انطلق الإخوان المسلمون في نظرتهم إلى قضية تحرير فسلطين من فوق أرض صلبة من الفهم العميق لطبيعة القضية، فهي قضية إسلامية، أو هي قضية المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الذي لن يتحرر إلا في الإطار الإسلامي على أنها جولة من جولات المعركة الأزلية بين الحق والباطل..
وحين يكتب تاريخ قضية فلسطين بأيد أمينة سيعرف الناس أن "الإخوان المسلمون" حين كانت دعوتهم في بداية عهدها بالظهور في مصر كانوا أول من طرق أسماع الشعب المصري باسم فلسطين، بل كانوا الهيئة الشعبية الوحيدة في الوطن الإسلامي التي تصدت للدفاع عن فلسطين وشعبها الشقيق ضد الخطر اليهودي الصليبي.
وسيشهد التاريخ أنه في الوقت الذي كان فيه النحاس باشا رئيس وزراء مصر يجيب بأنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين، كان شباب "الإخوان المسلمون" يتنقلون بين مساجد مصر يكشفون للناس عن جرائم الإنجليز في فلسطين ومؤامرة تهويد فلسطين، ويوضحون لهم بأن فلسطين هي البلد الذي يحتضن بيت المقدس ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين.
ويؤرخ الإمام البنا لوقوف الإخوان في مصر لنصرة إخوانهم شعب فلسطين، فيقول في مذكراته:
(في هذه الأثناء تحركت قضية فلسطين، وثار الشعب الفلسطيني الباسل على التصرفات البريطانية الغاشمة التي تمالئ اليهود في كل شيء وتحرم العرب من كل شيء، وكانت الهيئات السياسية والأحزاب في مصر منصرفة كل الانصراف عن مناصرة قضية فلسطين مناصرة جدية، ولم يكن يتحرك لفلسطين أو نحوها من الأقطار الشقيقة في ذلك العهد إلا الهيئات الإسلامية، ومن هنا تقدم الإخوان المسلمون إلى مناصرة فلسطين الثائرة المجاهدة بكل ما فيهم من قوة، ووقفوا على ذلك جهودهم مادياً وأدبياً من حيث الدعاية والخطابة والنشر وجمع المال).
في هذا الوقت المبكر بدأ جهاد الإخوان لإنقاذ فلسطين، حيث وجه الإمام الشهيد حسن البنا الدعوة إلى عقد اجتماع استثنائي للإخوان في 25 من صفر 1354 هِ الموافق آذار 1936 م، وتقرر عن هذا الاجتماع تشكيل لجنة مركزية لمساعدة فلسطين برئاسة فضيلة المرشد العام.
وبدأت اللجنة نشاطها بتوجيه نداء إلى الشعب المصري والأمة الإسلامية لنصرة فلسطين المسلمة، وأرسلت برقيات احتجاج إلى المندوب السامي البريطاني في كل من مصر وفلسطين تستنكر فيها المظالم التي توقعها سلطات الانتداب بشعب فلسطين، كما أرسلت برقية في 18 أيار 1936 م إلى مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني تؤكد وقوف "الإخوان المسلمون" إلى جانب إخوانهم أهل فلسطين.
وتصادف في ذلك الوقت قيام حملة في مصر لجمع تبرعات لمساعدة أهل الحبشة، وقد جُمعت أموال كثيرة أرسل معظمها إلى الحبشة وبقي لدى لجنة التبرعات مبالغ أخرى لم يتم التصرف فيها فأرسل الإمام البنا رسالة إلى الأمير عمر طوسون وأخرى إلى بطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر باعتبارهما من كبار المسئولين عن لجنة جمع التبرعات لمساعدة أهل الحبشة، دعاهما إلى تحويل ما تبقى لدى اللجنة من أموال إلى اللجنة العربية العليا في فلسطين لمساعدتها في القيام بدورها العظيم في مواجهة مؤامرة إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين المقدسة.
· القنوت في الصلاة من أجل فلسطين:
وكان الإمام البنا لا يترك وسيلة ممكنة لتذكير الشعب المصري بخطورة المؤامرة على فلسطين الشقيقة، كما كان رضي الله عنه شديد الحرص على استثارة العواطف الإسلامية الكامنة في نفس شعب مصر لينهض بما تفرضه عليه واجبات الأخوة الإسلامية نحو الشعب الشقيق في فلسطين، من ذلك ما قام به مكتب الإرشاد "للإخوان المسلمون" من توجيه نداء إلى المسلمين في مصر دعاهم فيه للقنوت من أجل فلسطين في الصلاة، وهذا نصه:
(القنوت مشروع عند النوازل التي تنزل بالمسلمين، أجازه الأئمة رضوان الله عليهم واستحسنوه وندبوا إليه، وجاءت به الأحاديث الصحيحة ومنها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سليم: على رعل وذكوان وعصبة، ويؤمّöن من خلفه) رواه أبو داود، قال النووي بإسناد حسن صحيح.
ونازلة فلسطين من أشد النوازل بالمسلمين جميعاً وأعظمها وقعاً على قلوبهم وأشدها نيلاً من إخوانهم وأوطانهم ونفوسهم، وإنما المؤمنون جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ولهذا يقترح مكتب الإرشاد العام أن يقنت المسلمون في الركعة الأخيرة من كل صلاة بعد الركوع قنوتا يدعون فيه بنصرة أهل فلسطين وخذلان أعدائهم ومناوئيهم. ولتكن صيغة هذا القنوت على هذا النحو مثلاً:
(اللهم غياث المستغيثين ونصير المستضعفين انصر إخواننا أهل فلسطين، اللهم فرج كربتهم وأيد قضيتهم واخذل أعداءهم واشدد الوطأة على من ناوأهم واجعلها عليهم سنين كسني يوسف وارفع مقتك وغضبك عنا يا رب العالمين، وصلّö اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم). وفي قنوت الصبح أو الوتر الدعاء المأثور ويزداد عليه هذا المعنى المتقدم لعل الله تبارك وتعالى يستجيب لنا ويؤيد إخواننا بروح منه، وسيأخذ المكتب نفسه ومن تبعه بهذا الهدي حتى تنكشف الغمة وتعود السكينة، والله حسبنا ونعم الوكيل).
