{بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 1-6]، {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً} [الكهف: 10].
(1)
تكون الدعوة من الدعوات واضحة ناجحة، ومع وضوحها ونجاحها يظل أمرها مغموراً في الناس، وتظل قلوبهم منصرفة عنها، حتى يتم لها أن تتملك قلوب المؤمنين وحينئذ تتنبه أحاسيس الناس ومشاعرهم وتتفتح أبصارهم وبصائرهم، ويلتفتون يمنة ويسرة نحو هذا النور يحسبونه جديداً وهو قديم، ويظنونه مفاجئاً وهو مقيم، ويكثر التهامس والتساؤل ثم يتحول إلى نقاش وتحاور، وقد يتجاوز هذا الحد إلى اتهام وتهاتر، أو تهجم وتشاجر، وينتهي ذلك كله بانتصار الحق وانتصاف أهله، {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17]، وكذلك نشأت دعوة الإخوان المسلمون منذ سبعة عشر عاماً واضحة ناجحة إسلامية صميمة، وأخذت طريقها إلى الظهور حتى تملكت آلاف القلوب من المؤمنين بها، وتجمست صورة كاملة في صدورهم، مشت على الأرض قوية فتية بأقدامهم، وأثرت في مجريات حياتهم واهتز لهذا التأثر كيان المجتمع المصري، وسرى هذا التيار المبارك إلى الأقطار المجاورة فتلفت الناس يتساءلون متى؟ وأين وكيف؟ وماذا يقصدون؟ وفي أي طريق يسيرون؟ أتابعون أم متبوعون؟ دينيون أم سياسيون؟ وما شأن جمعية خيرية بشركات مالية؟ وما موضوع دعوة دينية في الحياة العصرية؟.. إلخ.
وكان لابد لهذا الأسئلة من إجابات متلاحقة تطالع الناس مع تنفس الصبح وتشرق عليهم إشراقة الشمس، وذلك بعض مهمة هذه الصحيفة.
(2)
والإسلام الحنيف دعوة إنسانية عالمية لا دعوة جنسية إقليمية، وقد تصوره المسلمون أنفسهم بفعل الحوادث المتعاقبة، وظروف الأجيال المتطاولة على صور شتى منها القريب من حقيقته، ومنها البعيد كل البعد عن أهدافه وغايته، ومنها ما أصاب المحز وطبق المفصل ووصل إلى عين اليقين وكل إناء بالذي فيه ينضح.
كما أحاطت به عند غير المسلمين خرافات وشبهات وأقاصيص وخيالات ليست من الحق في كثير ولا قليل، ولهذا سيكون من مهمة هذه الصحيفة حيال الدعوة الإسلامية العامة واجبات خمسة:
-أولها: تجلية تعاليم الإسلام والكشف عما فيها من روعة وجمال، وعرضها عرضاً يلائم أسلوب العصر ويثبت أنها أفضل الأنظمة للجمعية الإنسانية.
-ثانيها: رد ما يوجه إليها من اتهامات باطلة وشبهات لا حقيقة لها.
-ثالثها: تقريب وجهات النظر بين أهل القبلة جميعاً من غير دخول في مناقشات مذهبية عقيمة، أو مجادلات لا توصل إلى الحقيقة، والعمل على الجمع الكلمة حول الحق المشترك بأنزه الأقلام وأنبلها، وأعدل الآراء وأحكمها في حدود القاعدة الذهبية (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه).
-رابعها: تقرير هذه الحقيقة الجليلة الرائعة التي يتعامى عنها كثير من المغرضين ويحاولون إخفاءها أو تشويهها وهي: أن الإسلام الحنيف لا يخاصم ديناً ولا يهضم عقيدة ولا يظلم غير المؤمنين به مثقال ذرة، ولا تثمر تعاليمه حتى لا يسود بين أبناء الوطن الواحد إلا الحب والوئام والتعاون والسلام مهما اختلفت نحلهم وتباينت معتقداتهم.
{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 08].
