الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث
المؤلف: علي محمد الصلاّبي
التصنيف: الأخبار
 

الفصل الثالث - الجهر بالدعوة وأساليب المشركين في محاربتها

المبحث الأول - الجهر بالدعِِِِِِِِوة

بعد الإعداد العظيم الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم لتربية أصحابه, وبناء الجماعة المسلمة المنظمة الأولى على أسس عقدية, وتعبدية وخلقية رفيعة المستوى, حان موعد إعلان الدعوة بنزول قول الله تعالى: ( وَأَنذöرْ عَشöيرَتَكَ الأقْرَبöينَ ` وَاخْفöضْ جَنَاحَكَ لöمَنö اتَّبَعَكَ مöنَ الْمُؤْمöنöينَ )

[الشعراء: 214، 215].

فجمع قبيلته صلى الله عليه وسلم وعشيرته, ودعاهم علانية إلى الإيمان بإله واحد، وخوَّفهم من العذاب الشديد إن عصوه، وأمرهم بإنقاذ أنفسهم من النار، وبين لهم مسؤولية كل إنسان عن نفسه([1]).

عن ابن عباس t قال: لما نزلت ( وَأَنذöرْ عَشöيرَتَكَ الأقْرَبöينَ ) صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: «فإنني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ( تَبَّتْ يَدَا أَبöي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ )([2]). وفي رواية- ناداهم بطنًا بطنًا، ويقول لكل بطن: «أنقذوا أنفسكم من النار....» ثم قال: «يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحما سأبُلها ببلالها» ([3]).

كان القرشيون واقعيين عمليين، فلما رأوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين، قد وقف على جبل يرى ما أمامه، وينظر إلى ما وراءه، وهم ما يرون إلا ما هو أمامهم، فهداهم إنصافهم وذكاؤهم إلى تصديقه، فقالوا: نعم.

ولما تمت هذه المرحلية الطبيعية البدائية، وتحققت شهادة المستمعين, قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «فإنني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» وكان ذلك تعريفًا بمقام النبوة، وما ينفرد به من علم بالحقائق الغيبية والعلوم الوهبية، وموعظة وإنذارًا، في حكمة وبلاغة، لا نظير لهما في تاريخ الديانات والنبوات، فلم تكن طريق أقصر من هذا الطريق، ولا أسلوب أوضح من هذا الأسلوب، فسكت القوم([4]) ولكن أبا لهب قال: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟.. وبهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع للأمة أسس الإعلام, فقد اختار مكانًا عاليًا وهو الجبل ليقف عليه, وينادي على جميع الناس فيصل صوته إلى الجميع، وهذا ما تفعله محطات الإرسال في عصرنا الحديث, لتزيد من عمليات الانتشار الإذاعي، ثم اختار لدعوته الأساس المتين ليبني عليه كلامه وهو الصدقº وبهذا يكون صلى الله عليه وسلم قد علم رجال الإعلام والدعوة أن الاتصال بالناس بهدف إعلامهم أو دعوتهم، يجب أن يعتمد وبصفة أساسية على الثقة التامة بين المرسل والمستقبل, أو بين مصدر الرسالة والجمهور الذي يتلقى الرسالة، كما أن المضمون أو المحتوى يجب أن يكون صادقا لا كذب فيه([5]).

«ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، إذ أن مكة بلد توغلت فيه الروح القبلية، فبدء الدعوة بالعشيرة, قد يعين على نصرته وتأييده وحمايته، كما أن القيام بالدعوة في مكة لا بد أن يكون له أثر خاص, لما لهذا البلد من مركز ديني خطير، فجلبها إلى حظيرة الإسلام لا بد أن يكون له وقع كبير على بقية القبائل، على أن هذا لا يعني أن رسالة الإسلام كانت في أدوارها الأولى محدودة بقريشº لأن الإسلام كما يتجلى من القرآن الكريم اتخذ الدعوة في قريش خطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية»([6]) فقد جاءت الآيات المكية تبين عالمية الدعوة، قال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذöي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدöهö لöيَكُونَ لöلْعَالَمöينَ نَذöيرًا ) [الفرقان: 1].

