كانت مجلة "النذير" هي مجلة الإخوان المسلمون ولسان حالهم لمدة عامين، في الفترة من 30 ربيع أول 1375 = 30 مايو 1938 إلى 3 رمضان 1358 = 16 أكتوبر 1939. ولكن في النصف الأخير من عام 1939 وكنت وقتها لم أكن قد عرفت الطريق إلى المركز العام بالقاهرة لاحظت أمراً غريباً في تحرير هذه المجلة.. لاحظت على افتتاحيات الأعداد الصادرة في هذه المدة كأنها صرخات تجيء من عالم آخر غير عالم الإخوان المسلمون موجهة إلى نوع خاص من الشباب.. لاحظت أن هذه الافتتاحيات صدرت تحت نداء "يا شباب سيدنا محمد"، فكنت أقرأها فأحس بأنها تصدر عن روح خاص ودعوة معينة وحركة حماسية قلقة توحي بأن في الأمر شيئاً.
وأخيراً وصل إلى علمنا في الإسكندرية، أن مجموعة من شباب الإخوان المتحمسين قد اختلفوا مع فضيلة المرشد حول بعض القضايا الخاصة بسياسة الجماعة، منها تعجل مواقف قبل أوانها وقبل أن تتغلغل الدعوة وتتمكن في قلوب الناس.. وعقدت معهم جلسات كثيرة لتصفية هذا الخلاف، ولكنهم أصروا على موقفهم، مما جعل الأستاذ المرشد يستجيب لمطلبهم في الانفصال عن الجماعة إذ كانوا – في زعمهم – لا يستطيعون الصبر على ما اختطته الدعوة لنفسها من أسلوب بطيء، وسيحاولون إنشاء تكوين جديد حثيث الخطى يتجاوب في خطو سريع مع ما تجيش به صدورهم وتضطرم به نفوسهم(!!!).. ومع الاستجابة لطلب الانفصال تنازل لهم الأستاذ عن ترخيص "مجلة النذير" وما بقي من مال في صندوق الجماعة.
وفي الجلسات التي عقدها فضيلة المرشد لتصفية الخلاف دعاهم لتحديد اعتراضاتهم على الجماعة والمطالب التي يريدونها، فقام أحدهم وحددها في ثلاثة بنود:
الأول: أنه يرى أن الإخوان تجامل الحكومة وتتبع معها سياسة اللف والدوران والواجب أن يواجهوا الحكومة بالحقيقة التي قررها القرآن في قوله تبارك وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44].
الثاني: موضوع المرأة وإلزامها حدود الإسلام في عدم التبرج والاحتشام، يرى أن الإخوان لم يتخذوا إجراء ما في شأنه مكتفين بدعوة المرأة إلى ذلك بالنصيحة والكلام دون العمل. ويرى أن المسلك العملي هو أن يوزع الإخوان أنفسهم في شوارع القاهرة مزودين بزجاجات حبر، وكلما مرت فتاة أو امرأة متبرجة ألقوا عليها من هذا الحبر حتى يلطخ ملابسها فيكون هذا رادعا لها.
الثالث: موضوع فلسطين، يرى أن وقوف الإخوان في مساعدة مجاهدي فلسطين عند حد الدعاية لهم وجمع المال لهم هو تقصير في حق هذه القضية وقعود عن الجهاد وتخلف عن المعركة وعلى الإخوان أن يتركوا أعمالهم ويتطوعوا في صفوفهم وإلا كانوا من الخالفين.
وتصدى بعض الحضور من الإخوان على ما جاء في الاعتراضين الأولين، فقال: إن مواجهة الحكومة يجب ألا تكون إلا بعد توفير عاملين:
1- توعية الشعب بالحقائق الإسلامية التي لا زال حتى اليوم خالي الذهن منها، ولازال الشعب يجهل علاقة الإسلام بالحكم وعلاقة الإسلام بالتشريع، ونحن لولا اتصالنا بدعوة الإخوان ما فهمنا هذه المعاني.
2- اكتساب الدعوة قوة شعبية تستند إليها إذا ما أرادت المواجهة، ولازالت الدعوة حتى اليوم دعوة وليدة في حاجة إلى تثبيت لدعائمها وبسط لرواقها.