-خامسها: رسم الطريق الموصلة إلى إعادة نظامه وتطبيق أحكامه في الحياة الفردية وفي البيت وفي المدرسة وفي الدولة، وفي كل شئون المجتمع الصالحة، والتحذير من الخروج على هذه التعاليم السمحة.
(3)
ولنا مع قضايانا هذه السابقة، قضية أخرى لا تقل عنها خطراً ولا تنقص عنها أهمية وهي قضية أوطاننا وديارنا، التي باغتها الاستعمار الغربي بعد أن بيت لها أجيالاً طويلة فأحاط بها، وقيد حكوماتها وشعوبها وحال بيننا وبين التقدم، وبلغ ذلك مداه في نهاية الحرب العالمية الأولى، إذ كانت مصر تحت الحماية البريطانية، وفلسطين والعراق في قبضة إنجلترا، وسوريا ولبنان وتونس والجزائر ومراكش في يد فرنسا وطرابلس وبرقة مع إيطاليا، حتى تركيا الأوربية والآسيوية وهي دار الخلافة وقعت تحت يد احتلال الحلفاء وأدى ذلك الاسترقاق والاستهتار بكرامات الأمم وحريات الشعوب، إلى انفجار الثورات في كل مكان، واشتد النضال بين أصحاب الحق وغاصبيه حتى تحررت هذه الأوطان بعض الشيء وتيقظت وعرفت طريقها إلى الجهاد والكفاح. وجاءت الحرب العالمية الثانية وهذه البلاد كلها تجاهد في صف الدول الديموقراطية إذ أقسم زعماؤها وأكد رؤساؤها أنهم إنا يكافحون في سبيل الحرية وإقرار العدالة الاجتماعية في أرض الله، وكان طبيعياً وقد وضعت الحرب أوزارها أن يطالب المظلومون بحقهم وأن يجاهدوا في سبيل تحرير أوطانهم.
وستناضل هذه الصحيفة في سبيل هذه الحقوق بكل ما أوتيت من قوة فتعمل للحرية والوحدة وتحارب الظلم والطغيان في كل مكان، وهي حين تعني أعظم العناية بالكفاح في سبيل حرية وادي النيل ووحدته لن تنسى أبداً أداء واجبها كاملاً في سبيل أي قطر من أقطار العروبة وأوطان الإسلام مهما بعدت به الدار. إنما المؤمنون إخوة، والمسلمون عدول بعضهم على بعض يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، فلئن كانت جريدة الإخوان بحكم مصدرها إقليمية، فهي بحكم روحها ومنهجها عربية إسلامية بل لك أن تقول إنها إنسانية عالمية {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].
(4)
ولقد ترك الاستعمار كما تركت الحرب أعمق الآثار في أخلاقنا واقتصادياتنا ومدارسنا وكل شئون حياتنا، وواجهنا من المشكلات الاجتماعية ما يحتاج إلى العلاج الحاسم السريع، وارتفعت أصوات الكثير من الطوائف والهيئات التي شعرت بوطأة الفقر والمرض أدركت سوء أثر الجهل والرذيلة بالشكاية والاستصراخ، وصحيفة كصحيفة الإخوان تعتمد على الشعب وتتصل بمختلف طبقاته، ويشعر القائمون عليها أتم الشعور بما يعاني من ضيق وإرهاق، لابد أن تفتح صدرها لهذه الظلامات، ويعلو صوتها بهذه الشكايات، ويشتد اهتمامها بعلاج هذه المشكلات، وتصل عن طريقها مطالب المواطنين من موظفين وعمال ومزارعين وتجار وطلاب.. إلخ، إلى جهات الاختصاص.
(5)
وجريدة الإخوان وإن كانت صحيفة إخوانية فلن تكون خاصة بهم، أو وقفاً عليهم، بل هي ترجو أن تكون المنبر العام للهيئات الإسلامية، والجماعات الإصلاحية، على اختلاف ألوانها وبلدانها وترحب بكل ما يقدم إليها مادام متفقاً مع خطتها منهاجها.
