويدرس القائد الأمر بسرعة خاطفة ويرد، هذا موقف كريم للأحرار الدستوريين اتخذوه بدون طلب من أحد، بل من واقع إحساسهم، ولم يكن هناك سابق اتصال بالحزب.. الموقف الكريم يقابله موقف كريم يا باشا، هذه حقيبتي أعددتها للاعتقال سأسافر بها إلى قنا وأبلغ تحياتي إلى عبد العزيز باشا وجميع أعضاء مجلس إدارة الحزب[1].

ومما يذكر في هذا الشأن، أن مكتب الإرشاد قد اجتمع وتناول الأمر بالبحث والمناقشة، وتحمس أكثر الأعضاء لعدم تنفيذ الأمر، وبعد أن استفاضت المناقشات أخذ فضيلته الكلمة فقال: إن أمر الاستقالة والإصرار عليها سهل، ولكن أمراً عسكرياً آخر سيصدر باعتقالي وخاصة أن الأحكام العسكرية مفروضة على البلاد والعباد، لذلك أرى أن النقل أيسر الأضرار وأنفع للدعوة من الاعتقال، وهي فرصة أتاحها الله تعالى لنعطي للصعيد حقه في نشر الدعوة وتربية الإخوان، ويؤجر المرء رغم أنفه.. ثم إننا لم نقدم للاستقالة بما يعوضنا عنها حيث جزء كبير من المرتب يدفع لخدمة الدعوة، وبعد الاستقالة فإن الدعوة ستدفع، ولم يحن وقت ذلك بعد.. وشرح الله صدور الإخوان بهذا الرأي.

وحزم الأستاذ المرشد أمتعته وغادر القاهرة في أول قطار إلى قنا.

وفوجئ الإخوان هناك بنقل فضيلته إليهم، ولم يلبث أن شاركهم في نشاطهم بالدار كواحد منهم، واندهش الشباب كيف أنه كان يستقبلهم ويسلم على كل منهم باسمه دون أن يكون قد تعرف والتقى بهم قبل ذلك، فلما سألوه عن ذلك متعجبين، أخبرهم أنه كان حين يوقع على بطاقة الجوالة الخاصة بهم بصفته الرئيس العام للجوالة كان يحفظ الاسم والصورة معاً.

وتسلم الأستاذ عمله بمدرسة قنا الابتدائية، وحين جاءت الأوامر السرية لناظر المدرسة بأن يرهقه بالعمل فيوكل إليه أقصى قدر من الساعات، والمدارس يومها تجري على نظام اليوم الكامل، من السابعة والنصف صباحاً حتى الرابعة بعد الظهر، لم يتململ البنا من هذا، وكل ما هنالك أنه رغب في أن يقوم بتدريس مادة الخط العربي[2]، وسعدت المدرسة برغبته، وسعد بها زملاؤه، فقد كان المدرسون يهربون من هذه المادة، لأنهم يرونها أدنى من غيرها، ولعزوف الطلاب عنها، واعتمادها على الموهبة، وعدم اعتناء المفتشين بها، فأعطوها له شاكرين!

أما البنا نفسه فكان يهدف من وراء هذه الرغبة إلى غايتين، أولاهما: أن الساعات المقررة للخط أسبوعياً ساعتان، ومعنى هذا أنه سوف يدرس لكل تلاميذ المدرسة البالغ عددها 15 فصلاً، سوف يلتقي بكل هؤلاء الصغار، وهم على أبواب الشباب، فيصنع العطوف في هدوء، والحنون في وقار، جعل من حصة الخط شيئاً جميلاً، يقبل عليها الصغار فرحين، فهو يتباسط معهم في القول، ويحدثهم عن كثير من شئونهم، ولا يبعد بهم عن عالمهم، ويسألهم في غير إحراج أن تأنيب: من الذي صلى منهم الصبح فيكافئه ويطريه، ومن الذي يحفظ شيئاً من القرآن فيسمعه منه ويصحح له، فإذا جاءت فسحة وسط النهار تواعد معهم على اللقاء في مصلى المدرسة.

وبعد شهر واحد كان أحب الأساتذة إلى كل تلاميذ المدرسة بلا استثناء!

