وإذن، فإن معركتنا معركة تربوية، أي أنها تقوى وتشتد كلما تعمقت التربية، وأتقن المربي عمله، وتخبوا جذوتها كلما فترت التربية، وكانت سطحية.
أي أن الجهود التربوية لعدد محدود من القادة المربين إذا تركزت على التلاميذ فإنها تكون أعمق تأثيرًا فيهم كلما قل عددهم، بتناسب طردي، وتفتر ويقل تأثيرها كلما زاد عددهم.
ومع هبوط كمية التأثير يحصل الاندفاع العفوي غير الهادف، ثم القاصمة والمصرع.
وإذن، فإن من صالح معركتنا أن لا يندفع الصنف القيادي المتولي لعملية التربية في تجميع عدد من التلاميذ أكبر مما تكفي له جهودهم التربوية، ما دامت الدعوة ف ي مراحلها الأولى، ولا يكون التوسع العددي إلا في المراحل المتقدمة بعدما نضمن وجود تأثير تربوي غير مباشر يأتينا عن طريق وسائل الإعلام الدعوية، من كتب وصحافة وأشرطة مريئة وصوتية، وعن طريق التحرك الواسع المعلن لبعض قادة الدعوة ومفكريها وخطبائها.
وهذا هو الحل الثاني للوقاية من مصارع العفوية يمليه تحليل الظاهرة التربوية.
ولقد شهد تاريخ الحركة الإسلامية بالأمس القريب تكاثرًا بالعدد على حساب النوعية أرهق والهي، وأجبر دعاة اليوم على الإتعاظ، وما اتزان التوسع إلا وصية الغد.
تقول: إنها وصية الغد، لما رأينا من نسيانها، وإلا فإنها الوصية القديمة للإمام البنان رحمه الله، شدد عليها منذ سنة 1938 في انعقاد المؤتمر الخامس، في صورة توضيح لأصناف الرجال، أمام أعباء العمل، وعدم إغناء الخيال من الصواب شيئا، وإنما هي (الصفوة) فحسب –كما سماها الإمام، واستعارها السيد من بعد- تحمل أعباء الجهاد.
يقول:
(أريد أن أكون صريحا معكم للغاية، فلم تعد تنفعنا إلا المصارحة: إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ.
يسهل على كثير أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالا باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكن قليلين من هؤلاء يثبتون عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكن قليلا منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق، والعمل العنيف، وهؤلاء المجاهدون، وهم الصفوة القلائل من الأنصار، قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وفي قصة طالوت بيان لما أقول:
فاعدوا أنفسكم، وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة، والاختيار الدقيق، وامتحنوها بالعمل، القوى البغيض لديها، الشاق عليها، وافطموها عن شهواتها ومألوفتها وعاداتها)().
وورث سيد رحمه الله هذا الفقه، فجعله قلقا قبيل وفاته إزاء ما يري في السودان من التوسع وامتلاء الشوارع بمظاهرات المسلمين، فأوصى من زاره من دعاة الإسلام في السودان فقال:
(يجب ألا يشغلكم إقبال الجماهير عن تنظيم صفوفكم الداخلية وإعداد رجال يواجهون الشدائد ويثبتون)().
والحقيقة أن أهمية الصف الداخلي المتين لا تنحصر في معطيات صفته التنظيمية وسهولة استثمار طاقاته المنسقة، بل في تحقيقه (المجتمع التربوي) الذي يحتضن الجديد المتربي ويريه زيادة المناظر الإسلامية ويحجب عنه رؤية الجاهلية والجاهلين وسماع أقوالهم، فيبعد عن التأثر بتربية أخرى غير إسلامية، ولمثل هذا أوجب الغزالي رحمه الله المسارعة إلى كبت الفسق وحجبه لئلا يؤثر منظره في نفوس المسلمين، وقال:
(إن مشاهدة الفسق تهون أمر المعصية على القلب، وتبطل نفرة القلب عنها)().
وهذا يعني أيضا أن بقاء بعض الفسق – بمعناه الشرعي- عالقا بالأشخاص الذين تجمعهم، لعجز كفاياتنا وطاقاتنا التربوية التوجيهية عن إزالته عنهم وتحويلهم عنه لكثرة عددهم، سوف يؤدي إلى احتمال سريان عدواه إلى العناصر النظيفة، لما في العيش الجماعي من المشاهدة التي تؤدي إلى التقليد.
وعلى ذلك، فإن جولات الداعية الضرورية بين الجماهير العامة مثلما تؤدي إلى تربيته عمليا، وإلى إغناء الدعوة بالعناصر الجديدة التي يكتشفها، فإنها تؤدي أيضًا إلى احتمال تهوين أمر المعصية على قلبه إذا انقطع إليهم انقطاعا طويلا، لكثرة المعاصي في حياة العامة، فوجب تردده على مجتمع الدعاة الصافي ليري من مناظر الإيمان ما يضاد مناظر الفسق، ويكون جائلا بين هذا المجتمع العام، وبين هذا المجتمع الخاص الذي يرفق قلبه إن أضر به الأول، وهذا ما يؤدي بالتالي إلى الحرص على نقاؤة هذا المجتمع الخاص ليؤدي مهمته التربوية هذه لكل داعية متجول بين العامة حين يفئ إليه، والنقاوة لا تحصل إلا باتزان التوسع.
فكما أن التوسع السريع يستهلك الطاقة الحاضرة، فإنه يضعف الناتج القديم.