وقال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلاَّ رَحْمَةً لّöلْعَالَمöينَ ) [الأنبياء: 107]. وقال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلاَّ كَافَّةً لّöلنَّاسö بَشöيرًا وَنَذöيرًا وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لاَ يَعْلَمُونَ ) [سبأ: 28].

ثم جاءت مرحلة أخرى بعدها، فأصبح يدعو فيها كل من يلتقي به من الناس على اختلاف قبائلهم وبلدانهم ويتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، ويدعو من لقيه من حر وعبد، وقوي وضعيف، وغني وفقير([7]), حين نزول قوله تعالى: ( فَاصْدَعْ بöمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرöضْ عَنö الْمُشْرöكöينَ ` إöنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزöئöينَ ` الَّذöينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهö إöلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ ` وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضöيقُ صَدْرُكَ بöمَا يَقُولُونَ ) [الحجر: 94-97].

كانت النتيجة لهذا الصدع هي الصد والإعراض والسخرية والإيذاء والتكذيب، والكيد المدبر المدروس، وقد اشتد الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه, وبين شيوخ الوثنية وزعمائها، وأصبح الناس في مكة يتناقلون أخبار ذلك الصراع في كل مكان، وكان هذا في حد ذاته مكسبًا عظيمًا للدعوة، ساهم فيه أشد وألد أعدائها, ممن كان يشيعون في القبائل قالة السوء عنها، فليس كل الناس يسلمون بدعاوي زعماء الكفر والشرك.

كانت الوسيلة الإعلامية في ذلك العصر تناقل الناس للأخبار مشافهة, وسمع القاصي والداني بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار هذا الحدث العظيم حديث الناس في المجالس ونوادي القبائل، وفي بيوت الناس([8]).

أهم اعتراضات المشركين:

كانت أهم اعتراضات زعماء الشرك موجهة نحو وحدانية الله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم الذي أنزل عليه من رب العالمين.

وفيما يلي تفصيل لهذه الاعتراضات والرد عليها:

أولاً: اعتراضهم على الوحدانية:

لم يكن كفار مكة ينكرون بأن الله خلقهم وخلق كل شيء: قال تعالى: ( وَلَئöنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتö وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلö الْحَمْدُ للهö بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) [لقمان: 25]. لكنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله، قال تعالى: ( أَلاَ للهö الدّöينُ الْخَالöصُ وَالَّذöينَ اتَّخَذُوا مöن دُونöهö أَوْلöيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إöلاَّ لöيُقَرّöبُونَا إöلَى اللهö زُلْفَى إöنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فöي مَا هُمْ فöيهö يَخْتَلöفُونَ إöنَّ اللهَ لاَ يَهْدöي مَنْ هُوَ كَاذöبñ كَفَّارñ )([9]) [الزمر: 3].

وقد انتقلت عبادة الأصنام إليهم من الأمم المجاورة لهم، ولهذا قابلوا الدعوة إلى التوحيد بأعظم إنكار وأشد استغراب([10]) قال تعالى: ( وَعَجöبُوا أَن جَاءَهُم مُّنْذöرñ مّöنْهُمْ وَقَالَ الْكَافöرُونَ هَذَا سَاحöرñ كَذَّابñ ` أَجَعَلَ الآلöهَةَ إöلَهًا وَاحöدًا إöنَّ هَذَا لَشَيْءñ عُجَابñ ` وَانطَلَقَ الْمَلأُ مöنْهُمْ أَنö امْشُوا وَاصْبöرُوا عَلَى آلöهَتöكُمْ إöنَّ هَذَا لَشَيْءñ يُرَادُ ` مَا سَمöعْنَا بöهَذَا فöي الْمöلَّةö الآَخöرَةö إöنْ هَذَا إöلاَّ اخْتöلاَقñ ) [ص: 4-7].

ولم يكن تصورهم لله تعالى ولعلاقته بخلقه صحيحًا، إذ كانوا يزعمون أن لله تعالى صاحبة من الجن، وأنها ولدت الملائكة، وأن الملائكة بنات الله –تعالى الله عما يقولون
علوًّا كبيرًا.