أما الغاية الثانية فهي أن حصة الخط تنتهي بانقضاء وقتها، فلا تصحيح بعدها، ولا تحضير لها، فيفيد بالقليل الذي تبقى له من اليوم وبقية الليل في الدعوة ونشرها، واكتساب أنصار لها، وفي القراءة والعبادة[3].

.. وكما يقول الأستاذ محمد العدوي، جرت الدماء في العروق وتوافد الناس على الدار "دار الإخوان المسلمون" وازدحمت بهم، وحضر الإخوان من جميع أنحاء الصعيد وهكذا، محاضرات وزيارات ولقاءات وتنظيمات.. لقاء في قنا ومؤتمر في سوهاج وآخر في أسيوط.. وجاءت ذكرى مولد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فلتكن اثنتا عشرة محاضرة تختم بالموكب الكبير.. وفي هذه الظروف دخل بعض الإخوان على الأستاذ والغضب باد عليهم، يقدمون له إعلانات وزع بعضها تعلن عن اثنتي عشرة محاضرة في الكنيسة.. واحدة بواحدة!! وماذا في الأمر ستقومون أنتم بتوزيع الإعلانات وأرفق كل إعلان من إعلانات الإخوان بإعلان من الإعلانات الأخرى، وتنفيذاً لأمر المرشد قام الإخوان بتوزيعها في أنحاء قنا.

-                استدعاء:

وجاءت برقية تلهث في سرعة أن الأستاذ البنا مطلوب لمقابلة رئيس الوزراء حالاً.. وفوراً يسافر الأستاذ إلى القاهرة، ثم إلى ديوان رئاسة الوزراء، ويسأله الرئيس: ما هذا الذي فعلته؟!..

خيراً إن شاء الله!!..

أنت ذاهب إلى قنا لتحريض المسلمين على قتل النصارى؟؟

أنا لم أذهب ولكنهم نقلوني إلى هناك.

أنت نقلت إلى مدرسة قنا الابتدائية للتدريس.

وقد ذهبت فعلاً إليها وقمت بأداء واجبي فيها.

اتفضل!!.. وناوله برقيات كثيرة بأسماء بعض النصارى يطلبون نقل حسن البنا لأن وجوده خطر على حياتهم.

الأمر بسيط يا دولة الباشا، وهمَّ واقفاً.

إلى أين تذهب؟

إلى قنا يا باشا، واطمئن وسيصلك الرد واطمئن فنحن دعاة حب وأصحاب رسالة، وخرج الأستاذ بعد أن طمأن الباشا، وعاد إلى قنا.

وأنهى احتفالات المولد باستعراض بديل في هيئة جديدة بدلاً من الموكب المشهور، جوالة الإخوان وأعيان قنا يسيرون وفي مقدمتهم القائد يرددون نشيداً وضعه الأستاذ، وختم الاحتفال بمؤتمر دعا إليه مطران قنا وأعيان النصارى فيها وقساوستها وأجلسهم بين الإخوان، وكان حفل شاي[4].. وألقى الأستاذ خطابه في قضية الحكم بالشريعة الإسلامية، فقال: مما هو معلوم عن جماعة الإخوان المسلمون، أنهم يدعون ويتصدرون الدعوة إلى الحكم بالقرآن الكريم، وهذه القضية ولا شك تثير بعض الخوف والشكوك عند إخواننا المسيحيين. وأنا أحب أن أجلي هذه القضية بروح المودة وما خفي أو يخفى عن الناس من أمور حتى يتبينوا فيها وجه الحق والصواب، فالناس أعداء ما جهلوا. لا شك أننا مع إخواننا الأقباط نعتبر أنفسنا عرباً، حيث إننا جميعاً نتكلم اللغة العربية ونتعامل بها، ومادمنا عرباً فمن الطبيعي أن نتحمس للتحاكم إلى قانون عربي لا إلى قانون غربي متنوع المصادر فرنسي وبلجيكي وغير ذلك، والقانون العربي الوحيد الجامع الشامل الذي جربناه مسلمين ومسيحيين مئات السنين هو القرآن الكريم..

فإذا اعترض على أن القرآن كتاب المسلمين، فنقول فليكن ذلك اعتقاد المسلمين كدين وليكن قانوناً عادياً عند الأقباط، كما نتحاكم نحن اليوم إلى قانون نابليون.