وبالنسبة لموضوع المرأة لو أخذنا باقتراح كهذا لكانت النتيجة هي إيداع الإخوان السجون وإلزامهم بالتعويض عن ثمن الثياب التي لطخت بالحبر وليس في هذا ردع للمتبرجات.
وبشأن موضوع فلسطين، فقد كان المجهود الذي يبذله الإخوان في ذلك الوقت هو القدر المطلوب والذي كان الفلسطينيون في أمس الحاجة إليه ولا يستطيعه غيرهم..
وذلك حسب رد سماحة المفتي على الأستاذ..
مصارحة
وبالرجوع إلى رسالة "المؤتمر الخامس" تقرأ فيها ما يشير إلى مقدمات هذا الخلاف، فقد قال الأستاذ البنا في فقرات منها بعنوان "مصارحة":
أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم:
اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع، إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة.
أيها الإخوان المسلمون:
ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد.
أيها الإخوان المسلمون:
إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه، وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين، ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد، ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين، على أن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم، ولا إنتاج إلا مع خطتكم ولا صواب إلا فيما تعملون، فلا تغامروا بجهودكم ولا تقامروا بشعار نجاحكم، واعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم والفوز للعاملين {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143]. 1هِ.
ولم أكن أعرف عن تفاصيل هذا الخلاف شيئا حتى عثرت على وثائق تلقي بعض الضوء على بعض ما زعمته هذه المجموعة من الشباب التي خرجت عن الصف وشكلت لنفسها جماعة عرفت باسم "شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم".
غضبة في سبيل الله(!!)
وبعد أن استقل هذا الشباب بمجلة "النذير" وأصبحت ناطقة باسم جماعة "شباب محمد صلى الله عليه وسلم" أصدروا في أول المحرم سنة 1359 هِ الموافق 9 من فبراير سنة 1940 م نشر بالعدد الأول عنوان (غضبة في سبيل الله) نورد نصه فيما يلي، ثم نعقب عليه برد الأستاذ المرشد الذي أصدره في نشرة خاصة، فلم يكن للإخوان في ذلك الوقت صحافة بعد أن صارت "النذير" بتنازل الأستاذ المرشد عنها لشباب محمد كما سبق أن ذكرنا.
(بسم الله الرحمن الرحيم الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، وباسم الزعيم الأعظم محمد سيد الأنبياء والمرسلين نتقدم إلى إخواننا في الله معلنين تحت راية القرآن الكريم مدار الخلاف الذي استعر بيننا وبين الإخوان المسلمون في مسائل جوهرية تخص صميم الدعوة التي بايعنا الله على أن نعمل في ميدانها في غير هوادة أو ضعف أو لين مشهدين الله على ما نقول وهو نعم المولى ونعم النصير.
وإلى إخواننا في الله نسرد بإيجاز أوجه الخلاف بيننا وبينهم مذكرين من عرفوا الدعوة وآمنوا بها بأنها لا تنحصر في مكان ولا تتوقف على شخص ولكنها دعوة الحق، دعوة إلهها واحد وزعيمها واحد خاتم الأنبياء محمد صلوات الله وسلامه عليه وهي مفروضة على كل مؤمن.
أوجه الخلاف
1- الشورى: يرى فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمون أنه لا شورى في الدعوة(!!)، وأن الدعوة إنما ينهض بها فرد واحد له أن يأمر وعلى الجميع أن يطيع، وقد خالفناه في هذا الرأي، وأصررنا على موقفنا لأن في رأي فضيلته مخالفة للنظام السياسي للإسلام وتحديا لمصدريه العظيمين الكتاب والسنة {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]، {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38].
حاولنا أن نتفاهم مع فضيلته كثيراً فأبى إلا أن يكون رأيه الفصل ولو كان في ذلك إقصاء للمخلصين من الإخوان المسلمون، ثم عاد إلى التعلل أخيراً بأنه لم يجد في الإخوان من هو أهل للشورى وهذا مالا نقره عليه.