فكانت الآيات تنزل مبيّöنة أن الله عز وجل خلق الجن والملائكة كما خلق الإنس، وأنه لم يتخذ ولدًا، ولم تكن له صاحبة, قال تعالى: ( وَجَعَلُوا للهö شُرَكَاءَ الْجöنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنöينَ وَبَنَاتٍ بöغَيْرö عöلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصöفُونَ ` بَدöيعُ السَّمَاوَاتö وَالأَرْضö أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدñ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحöبَةñ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بöكُلّö شَيْءٍ عَلöيمñ ) [الأنعام: 100-101].

ومبينةñ أن الجن يقرون لله بالعبودية، وينكرون أن يكون بينهم وبينه علاقة نسب: ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجöنَّةö نَسَبًا وَلَقَدْ عَلöمَتö الْجöنَّةُ إöنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) [الصافات: 158].

ومطالبةً المشركين باتباع الحق وعدم القول بالظنون والأوهام: ( إöنَّ الَّذöينَ لاَ يُؤْمöنُونَ بöالآَخöرَةö لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئöكَةَ تَسْمöيَةَ الأُنْثَى ` وَمَا لَهُم بöهö مöنْ عöلْمٍ إöن يَتَّبöعُونَ إöلاَّ الظَّنَّ وَإöنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنöي مöنَ الْحَقّö شَيْئًا ) [النجم: 27-28].

وموضحةً أنه لا يعقل أن يمنح الله المشركين البنين، ويكون له بنات، وهن أدنى قيمة في رأيهم من البنين: ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بöالْبَنöينَ وَاتَّخَذَ مöنَ الْمَلائöكَةö إöنَاثًا إöنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظöيمًا ) [الإسراء: 40].

ومحملةً المشركين مسئولية أقوالهم التي لا تقوم على دليل: ( وَجَعَلُوا الْمَلاَئöكَةَ الَّذöينَ هُمْ عöبَادُ الرَّحْمَنö إöنَاثًا أَشَهöدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) [الزخرف: 19].

ثانيًا: كفرهم بالآخرة:

أما دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان باليوم الآخر، فقد قابلها المشركون بالسخرية والتكذيب: ( وَقَالَ الَّذöينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبّöئُكُمْ إöذَا مُزّöقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إöنَّكُمْ لَفöي خَلْقٍ جَدöيدٍ ` أَفْتَرَى عَلَى اللهö كَذöبًا أَم بöهö جöنَّةñ بَلö الَّذöينَ لاَ يُؤْمöنُونَ بöالآَخöرَةö فöي الْعَذَابö وَالضَّلاَلö الْبَعöيدö ) [سبأ: 7-8] فقد كانوا ينكرون بعث الموتى: ( وَقَالُوا إöنْ هöيَ إöلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بöمَبْعُوثöينَ )

[الأنعام: 29].

ويقسمون على ذلك بالأيمان المغلظة. ( وَأَقْسَمُوا بöاللهö جَهْدَ أَيْمَانöهöمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهö حَقًّا وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لاَ يَعْلَمُونَ ` لöيُبَيّöنَ لَهُمُ الَّذöي يَخْتَلöفُونَ فöيهö وَلöيَعْلَمَ الَّذöينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذöبöينَ ) [النحل: 38، 39] وكانوا يظنون أنه لا توجد حياة في غير الدنيا, ويطلبون إحياء آبائهم ليصدقوا بالآخرة: قال تعالى: ( وَقَالُوا مَا هöيَ إöلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلöكُنَا إöلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بöذَلöكَ مöنْ عöلْمٍ إöنْ هُمْ إöلاَّ يَظُنُّونَ ` وَإöذَا تُتْلَى عَلَيْهöمْ آيَاتُنَا بَيّöنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إöلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بöآبَائöنَا إöن كُنْتُمْ صَادöقöينَ ` قُلö اللهُ يُحْيöيكُمْ ثُمَّ يُمöيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إöلَى يَوْمö الْقöيَامَةö لاَ رَيْبَ فöيهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لاَ يَعْلَمُونَ ` وَللهö مُلْكُ السَّمَاوَاتö وَالأَرْضö وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئöذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطöلُونَ ) [الجاثية: 24-27].