· حملات
وكان الأستاذ ينظم حملات من طلاب الإخوان للانتشار في مساجد القاهرة والأقاليم لجمع تبرعات للمجاهدين الفلسطينيين عقب صلاة الجمعة، وقد نجحت هذه الطريقة في تحقيق النتائج الآتية:
1- في إحاطة الناس علماً بأن هناك بلداً مسلماً بجوازنا اسمه فلسطين يراد بيعه لليهود.
2- في إيقاظ الروح الإسلامية في الشعب المصري الذي تضافرت قوى الاستعمار وأذنابه من الحكام ومحترفي الدين على تضليله وتخديره حتى نام وأغرق في النوم.
3- في إيجاد وعي لدى هذا الشعب بأن الإنجليز أعداء لنا وللإسلام.
4- في إقامة الدليل المادي الملموس على أن الحكومة المصرية مهما كان لونها أو حزبها إنما هي خادم ذليل للمستعمر الغاصب.
5- في جمع مبالغ من المال من تبرعات الناس.
لقد اختصر نهوض الإخوان في ذلك الوقت بقضية فلسطين الزمن اختصاراً، وأغنى عن الكثير من الخطب والمحاضرات والمقالات والمؤلفات، فلو أن مائة محاضر مقنع ومائة خطيب مصقع بلوا أقصى ما يستطيعون في الإبانة عما تضمنته الفكرة الإسلامية من معاني التعاون والإخاء التي تربط بين المسلمين في كل مكان، لما أثمرت جهودهم عشر معشار ما كانت تثمره كلمة ثائرة من شاب من الإخوان يوجهها إلى جمهور المصلين بعد صلاة الجمعة يشرح فيها ما يرتكبه اليهود والإنجليز من فظائع ضد إخوانهم المسلمين في فلسطين.
وقد سجل الكاتب الإسلامي العظيم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي بقلمه الرفيع ما بعثته في نفسه إحدى حملات طلاب "الإخوان المسلمون" لنصرة فلسطين، وهي حملة مسجد السيد البدوي بطنطا، فقد كان أحد المصلين بالمسجد في ذلك اليوم، وهيجت الحملة في نفسه كوامن الأسى على ما آلت إليه حال المسلمين من تدهور وانحطاط فسجل هذه الكوامن كما سجل الأماني التي بعثتها هذه الحملة في نفسه في مقال "قصة الأيدي المتوضئة" الذي نشر في مجلة "الرسالة" كبرى المجلات الأدبية العربية في ذلك الوقت.
· الإنطلاق بالقضية
ومع اشتداد الهجمة الصهيونية، قرر الإمام البنا أن ينطلق الإخوان بقضية فلسطين انطلاقة واسعة حتى يشعر الناس جميعاً بها، وأن يجعلوها قضية عالمية تقض مضاجع الإنجليز واليهود. وقد اتخذ الإخوان لتحقيق ذلك الوسائل الآتية:
أولاً: استمرار نظام الخطابة في المساجد وجمع التبرعات والتوسع فيه.
ثانياً: استخدام صحيفة (النذير) وهي صحيفة الإخوان في توعية الجماهير بقضية فلسطين، فكانت افتتاحيات (النذير) التي كان يكتبها الأستاذ صالح عشماوي رحمه الله كالصواعق المرسلة على الإنجليز واليهود، مما جعل للمجلة انتشاراً واسعاً في مصر وصيتا ذائعاً في البلاد العربية.
ثالثا: طباعة وتوزيع المنشورات التي تهاجم الإنجليز وتفضح مظالمهم ضد مسلمي فلسطين، وتفضح دورهم الخبيث في تمكين اليهود من تنفيذ مخططهم ضد فلسطين المسلمة وشعبها المسلم.
رابعاً: الدعوة إلى مقاطعة المحلات التجارية اليهودية في مصر، وقد قام الإخوان بطبع قوائم بأسماء هذه المحلات وأسماء أصحابها اليهود، وذيلوا هذه القوائم بهذا النداء: "إن القرش الذي تدفعه لمحل من هذه المحلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين".
وإتماما لفضح الخطة الصهيونية أصدر الإخوان كتيباً صغيراً يضم أسماء الصحف اليهودية في أنحاء العالم، والأسماء التي يتستر خلفها أصحابها الحقيقيون من اليهود.
خامساً: توزيع كتاب "النار والدمار في فلسطين".
وهو الكتاب الذي أصدرته اللجنة العليا لفلسطين، وفضحت فيه المظالم والجرائم التي كانت ترتكبها سلطات الانتداب البريطاني ضد الشعب الفلسطيني الشقيق..
وقد قام الإخوان بتوزيعه في أسرع وقت، فلم تمض ثلاثة أيام حتى عم الكتاب القاهرة وأقاليم مصر كلها، وقامت قيامة الصحف البريطانية والبرلمان البريطاني لمواجهة هذه الكارثة المدمرة.
وداهمت المركز العام قوة من رجال البوليس وفتشت الدار وكان باقياً من الكتاب سبعمائة وخمسون نسخة فتحفظت عليها، وسأل رئيس القوة من صاحب هذه الكتب فتقدم إليه الأستاذ المرشد وقال له: أنا صاحبها. فنقلت القوة النسخ وطلب الضابط من الأستاذ البنا أن يصحبه إلى النيابة في التحقيق مع الأستاذ على الوجه الآتي:
س: هل أنت صاحب هذه الكتب؟
ج: نعم أنا صاحبها.
س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة.
ج: أعلم ذلك، وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.
س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة.
ج: أعلم وأنا لا أمانع في إحالتي إلى القضاء لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.
وأنهى وكيل النيابة التحقيق ووقعه الأستاذ وقرر وكيل النيابة حبس الأستاذ المرشد على ذمة هذه القضية حتى تحدد جلسة لنظرها.
ورفع التحقيق إلى النائب العام، كما قدمت صورة منه إلى وزارة الداخلية التي كانت فرعاً من السفارة البريطانية، فقد كان وكيل هذه الوزارة بالذات ترشحه في حقيقة الأمر هذه السفارة من المصريين الموالين لها، وكان لهذا الوكيل – فيما يمس مصالح الإنجليز – سلطة الوزير وفوق سلطة رئيس الوزراء.
وقامت وزارة الداخلية بتقديم صورة التحقيق إلى السفير البريطاني في انتظار كلمة ثناء منه على هذه الخدمة العظيمة.. وقرأ السفير التحقيق حتى وصل إلى نهايته فقطب جبينه وقال لصنيعتهم: إنك بهذا التحقيق قدمت لحسن البنا أعظم خدمة دون أن تدري.. لقد استطاع هذا الرجل أن يضحك عليكم.. لقد وزع الكتاب وأصبح في أيدي الناس في كل مكان، وما صادرتموه منه لا يعد شيئاً يذكر بجانب ما تم توزيعه، إن أمنية هذا الرجل هي أن يقدم إلى القضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه في هذه القضية السياسية وسيلة إلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا وفضيحتنا وتوصيل ما تضمنه الكتاب إلى أسماع من لم يصل إليه عن طريق الصحف التي ستتبارى في نشر ما يقال في القضية كدأب الصحف في القضايا السياسية.. هذا التحقيق يجب أن يحفظ وأن يفرج عن الأستاذ البنا في الحال.
وأفرج عن الأستاذ المرشد فعلاً قبل أن يتم في الحبس أربعاً وعشرين ساعة، وقد فوجئ الأستاذ بهذا الإفراج لأنه كان يعتقد أن حكام مصر من الغباء بحيث لا يفهمون هدفه.. وقد زالت الحيرة من هذه المفاجأة حين جاءت عيون الإخوان وأخبرت بما كان من أمر الداخلية مع السفير البريطاني.
سادساً: تنظيم مظاهرات شعبية صاخبة في جميع أنحاء القطر وكان الإمام الشهيد حسن البنا حريصاً على أن يصل اسم فلسطين إلى كل مدينة وقرية في مصر وأن لا ينحصر الاهتمام بها في العاصمة، وانتهز رضي الله عنه اقتراب الذكرى الأليمة لوعد بلفور المشئوم فوضع خطة لتنظيم مظاهرات شعبية صاخبة في جميع أنحاء القطر في اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر 1938، وكانت لهذه المظاهرات التي انطلقت في وقت واحد في جميع أنحاء البلاد أثر كبير في جذب انتباه الشعب المصري في المدن والقرى نحو قضية فلسطين المسلمة، ومن الطبيعي أن يشتط غضب المستعمرين الإنجليز والحكومة المصرية الخاضعة لهم بسبب قوة هذه المظاهرات وضخامتها.
· أول مؤتمر عربي من أجل فلسطين
وحين اطمأن الإمام الشهيد حسن البنا إلى أن جهود الإخوان لجذب انتباه الشعب المصري لأهمية قضية فلسطين قد أثمرت ونجحت، رأى رحمه الله أن مسئولية "الإخوان المسلمون" نحو فلسطين لا تنحصر داخل مصر، فعقد العزم على أن ينقل الإخوان المسلمون نشاطهم في سبيل إنقاذ فلسطين إلى جميع أنحاء الوطن العربي الذي كان يعاني من التشرذم والتمزق، وكان رحمه الله يرى أن هذه الخطة ستهدم الأسوار التي حاصرت بها بريطانيا مصر لمنعها من الالتقاء بأشقائها من العرب والمسلمين، لقد كانت سياسة بريطانيا الاستعمارية تقوم على أساس فصل مصر عن البلاد العربية، وتم لهم ذلك حيث أقنعوا المصريين بأنهم فراعنة.. وكنت تشعر فعلاً بأن المصريين مقتنعون بهذه الفكرة الماكرة الخبيثة كما تشعر بأن أهل الشام والعراق والحجاز واليمن والمغرب مقتنعون أيضاً بذلك..
وكان الذي دفع الإنجليز إلى ذلك هو اعتقادهم بأن نجاح استراتيجيتهم الاستعمارية يقوم على بذر الفرقة بين شعوب الأمة العربية وفصل مصر التي هي بمثابة الرأس عن بقية البلدان العربية، وإذا انفصل الرأس عن بقية أعضاء الجسد كان الموت المحقق.
واستطاع الإخوان أن يحققوا المعجزة بجهود مضنية متواصلة مكثفة استمرت أكثر من خمس سنوات متوالية حين وصلوا قلوب شعب مصر بقلوب إخوان عرب لهم في فلسطين، وحين صارت قضية فلسطين قضية عامة في مصر يتألم قلب المصري لها ويكره الإنجليز من أجلها، وبذلك مد الإخوان أول جسر ربط بين مصر والأمة العربية وأفسدوا على الإنجليز خطتهم.
واستغل الإخوان هذا الجسر الذي أقاموه خير استغلال فوجهوا الدعوة لرجالات البلاد العربية لعقد مؤتمر لدراسة مشكلة فلسطين في مصر واستجاب الكثير منهم ومثلت أكثر البلاد العربية بنخبة من كبار رجالها في ذلك الوقت.
وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر عربي يعقد من أجل فلسطين، وقد عقد في دار المركز العام بالعتبة، وتعاقب فيه الخطباء من مختلف البلاد العربية ثم تكلم الأستاذ المرشد. وانتهى المؤتمر بقرارات تطالب حكومات الدول العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الإنجليزية اليهودية. وكان لهذا المؤتمر آثار بعيدة لأنه جعل الحكومات العربية تحس لأول مرة أن عليها مسئولية نحو مشكلة فلسطين.
· المؤتمر البرلماني العالمي
نجح المؤتمر الشعبي العربي الذي عقد في دار المركز العام "للإخوان المسلمون" في القاهرة، وتطايرت أنباؤه إلى مختلف البلاد العربية والإسلامية، وأصبح المركز العام للإخوان محط آمال كل صاحب قضية وطنية، وخاصة أولئك الذين تؤرقهم قضية فلسطين، فتوافد العديد منهم إلى المركز العام للإخوان للبحث مع الإمام الشهيد في القيام بخطوات جديدة لنصرة فلسطين، واستقر الرأي على ضرورة الدعوة إلى عقد مؤتمر برلماني عالمي في القاهرة من أجل نصرة فلسطين، يدعى له برلمانيون من جميع أنحاء العالم.
وشكلت لجنة برلمانية مصرية لهذا الشأن، استهلت نشاطها بإصدار مذكرة قوية استنكرت فيها المظالم الواقعة على عرب فلسطين ووقع المذكرة 170 نائباً مصرياً.
ووجهت اللجنة بعدئذ دعوة إلى العديد من برلمانات العالم للمشاركة في المؤتمر، وانعقد المؤتمر في 7 تشرين أول 1938 في سراي آل لطف الله بالقاهرة، وختم أعماله بقرارات موجهة إلى جميع دول العالم وبخاصة إنجلترا بوجوب تسوية قضية فلسطين بما يحفظ حقوق شعبها.
ووجدت بريطانيا أن سياستها الممالئة لليهود في فلسطين قد انفضحت فاضطرت للظهور بمظهر الدولة المحايدة فأوقفت حملات القتل والسجن والتعذيب ضد عرب فلسطين وأبدت استعدادها للتفاهم، وطلبت عقد مؤتمر طاولة مستديرة في لندن يشارك فيه العرب واليهود وممثلون عن الحكومة البريطانية.
وتمخض المؤتمر عن إصدار بريطانيا لا يسمى "بالكتاب الأبيض"، أعلنت فيه موافقتها على المطالب العربية بوضع حد للهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وما كان الإخوان لنتظروا من هذا المؤتمر قراراً بحل المشكلة أو يرد الحق إلى نصابه، وإنما كان هدفهم أن يكون مجرد عقده خطوة جديدة على طريق إسماع العالم مظلمة أهل فلسطين التي طالما حاول الإنجليز ومن ورائهم يهود العالم أن يلقوا عليها ستاراً كثيفاً يحجبها عن العالم.
· قرش فلسطين
وعندما توحد نشاط الهيئات والجماعات الإسلامية في مصر من أجل نصرة فلسطين وشكلت لجنة لجمع تبرعات "قرش فلسطين"، عمل الإخوان بكل وسيلة لإنجاح هذا المشروع وكان دورهم فيه أبرز الأدوار وذلك نتيجة توجيهات قيادتهم التي جعلت من قضية فلسطين شغلها الشاغل.. من ذلك ما تلحظه في منشور مكتب الإرشاد العام سنة 1940م الذي يقول:
(لما كانت فلسطين هي قطعة من الوطن الإسلامي العام، وقد وفق الله "الإخوان المسلمون" لخدمة قضيتها خدمة جلي، ولما كان أمرها يتطلب زيادة العناية بها والسير قدماً في سبيل نصرتها ومؤازرتها.. وقد اتخذت الهيئات الإسلامية الآن في هذه المؤازرة وتألفت لجنة تبرعات "قرش فلسطين" ومثل فيها الإخوان المسلمون، لهذا نرجو العناية بالدعاية القوية لجمع هذا القرش وأن يبرهن الإخوان أنهم دائماً في الصف الأول في قضية العرب والإسلام).
· لجنة تحقيق بريطانية – أمريكية...!!
وحين استنفرت الصهيونية أشياعها لإجهاض "الكتاب الأبيض" الذي أصدرته الحكومة البريطانية ووعدت بموجبه بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين سارعت أمريكا لنجدة اليهود، فطالبت بتشكيل لجنة تحقيق بريطانية – أمريكية لإعادة النظر في "الكتاب الأبيض".. وبعد أن تم تشكيل هذه اللجنة طافت بالبلاد العربية متظاهرة بأن غايتها تحقيق العدالة، وكان هدفها من ذلك هو تضييع الوقت لإعطاء اليهود الفرصة لتنفيذ مخططاتهم لتسريب المهاجرين اليهود إلى فلسطين وتدريبهم وتسليحهم.
وعندما وصلت هذه اللجنة إلى مصر استغل الإمام الشهيد حسن البنا وجودها وأصر على مقابلتها في جلستها الثانية، وكان فيمن قابل اللجنة السادة مراد البكري وعبد المجيد صالح باشا وصالح حرب باشا والدكتور منصور فهمي باشا.
ونشرت جريدة "المصري" آنذاك مناقشة الجلسة الثانية التي عقدتها اللجنة البريطانية الأمريكية، وجاء في نص هذا الخبر ما يلي:
(تكلم الجميع في حماس ثم ساد الجلسة السكون عندما جاء دور الشيخ حسن البنا وقد ارتجل كلمة هادئة رزينة باللغة العربية جمعت بين قوة الحجة وسرعة البديهة وحضور النكتة.. وتولى الترجمة الأستاذ أحمد السكري وكيل "الإخوان المسلمون".
وقد استهل الشيخ البنا كلمته بالاعتذار عن إلقهائها باللغة الإنجليزية ثم قال إنه لا يريد أن يتحدث عن مشكلة فلسطين من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد طال فيها البحث ولا حاجة إلى تكرار ما قيل، واستطرد قائلاً: "باسم الإخوان المسلمون" أؤيد ما أعلنه العرب وزعماؤهم ومندوبوهم وكذلك الجامعة العربية.
والناحية التي سأتحدث عنها نقطة بسيطة من الوجهة الدينية، لأن هذه النقطة قد لا تكون مفهومة في العالم العربي، ولهذا فإني أحب أن أوضحها باختصار، فأقرر أن خصومتنا لليهود ليست دينية لأن القرآن الكريم حض على مصافاتهم ومصادقتهم، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن يكون شريعة قومية، وقد أثنى عليهم وجعل بيننا وبينهم اتفاقا {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46].
وحينما أراد القرآن الكريم أن يتناول مسألة اليهود تناولها من الوجهة الاقتصادية والقانونية فقال تعالى وهو أصدق القائلين: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء: 160-161].
ولي كلمة أخيرة من الوجهة الدينية، فإن اليهود يقولون عن فلسطين إنها أرض الميعاد.. ونحن لا مانع لدينا من أن يكونوا في يوم القيامة معنا.
وقد أثارت هذه العبارة عاصفة من الضحك لم تلبث أن اتصلت بأخرى عندما استطرد الشيخ البنا قائلا: (لاحظت أن هذه الهيئة الموقرة منعت التدخين في قاعة الاجتماع خشية أن يؤذي بعض الحضور. وإذا كنتم تحرصون على أمزجة الناس من فعل الدخان، فخليق بكم أن تحرصوا على أهل فلسطين من النيران..).
الرئيس: ولكن بين الحضور من يدخن الآن "وكان يدخن في القاعة عبد المجيد إبراهيم صالح باشا وصحفي أمريكي ومندوب جريدة المصري".
الشيخ البنا: خالفوا القوانين (ضحك).
واختتم الأستاذ البنا كلمته بقوله: لقد استمعت اللجنة إلى رجاء اليهود، وتركت الرجل الأول الجدير باستشهاده في قضية فلسطين وهو الحاج أمين الحسيني وكذلك المجاهدون المبعدون فأكون سعيداً إذا عملت اللجنة على الإفراج عنهم جميعاً).. انتهى خبر جريدة المصري.
وكان تشكيل تلك اللجنة حلقة في مسلسل المؤامرات الصليبية الصهيونية.. فقد كانت نذير شؤم على فلسطين، إذ أصدرت في أواخر شهر نيسان سنة 1946 تقريرها النهائي الذي سمح بهجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين، وأكد استمرار الانتداب البريطاني في فلسطين.
· أكبر مسيرة لإنقاذ فلسطين
وفيما كان العرب والمسلمون يواصلون احتجاجهم على تقرير اللجنة الأمريكية البريطانية، فاجأهم نذير شؤم انطلق في هذه المرة من دهاليز الأمم المتحدة أصدرت في 29 نوفمبر 1947 قرارها الغاشم بتقسيم فلسطين إلى دولتين الأولى عربية والأخرى يهودية.
ولم تكد أنباء هذه المكيدة التي تضافرت عليها جهود دول الكفر تصل إلى مصر حتى أعلن الإمام الشهيد حسن البنا رفض "الإخوان المسلمون" لقرار التقسيم وخرج يقود نصف مليون من مختلف فئات الشعب المصري في أكبر مسيرة تعبر عن رفض المؤامرة على فلسطين الشقيقة.. وهذا ما أفردنا له الكلام في صدر هذا الموضوع.
وعندما اجتمع زعماء الدول العربية في مايو سنة 1948 بمدينة عاليه اللبنانية أبرق إليهم الإمام الشهيد حسن البنا يعدهم بما وعد من قبل في كلمته بإدخال عشرة آلاف مجاهد كدفعة أولى إلى فلسطين، وكان من أثر إعلان الإخوان لهذه الخطوة العملية ما يلي:
1- الأثر المباشر وهو أن أعد كل أخ نفسه، وسارعوا إلى تقديم أنفسهم وأموالهم إلى المركز العام حتى ضاق هو وشعب القاهرة على سعتها بأفواجهم المتلاحقة.
2- أشعل هذا الإعلان الحماس في نفوس مجموعة كريمة من ضباط الجيش المصري فاستقالت من الجيش وأعلنت تطوعها.
3- جعل اليهود يشعرون أن الطريق ليس ممهداً أمامهم لتحقيق أمانيهم بعد أن ظنوا أنهم بمكرهم وأموالهم وبخداع الإنجليز قد قضوا على كل مقاومة كانت تعترض سبيلهم لا سيما أن الذين يتحدونهم لسيوا جنوداً محترفين، بل هم شباب متطوع دفعته إلى التطوع عقيدته وإيمانه، وهذا النوع من الجنود قوي الشكيمة شديد المراس.
4- جعل دول الغرب وهي التي تتبنى اليهود تحاول أن تعرف مدى جدية هذا الإعلان فعهدهم بالعرب أنهم يقولون ما لا يفعلون، فتقاطر المراسلون لهذه الدول على المركز العام وأمطروه بالأسئلة، ورأوا أفواج الإخوان المتطوعين.
5- تشجيع الرؤساء العرب، وبث روح الطمأنينة في نفوسهم كي يتحرروا من تبعيتهم وعبوديتهم للمستعمرين ولا يتخاذلوا ويتهربوا من المسئولية.