2- العمل تحت لواء الحاكمين بغير ما أنزل الله: من مبادئ الإخوان المسلمون أن لا نجاح للدعوة إلا بقوة الشعب الذاتية وتوجيه الرأي العام توجيها إسلاميا خالصا دون الاعتماد على الحكام، ولكن الأستاذ حاد عن هذا المبدأ القويم معلنا أن نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية(!!) وأخذ يسلك سبلا متفرقة ما بايعنا الله عليه {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعون ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] متناسيا ألا أمل للإسلام فيهم وأنهم يحكمون بغير من ما أنزل الله، والله تعالى يقول: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} [النساء: 139].
عارضنا هذا بكل قوة مرددين أقوال فضيلته بأننا إسلاميون غير حزبيين وأننا نعمل لله ولرسوله لا لزعيم ولا لحزب مدعمين هذا بخطبه في المناسبات الكثيرة وبمقالاته في صحف الإخوان.
فأبى إلا العمل برأيه وأصر على المضي فيه {أفحكم الجاهلية يبغون من أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة: 50].
3- التلاعب المالي: طلبنا من فضيلته تكوين هيئة لمراقبة المال والمحافظة عليه لتكون مسئولة أمام الإخوان المسلمون، فأعرض فضيلته وأصم أذنيه عن هذا القول الذي نعده طلباً عادلاً يتفق مع أبسط مبادئ الإدارة.
وكان من نتيجة عدم الأخذ بهذا الرأي أن أنفقت أموال كثيرة لا نقول في أغراض شخصية ولكن على الأقل في غير الأغراض التي جمعت من أجلها.
فأولاً: على سبيل المثال، قد جمع في عام 1939 أكثر من 300 جنيه مصري قيمة اشتراكات سهم الدعوة، وكان من الواجب أن يكون نصف هذا المبلغ على الأقل باقياً في خزانة الجماعة حسب القانون المالي لهذا السهم، ولكن بكل أسف لا يوجد مليم واحد من هذا المبلغ في خزانة الجماعة.
ثانياً: على سبيل المثال أيضاً، قد جمع في خلال عام أو أكثر على سبيل الاكتتاب من الشعب مبالغ لمساعدة فلسطين الشقيقة في محنتها التي تجتازها وبلغ مجموع هذه الاكتتابات حسب بيان الأستاذ الأخير مبلغ 570 جنيها مصريا.
ومما لا شك فيه أن هذا المبلغ يعتبر أمانة في ذمة الإخوان فرض عليهم أن يؤدوها لأصحابها بمجرد وصولها إلى أيديهم.
ومع ذلك فلم يصل لفلسطين من هذا المبلغ سوى 465 جنيها على ثلاث دفعات أما باقي المبلغ فقد اعترف الأستاذ أن جزءاً كبيراً منه أنفق في شئون الجمعية الخاصة، ولا يرى فضيلته في ذلك مانعاً شرعياً.
ثم عاد وقال بعد أن سمع من أحد الإخوان حكم الشرع في هذا أنه مستعد لجمع هذا المبلغ وإرساله والمهم أنه لا يوجد كذلك بخزانة الجمعية مليم واحد من هذا المبلغ أيضاً.
4- تطهير الدعوة: ألحفنا على فضيلته ورجوناه غير مرة أن يحرص على طهارة الدعوة بإقصاء كل الأعضاء الذين تشوب أخلاقهم الشوائب ليسلم هذا البناء الذي كنا ومازلنا نفديه بأنفسنا وحتى يسمو عن المظان والشبهات وكان من بين هؤلاء الأعضاء أشخاص اعترف فضيلته في أحاديث متعددة بعد أن تبين من تحقيقات أجراها بنفسه بأن في وجودهم إضراراً بسمعة الدعوة من الناحية الخلقية. وكلنه أصر على إبقائهم فضلاً عن أنه أسند إليهم أعمالاً رئيسية وأخذ يشيد بذكرهم في رحلاته إلى الصعيد وغيره.
وأخيراً: على هذا اختلفنا وكان موقفنا واضحاً جلياً لا غموض فيه.
وكان اختلافنا على المبادئ العامة فلم نلجأ إلى دعاية شخصية ولا إلى أساليب كلامية متخذين من محمد صلوات الله وسلامه عليه إماماً ومن كتاب الله الكريم منهاجاً.