وفاتهم أن الذي خلقهم أول مرة قادر على أن يحييهم يوم القيامة, قال مجاهد وغيره: جاء أُبي بن خلف([11]) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» ونزلت هذه الآيات([12]) ( أَوَ لَمْ يَرَ الإöنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مöن نُّطْفَةٍ فَإöذَا هُوَ خَصöيمñ مُّبöينñ ` وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسöيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيöي الْعöظَامَ وَهöيَ رَمöيمñ ` قُلْ يُحْيöيهَا الَّذöي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بöكُلّö خَلْقٍ عَلöيمñ ) [يس: 77-79].

 كانت أساليب القرآن الكريم في إقناع الناس بالبعث اعتمدت على خطاب العقل، والانسجام مع الفطرة، والتجاوب مع القلوب، فقد ذكَّر الله عباده أن حكمته تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب، فإن الله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل, وأنزل الكتب, لبيان الطريق الذي به يعبدونه ويطيعونه ويتبعون أمره ويجتنبون نهيه، فمن العباد من رفض الاستقامة على طاعة الله، وطغى وبغى، أفليس بعد أن يموت الطالح والصالح, ولا بد أن يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته, قال تعالى: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلöمöينَ كَالْمُجْرöمöينَ ` مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ` أَمْ لَكُمْ كöتَابñ فöيهö تَدْرُسُونَ` إöنَّ لَكُمْ فöيهö لَمَا تَخَيَّرُونَ ) [القلم:35-38] إن الملاحدة الذين ظلموا أنفسهم هم الذين يظنون الكون خلق عبثًا وباطلاً لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد، ولا بين التقي والفاجر([13])، قال تعالى ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطöلاً ذَلöكَ ظَنُّ الَّذöينَ كَفَرُوا فَوَيْلñ لّöلَّذöينَ كَفَرُوا مöنَ النَّارö ` أَمْ نَجْعَلُ الَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö كَالْمُفْسöدöينَ فöي الأَرْضö أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقöينَ كَالْفُجَّارö )[ص: 27، 28].

وضرب القرآن الكريم للناس الأمثلة في إحياء الأرض بالنبات, وإن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إعادة الحياة إلى الجثث الهامدة والعظام البالية ( فَانْظُرْ إöلَى آثَارö رَحْمَتö اللهö كَيْفَ يُحْيöي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا إöنَّ ذَلöكَ لَمُحْييö الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ ) [الروم: 50].

وذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه إحياء بعض الأموات في هذه الحياة الدنيا، فأخبر الناس في كتابه عن أصحاب الكهف, بأنه ضرب على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين, ثم قاموا من رقدتهم بعد تلك الأزمان المتطاولة, قال تعالى: ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لöنَعْلَمَ أَيُّ الحöزْبَيْنö أَحْصَى لöمَا لَبöثُوا أَمَدًا ) [الكهف: 12]. ( وَكَذَلöكَ بَعَثْنَاهُمْ لöيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائöلñ مّöنْهُمْ كَم لَبöثْتُمْ قَالُوا لَبöثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بöمَا لَبöثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بöوَرöقöكُمْ هَذöهö إöلَى الْمَدöينَةö فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتöكُمْ بöرöزْقٍ مّöنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعöرَنَّ بöكُمْ أَحَدًا ) [الكهف: 19]. ( وَلَبöثُوا فöي كَهْفöهöمْ ثَلاَثَ مöائَةٍ سöنöينَ وَازْدَادُوا تöسْعًا ) [الكهف: 25] وغير ذلك من الأدلة والبراهين التي استخدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناظراته مع زعماء الكفر والشرك.

