وهكذا اكتملت هذه المواعظ في الدعوة، وصفات الداعية، والمدونة اللطيفة في أعمال القلوب وترقيقها.
وأظنها أول مواعظ شاملة تنخل القديم وتغربله، وتستفيد من الجديد، وتمزج النثر بالشعر، مجردة فقه العمل الحركي وأدب الرقائق والحماسة دون فروع المعاملات، مسترسلة في الخطاب على الأسلوب الحديث غير مكتفية بإيراد الأقوال المستحسنة في تعداد جامد استسهلته كتب المواعظ القديمة، مع هجر كل كلمة يحتاج القارئ إلى قاموس لغوي لفهمها، والنقاء من الحديث الضعيف، والإسرائليات، والأساطير، وقصص الكرامات المبالغ فيها، والبعد جهد الإمكان عن تكرار اللفظ.
فلكل فصل واعظ ضرب من التعبير أوحد
لا أعمل اللفظ المكر ر فيه والرأي المردد
فهنا تجد:
رصانة القديم، وشرحه الحديث.
وبليغ النثر، ورفيع الشعر.
والمجاز الرمزي، ومنطق التعليل.
والعربي من البحوث، والمعرب المترجم.
في جمع متناسق يهديك زبدة التذكير، وخلاصة الفقه.
وحسبنا ذلك وكفى:
فدونك والارتياد لنفسك وللشباب الذين معك من غرر الفكر وأغترف علمًا بغير رشاء، واستعد لاستقبال كل أصيل، فإني لم أ[ق حلبة منطق إلا وقد سبقت سوابقها إليك جيادي.
ولقد بدأنا معك اليوم في هذه الحلقة ببيان ضرورة الانخلاع عن السلبية، ووجوب إنكار المنكر في عمل جماعي منظم، وسنطرق في الحلقات التالية إن شاء الله تعالى أبواب الجهاد، والزهد، وأصول التربية والتحذير من الفتن وسبل النجاة منها، وأحاديث عامة في الحث على العمل والتخلق بأخلاق المؤمنين، ومباحث أخرى في المسار المرحلي وتطوير الدعوة.
وليلتفت الأخ الداعية إلى ضرورات عدة حدت بنا إلى تجزئ هذا المواضيع وعدم نشرها في كتاب ضخم واحد، مراعيًا التكامل في معانيها، ناظرًا إلى ما في طبيعة كل حلقة من استدراك على الحلقات الأخرى، فالدعوة إلى الزهد لا تعني استساغة الزهد المبتدع وهجر الجهاد، والدعوة إلى الجهاد لا تعني التهور والمجازفة، كما أن المبالغة في الحث واتعاب البدن في العمل لا تؤخذ على ظاهرها بعيدة عن ضوابط التربية.
ولا بد أيضًا، خلال كل ذلك، من الالتفات إلى حقيقة الآراء المطروحة، وكونها من الآراء الشخصية البحتة المعبرة عن مفاهيم كاتبها فحسب، وما هي إلا اجتهادات فردية لا تمثل رأيا رسميا لجماعة من الجماعات الإسلامية العاملة، ولا تتحمل قياداتها مسؤولية خطأ يرد فيها، أو غلو تتورط فيها، أو تسهل وتفريط تجنح إليه.