وبمثل هذا التوالي في المعاني، واندماجها وتكاملها: نستطيع أنْ نلبث في الجانب الإيجابي إذا انتقدنا المجتمع، ورثيناه، وتأسفنا لمظاهر الضعف والجحود، وضمور الخير، وانتشار الشر، مما هو حاصل في المجتمع العراقي المعاصر مثلاً، وفي جميع أجزاء أمة الإسلام، وللشعراء منذ القرون القديمة لسانñ يتألم، وقلبñ يتوجع، بسبب ظاهرة التناقص هذه، وذهاب القدوات، وبقاء الإمعات، ومن أفصح الواعظين بذلك الشهيد الأعمى جمال الدين الصرصري الحنبلي حين يدعوك في بكائيتهö أنْ:
نُح وابكö فِِالمعروفُ أقِِفر رسمهُ والمنِِِكر استِِِعلى وأثر وسمُهُ
هذا الزمِِِانُ الآخِِر الكِدرُ الذي تِِزدادُ شöرتهُ وينقص حöلمُهُ
وهتö الأمِِِِِِِِِِِِِِِِِانة فيه وانفِِِِِِِِِِصمتْ عُرى التِِِِِِِِِِِِِِِقوى بهö والبّöر أدبرَ نجمُهُ
والصالحون على الذهاب تِِِِتابعوا فكأنهم عِِِِِِِقدñ تَِِنِِِاثرَ نظمُهُ
لم يِِِِِبقَ إلا راغِبñ هو مُِِِِِِِِظهرñ للزُهِِِِِِِِِِِدö والدنيا الدنيةُ هِِِِِِِمُهُ
لولا بقِِِِايا سُنةٍ ورجِِِِِِِِِِِِِِِِِالها لم يِِِبقَ نهِِِِِِِِِِجñ واضحñ نِِِِِِِِِِِِِِِِأتمّهُ
فجميع هذا الوصف صحيح، والخطبُ كبير، والزمان كدر، لكنَّ هذا النوحُ والبكاءُ مفيد، لما فيهö منْ تسلية النفس وإزالة عوامل التخذيل عنها، مهما طال تعداد المظاهر السلبية في ناس آخر الزمان، وذلك لأنهُ بكاء إيجابي إصلاحي لا يبدد العزائم، لأنهُ انتهى إلى استدراك صحيح جيد عبر الاعتراف بوجود"بقايا سُنة"و"رجال سُنة"بهما معاً يتضح النهج الذي ينتصب "إماماً"في الناس…
فالمناحةُ ما كانت سلبية إذن، وإنما هي استفزازية، وهي مجموعة تقريرات واقعية صادقة دقيقة الوصف غايتها تثبيت معنى وجوب الترميم وتقويم المعوج، وانتهى السرد الذي يوهم بالإحباط إلى تزكية رجال واقتراح منهج سُني، وذلك ما يترجمه اليوم شخوص"الحزب الإسلامي العراقي"ومنظومة واسعة من الجمعيات وهيئات الإفتاء والروابط والاتحادات، كمعالم إيمانية تلتزم الشرع وتتعاون على إقرار"منهج إسلامي عراقي"ومشروع حضاري عريض يرمي إلى إرجاع العراق إلى مكانتهö القيادية الإبداعية في الأمة الإسلامية.
وموطن الأهمية في هذه المُقايسة: تثبيت معنى الشخصية المعنوية الاعتبارية التي تنتصب قدوةً للناس يتحلقون حولها وتكون هي القائدة، فكلُّ عالمٍ وزاهدٍ ومُصلح يمكن أنْ يكونَ قائداً منفرداً، ويسوغ التعاون معه، ولكنَّ التطور السياسي يجعل الحاجة إلى"كتلة قيادية"وارداً، بل مُرجحاً، بل حتمياً، لما في ثنايا ذلك من إتاحة فرصة تنفيذ خطة شاملة لنواحي الحياة كلها من خلال تقاسم أدوار المختصين والخبراء والمجربين، من بينö فقيهٍ وأديبٍ ومؤرخٍ وسياسيٍ ومقاتلٍ مُجاهد ورجل أعمالٍ وإعلامي ومدرب إبداعي وتربوي وإداري، وهو ما أتاحتهُ الحياة السياسية بعد سقوط الظالم، وشخصت أبنية قيادية جماعية إسلامية، أعلاها"الحزب الإسلامي العراقي".
والمغزى المهم لانتصاب هذه"الشخصية القيادية الاعتبارية"أنها تتيح المواصلة والاستمرار على نفس الوتيرة إذا مات بعض رجال المسيرة، أو غيبته السجون أو الهجرة، وهي ميزة مهمة، المفروض أنها تجعل شباب الصحوة الإسلامية أكثر ثقةًبِ"الحزب الإسلامي"، وأسرع إلى الانضمام له، وتخويله صرف طاقاتهم في الميادين التي يستحسنها وترى خطته صواب تواجدهم فيها، وذلك هو مجمل المعنى الذي جعلتُ موت شاعر الإسلام الأستاذ"وليد الأعظمي"يشير إليه، حين قلتُ في رثائهö عند جنازتهö: أنَّ يوم موتهö ما هو يوم حزن، وإنما هو يومñ مشهود من أيام الإسلام، وأنَّ الحشد لم يجتمع للصلاة عليهö فقط وتوديعهö، بل لتأكيد العهد على المواصلة، وعقد صفقة المبايعة، ورؤية بشائر صحة المنهج وفضائل الوسطية وجدوى الطريقة السلمية، إذ غيرنا يجنح حين تمكن منه الغرور إلى وسائل الهدم والتوتير والاغتيال، مما ليسَ في صالحهö هو نفسه، وتَِقلبهُ موازين القياس الفطرية عند الناس إلى أنْ يكون في صالحنا مهما تضررنا إذا صبرنا، وهو التحالم الذي ما زال المنافس يرتكب الخطأ في فهمهö، فيوغل أكثر في الهجوم، يظن الصبر ضعفاً، وما هو بضعفٍ أبداً، ولكنهُ حسن السياسة في امتصاص الصدمات والجري مع مفاد التخطيط الصحيح والمنهجية العقلانية في العمل، والعاري عن الخبرة التجريبية من جمهورنا يخطأ بالمقابل أيضاً فيظن أنَّ أسلوبنا الانسحابي هو تراجع فعلاً، وأنهُ دليل على قوة المُقابل، ويذهل عن أنها خطة منا محسوبة مدروسة تريد مد الحبل للمعتدي، ليتورط أكثر، لتلتف عليه تراكمات أخطائهö، فيكون صوت الإنكار عليهö عالياً، فيخرج من الساحة، وتهزمهُ الانتخابات، وآثار القوانين، وأجواء الحرية القادمة، وأعمالنا المعرفية والتربوية الثقيلة في الميزان الاستراتيجي، مهما أغرت المنافس شرارات اللهيب السريع الخمود في ظرف الاحتلال وغياب الدولة.
لكنَّ هذه العاطفة التي استمددناها من مبادئ"وليد"والعقلانية التجريبية التي يلتزمها، وتسابق أصحاب"وليد": لا ينبغي أنْ تنسينا ضرورة عقلانية مكملة أخرى يمنحها لنا العلم الشرعي، فهو سبيل القيادة إلى إدراك طبائع مواقفها، وهو العاصم لها من ردةö فعل لا يضبطها حساب، وعثرةٍ عند العجلة، وخدر عند الإبطاء، وذلك هو السبب الكامن وراء سيل الوصايا القيادية لكل تابعٍ صاعد أن…اقرأ…واجلسْ بين يدي المشايخ…وسَلْ…واستفتö…
واطلبْ نفيسَ العلمö تستأنس بهö فالعِِلمُ للطِِِِِِِِلابö خيرَ مؤانسö
وتتبِِِِِِِِِِِع السُنن المنِِِيرة واطّرح مُتجِِِِنباً إفِِِِِِِِِِِكَ الغوي اليائسö
وكانَ العراقيون يتبعون"إفك الغوي"هذا-مع الأسف-، وآنَ لهم أنْ يتوبوا وينأوا عن الغي بجانب، وما كانَ يلقن الناس غير اللغو، ويعلمهم العداوات وتجسس بعضهم على بعض، ففسدت الحياة الاجتماعية، وضاق العيش، وارتفعت البركة. وتارة يكون"الغوي"حزباً عنيفاً، أو توجهاً ثأرياً، وتكون النتائج: الهدم والإقلاق وتدمير النفوس، ونخشى اليوم أنْ يتحول جمال العراق إلى قُبحٍ، وتكون تشوهات تستديم…
وليس سبيل الاستدراك غير اتباع"السُنن المنيرة"كما رواها البُخاري وأبو حنيفة والشافعي، واجتماع أهل هذه السُنن وتَكتلهم في كتلةٍ واحدة، والعمل الإيماني لا ينطلق من شارع، أو تترجمه هتافات حماسية، بل:
من جانبö المحرابö يَبدأ سَيرُنا
كما حددها"وليد"، و"المنابر السياسية الإسلامية"إنما يصعدها ويفوه بالبشارة والنذارة من فوقها الداعية الذي أطال الجلوس دهراً تحتها في حلقةö علمٍ شرعي يكتبُ فقه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقة:
مَنْ خدمَ المحابر…خدمتهُ المنابر
بلا زهوٍ شخصيٍ ولا خُيلاء، ولكنَّ ترويجاً للبيان الإسلامي، وصدعاً بالقول الجماعي، وشرحاً للإفتاء التشاوري، وتوكيداً لقرارات الحزب الرباني، كما قال الإمام أحمد-رحمه الله-:
(من أراد الحديث: خدمه).