· الحرب
وكان لا بد للمعركة أن تندلع على ثرى فلسطين المسلمة، وبدأت المعركة فعلاً بين العصابات اليهودية المنظمة الجيدة التسليح، وبين الجيوش العربية الرسمية، وجيش الإنقاذ الذي شكلته الأنظمة العربية، والمجاهدين المتطوعين من شباب "الإخوان المسلمون" في البلاد العربية.
أما الجيوش العربية فقد دخلت الميدان وهي تعاني من نقص التدريب والتسليح والجهل التام بقوى العدو، والأخطر من ذلك كله هو أن القيادات السياسية العربية لم تكن قد تحررت بعد من التبعية الاستعمارية.. وأما جيش الإنقاذ فقد كان في المعركة لا في العير ولا النفير.
أما مجاهدو "الإخوان المسلمون" فقد سطروا على ثرى فلسطين صفحات ناصعة ينبغي أن تسجل لهم في سفر تاريخ فلسطين بحروف من نور وبماء الوفاء والإكبار، تشهد لهم بذلك مواقعهم في مستعمرة كفار ديروم، وفي مستعمرتي بيري وأتكوما، وفي مستعمرة رامات راحيل، وفي مستعمرة تل بيوت، وفي قرية العسلوج وصور باهر وجبل المكبر وتل رأس الأحرش والتبة 86.. ومواقعهم لحماية ظهر الجيش المصري في وادي الشلالة وتل حجة والرابية والشعوث ومرتفعات الطارة والحفن.. إلخ.
· الهدنة الأولى أو المؤامرة على النصر:
لم تمض أسابيع قليلة على انسحاب البريطانيين، الذين قد سلموا العصابات اليهودية المواقع والسلاح والعتاد الذي يمكنهم من حسم الموقف العسكري لصالحهم.. لم تمض أسابيع قليلة حتى بدأ اليأس يتسرب إلى قيادة العصابات اليهودية مع تلاحق الهزائم التي منيت بها، وأدركت أن رياح المعركة تهب في اتجاه مضاد لمصالحها، وأدركت أن مسار الحرب يهدد الوجود اليهودي كله في فلسطين، فقد بدأ المجاهدون يعدون أنفسهم للوثوب على القدس الجديدة، فسارعت إلى استنفار قوى الصهيونية العالمية لإنقاذها، ولم تلبث أن قامت في أجواء هيئة الأمم روائح مكيدة خبيثة، وبدأت الأنباء تتوارد أن مجلس الأمن يدرس اقتراحاً تقدمت به بريطانيا يقضي بفرض هدنة بين العرب واليهود لمدة أربع أسابيع لأسباب إنسانية ليتمكن المحاربون من سحب قتلاهم من ميادين المعارك.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجامعة العربية وحكوماتها العميلة الذليلة تبدي تجاوبها مع هذا الاقتراح الخطير، كان الإخوان المسلمون يعلنون رفضهم للهدنة المقترحة، ويؤكدون أن مزاعم الكونت برنادوت مندوب هيئة الأمم عن أسبابه الإنسانية لفرض الهدنة ما هي إلا مكيدة تعطي اليهود الفرصة لالتقاط أنفاسهم التي كادت تزهقها انتصارات المجاهدين..
وكتب الإمام الشهيد حسن البنا افتتاحية جريدة "الإخوان المسلمون" اليومية عدد 3 يونيو سنة 1948 بعنوان "حول اقتراح الهدنة.. ماذا وراء هذا الرد؟".. كانت هذه الافتتاحية صرخة أطلقها الإمام البنا للتحذير من قبول هذه الهدنة التي ستجر علينا الخراب والدمار، ختمها بقوله:
(وكنا نؤثر أن يكون شعارنا اليوم وبعد أن يئسنا من أساليب الدبلوماسية هذا اليأس ما قاله من قبل عبد المؤمن بن علي:
وحكم السيف لا تعبأ بعافية وخلها سيرة تبقى على الحقب
فما تنال بغير السيف منقبة ولا ترد صدور الخيل بالكتب
لو كان يطاع لقصير رأي!!...
إننا متشائمون من هذه الهدنة لا نرضى بها ولا نوافق عليها، ونحمل الذين اختاروا هذه الطريقة تبعة عملهم بين يدي الله والناس. ولله الأمر من قبل ومن بعد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
لقد كان على الجامعة العربية والحكومة المصرية بالذات أن تستجيب لصرخة الإمام البنا وترفض هذه الهدنة أو تتلكأ على الأقل في قبولها عدة أسابيع...لو فعلت ذلك لتغيرت نتيجة هذه الحرب، ولما كانت هناك مشكلة تسمى مشكلة فلسطين ولا دولة تسمى دولة إسرائيل!!
ولكن يبدو أن صخب المؤامرة كان أضخم من صرخات الإخوان الواعية، فلم تفلح نصائح الإخوان للحكومات العربية برفض الهدنة.. وصدرت الأوامر إلى الجيوش العربية في فلسطين بوقف إطلاق النار لمدة شهر كامل تبدأ من 11 يونيو سنة 1948 وتنتهي مساء 9 يوليو.
ولم تكن هذه الهدنة المشئومة إلا وسيلة لمساعدة اليهود وتمكينهم من جلب الأسلحة الثقيلة والذخائر، واعترافا فعليا من العرب بقيام إسرائيل، وفرصة لليهود لكي ينقضوا بهجمات غادرة ويحتلوا المواقع المهمة..
ولم تمض تسعة أيام على انتهاء الهدنة الأولى حتى عادت أمريكا لتلقي بكل ثقلها في مجلس الأمن لفرض هدنة جديدة بدأت 18 يوليو 1948، حيث تمكن اليهود خلالها أن يجلبوا أنواعاً جديدة من الأسلحة الثقيلة والطائرات، وزود الخونة الجيش المصري بالأسلحة الفاسدة!!