(6)
إننا نؤمن أعمق الإيمان بأن رسالتنا الأولى أن نقول الحق، وأن نجهر به لا يقعدنا عن ذلك رغبة أو رهبة، ولا نخشى فيه لومة لائم كما نؤمن بأن النصيحة والإرشاد والثناء أو النقد يجب أن يكون ذلك كله في أسلوب عال رفيع، لا مهاترة ولا افتراء {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليñ حميم} [فصلت: 34] وسيكون ذلك موقفنا من الأفراد والهيئات والأحزاب والحكومات على السواء، لا نؤيد ولا نهاتر، ولكن نرقب ونوجه ونرجو في ذلك كله وجه الله وصالح الوطن.
(7)
سنحاول ما استطعنا ألا تكون جريدة الإخوان مقصورة على لون من ألوان الغذاء الفكري والروحي، ما وجدنا إلا الاستيعاب سبيلاً، فسيكون فيها دنيا ودين وعلم وفن وأدب ورياضة وقصص وفكاهة، فالقلوب تمل كما تمل الأبدان، فالتمسوا لها طرائف الحكمة، وستعترضنا في بعض الموضوعات عقبات واعتراضات وليس المقيد بالرأي كالمطلق من القيد، وياويح الشجي من الخلي.. وكلنا مع هذا سنسدد ونقارب فما كان خيراً نشرناه ولا نبالي، وما كان شراً كإعلانات الخمر وأندية الميسر وحفلات الخلاعة والمجون أهملناه ولا كرامة. وما اختلفت فيه الآثار والنتائج تحرينا الفائدة في النشر أو الإهمال ونبهنا على جانب الصلاح، وحذرنا من عوامل السوء والفساد، يحملنا على ذلك الرغبة في أن تكون الصحيفة وافية بحاجات القراء. على أن الصحافة مرآة لحياة الأمة ومهمة الصحفي الكشف عن مستور الحياة ومواجهة واقعها والعمل على تدعيم نواحي الخير ومقاومة نواحي الشر، وليس معنى النشر في ناحية من النواحي، إقرارها أو الموافقة عليها، فقد يكون الغرض الدلالة عليها والتحذير منها.
ونحن بعد ذلك نرحب بكل نصح أو توجيه، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وكنا نرجو أن تكون صحيفتنا مولوداً لا طفولة لها، لولا أن ذلك ليس من سنة الحياة، فلا أقل من أن نتعاون جميعاً على أن ينشأ هذا المولود وهو ابن كل محب للإصلاح نشأة طبيعية تدفع به سريعاً إلى النمو والكمال..
بهذه الكلمة، وهذا الرجاء، نقدم هذه الصحيفة إلى قرائها الكرام..
حسن البنا
رسالة من المرشد العام
إلى رئيس التحرير
وظل حسن البنا ساهراً على إرساء هذه القواعد عملياً، فتحولت من مستوى الأقوال والنظريات إلى مستوى المواقف والأعمال، ولم يسمح بأي خروج أو انحراف عن تلكم المبادئ..
حدث أن هاجمت صحافة حزب الوفد جماعة الإخوان ومرشدها هجوماً فاجراً يحمل معه كل جراثيم الحزبية ورذائلها وموبقاتها، مستخدمة في ذلك كل فنون الكذب والافتراء، متحللة من كل مبادئ الأخلاق.. فأثار هذا الهجوم حفيظة الإخوة محرري جريدة "الإخوان" اليومية، فجاء رد بعضهم بنفس الأسلوب، وكالوا بنفس المكيال، ولكن الإمام البنا ردهم إلى منهج الجريدة منهج الجادة ومخاطبة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وكتب إليهم الرسالة التالية التي نشرت على صفحات الجريدة إذعاناً للحق..
(حضرة الأخ المفضال رئيس تحرير "الإخوان المسلمون" – وبعد:
فقد قرأت ما كتب من تعليقات عن "زهد النحاس" وعن "النحاس الورع" في عدد الأمس فلم أره يساير الأسلوب الذي ترتضيه دعوة الإخوان المسلمون ويتفق مع طابع الجريدة التي تنطق بلسانها – بل هو بالأساليب الحزبية والصحف التجارية أشبه وإليها أقرب – وأظنني نبهتكم مرة من قبل إلى هذا المعنى، ويظهر أنكم نسيتموه.
وكان الأخ الكاتب يستطيع أن يصل إلى كل ما يريد بعبارة قوية رصينة تحمل طابع النصيحة والحرص على قبولها والاستماع لها – تبتعد عن التشهير واللمز – وقد نهينا عنه أشد النهي، وإن من إرشاد الحق تبارك وتعالى لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44]. ولا حجة فيما تتناوله الصحف الوفدية من أعراضنا بغير الحق، أو تلغ فيه صباح مساء من الباطل، وأين إذن فضل الدعوة وسمو الفكرة!! وجلال درجة العضو ومنزلة الكاظمين الغيظ والاقتداء بسيد البشر صلى الله عليه وسلم "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"ز
ونحن حين نكتب في بعض الأحيان من ردود على ما ينشر في هذه الصحف، إنما نريد أننحق حقاً ونبطل باطلاً، لا أن نساجلها في ميادين الخصومة، فالخصومة بيننا وبين القوم ليست خصومة شخصية أبداً ولن تكون ولكنها خصومة فكرة ونظام.. هم يريدون لهذه الأمة نظاماً اجتماعياً ممسوخاً من تقليد الغرب في الحكم والسياسة والقضاء والتعليم والاقتصاد والثقافة.. ونحن نريد لها وضعاً ربانياً سليماً من تعاليم الإسلام وهديه وإرشاده في هذه النواحي جميعاً.. وهم يعلمون تمام العلم أنهم لا يستطيعون أن يقفوا أمام هذه الدعوة المؤيدة بنصر الله المتمكنة في قلوب المؤمنين من أبناء هذه الأمة المدعومة بإيمان خمسمائة مليون من البشر[1] من المحيط إلى المحيط كلهم يفرح بها ويهش لها ويتمنى للداعية لها كل توفيق ونجاح، فهم لهذا يعملون جاهدين على صبغ هذا الخلاف بالصبغة الشخصية والاتجاه إلى المناورات الحزبية، فننزلق إلى منازلهم في هذا الميدان التافه وهم فيه أغلب وعليه أقدر، ولكننا بحمد الله أشد يقظة مما يظنون وأنفذ بصيرة مما يحسبون {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122].
ولهذا أرجو أن تحرص الجريدة كل الحرص على تخير الألفاظ وانتقاء العبارات، وتجنب النواحي الشخصية التافهة وتحري المعاني الكلية الجامعة مع تصحيح النية، وكبح جماح الغضب وكظم الغيظ وقتل شهوة الانتقام.. الله يعلم أننا أشد الناس ألماً لخصومة لا يستفيد مناه إلا أعداء الوطن والدين. وإننا نرقب بفارغ الصبر تلك الساعة التي يفتح الله فيها هذه القلوب، ويهدي إلى الحق هذه النفوس، والقلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء.. اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك..
كما قرأت كذلك تحت الصورة التي نشرتموها بالأمس أيضاً تقديماً لي ولفضيلة الأخ الأستاذ مصطفى السباعي، وفي نهايته هاتان الكلمتان "قائد وجندي"، فإن أردتم بالقائد فضيلة الأستاذ السباعي وبالجندي هذا الضعيف الذي ما اعتبر نفسه يوماً من الأيام إلا أصغر جنود دعوة الحق فقد أحسنتم وصفاً وشكر الله لكم، وإن كنتم تقصدون ما تبادر إلى الأذهان من أول وهلة حين يرون مرشداً ومراقباً، فإلى الله أبرأ مما صنعتم، وإلى الإخوان أعتذر عما وضعتم.. وأرجو أن لا تحملنكم المداعبات الصحفية على مثل هذه المتعبات النفسية، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً للخير، وأن يسدد خطانا لما يحب ويرضى، وأن يجمع القلوب على ما فيه خير الوطن العزيز.