هوجمنا أشد المهاجمة وعودينا أشد المعاداة فلم نقابل العدوان بمثله بل كنا نردد قوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55].
غير أن هذا الموقف الهادئ نفسه لم يعجب فضيلة الأستاذ، فقد أعلن وقد راعه تأييد الإخوان المسلمون المتوالي لموقفنا بأنه لا يستطيع العمل معنا على هذه الأسس التي نتمسك بها بحق كل الاستمساك ويأبى بكل قوة أن يجيب على أي واحد منها ولذلك فقد أعلن عن فصلنا عن جماعة الإخوان المسلمون.
ولما كنا قد عاهدنا الله تعالى على أن نظل طوال حياتنا جنوداً للإسلام نجاهد في سبيله {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] عاملين تحت راية القرآن متأسين بالزعيم الأول سيد الأنبياء، وأشرف المرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولما كان الجهاد في سبيل الله والعمل تحت راية رسوله لا يتقيد بأمكنة ولا أشخاص فقد عزمنا على السير في طريقنا مستعينين بالله مقتدين بسيرة سيد الأنبياء معتمدين على أنفسنا وروضناها على العمل لتحقيق المثل العليا التي نؤمن بها {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 40]، {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 07].
ونحن إذ نسير في طريقنا في عزم وقوة مزودين بأعمق الإيمان رائدنا الإخلاص ووجهتنا الله، نرحب بمجهود كل شاب مؤمن يدين بهذه الغاية النبيلة مقبلين على تلك الميادين التي تعرفونها – أيها المسلمون الأبرار – ميادين الجهاد والتضحية مترسمين خطى المهاجرين والأنصار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
· رد الأستا المرشد:
إلى الذين تخلفوا عن الصف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد...
فقد قرأت بيانكم في مجلة "النذير" عن موقفكم مني ومن إخوانكم في جماعة الإخوان المسلمون التي نشأتم في روضها ودرجتم في عشها وتعلمتم الغيرة على الإسلام من دعاتها، وإليكم كلمتي فيما ذكرتم لا حرصاً على الرد ولكن تبيانا للحق وتذكرة لكم، ويعلم الله كم يعز علي ويحز في نفسي أن تقفوا هذا الموقف وأن تتنكروا للحقيقة هذا التنكر وأن تستفتحوا عملكم الجديد بهذا التجني الذي نهيتكم عنه وحذرتكم إياه والذي ما زدتم به على أن نقضتم عهدكم وعققتم أباكم وخاصمتم إخوتكم وقللتم جلدكم وأضعفتم قوتكم وحاولتم صدع بناء شاده الله وهو عليه حفيظ، وقد حاول ذلك من قبلكم من هو أشد منكم قوة وأكثر جمعاً فلم يظفروا بطائل والله غالب على أمره، ولقد كنت أود لكم غير هذا من العمل الجدي والميادين النافعة وتعهدت لكم بمساعدتكم في ذلك أكبر المساعدة إن سلكتم هذه السبيل فغلبتكم العاطفة على عقولكم ووضعتم لأنفسكم ألقاباً وصفات لتجسموا الخطب وتهولوا الواقع ولكن الناس بأخلاقهم لا بألقابهم، فغفر الله لكم وهدانا وإياكم وصدق الله العظيم {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} [الأعراف: 155].
1- يسرني أن تعلموا
علم الله أيها الأبناء أنني لا يسؤوني – لو صدقتم – أن أجد لكم روحاً وثابة وحماسة فياضة وغيرة صادقة، ويسرني أن أراكم تعملون للإسلام في الميدان الذي ترضونه تبنون ولا تهدمون وتؤسسون ولا تنقضون.
ولقد قلتم إنني فصلتكم وأنتم تعلمون – وإخوانكم الذين حضروا الاجتماع الذي دعوتكم إليه يعلمون كذلك – أنكم أنتم الذين ألحفتم في طلب الفصل وألححتم إلحاحاً، وذلك لما بيتمون من نية وما اعتزمتموه من عمل منذ أمد بعيد، وأنتم بين ظهرانينا فلم يسعني إلا أن أنزل على رغبتكم في ذلك داعياً لكم بالتوفيق والإخلاص، إذ أن أكبر ما يسر الوالد أن يرى ابنه موفقا وإن لم ينسب إليه هذا التوفيق، وأنتم تعلمون أن مجلة النذير كانت لي فأعطيتكم إياها وتنازلت لكم عنها عن طيب خاطر بشرط أن تنصرف جهودكم إلى عمل نافع وميدان فيه خير للإسلام، ولئن كان العدد الأول علينا فالعدد الثاني وما يليه قد يكون لنا بحكم خدمة الدعوة العامة التي نعمل لها جميعاً.
2- الشورى
زعمتمأأأ
أيها الأبناء أني أرى أنه لا شورى في الدعوة وسامحكم الله في هذا الادعاء عليّ وعلى الحقيقة، فأنا لم أقل هذا ولكني أنكرت أن يتحكم فرد تأثر بدعايته سبعة عشر فرداً من أفراد أسرة في بقية ألف من هؤلاء الأفراد وهم إخوانكم بالقاهرة وهو ما أردتموه أنتم فقد أبيتم إلا أن أنزل على آراء بعضكم ولو خالف هذا آراء الجميع من الإخوان، أفهذه هي الشورى التي تريدونها؟ وقد دعوتكم إلى الجمعية العمومية للإخوان بالقاهرة لتعرضوا عليها آراءكم وتطلبون إليها ما تريدون فأبيتم هذا ولازلت أدعوكم إليه وأستطيع أن أقول إنني أكتب هذا باسم ألف من إخوانكم في القاهرة عدا شعب الأقاليم الخمسمائة فماذا ترون؟ وهل بعد هذا لازلتم تصرون على أن لا شورى في الدعوة؟
هذا هو ما وقع وهذا هو ما نسير عليه الآن، فالشورى ماثلة في كل عمل من أعمالنا والحمد لله كما أرادها الإسلام وصورها، والشورى الإسلامية ليس فيها أغلبية ولا أقلية، فالإمام يستوضح الآراء وهو أمين عليها ثم يأخذ بما يتبين له منها جميعاً فينفذه وفق أحكام الإسلام، وهو مسئول بعد ذلك عن نتائج سياسته، هذه هي النظرية الإسلامية للشورى وإنا كنا في الواقع قد اتخذنا في تطبيقها صورة قريبة إلى ما ألف الناس من هذه التشكيلات، ولقد كان آخر نظام للإخوان في مكتب القاهرة ارتضيتموه أنتم وعملتم على أساسه ووقعتم بذلك على محضره هو نظام اللجان، فلكل لجنة عملها واستقلالها والشورى تسودها بأوسع معانيها، ولقد كان بعضكم في هذه اللجان فعلاً فهل شعرتم بأن أحداً وقف في طريقكم في شيء؟ ولكنكم أردتم الاستئثار الذي يتنافى مع الشورى فأبينا عليكم ذلك حرصاً على حقوق إخوانكم الذين هم أكثر منكم إلماماً بالدعوة وغيرة عليها وحرصاً على خيرها والنهوض بها، ويفضلونكم بعد ذلك بالأسبقية إليها والصبر على آلامها والتضحيات في سبيلها، ثم بالسن الذي يقدره الإسلام ويحله المحل اللائق بجلال التجربة.
وبعد: فنحن في دور تكوين وتربية، والتكوين والتربية في حاجة إلى التوجيه الحازم والبعد عن الخلاف في الرأي والانقسام في النقاش وهو ما أقصد إليه وأعمل عليه ويوافقني في ذلك كل الإخوان المسلمون.
3- التلاعب المالي:
غفر الله لكم أيها الأبناء فلكم أن تقولوا كل شيء إلا أن الإخوان ينظرون إلى المال أو يتطلعون إلى الدنيا، فإن من يقرأ هذا العنوان يظن أن الإخوان قد ملأوا جيوبهم من الأموال العامة، ثم ماذا تذكرون بعد ذلك.
1- تذكرون أن سهم الدعوة قد بلغ أكثر من (300) ثلاثمائة جنيه مصري وكان المفروض أن نصفها يجب أن يظل للمساهمين، ونسيتم أن قرار جمع سهم الدعوة أجاز للمكتب أن يستخدم هذا النصف في عمل تجاري، وذلك ما كان فإننا جددنا مطبعة الإخوان المسلمون وقيمتها الآن تزيد على أكثر من المائة والخمسين جنيها، فماذا في هذا التصرف من التلاعب، وقد وقع وفقا للقرار المعلن الموضوع في حدود مصلحة الدعوة وخيرها.
2- وتذكرون أن مبلغاً يبلغ المائة جنيه مما جمع لفلسطين لم يصل إلى فلسطين ولم تذكروا – وأنتم أعلم بذلك – أن المكتب بالقاهرة قد بلغت مصروفاته الخاصة بأعمال الدعاية لقضية فلسطين نفسها ولجمع هذه قد وصلت إلى أكثر من 124 جنيها "مائة وأربعة وعشرين جنيها"، ما بين مطبوعات ورسائل بريد وبرقيات وسفر مندوبين وطبع قسائم وعمل شارات وتذاكر شخصية وما إلى ذلك عدا ما صرف لقضية فلسطين في غير هذه الأبواب أيضاً مما يعرفه الكثير من الإخوان. فهل يقال بعد هذا إن هناك تلاعباً فيما يجمع من أموال، وإذا كان كل ما جمع معروفاً بالمليم وكل ما صرف كذلك بدليل ما أوردتم من أرقام فأين التلاعب المزعوم؟!
ولقد علم الناس أجمعون، وفي مقدمتهم أبناء فلسطين البواسل أن الإخوان المسلمون هم الذين يفدون فلسطين الشقيقة بأموالهم وأولادهم ودمائهم، ولكنكم أردتم أن ترفعوا بذلك "قميص عثمان" والله بيننا وبينكم وهو أحكم الحاكمين.
إنني أعتب عليكم في هذا عتباً شديداً وما كنت أظن أنكم تتجاوزون الحق هذه المجاوزة في نقاط واضحة بينة، تعلمون أنتم وجه الحق فيها قبل غيركم من الناس، ولكن غفر الله لكم أيضاً.
4- العمل تحت لواء الحاكمين بغير ما أنزل الله
وأكثر أمركم عجباً بل أشد غرابة وأكبره تجنيا أن تذكروا أنني أعلنت "أن نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية..." وما كنت أدري أن لجاجتكم في الخصومة تحدوكم إلى هذا الافتراء المبين على شخصي، وأنتم تعلمون وقد تلقيتم أن نجاحها مرهون بإرضاء الله وحده والسير على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اعترفتم بذلك في بيانكم وعليه سرنا ونسير حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين، ونحن نرى مع هذا أن توجيه الدعوة للحاكمين ومخاطبتهم بها وتعريفهم إياها من أنفع الأشياء ولتحقيق أغراضها والوصول من أقرب الطرق إلى أهدافها فإن الله يصلح بالواحد منهم أمة – لو أصلحه الله – وأنتم تعلمون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقول الحسن البصري: "لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسطان فإن الله يصلح بصلاحه خلقاً كثيراً"، ولقد علم الناس جميعاً بما فيهم الحكام أنفسهم أننا كم وجهنا ونوجه على الدوام إليهم كلمة الحق قوية مدوية لا يثنينا عن ذلك ما قاسيناه من اضطهاد وعنت، ولا نخشى إلا الله وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ونحن نرى كذلك أنه ليست في كل الظروف تكون مخاصمة الحاكم وإخراجه من الإسلام، فقد يقف الحاكم أمام خصم قوي للإسلام يدفعه ويحول دون غايته فيكون من الحمق لا من الدين أن يجرح المسلمون من يحول دون وصول عدوهم إلى غايته منهم، وهذا كلام أنتم أعلم بمضمونه ولا يخفى معناه على الناس، وعلى كل حال لأن يكون الحاكمون أعواناً للإخوان المسلمون على تربية الشعب وتوجيهه توجيهاً إسلامياً مثمراً خيراً من أن يكونوا خصوماً لهؤلاء الداعين يحولون بينهم وبين ما يريدون، وموقفنا من الحكام جميعاً ومن الأحزاب جميعاً موقف الدعاة لا الأشياع ومحال أن ننضوي تحت لواء حزب كائنا من كان أو أن نمالئ حاكماً كائناً من كان.
وأغلب الظن أيها الأبناء، أنكم أنتم الذين استخدمتم مطايا للحزبية البغيضة من حيث لا تشعرون وفتشوا أنفسكم من يتصل الآن بكم ومن ينشط في نشر دعايتكم معكم فستعلمون صدق ما أقول.
ومما يؤسف له حقاً أن تعجز الأحزاب عن أن تجد سبيلاً إلى صفوف الإخوان إلا عن طريقكم، وإن كان كل ذلك وأكثر منه سيتحطم على صخرة الدعوة المباركة التي ستظل بعون الله وحده الجوى اللاصق بين جوانح كل من يريد الكيد للإسلام وتسؤوه الدعوة إلى الله.
5- تطهير الدعوة:
من فضل الله على الإخوان المسلمون في كل وقت أن دعوتهم تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد، وهذه جربناها مراراً كثيرة، ومجموعة الإخوان في القاهرة فيما أعتقد هي أطهر مجموعة عرفتها هيئة من الهيئات، ولقد تجنيتم على بعض إخوانكم بكلام لا حقيقة له، ولقد أصغيت إليكم ودرست ما قلتم وتبينت مبلغه من الصحة فإذا هو اتهام واه منهار لا أساس له ولا دليل عليه وما كنت لأدع يقيني لشككم ولقد نصحت لكم وعرفتكم حكم الإسلام فيما تقولون فأبيتم إلا أن تلجوا بالباطل ولا أقول في هذه غفر الله لكم فليست هذه من حقي، ولكني أنصح لكم مرة أخرى أن تسترضوا إخوانكم الذين خضتم فيهم فإن عقاب الله في ذلك قاس شديد ولا أزال أذكركم بقوله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} [الأحزاب: 58].
· وأخيراً:
لا أعرض هنا لما سلكتم من أساليب لا تتفق مع الحق المر فضلاً عن السمو والتكرم للذين يجب أن يكونا أول ما يتصف بهما عامل للإسلام، ولا أحاول أن أكشف عما في بيانكم من مغالطات وأمور لا تتفق مع الواقع فإني أكره الجدل أشد الكراهية، وحسبي أن تكلمت في رؤوس الموضوعات الهامة، وطبعاً سيكون هذا هو البيان الأول والأخير من جهتي في هذا الموضوع.
ولي معكم بعد ذلك كلمة أخيرة فاستمعوا إليها إن شئتم، والله يتولانا وإياكم بحسن الرعاية.
أولاً: ما دمتم قد أعددتم أنفسكم للعمل للإسلام في ميدان أخذتموه، فأوصيكم أن تكونوا بنائين لا هادمين وحينئذ عليكم أن تفكروا في ابتكار ميادين تعملون فيها وتخدمون الإسلام بها، ودعوا الخصومة جانباً، فإن الانصراف إلى البناء خير ألف مرة وأجدى من الانصراف إلى الهدم، وعلم الله إنني لا أريد بهذا إلا أن تنصرف الجهود إلى النافع المفيد.
ثانياً: لقد كنتم قبل الآن جنوداً فأصبحتم تقولون إنكم اليوم قادة، وواجبات القائد أثقل بكثير وأدق من واجبات الجندي، فاحرصوا دائماً على أن تظهروا أمام الناس بالمظهر اللائق بكرامة الدعوة الإسلامية في كل ناحية من نواحي تصرفاتكم الشخصية أو الجمعية.
ثالثاً: أحب أن تحكموا خطتكم وأن تسوسوا طريقكم بالعقل والعاطفة معاً فلا تتركوا للحماسة وحدها أن تقودكم في مسالك لا يفيد فيها الدعوة ولا ينفع الداعين إلا العقل الكامل والتصرف الدقيق المحكم، فالكيس الكيس أيها الأبناء.
رابعاً: أحب أن تعتقدوا أولاً وآخراً أنني لا أضمر لكم إلا الخير وقد أغضيت عن سيئاتكم لحسناتكم وعن تصرفاتكم لنياتكم التي أرجوا أن تكون خيرة فاضلة، والله أسأل أن لا يكون ذلك لكم فتنة، وهو المستعان على ما تصفون.