وبعد هاتين الهدنتين المشئومتين تحول الموقف العسكري لصالح اليهود تماماً، وانطلقت القوات اليهودية المدرعة تحمل الأسلحة والجنود وانتفضت المستعمرات الهادئة الوادعة، ودبت الحياة في أوصالها وقامت لتؤدي دورها المرسوم..
· المكافأة..!!
في 8 ديسمبر سنة 1948 أصدر النقراشي رئيس الحكومة المصرية أمراً عسكرياً بحل جماعة "الإخوان المسلمين" وحظر جميع وجوه نشاطها ومصادرة ممتلكاتها وأموالها.. وذلك قبل أن ينفذ حسن البنا خطته، التي كشف عنها الأستاذ كامل الشريف أحد قادة قوات الإخوان في فلسطين في قوله: (وأعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، فأذكر الوقت الذي كان فيه المرشد العام عليه رحمة الله ورضوانه يعد قوة ضخمة للدفاع عن القدس، حيث كان اليهود يشنون هجمات عنيفة على مراكز الجيش الأردني بها، مما خشي معه أن يستولي اليهود على المدينة المقدسة، وأذكر أن حديثاً تليفونياً جرى بيني وبين فضيلته، وكان يقول لي إنه يجهز قوات كثيفة ليدخل بها فلسطين، وأنه سيعلن الجهاد الديني والتعبئة الشعبية، بعد أن فشلت الحكومات وجامعتها، وكان يسوق لي هذه الأنباء مردداً هذه العبارة "ما فيش فايدة، الناس دول مش عاوزين يحاربوا"، وكان فضيلته يرمي من وراء ذلك إلى إثارة الشعور الديني في العالم الإسلامي، ودفع الشعوب الإسلامية والحكومات الإسلامية لعمل شيء ما).
وفي 7 يناير 1949، أعلن رسمياً عن توقف العمليات الحربية على الجبهة المصرية، وأدرك مجاهدو الإخوان أنهم سيخرجون من الجبهة القتال مع اليهود ليواجهوا مؤامرة خبيثة دبرت لهم في ليل في دهاليز السفارة البريطانية بالقاهرة بتحريض من القوى الصهيونية العالمية، وزاد من يقين الإخوان بصعوبة موقفهم ما تواترت به الأنباء من مصر من تصعيد الحكومة لعمليات المطاردة والإيذاء ضد الإخوان، وأردك مجاهدو الإخوان أن بقاءهم في الجبهة لم يعد له ما يبرره بتوقف الحرب، وأدركوا أنهم إذا غادروا الجبهة عائدين إلى مصر فإن زنازين السجون ستفتح لاستقبالهم، فاستقر رأي قيادة مجاهدي الإخوان على اقتراح حل يعفي الحكومة المصرية من الحرج السياسي، وينجي الإخوان مما ينتظرهم من مطاردة وأذى إذا عادوا إلى مصر، وكان هذا الاقتراح يقضي بالسماح لهم بالبقاء في الجبهة ليتوزعوا في مجموعات صغيرة تقوم بحرب عصابات ضد اليهود بينما تعلن الحكومة المصرية، تنصلها من هذه العصابات.
ولكن يبدو أن المؤامرة كانت أكبر من طموحات المجاهدين وأحلامهم، إذ سرعان ما صعقهم النبأ القادم من مصر يعلن استشهاد الإمام حسن البنا غيلة في مساء 12 فبراير سنة 1949.
ولم يمض يومان على اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا حتى جاء ضابط مصري كبير ليبلغ مجاهدي الإخوان أن الجيش سيقوم بنقلهم إلى مصر تمهيداً ليعود كل واحد منهم إلى بلده.
وبسرعة مريبة قام الجيش بتجريد الأبطال من أسلحتهم ومصادرتها، وقام بنقلهم في شاحنات كبيرة إلى رفح، حيث أبلغوا أنهم سيبيتون ليلتهم في عنبر كبير خصص لهم في أحد معسكرات الجيش ليتم في اليوم التالي نقلهم إلى مصر بواسطة القطار.
وعندما أفاق الإخوان ليصلوا الفجر فوجئوا بأن عنبرهم قد أحيط بالأسلاك الشائكة والجنود، وزالت دهشتهم عندما جاء ضابط كبير يبلغهم أن الأوامر الصادرة من القاهرة تقضي باعتقالهم إلى أجل غير محدد.
وحين اكتظ المعتقل بجموع الإخوان، اضطرت القيادة المصرية لفتح معتقل جديد خصصته لمجاهدي الإخوان الذين كانوا يرابطون في منطقة بيت لحم والخليل.
وفي العريش حيث تم نقل المعتقلين على أثر عدوان يهودي بعيداً عن الخطوط الأمامية، نظم الإخوان أنفسهم على أساس اعتقال طويل.. ولكن ما لبث أن جاءهم البشير بسقوط حكومة الإرهاب وتشكيل حكومة ائتلافية لتصفية المعتقلات، وظن الإخوان أن الحكومة الجديدة سترفع الظلم عنهم، وتعتذر عما لاقوه من عقوق ونكران وهم الذين خطوا بدماء شهدائهم أنصع سطور البطولة على أرض فلسطين، ولكن سرعان ما خاب ظنهم حين وصلوا إلى مصر ليجدوا في انتظارهم في محطة القطار أوامر القبض عليهم، والزج بهم في السجون، ليخضعوا لسلسلة مريرة من التحقيق الذي تتخلله صنوف مخزية من عمليات الإرهاب والإذلال.. وأخيرا يرسل كل واحد منهم في حراسة إلى بلدته وكأنه أحد المجرمين لا أحد المجاهدين الذين رفعوا رأس مصر عالياً، وسجل التاريخ في صفحاته السوداء بحروف الخزي والعار هذه النهاية لجهاد الإخوان المسلمون في فلسطين..!!
· شعلة لا تنطفئ
وإن كان الأنكال قد نزعوا سلاح مجاهدي الإخوان وأقصوهم في خسة عن الميدان إلى السجون والمعتقلات فإن ظلام السجون لم يطفئ شعلة الجهاد في نفوسهم، وإن قيود المعتقلات لم توهن عزيمتهم.. إنك لو سألت هؤلاء الأبطال عن كلمات، كالفرار والاستسلام، لما فهموا ما تقول فتلك كلمات لا تعرفها لغتهم.. إنهم في السجون وعيونهم وقلوبهم وعقولهم تدور مع مسرى محمد صلى الله عليه وسلم، فيستحثون المسئولين ويستصرخونهم في إشعال حرب العصابات لتعطيل الجهاز الإنشائي لدولة إسرائيل الوليدة حتى لا يستفحل خطرها في المنطقة وتتهيأ ظروف اقتلاعها وتطهير الأرض المقدسة من أرجاسها.
يقول الأستاذ كامل الشريف في تقديمه للطبعة الثانية من كتابه "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين":
(حينما ساقتنا القوة الباطشة إلى المعتقلات عقب الحرب الفلسطينية كتبت عدة مذكرات للمسئولين في الجيش المصري ناديت فيها بوجوب تسخير القوة الشعبية الفلسطينية لإرهاق العدو وإرغامه على قتال طويل المدى بواسطة عصابات عربية صغيرة تنتشر في صحاري فلسطين، فتدمر الجسور والطرق وتحرق المصانع والمعامل وتغير على المستعمرات الزراعية وتعمل يد التحريق والتدمير في مزروعاتها وآلاتها، وتنشر الرعب والفزع في كل مدينة وقرية ومستعمرة، وقلت إن هذه الحالة لن تكلف كثيراً، ولكنها كفيلة بتعطيل الجهاز الإنشائي في دولة، وإرغام جيشها الكبير الذي تفرغ للتدريب والإعداد على حماية حدودها المترامية وعلى حراسة طرق المواصلات والمستعمرات والمصانع وغيرها من المراكز، وفي ذلك ما فيه إرهاق لميزانية الدولة وإشغال لهذه القوات إلى جانب الخسائر الهائلة التي يمكن أن تقع في الجنود والعتاد.
وقد كان مما يساعد على نجاح هذه الخطة أن الحرب كانت لا تزال قائمة والشعب الفلسطيني لا يزال يعيش في مناطق من فلسطين المحتلة وليست هناك حدود معترف بها بين إسرائيل والمناطق العربية من فلسطين، كما أن الدول العربية كانت تستطيع في ذلك الحين أن تعلن أن الشعب الفلسطيني قد استرد حقه في تحرير وطنه بالوسائل التي يراها بعد فشل التدخل العربي الجماعي في تحقيق هذه النتيجة، ولقد كنا نعتقد أن إشعال الحرب التحريرية من جانب الفلسطينيين قد يغري العدو بتكرار مهاجمة شبه جزيرة سيناء، فقد نصحنا بضرورة تحصين هذه المناطق تحصيناً قوياً، ولقد اقترحنا من أجل تحقيق هذه الغاية بناء مستعمرات زراعية على طول الحدود في المناطق التي يوجد فيها الماء والأراضي الزراعية الصالحة، كما دعونا إلى إنشاء قوات للبادية من القبائل العربية وإعدادها لتؤدي دوراً فعالاً في عرقلة وإحباط أي هجوم متوقع من جانب العدو، وناشدنا المسئولين في الحكومة السعدية القائمة أن يشجعوا المصريين على الهجرة إلى سيناء وتعميرها حتى لا تبقى هذه المناطق الحيوية فارغة مما يغري المستعمر الصهيوني باحتلالها.
نعم، صرخنا من وراء أسوار المعتقلات في مذكرات مكتوبة إلى المسئولين أن استمروا في الحرب، وإذا كانت الظروف قد اضطرتكم لإنهاء الحرب النظامية هذه النهاية المؤسفة وخرجت جيوشكم مثخنة بجراح الهزيمة، وبها شوق إلى الثأر والانتقام، فأشعلوا حرب العصابات وهي كفيلة بتحقيق ما عجزت الجيوش النظامية عن تحقيقه، وإن أمامكم من الشواهد على نجاح هذه الوسيلة.
إن العصابات التي حررت يوغسلافيا، هي التي حررت فرنسا من الألمان، وهي التي دمرت حكومة الصين الوطنية، وهي التي حررت أندونيسيا المسلمة..
إن الوسيلة الوحيدة لإرهاق إسرائيل وتدمير قواها واستنزاف ماء حياتها لن تكون إلا بحرب عصابات يقوم بها الشباب الفلسطيني الناقم المغيظ، الذي يتحرق شوقاً لملاقاة أعدائه، وتنغيص عيشهم كما نغصوا عليه حياته.
قلنا هذا الكلام في ذلك الحين، ولكن حكومة الإرهاب كانت مشغولة بقتل "حسن البنا" والقضاء على فكرة الإسلام، وحين مادت الأرض تحت ذلك العهد الأغبر واصلنا الكتابة والنصح، ولكن هذا الجهد كله ذهب أدراج الرياح!
إنني أصبحت مقتنعاً أنه لا خير يرجى في هذه الحكومات وليس هناك مفر من إعلان هذا الرأي، ودعوة الجماعات الوطنية الشعبية في مصر وسائر البلاد العربية لتتعاون جميعاً في هذا السبيل.
هذه هي الأسلحة الخطرة التي يمكن توجيهها إلى إسرائيل، الحصار الاقتصادي المنظم وحرب العصابات المنظمة القوية).