الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

الطلائع الأولى للدعوة في الأقطار الشقيقة

الدعوة في بيروت - الشيخ محمد الحامد الحموي - ضيف الحضارة

كان تحرك الإخوان في مصر بالقضية الفلسطينية باعتبارها من أخطر قضايا المسلمين ومناصرتهم للشعب الفلسطيني الشقيق وثورته سنة 1936 بكل ما فيهم من قوة يعد من أبرز العوامل وأهمها في نشر دعوتهم ولفت الأنظار إليهم في الأقطار العربية الشقيقة.

ولكن كانت البداية قبل ذلك سنة 1935، وفقاً لما سجله الإمام البنا في مذكراته حيث يقول:

(كان أول مبعوث "للإخوان المسلمون" في الأقطار الشقيقة: فلسطين وسوريا ولبنان الأخوان الفاضلان: الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي محمد أسعد الحكيم، وقد نشرت المجلة نبأ هذه الزيارة في العبارة الآتية:

علم القراء نبأ انتداب حضرتي الأستاذين عبد الرحمن أفندي الساعاتي ومحمد أفندي أسعد الحكيم لزيارة القطر الشقيق وبث الدعوة في أنحاء سوريا وفلسطين، وقد جاءت الأنباء منهما أنهما وصلا بسلامة الله تعالى بيت المقدس صباح الأحد 5 جمادى الأولى بمعية الزعيم التونسي الأستاذ الثعالبي الذي رافقهما من القاهرة عصر السبت 4 جمادى،[1] وهناك قابلا سعادة السيد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ونشر الدعوة للجمعية، ورد سماحة السيد الحسيني الزيارة لهما في المنزل النازلين فيه، ثم غادرا بيت المقدس إلى دمشق فوصلاها يوم الأربعاء في الساعة الرابعة وصليا الجمعة في المسجد الأموي وخطبا فيه لدعوة "الإخوان المسلمون" وقابلا زعماء الحركة الإسلامية.

وكان سماحة المفتي الأكبر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى السيد محمد أمين الحسيني قد شمل الأخوين ببالغ الحفاوة والعطف وزودهما بخطابات كريمة لرؤساء الهيئات والجماعات في البلدان التي سيزورونها. وقد نشرت مجلة الإخوان صورة أحد هذه الخطابات وهو:

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب الفضيلة رئيس جمعية الهداية الإسلامية بدمشق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد حظينا اليوم بزيارة حضرتي الأستاذين المهذبين عبد الرحمن أفندي الساعاتي ومحمد أفندي أسعد الحكيم مندوبي جمعية الإخوان في الديار المصرية، ولقد أعجبنا كثيرا بثقافتهما الإسلامية وتمسكهما بآداب الدين الحنيف وعملهما على نشر المبدأ الإسلامي القويم "إنما المؤمنون إخوة".

وقد علمنا برغبتهما في زيارة سوريا للتعرف بإخوانهم المسلمين العاملين فيها على رفع كلمة الإسلام. فرأينا أن نقوم بعقد صلة التعارف بين حضراتكم تحقيقاً لقصدهما ورغبتهما. ولا ريب أنهما سيجدان من الحفاوة والإكرام في رحابكم الواسعة وفي دمشق الفيحاء ما يثبت في أذهانهما أحسن الذكريات عن هذه الزيارة الميمونة.

وختاما تفضلوا بقبول وافر التحية والاحترام.

كما سجل الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي هذه الزيارة في كلمة قيمة نشرتها مجلة الإخوان ونصها:

الإخوان المسلمون في دمشق

أبت أمية أن تفنى محامدها                      على المدى وأبي أبناء غسان

فمن غطارفة في جلق نجب                     ومن غطارفة في أرض حوران

عافوا المذلة في الدنيا فعندهم                            عز الحياة وعز الموت سيان

لا يصبرون على ضيم يحاوله                             باغ من الإنس أو طاغ من الجان

 

رعى الله هذه الوجوه الناضرة التي تركناها في جلق تدعو لمبادئ "الإخوان المسلمون" وتعمل لغايتهم المحمودة، ونضر الله وجوها ارتسمت على صفحاتها المشرقة آمال المسلم الذي لا تحوي جسمه بقعة ولا تحد آماله حدود الأرض الفسيحة حتى يرى خيال آماله صورة مرتسمة على رقعة الأرض، وقوة هائلة في أنحاء المعمورة، ودرساً بليغاً للطامعين الغاصبين.

ما أن وقفنا أمامهم حتى فهموا ما نريد أن نخاطبهم فيه، وما أشرنا إليهم حتى عرفوا ما نبغي أن ندعوهم إليه، وما نادينا فيهم حتى سمعنا دقات قلوبهم تجيب النداء وترجيع ألسنتهم تؤمن على الدعاء، فهم إخوان مسلمون وإن لم نلقهم قبل ذلك، ودعاة لمبدأ "الإخوان المسلمون" ينادون به هنالك.

الله أكبر، هذه العشيرة الإسلامية لم تفرق بينهما حواجز الأمم، ولم تقف بدعاتها عقبات الطريق، ولم يبعد بين قلوب أبنائها مآرب المنقلبين.

بايعناهم على الجهاد في سبيل الله فبايعونا، وعاهدناهم على الدعوة إلى الله فعاهدونا، وتعرفنا إليهم باسم "الإخوان المسلمون" فما أنكرونا، بل كانت قلوبهم تحف بنا حفيفا وجموعهم تستمع إلينا ألوفا، ومنبر "الإخوان المسلمون" في البقعة المباركة من مسجد بني أمية، وصيحتهم بالحق والإيمان إذا ارتفعت بعثت في قلوب المستمعين الحمية الإسلامية.

وهل أتالك نبؤهم يفدون بعد ذلك علينا وفودا وفودا؟ وهل قدرت سعيهم حميداً وجمعهم رشيداً ورأيهم سديداً؟ يتساءلون وعم يتساءلون؟ عن الدعوة التي ما بلغت أمة إلا وبايع المخلصون من أبنائها، والصيحة التي ما ارتفعت فوق منبر إلا وأصاخ المؤمنون عيون قلوبهم عليها، والمرشد الذي أحكم سياج هذه الدعوة من كتاب الإيمان والتضحية فجرت باسم الله مجريها ومرسيها.

وهم يسمعون الجواب وأعينهم تفيض من الدمع كما تفيض عيون الماء في أرجاء جلق الفسيحة، وقلوبهم تنفجر ينابيع بردى فتجعل الشوارع أنهارا والمساجد روضات والبيوتات جنات ألفافا.

وإن أنس شيئاً فما نسيت واحدا خلا إليَّ منهم يحدثني حديث الأخ المسلم الذي جاشت في صدره آلام شعوب مسلمة، وارتسمت على ثغره ابتسامة نفس مؤمنة، فراح يبثني ذات نفسه، وأخذ يشكو إلي حزنه وبثه. فقلت: يا سبحان الله. كأنني في مصر أستمع إلى حديث القائمين بالدعوة فيها، أو الإسماعيلية أخاطب العاملين على إعلاء كلمة الله من خلصاء شبابها وبنيها، أو السويس أناجي من رفعوا علم الأخوة الإسلامية على رؤوس ساكنيها، أو غيرها من البلاد التي عمتها دعوة "الإخوان المسلمون" وقد كان أهلها أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، ثم أنظر إلى المسجد الأموي فأرى مآذنه قد ارتفعت في السماء وقبابه قد لمعت تحت قبة الفضاء فأعلم أنني في دمشق حاضرة الأمويين وأن فيها رهطا كثيراً أو عددا وافراً من "الإخوان المسلمون". فيا أيها الوافدون إلى الهيئات والجماعات إنا معكم نعمل لمجد العروبة وسيادة الإسلام.

ويا أيها الزائرون لنا من وجهاء دمشق وكبار الرجالات لقد أكبرتم دعوة الحق بزيارتكم لنا أما أشخاصنا فننساها وذواتنا فننكرها، وسيجزي الله من أكبر دعوته أجرا ويرفع له بين عباده مكانة وذكرى، ويا أيها الملازمون لنا والسائرون معنا حبكم في قلوبنا وذكركم على ألسنتنا ودعوة "الإخوان المسلمون" تجمع بيننا والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. ويا أيها المسلمون علينا أنى اتجهنا وأنى سرنا سلام عليكم طبتم وجزاكم الله خيرا فقد أحسنتم جميعا. جمعنا الله معكم على دعوة الحق وأرانا وجوهكم في دار النعيم {ونزعنا ما في صدورهم من غلö إخواناً على سرر متقابلين} [الحجر: 47].

إن بعد الديار لا يبعد بين قلوب قد اتحدت على دعوة الحق، وان كر الأيام لا ينال من فئة قد أخلصت وجهها لله وأن الإسلام جمع بين أبنائه في سائر بقاع الأرض والعروبة تحيط سياجه وتقرب وشائجه، ولن يخذل الله المسلمين ما تمسكوا بكتابه واعتصموا بحبله، ولن يمكن لعدوهم ما داموا يعتزون بعشيرته ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا..[2]

·  الدعوة في بيروت

وقد أسفر اتصال الأستاذين عبد الرحمن الساعاتي وأسعد الحكيم في رحلتهما إلى الأقطار الشقيقة واتصالهما بالهيئات الإسلامية هناك أن جمعية المقاصد الخيرية قد طلبت إلى المركز العام أن يوفد إليها أحد الإخوان ليقوم بتدريس التشريع والأدب، فوقع الاختيار على الأستاذ محمد الهادي عطية المحامي الشرعي بالسويس ونشرت المجلة بهذا الخصوص هذه الكلمة:

·  الأستاذ الهادي في طريقه إلى بيروت:

هجرة في سبيل الله والعمل لدعوته شاء الله أن يقوم أسبق المسلمين بهذا العمل الأستاذ الهادي. ويصدر هذا العدد وفضيلة الأستاذ قد ألقى عصا التسيار ببيروت حيث يقوم بتدريس الشريعة الإسلامية والفلسفة والآداب بكلية المقاصد الخيرية، ويعمل في القطر الشقيق على تقوية أواصر المحبة والإخاء ونشر دعوة الفضائل والأخلاق الكريمة.

بارح فضيلته السويس يوم الأربعاء الماضي فودعه على محطة السكة الحديد رجال "الإخوان المسلمون" هناك وكلهم تقدير لفضله وأسى على فراقه ولوعة لبعده، لا يخففها عنهم إلا معرفتهم أنه يسافر مجاهداً في سبيل الله ليعد ميدانا كريما من ميادين العمل للدعوة النبيلة.. ومر فضيلته بالإسماعيلية فإذا على محطتها رجال "الإخوان المسلمون" يتقدمهم فضيلة نائبهم الأستاذ الشيخ محمد فرغلي وتتلوهم فرقة الرحلات، فكان وداعا وكانت مناجاة وكان حديث كله الحب المقيم والعطف الكريم. وفي القنطرة حيث ترابط كتيبة من الإخوان كذلك زودهم فضيلة الأستاذ بنصائحه الغالية بقدر ما فاضت به قلوبهم من محبة خالصة وتقدير جم لأخ من خيرة إخوانهم وداعية كريم من أفضل دعاتهم، وكذلك كان الأستاذ يرى في كل بلد إخوانا وفي كل محطة يقف فيها القطار جندا وأعوانا، ونعتقد أن سيلقي مثل ذلك وأكبر وأجل من حضرات الإخوان الكرام رجال المقاصد الخيرية ببيروت. وإنما الأستاذ الهادي خير كله حيثما حل، ونستودع الله دينه وأمانته وخواتيم عمله، ونسأل الله له تمام التوفيق وكمال العناية وأن نراه على خير ما نحب أن يكون، ونظنه ليس في حاجة إلى من يذكره بواجبه القدسي نحو جريدة "الإخوان المسلمون"[3].

·  الشيخ محمد الحامد الحموي

عالم حماة ومرشدها بلا منازع، والأب الروحي لأهلها جميعا.

ظلت حماة طوال حياته المباركة قلعة شامخة وحصنا يخشاه الطغاة، ولم يجرؤ النصيريون أن يقتربوا منها بجيشهم ودباباتهم وطائراتهم إلا بعد رحيله عنها ولحاقه بالرفيق الأعلى.

رحل إلى مصر عام 1356 هِ الموافق 1938م للالتحاق بالأزهر ليتم دراسته العالية فيه وأمضى بها حتى عام 1362 هِ الموافق 1942م حيث أنهى دراسته العالية بتفوق.. أحب مصر وأنس بأهلها وأنسوا به وتعرف على كثير من الصالحين وكان له بالإمام الشهيد حسن البنا تأثر خاص واشتهر بينهم بلقب الشيخ الحموي، ولذلك ترك مصر عائداً إلى حماة وهو شديد الأسى على فراقها يبكيها في عدة قصائد، منها:

 

ذبت يا مصرُ مذ عزمتُ رحيلا                   ولو استطعتُ عشت فيك طويلا

كنت ممن رَمَوك بالنكر لكن                     عاد صوت النكير قولاً جميلا

 

كان – رحمه الله – بحراً زاخرا بالعلم، حتى قيل له بعد اختبار الانتساب إلى الأزهر: "إنك عالم لا تحتاج إلى الدراسة فيه"، وحتى أن زملاءه في الدراسة كانوا يدهشون من كثرة معلوماته وغزارة محفوظاته خاصة في الأحكام الفقهية مما جعل الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله وكان زميله في الدراسة الأزهرية يقول له: إنك مدهش، من أين لك معرفة كل هذه الأحكام!!

هذا العالم النحرير لم يتأثر بكل ما قرأه وتعلمه مثلما تأثر بحسن البنا.

في السنة التي أنهى فيها دراسته وأوشك على العودة إلى حماة، كتب رسالة خاصة إلى الإمام الشهيد قال فيها: لقد حضرت كل دروس الثلاثاء، وأحصيت عليك إحدى عشرة غلطة بأسانيدها.. وأورد له الإحدى عشرة غلطة..

ترى بماذا أجاب حسن البنا على ما جاء بهذه الرسالة؟

في درس الثلاثاء الذي أعقب استلام هذه الرسالة، والإخوان والشيخ الحامد والجميع قد احتشدوا في لقائهم هذا الأسبوعي ينتظرون في شوق أن يعيشوا مع الأستاذ البنا في حلقة جديدة من نظراته في القرآن، وإذا بفضيلته يعتذر عن متابعة ما بدأه من حلقات ويقول: وصلتني رسالة كريمة من أخ حبيب كريم تتعلق بأمور ومسائل علمية تكلمت بها في هذا المكان، فمكان الإجابة عليها في هذا المكان وتلا رسالة الشيخ الحامد إليه.. ثم أخذ يستعرض النقاط كلها، ثم قال: في تسع مسائل الحق مع فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الحامد وغفر الله لي وجزا الله عنا شيخنا خير الجزاء، والمسألة العاشرة فيها قولان وحجة كل قول منهما لها وزنها المعتبر، أما في المسألة الحادية عشرة فأظن أن أستاذنا قد فاته فيها الدليل.

بهذه الإجابة الخالصة لله المتجردة من أهواء النفس..

بهذه الربانية.. ذاب قلب محمد الحامد حبا لحسن البنا

وعاد الشيخ محمد الحامد إلى وطنه واستمر على وفائه للإمام الشهيد ولدعوة الإخوان والذود عنها وكانت تربطه بالدكتور السباعي رحمه الله صلة قوية وكل قيادات الإخوان بالقطر السوري الشقيق حتى أنه ما كان يترك مناسبة عامة إلا ويعلن فيها بيعته لقائد الجماعة حتى قبيل وفاته يوم أن كان يستشفي في بيروت رحمه الله.

 

·     حسن البنا كما عرفه الشيخ الحامد

بعد أن حمد الله تعالى، جاء مقاله على الوجه الآتي:[4]

قيل لي: اكتب في الإمام الشهيد أغدق الله عليه شآبيب رحمته، وزاده قربا منه في أهل خاصته، فقلت: وما الذي يكتبه عاجز مثلي ضعيف الجنان والبيان في عظيم قد استجمع العظمة، فما من جانب من جوانبها إلا وهو فيها طود أشم، أو روض زاهر، أو خضم زاخر، أعجز الناس سبقاً في خصوصياتهم فبر الفقهاء في دقة النظر وصحة التصوير، والأدباء في حسن البيان وجمال التعبير، والخطباء في النفوذ إلى الأرواح ملئها تأثراً بما يريد، والمتوسمين[5] في صدر الفراسة وجودة النظر، والمفكرين في سعة أفق التفكير، فلا ضيق عطن[6]، ولا وعورة فكر، بل حل للمستعصيات، وفتح للمغلقات، في سهولة ممتنعة تُخال قريبة وهي عن غيره بعيدة.

ومن عجب أن تجد الملتفين حوله عناصر شأنها التنافر في غير مهيعة[7]. وأن تحمل صدورها العداء والكره، لكنه جمعها على دعوة طيبة ملأتهم ألفة ومودة عميقة أطاحت بالافتراق، وأطارت الخلاف.

عزيمة ماضية، وهمة شماء، ودأب متصل، ويد في العلم موغلة. لم يقف في مسيره العلمي على ما يحمل من عبء لو تسلط بعضه على كبار المحصلين لصرفهم عن العلم مستأثراً بهممهم وعزائمهم. هذا كله وأكثر منه قد اجتمع له في خلق كريم، واتساع للإخوان بشتى طرائقهم وخلائقهم. ولله ذلك اللقاء الذي كان يلقانا به، وتلك البسمات العذبة والمفاكهات الحلوة والمداعبات اللطيفة "للشيخ الحموي كاتب هذه السطور". التي تغرق الإخوان في فيض من السرور، على أنه في شغل بعمله الجاد على أن يلتفت إلى هذه المطايبات، ولكنه الكمال حتى في هذا الوجه منه.

كنت أرى في الصادقين من إخوانه انصباغاً بصبغته كالذي يكون في المريد الصادق مع شيخه الكامل، وحركة، وإشارة، وكان يظهر لي هذا جلياً في خواص أتباعه.

ثم عرفت بعد أن البنا من أرباب القلوب ذوي السير إلى الله سبحانه المربين بالروح بله اللسان، قضى أمداً من عمره سالكاً طريق المجاهدة والتصفية، قاطعا مراحلها حتى بلغ غاية رفيعة، وقعد مقعداً عاليا، فهو من أهل الذكر والفكر، ومن القوم الذين عقلوا عن الله، ورضوا به مستسلمين لأحكامه.

كانت عيناه تكتحلان بالدموع حبا لله سبحانه وشوقاً إليه حين أنفر به، ويتمنى فراغ ليلة يقضيها في ذكر الله وسماع ما يحرك الهمة، ويسوق الروح إليه سبحانه، وكان يقول لي: يا شيخ يا حموي أتريد أن تبعث فينا أشواقنا الأولى وجراحنا القديمة.

وكم كنا نختلف – أنا وهو – في أمور فرعية علنا في مجامع الإخوان فيرجع إلى الصواب علنا حين يراه، غير مستكبر، وقد يمتد الخلاف إلى أن أحاول إقناعه كتابيا فيقتنع، ثم يأبى إلا إعلان رجوعه عما كان يرى ليلة الأربعاء[8]، ليلة المحاضرة العامة قائلا: نتنازع علانية ثم نصطلح سراً؟! أي لابد من الاصطلاح علنا وجهرة.

وعلى ذكر ليلة الأربعاء كنت أقول له: إنها ليلة الفيوضات، لما يفيض الله على قلبه من عرفان، وعلى لسانه من بيان، وعلينا نحن المستمعين له من نشوة وفرح.

وبعد..

فإن من حزني على أخي وحبيبي وسيدي الإمام الشهيد حسن لم يسكن، وقد تنقضي سنون بل حياتي كلها ولا أنساه. وكم أنا مشتاق إلى وقفة على قبره الشريف أناجيه عن قرب، وأبثه أشواقي وأشجاني عن كثب، فإن للقرب معناه عند المحبين.

أسأل الله الشهادة التي نالها أخي "حسن" في سبيله مقبلا غير مدبر، وكأني بها كائنة إن شاء الله فنجتمع غير مفترقين آمين. وقد رأيت فيما يرى النائم ما يدل على قبوله رحمه الله ورضي عنه، رأيتني وإياه وبعض الإخوان جالسين إلى مائدة فيها خبز طيب، وأطباق من الريحان الجميل جداً. وحين استيقظت من نومي تذكرت قول الله سبحانه: {فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة: 88-89].

·     ضيف الحضارة

كانت مجلة حضارة الإسلام الدمشقية قد حاورت العلامة الشيخ محمد الحامد، ونشرت هذا الحوار تحت عنوان "ضيف الحضارة"، في عددها الخامس للسنة السادسة... ومما جاء في هذا الحوار ما يلي:

سئلت عن الشخصيات التي تأثرت بها ولها في نفسي مكان الصدارة في العصر الحاضر..

تأثرت بكثير من أساتذتي وشيوخي الذين لهم الفضل الكبير عليَّ.

والذي أثر في نفسي تأثيراً من نوع خاص، وله يد في تكويني الشخصي سيدي وأخي في الله وأستاذي الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وأغدق عليه غيوث الإحسان والكرم.

صحبته في مصر سنين، وحديثي عنه لو بسطته لكان طويل الذيل، ولكانت كلماته قطعاً من قلبي، وأفلاذا من كبدي، وحرقا من حرارة روحي، ودموعا منهلة منسجمة تشكل سيلا من فاجع الألم وعظيم اللوعة.

ولكني أكتفي بالإيجاز من الإطناب، وبالاختصار من التطويل، وقد بكيته كثيرا بعد استشهاده على نأى الدار وشط المزار، ولا أزال أذكره حين ألقاه في زمرة الصالحين إن شاء الله تعالى وتبارك.

لي كلمة فيه رحمه الله تعالى، نشرتها مجلة "الشهاب" وهي – لو استعيدت – تبعث الألم، وتثير العاطفة في نفسي بما لا أتمالك معه البكاء بالدموع الحري السخينة.

إنه أخي قبل إخوتي في النسب، ولما وافاني نبأ اغتياله قلت: إن موت ولديَّ، ولم يكن لي غيرهما حينئذ، أهون عليَّ من وفاة الأستاذ المرشد.

وكنت رأيت فيما يرى النائم ليلة قُتل، ولا علم عندي بالذي حصل، رأيت أننا في معركة مع اليهود، وقد بدأ التقهقر في جندنا، حتى إني لأمشي منحنيا لئلا يصيبني رصاصهم، فاستيقظت واستعذت بالله من شر هذه الرؤيا، وفي النهار ألقى إليّ بعض الناس الخبر، فكان وقعه أشد من شديد، وكان تأويل رؤياي.

إني أقولها كلمة حرة ولا بأس بروايتها عني، أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف.

لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبرين، وحنكة السائسين.. لا أنكر هذا كله عليهم، من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات قلما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله.

لقد عرفه الناس وآمنوا بصدقه، وكنت واحداً من هؤلاء العارفين به، والذي أقوله فيه قولاً جامعاً: هو أنه كان لله بكليته، بروحه وجسده، بقالبه وقلبه، بتصرفاته وتقلبه، كان لله، فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار.

حدثني عالم في مصر كانت له به صلة، قال لي: إن الإلحاد امتد إلى مصر وانتشر فيها، وغمر كثيراً من أوساطها، ولم يستطع الأزهر الشريف، ولا الجمعيات الدينية أن ترد سيله الجارف الهادم حتى جاء حسن البنا فدرأ خطره، وأنجى من شره.

قال هذا العالم هذا القول، وكنت أرى بعيني توفيق الله لأصحابه، وقد كانوا من قبل في ظلمات فأخرجهم منها إلى نور.


[1]  4 جمادى الأولى سنة 1354 الموافق 3 أغسطس سنة 1935.

[2]  مذكرات الدعوة والداعية ص 202-205.

[3]  المصدر السابق ص 206-207.

[4]  نشر الجريدة السورية (الشهاب) عدد 40 سنة 1375 هِ.

[5]  المتوسمين: المتفرسين.

[6]  لا ضيق عطن: يقصد أنه غير ضيق الأفق في التفكير، والعطن في أصل اللغة وطن الإبل ومبركها حول الحوض.

[7]  المهيعة: الخوف والضجر.

[8]  يقصد حديث الثلاثاء.

|السابق| [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error