ثالثًِا: اعتراضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اعترضوا على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتصورون أن الرسول لا يكون بشرا مثلهم، وأنه ينبغي أن يكون ملكا، أو مصحوبا بالملائكة: ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمöنُوا إöذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إöلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً ) [الإسراء: 94] ( وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزöلَ عَلَيْهö مَلَكñ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضöيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ ) [الأنعام:8] ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهöم مَّا يَلْبöسُونَ ) [الأنعام:9] أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً من الملائكة لكان على هيئة الرجل يمكنهم مخاطبته والأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشر([14]), وكانوا يريدون رسولاً لا يحتاج إلى طعام وسعى في الأسواق: ( وَقَالُوا مَا لöهَذَا الرَّسُولö يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشöي فöي الأسْوَاقö لَوْلاَ أُنْزöلَ إöلَيْهö مَلَكñ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذöيرًا ` أَوْ يُلْقَى إöلَيْهö كَنْزñ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةñ يَأْكُلُ مöنْهَا وَقَالَ الظَّالöمُونَ إöن تَتَّبöعُونَ إöلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ) [الفرقان: 7، 8] وكأنهم لم يسمعوا بأن الرسل جميعًا كانوا يأكلون ويسعون ويعملون ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مöنَ الْمُرْسَلöينَ إöلاَّ إöنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فöي الأسْوَاقö وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لöبَعْضٍ فöتْنَةً أَتَصْبöرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصöيرًا )([15]) [الفرقان: 20].

ويريدون أن يكون الرسول كثير المال كبيرًا في أعينهم:  ( وَقَالُوا لَوْلاَ نُزّöلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مّöنَ الْقَرْيَتَيْنö عَظöيمٍ ) [الزخرف: 31]. يريدون الوليد بن المغيرة بمكة وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف([16]).

 ونسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجنون: ( وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذöي نُزّöلَ عَلَيْهö الذّöكْرُ إöنَّكَ لَمَجْنُونñ ` لَوْ مَا تَأْتöينَا بöالْمَلائöكَةö إöن كُنتَ مöنَ الصَّادöقöينَ ) [الحجر: 6،7] ( أَنَّى لَهُمُ الذّöكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولñ مُّبöينñ ` ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمñ مَّجْنُونñ ) [الدخان: 13، 14]

ورد الله عليهم بقوله: ( مَا أَنتَ بöنöعْمَةö رَبّöكَ بöمَجْنُونٍ ) [القلم: 2]

كما نسبوه إلى الكهانة والشعر: ( فَذَكّöرْ فَمَا أَنتَ بöنöعْمَتö رَبّöكَ بöكَاهöنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ` أَمْ يَقُولُونَ شَاعöرñ نَّتَرَبَّصُ بöهö رَيْبَ الْمَنُونö ) [الطور: 29، 30].

كما أنهم كانوا يعلمون أنه لا ينظم الشعر، وأنه راجح العقل، وأن ما يقوله بعيد عن سجع الكهان وقول السحرة([17]).

ونسبوه صلى الله عليه وسلم إلى السحر والكذب: ( وَعَجöبُوا أَن جَاءَهُم مُّنْذöرñ مّöنْهُمْ وَقَالَ الْكَافöرُونَ هَذَا سَاحöرñ كَذَّابñ ) [ص: 4]. ( نَحْنُ أَعْلَمُ بöمَا يَسْتَمöعُونَ بöهö إöذْ يَسْتَمöعُونَ إöلَيْكَ وَإöذْ هُمْ نَجْوَى إöذْ يَقُولُ الظَّالöمُونَ إöن تَتَّبöعُونَ إöلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ` انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطöيعُونَ سَبöيلاً ) [الإسراء: 47، 48]، وكانت الآيات تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفند مزاعم المشركين، وتبين له أن الرسل السابقين استهزئ بهم، وأن العذاب عاقبة المستهزئين: ( وَلَقَدö اسْتُهْزöئ بöرُسُلٍ مّöن قَبْلöكَ فَحَاقَ بöالَّذöينَ سَخöرُوا مöنْهُم مَّا كَانُوا بöهö يَسْتَهْزöئُونَ ) [الأنعام: 10] وتعلمه أن المشركين لا يكذبون شخصه، ولكنهم يكذبون رسالته، ويدفعون آيات الله بتلك الأقاويل([18]): ( قَدْ نَعْلَمُ إöنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذöي يَقُولُونَ فَإöنَّهُمْ لاَ يُكَذّöبُونَكَ وَلَكöنَّ الظَّالöمöينَ بöآيَاتö اللهö يَجْحَدُونَ ) [الأنعام: 33].