قال الحافظ البيهقي مُعقباً، فيما رواهُ ابن مفلح عنه:
(قد خدمهُ أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فرحل فيه، وحفظه، وعَمöلَ بهö، وعلّمهُ، وحملَ شدائدهُ).
والداعية المسلم اليوم، الذي يريد أنْ يصون الصحوة بنشر الحديث النبوي الكريم، تلزمهُ"خدمة منهجية متدرجة"له، أولها التعب في تحصيلهö وحفظهö، ثمَّ تجميل سيرته بفحواه، ثمَّ أنْ يأخذ بمعاصم أقرانهö، يلتقطهم من أركان الشوارع وساحات البطالة، ويُجلسهم أمامه، يلقنهم القول الكريم، ثمَّ يقودهم كعصبةٍ زكيةٍ تأمرُ بالمعروفö برفقٍ، فتأتيهم محنñ وشدائد ورصاصات، كدأبö الجُهال مع أتباع الأنبياء وحُماة الشرع، فيصبر ويصبرون معه، ويحمل الأثقال التي تنوء بها جمهرة، فتطفق رحمة ربٍّ لطيفٍ تنزل عليهö، وتغشاه سكينة، هو وصحبه، ويعلوهُ نورñ، هو ورَبعه، فيميز الناس إشراقة الفقه وحلاوة الثبات، ويأتونه مهنئين يطلبون بسط الأيادي التي طال وضوؤها، فتكون صفقة، وتكثر عُصب الخير، وتتأسس قبيلة خيرية ناهضة كان أولها مُبدع مُحلّق خدمَ الحديث.
ثمَّ"المعرفة"كلها خيرñ لمؤمن عنده ميزان شرعي ونَقد، فيأخذ ويَدع، وإذا كانت بُندقية الثأري بيمينهö، فإنّا أودعناها الشمال، وأيمَانُنا تحملُ"الأقلام"على المذهب الحضاري القديم الجديد، لأنّا وجدنا"القلم"كما وجدهُ عبد الله بن المغيرة قبل أكثر من ألف عامٍ من بعد أنْ أقسم اللهُ بهö:
(يخدم الإرادة، ولا يملُّ الاستزادة…
ويسكتُ واقفاً، وينطقُ سائراً…
على أرضٍ بياضها مُظلم، وسوادها مُضيء).
وهذه بلاغة آسرة، وعواطف مولع بالعلم والأدب وأنواع المعارف ظل يتمعن فيها وبعلامات فضلها حتى نطقت لهُ مناقبها ولقنتهُ أنسابها ودلائل صفاتها، فإنَّ العلم إرادة وتصميم وعزائم تتفجر من دواخل أصحاب همم الصعود والاقتحام، فليست تملك الأدوات إلا الانقياد والطاعة والخدمة إذا طمعَ صاعد في زيادةٍ وعلو، وشرف المعرفة يترك بياض الأوراق إذ عجز عن إيطاء نفسهö لتلقّي لؤلؤة المداد المضيئة بعد اللؤلؤة: حزيناً كالحاً، ويودع في خطوط الأحبار أسرار الأنوار، فتشع وتومض، تغري النفوس الرفيعة بانجذاب، ليبدأ من عند بريقها الارتقاء.
و"الحزب الإسلامي العراقي"يميز مناقب الأقلام تمييزاً واضحاً، ويعرف قيمة العلم، وآثار لمعات أنواره، فرفعَ نفسهُ أنْ ينافس في السوق الموسمي الاستهلاكي، والتزمَ نمطاً من النظر الاستراتيجي البعيد في إصلاح العراق، عبر إنماء المعرفيات واللمسات الحضارية، يريد أنْ يبذلها لأعضائهö وجمهورهö، في عملية بنائية تربوية طويلة المدى، ليعيد تكوين الفكر العراقي بالغوالي والنفائس والأداء المنهجي، ويحول العراقي عن رخيص بضاعة السياسة والأحزاب.
وقادة"الحزب الإسلامي"يهيبون بشباب الصحوة الإيمانية أنْ لا يُرخصوا أنفسهم وأوقاتهم لتذهبَ بدداً في ردود الأفعال، بل يدعوهم ليوقنوا معهم أنَّ طرائق الاغتيال التي يواجهونها خفيفةñ جداً في موازنات الترجيح السياسي البعيد المدى ، وأنها ستذهب ويبقى العلم والعمل الحضاري، وسيرجع الاغتيالي الموسمي النظر بالوزر وملامة أشراف الناس والنبلاء والمثقفين والأحرار والعُقلاء وشيوخ العشائر، في جنوب العراق ووسطهö وشمالهö، ونرجعُ بالأجرö والحمدö وحسن الثناء والتأييد والتعضيد والأصوات الانتخابية والتمكين والتفاف الأخيار حول رايتنا الخضراء، راية"المنطلق"الراسخ، واجتياز"العوائق"من عندö وادي"الرقائق"، الموازي لاستقامة"المسار"، قرب"منهجية التربية"، بعد"مدارج السالكين""نحو المعالي"، وفي مركز"صناعة الحياة"، وبؤرة"أصول الاجتهاد"التي تكشفها"مناقب أبي هريرة"وفضائل جميع الصحابة البررة y الذين أبعدوا القيصر القصير الهمة عن قصرهö، وكبتوا شعوبية كسرى الكارهة للعرب.
ولقد كانَ من شأن"إحياء فقه الدعوة"خلال ثلاثين سنة: النأي عن التقليد، والتلّقي الجامد، واتخذت حملة الإحياء لها"الإبداع"وسيلة تربوية، على أمل تفجير الطاقات الاجتهادية الكامنة في دواخل الدعاة، وهذا ملحظ امتيازي إيجابي آخر يتيح تفوقاً آخر لشباب يبتغون التطور عبر الخضوع للمنهج التربوي للحزب الإسلامي العراقي، ومفهوم الحزب للإبداع أنهُ ما هو مُرسلñ حرñ عائم في كلّ أحوالهö وأصنافهö، بحيث يُبديهö كلّ أحدٍ ذكيٍ أو منْ يشاء الابتكار والتجديد، وإنما هو يحتاج الرقابة أحياناً، والتراثية القديمة، في أحايين أخرى، أو الانتساب إلى ريادي سابق، أو الاقتفاء على سَِنن مجتهد يُبرم وينقض، أو التمحور حول مركز يضبط استدارات الرؤى في التفافاتها الخاطفة، وتلك هي قاعدة أبي حنيفة في فهمهö لمخارج الإبداع، فإنهُ:
(قيل لأبي حنيفة: في مسجد كذا: حلقة يتناظرون في الفقه.
فقال: ألهمْ رأس؟
فقالوا: لا..
فقال: لا يفقهونَ أبداً).
فالإبداع مدارُ الفقه، وهو في مذهب أبي حنيفة لا يظهر بين أهل طبقة واحدة يتساوون، وإنما الاحتكام إلى مرجح ضرورة، والاستنجاد بمنْ يفهم روح النص وفحواه ومعناهُ الخفي لازم، وقد يُدرك النظراء أصل الأمر بعد طول عناء وتقليب وجوه الأمر مئين مرات، لكن تدخلات الأستاذ تختصر الطريق، فيكون صعود المبدعين أسرع، ثمَّ أسلم.
وحينَ لا يكون عدد الأساتذة كافياً: تنوب عنهم المؤسسات الجماعية التي تتراكم فيها مع الأيام عوامل تكوين الشخصية المعنوية الاعتبارية لها عبرَ ممارساتها العلمية والسياسية والاجتماعية، وذلك ما يُفصح عنهُ حال"الحزب الإسلامي العراقي"اليوم تجاه رجال الصحوة الإيمانية في العراق وجمهرة التائبين من متابعة الأحزاب الظالمة التائهة الأخرى، فالحزب الإسلامي يتصدر في الساحة العراقية الآن كشاخص واضح يرمز إلى معاني الأستاذية الفكرية والتجريب العملي والإصلاح الاجتماعي والمبادرة الإغاثية والعواطف التحررية الجهادية، وصار محوراً تدور حوله محاولات الإبداع الفردية التي تريد أنْ تثري المسيرة وتضيف لبنة إلى البناء، والنجاح المتعاقب المتكرر للحزب في كل ذلك يغري طبقات واسعة من طلبة العلم الشرعيº وأساتذة الجامعاتº والمهندسينº والأطباءº وعموم الخريجينº والموظفينº والطلابº وأبطال العشائر، ونبلاء العوائل، ورجال الأعمال: أنْ يدوروا في مدار الحزب وعلى قربٍ منهُ طمعاً في أنْ تكون حركتهم الموازية لهُ سبباً في إثارة إبداعهم ومواصلة عطائهم وتفجير نخوتهم، وما ذاك إلا لأنَّ الكتلة الفكرية والتجريبية التي يملكها الحزب قد أقامته مقام الأستاذية الجماعية التي لا تنتسب إلى فرد بل إلى جمهرة دعاتهö العاملين في كلّ أجيالهم، حتى منْ مضى وماتَ منهم تظلُّ وصاياه حية تعظ الرهط الجديد.