.. ثم قال: إن الشواهد التاريخية المكررة والتي لا تحتمل الإنكار بحال تشهد بأنه في ظل حكم الشريعة الإسلامية عاش المسلمون والمسيحيون في وئام وسلام ليس له مثيل، وضرب لذلك عدة أمثلة، منها موقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الصلاة في كنيسة القيامة، كما ذكر بعضا من وصيته المشهورة، واستطرد في ضرب الأمثلة الحية من واقع تاريخ الخلفاء.

ثم ختم حديثه فقال: إن الإسلام لا يعرف معنى الديمقراطية التي يحدد مدلولها الناس حسبما تقضي أهواؤهم ومصالحهم، فالإسلام لا يعرف هذه المتغيرات بل هو شريعة العدل التي لا تتغير ولا تتبدل تبعاً للمصالح والأهواء.

وهكذا لم ينته الأستاذ من حديثه إلا وقد شرح الإسلام كدين ونظام وعلاقة المسلمين بغيرهم من أهل الذمة.. وأحكام الإسلام وقوانينه وآدابه في هذا الشأن.

قال النصارى: يا فضيلة المرشد لم نسمع مثل هذا من قبل وقد فهمنا وعلمنا ما لم نكن نعلم، وقبل أن نقوم من مكاننا لنا رجاء، اكتب طلباً إلى رئيس الحكومة لتنفيذ ما تطلبون ونحن نوقع عليه، وقد كان، وأرسل الخطاب إلى رئيس الحكومة.

***

هكذا كان حسن البنا.. قلبا كبيراً يعمره حب الناس، فما من موقف إلا ويحوله لصالح دعوته، وما من شيء حوله إلا ويجعله مصدر خير وبركة.

في قنا كان يشده جمال الطبيعة، ومنظر النيل، وغروب الشمس، ومهابة الجبال، ويرى فيها بديع صنع الله، فما أكثر ما كان يصحب الإخوان هناك في جولات ونزهات إلى غابة قنا، وكانت قد أنشئت في تلك الأيام على حافة المدينة، فوق جزء من الصحراء، وهناك يصلون المغرب، لا يحد بصرهم جدران، ولا يعزلهم عن السماء ستار.

ولم يمض غير شهر ونصف حتى أحست انجلترا المستعمرة بالخطر، ولها في قنا قوات ومخابرات، إذ حولت قنا الهادئة سنة 1940 إلى مدينة صاخبة تضج بالحركة والجند والسلاح والسيارات والمصفحات، جنود من كل جنس ولون، وجاءوا من شتى أطراف الدنيا، من بريطانيا، والهند، ودول إفريقية، واستراليا وأوروبا، وآلاف من العمال المصريين معهم يتلقون أجوراً عالية، ويعملون في مد خطوط السكك الحديدية والكهرباء والماء بين قنا والقصير على البحر الأحمر، فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية قبل ذلك بعام، وعانى الإنجليز هزائم مريرة في شمال مصر على الحدود الليبية، وحصاراً عنيفاً في البحر المتوسط، إذ سيطرت عليه الغواصات الألمانية والإيطالية، فأرادوا أن يتلقوا إمداداتهم عن طريق البحر الأحمر، وهو أكثر أمنا لهم، ويتيح لهم الانسحاب بخسائر أقل في حالة الهزيمة الكاملة.

وجاءت انجلترا بجنودها إلى قنا ومعها كل الأمراض: الجريمة، والسوق السوداء، والسرقات، وأزمة الإسكان، والتضخم، وقلة المواد التموينية، والملاريا.. لم يمض أكثر من شهر ونصف حتى أحست انجلترا بقواتها الاستعمارية والحكومة المصرية التي تتحرك في إطارها، أن حسن البنا في الصعيد أخطر منه في القاهرة، فهو يتحرك في مجال بكر مفتوح، ويلتقي بأناس خلص، لم تفسدهم الحضارة، ولم تعرف الطراوة طريقها إلى قلوبهم أو أبدانهم. فردته إلى القاهرة من جديد.

وقبل أن يرحل البنا من قنا أراد أن يفيد من مكانته، ومن حب الناس له، وتعلقهم به، فتمنى عليهم أن تكون دار الإخوان خاصة بهم وملكا لهم، وليست شقة مستأجرة في عمارة، فانهالت التبرعات من كل طبقات السكان، وبنوها في أفضل مكان من المدينة، وضمت الكثير من المؤسسات العلمية والاجتماعية: قاعة محاضرات، وعيادة، ومكتبة، ومصلى، ونزلا للقادمين من الإخوان، وأصبح أعضاؤها وروادها من خيرة الشباب.

·              اعتقال..

ولم تمض أيام حتى صدر قرار باعتقال الأستاذ المرشد في معتقل الزيتون بالقاهرة، فاعتصم الطلاب في مسجد السلطان الحسن بعد صلاة الجمعة، فاضطرت السلطات أن تفرج عن فضيلته.. وفي المصلى المقام في بدروم المركز العام القديم استقبلناه بكل أشواقنا وعواطفنا الحارة، حيث تحدث إلينا فقال: لقد كانت فترة الاعتقال بمثابة اعتكاف إجباري أو محطة في طريق السفر الطويل راجعت فيها كتاب الله تعالى حفظاً ودراسة وتدبراً، وعرفت واختلطت بأناس آخرين[5].. وجدت فرصة أخلو فيها إلى نفسي أستعرض أحداث الماضي وأفكر في الحاضر بهدوء وروية، وأعتقد أننا لم نخسر شيئاً في أمر قد قدره الله لنا.. فإن ما يحدث لنا من عذاب أواضطهاد، أمر قد تعاهدنا عليه، فلا غرابة فيه ولن يؤثر فيما عقدنا العزم عليه، ولكنه فقط يعطينا المؤشرات ويحذرنا من المطبات ويفتح أعيننا على ما هو آت.. وما حدث لنا لن يوقف حركة الدعوة، ولن يرهب أبناءها الذين اعتقدوا أن أقل ما يطلب في سبيلها هو الدم والمال {والله غالبñ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 21].

ثم استطرد الأستاذ البنا فقال: حين جاء أمر الإفراج عني سألت عن شمول هذا الأمر للأساتذة أحمد السكري وعبد الحكيم عابدين.. ولما علمت أن أمر الإفراج يشملني وحدي رفضت الخروج وتمسكت بذلك ذاكراً قصة الحمام والصياد التي حفظناها من أيام، التي تحكي أن مجموعة من الحمام قد وقعت في شبكة صياد، وتصادف وجود فأر صديق لقائد سرب الحمام، فأراد أن يقرض الشبكة لتخليص قائد الحمام وحده فرفض أن ينجو بنفسه دون زملائه، فقام الفأر بتخليص الجميع.. وهكذا خجلت من نفسي، كيف أخرج وأتراك إخواني؟ ولكن محاولات وتصالات كثيرة بذلت حتى أعطوني وعداً باستصدار قرار الإفراج عنهما.. وخرجت آسفاً لذلك، ولكني أكرر ما قلت لكم من قبل: هذا هو الطريق، وبقي علينا أن نواصل العمل مسترشدين بهذه الأحداث في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة.


[1]  انظر: كتاب "حقائق وأسرار" للأستاذ محمد العدوي – نشر دار الأنصار – القاهرة (ص 20 – ص 25).

[2]  انظر: مقال "حسن البنا كما عرفته للدكتور الطاهر أحمد مكي"، مجلة الدوحة القطرية – عدد 115 يوليو سنة 1985.

[3]  ربما يكون من أسباب إسناد هذه المادة للأستاذ هو أن النقل تم في نهاية العام الدراسي.

[4]  عن كتاب "حقائق وأسرار" للأستاذ محمد العدوي – ص 24-25 (بتصرف).

[5]  كان الأستاذ فتحي رضوان من هؤلاء الذين اختلط بهم الأستاذ البنا في هذا المعتقل.. يذكر الأستاذ فتحي أن الإمام البنا كان قد بدأ في تنظيم دروس لهم من كتاب "إحياء علوم الدين".. فكانت سياحة روحية لم تكتمل بسبب الإفراج عن الأستاذ البنا.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error