رابعًا: موقفهم من القرآن الكريم:

كذلك لم يصدقوا أن القرآن الكريم منزل من الله واعتبروه ضربًا من الشعر الذي كان ينظمه الشعراء، مع أن كل من قارن بين القرآن وبين أشعار العرب يعلم أنه مختلف عنها: ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّöعْرَ وَمَا يَنبَغöي لَهُ إöنْ هُوَ إöلاَّ ذöكْرñ وَقُرْآنñ مُّبöينñ ` لöيُنْذöرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحöقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافöرöينَ ) [يس: 69، 70] وكيف يكون القرآن شعرًا وقد نزل فيه ذم للشعراء الذين يضلون الناس, ويقولون خلاف الحقيقة([19]). ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبöعُهُمُ الْغَاوُونَ ` أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فöي كُلّö وَادٍ يَهöيمُونَ ` وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ) [الشعراء: 224 -226].

 فهو كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وليس شبيهًا بقول الشعراء، ولا بقول الكهان: ( إöنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرöيمٍ ` وَمَا هُوَ بöقَوْلö شَاعöرٍ قَلöيلاً مَّا تُؤْمöنُونَ ` وَلاَ بöقَوْلö كَاهöنٍ قَلöيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ` تَنزöيلñ مّöن رَّبّö الْعَالَمöينَ ) [الحاقة: 40-43].

وقد أدرك الشعراء قبل غيرهم أن القرآن الكريم ليس شعرًا([20]) ومن فرط تكذيبهم وعنادهم قالوا: إن محمدًا يتعلم القرآن من رجل أعجمي([21]) كان غلامًا لبعض بطون قريش، وكان بياعًا يبيع عند الصفا، وربما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف من العربية إلا اليسير، بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، ولهذا قال تعالى ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إöنَّمَا يُعَلّöمُهُ بَشَرñ لّöسَانُ الَّذöي يُلْحöدُونَ إöلَيْهö أَعْجَمöيّñ وَهَذَا لöسَانñ عَرَبöيّñ مُّبöينñ ) [النحل: 103].

أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن من فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل([22]).

واعترضوا على طريقة نزول القرآن، فطلبوا أن ينزل جملة واحدة، مع أن نزوله مفرقًا أدعى لتثبيت قلوب المؤمنين به وتيسير فهمه وحفظه وامتثاله: ( وَقَالَ الَّذöينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزّöلَ عَلَيْهö الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحöدَةً كَذَلöكَ لöنُثَبّöتَ بöهö فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتöيلاً ) [الفرقان: 32].

فلما اعترض المشركون على القرآن, وعلى من أنزل عليه بهذه الاعتراضات
تحداهم الله بأن يأتوا بمثله، وأعلن عن عجز الإنس والجن مجتمعين عن ذلك:
( قُل لَّئöنö اجْتَمَعَتö الإöنْسُ وَالْجöنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بöمöثْلö هَذَا الْقُرْآنö لاَ يَأْتُونَ بöمöثْلöهö وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لöبَعْضٍ ظَهöيرًا ) [الإسراء: 88].

بل هم عاجزون عن أن يأتوا بعشر سور مثله: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بöعَشْرö سُوَرٍ مّöثْلöهö مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنö اسْتَطَعْتُم مّöن دُونö اللهö إöن كُنْتُمْ صَادöقöينَ ` فَإöن لَّمْ يَسْتَجöيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزöلَ بöعöلْمö اللهö وَأَن لاَّ إöلَهَ إöلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلöمُونَ ) [هود: 13، 14].

وحتى السورة الواحدة هم عاجزون عنها: ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُّفْتَرَى مöن دُونö اللهö وَلَكöن تَصْدöيقَ الَّذöي بَيْنَ يَدَيْهö وَتَفْصöيلَ الْكöتَابö لاَ رَيْبَ فöيهö مöن رَّبّö الْعَالَمöينَ ` أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بöسُورَةٍ مّöثْلöهö وَادْعُوا مَنö اسْتَطَعْتُم مّöن دُونö اللهö إöن كُنْتُمْ صَادöقöينَ ) [يونس: 37-38].

فعجزهم مع أن الفصاحة كانت من سجاياهم، وكانت أشعارهم ومعلقاتهم في قمة البيان دليل على أن القرآن كلام الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، وكلامه لا يشبه كلام المخلوقين([23]).

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca