الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - الصفات

الفصل الأول - الصّöفات الأسَاسية - تبليغه صلى الله عليه وسلم دعوة الله وقيامه بذلك قياماً كاملاً

3 – تبليغه صلى الله عليه وسلم دعوة الله وقيامه بذلك قياماً كاملاً

 

          لقد سل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل طريق سليم لتبليغ دعوة الله على الوجه الأكمل، وسلك الناس في المقابل كل طريق يخطر بالبال ليثنوه عن القيام بأمر الله فلم يفعل:

 

          اتصل بالأفراد اتصالاً شخصياً، وعرض نفسه على قبائل العرب، ورحل من أجل تبليغ الدعوة، وتتبع مواطن اجتماع الناس ليبلغهم، وأرسل الرسل نيابة عنه لتبليغ الدعوة، واستقدم الوفود ليأخذوا عنه ويرجعوا مبلغين، وراسل الأمراء والملوك داعياً لهم إلى الله ولكف أصحابه أن يتعلَّموا ويعلّöموا، وأمر جنده ألا يحاربوا قبل أن يدعوا إلى الإسلام، ثمّ حمّل جميع المسلمين أمانة البلاغ ليبلغوا العالم دعوة الله º حتى لا يبقى أحد من البشر إلا وقد بُلّöغَ، وقامت عليه الحجة، وفي المقابل ما ترك الآخرون طريقاً إلا سلكوه لإنهاء الدعوة والداعية.

 

          سلكوا طريق الإيذاء له ولأتباعه ليثنوه عن التبليغ فما فعل. وسلكوا طريق الإغراء ليثنوه عن التبليغ فما فعل. وسلكوا طريق الضغط العائلي ليثنوه عن التبليغ فما فعل. وسلكوا طريق الاستهزاء والإعراض والسخرية والاتهامات ليثنوه عن التبليغ فما فعل. وسلكوا معه طريق المقاطعة الشاملة له ولمن أزره ليثنوه عن التبليغ فما فعل. وقرروا قتله وملاحقته ليثنوه عن التبليغ فما فعل. وطال الزمن والمستجيبون قليلون، والجميع يحاولون إيئاسه واستمر، ثم حاربوه ليستأصلوا دعوته ويستأصلوه وصبر واستمر رغم هذا كله، ثم انتصر وانتصر دينه ولا زال ينتصر ويتقدم رغم الأوضاع السياسية السيئة للمسلمين، وكل ذلك ببركات الداعية المبلغ الأول.

 

          وقبل أن نستعرض نماذج عن هذا كله. نحب أن نكرر التذكير بشيء حتى لا يلهينا العرض عن الغاية.

 

          هذا الشيء هو: أن إثباتنا هذه الصفات لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبرهاننا على ذلك، إنما هو من أجل الوصول إلى برد اليقين بالإيمان به، وابتاعه عن ثقة بأن ما أخبر به حق مطلق فمن عرفته بالصدق طوال حياته وتأكدت من تحريه له تطمئن إذا أخبرك عن شيء. والرسول كذلك، وقيام الرسول بتكاليف دعوته على ما فيها من مخالفة لهوى النفس ومن جهد ونصب دون انتظار مكافأة دنيوية، دليل آخر على رسالته إذ غير هذا الطريق لطالب غير الله أسهل.

 

          وأما عملية التبليغ فليست هي عند الرسل كبقية عمليات التبليغ الأخرى التي يقوم بها بقية البشر في الدعوة لفكرة ما، ومن ثم كانت عملية التبليغ عند الرسل دليلاً على صدقهم في كونهم مرسلين من عند الله.

 

          إن غير الرسل يدعون الناس إلى شيء تألفه نفوسهم وتهواه، أي إنهم يأتون الناس من قبل ما يشتهون فلا يعانون شيئاً ولا يحتاجون إلى تضحية، وأحياناً يضحون ولكن لا ينتظرون كسباً مادياً أكثر من تضحيتهم، وتراهم دائماً يلاحظون السلام إلا إذا أتاهم ما لم يكن بالحسبان، وترى الحياة عزيزة جداً عليهم، وما أسهل ما ينسون دعوتهم إذا يئسوا من الكسب أو النصر. ونحن لا نعني بالطبع هنا أتباع الرسل إذ هؤلاء يعملون بروح الاقتداء بالرسل فعندهم من حرارة إخلاصهم.

 

          إن حماية النفس مقدمة عند أصحاب الدعوات الباطلة على التبليغ ولكن التبليغ عند الرسل لدعوة الحق مقدم على كل شيء.

 

          إن الرسل يبلغون الناس رسالة الله التي فيها ضبط نفوس البشر حتى تستقيم على السنن الصحيح للحياة، وهم بهذا يدخلون في صراع مع أهواء البشر، ولكل إنسان هوى، فهم يدخلون في صراع مع الناس جميعاً. والصعوبة التي يعانونها من أعدائهم يعانون قريباً منها في تربية أتباعهم والارتفاع بهم، إذ البشر هم البشر على كل حال، وتجاوز الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه العقبات كلها، وثباته على دعوة الحق بلا مداراة ولا مواربة، بل والمطالبة للنفس البشرية بواجباتها كاملة، والصبر على ذلك، وتحمل كل شيء في هذا السبيل مرضاة لله، كل هذا دليل على حرارة الصدق والإخلاص للدعوة ولله المكلف بها.وسنرى في كل نموذج نقدمه عن عملية التبليغ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رافقه شاهد صدق على هذا الذي قدمناه.

 

          وسنقدم نوعين من النماذج:

 

1-   نماذج عن مواقف الكافرين منه ليثنوه عن الاستمرار بالتبليغ.

2-   نماذج عن الطرق التي سلكها للقيام بعملية التبليغ.

 

نماذج النوع الأول:

 

أ- إيذاؤه وصبره على ذلك:

 

          1- أخرج الطبراني عن الحارث بن الحارث:” قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة ؟ قال: هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم. قال: فنزلنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى توحيد الله عز وجل والإيمان، وهم يردون عليه ويؤذوه حتى انتصف النهار وانصدع الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها، تحمل قدحاً ومنديلاً فتناوله منها فشرب وتوضأ ثم رفع رأسه فقال: يا بنية خمري عليك نحرك، ولا تخافي على أبيك. قلنا من هذه ؟ قالوا: هذه زينب بنته. رضي الله عنها”.

          وعنده أيضاً عن منبت الأزدي قال:” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. فمنهم من تفل في وجهه ومنهم من حثا عليه التراب ومنهم من سبه حتى انتصف النهار. فأقبلت جارية بعس من ماء فغسل وجهه ويديه وقال: يا بنية لا تخشي على أبيك غيلة ولا ذلة. فقلت: من هذه ؟ قالوا: زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جارية وضيئة”.

 

          2- وأخرج البيهقي عن عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما -  قال:” لما مات أبو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيهñ من سفهاء قريش فألقى عليه تراباً فرجع إلى بيته، فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي فجعل يقول: أي بنية ! لا تبكي فإن الله مانع أباك”.

 

          3- وعن ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – قال:” ما رأيت قريشاً أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوماً ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام. فقام إليه عقبة بن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطاً، وتصايح الناس فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر – رضي الله عنه – يشتد حتى أخذ بضبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من روائه، ويقول: { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّöيَ ٱللَّهُ}. ثم انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى. فلما قضى صلاته مر بهم – وهم جلوس في ظل الكعبة – فقال: يا معشر قريش ! أما والذي نفس محمد بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح وأشار بيده إلى حلقه. فقال أبو جهل: ما كنت جهولاً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت منهم”.

 

          4- وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – قال:” قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته. قال: حضرتهم – وقد اجتمع أشرافهم في الحج – فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا وعاب ديننا، وفرق جماعتنا وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم – أو كما قالوا – قال: فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استقبل الركن ثم مر بهم طائفاً بالبيت. فلما مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. ( غمزوه: أي أشاروا مسيئين إليه ) قال: فعرت ذلك في وجهه ثم مضى. فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى. فلما مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده ! لقد جئتكم بالذبح. فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وقيعة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر – وأنا معهم – فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم منه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه وقام أبو بكر رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي: { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّöيَ ٱللَّهُ ؟ } ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط”.

 

          5- وأخرج البزار والطبراني عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال:” بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وأبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف ورجلان آخران كانوا سبعة وهم في الحجر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سجد أطال السجود. فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها فنكفئه على محمد صلى الله عليه وسلم، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط فأتى به فألقاه على كتفيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد. قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم ليس عندي منعة تمنعني فأنا أذهب، إذ سمعت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلت حتى ألقت عن عاتقه ثم استقبلت قريشاً تسبهم فلم يرجعوا إليها شيئاً، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه كما كان يرفعه عند تمام السجود. فلما قضى صلى الله عليه وسلم صلاته قال: اللهم عليك بقريش – ثلاثاً – عليك بعتبة وعقبة وأبي جهل وشيبة. ثم خرج من المسجد فلقيه أبو البختري بسوط يتخصر به، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنكر وجهه فقال: مالك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خل عني. قال: علم الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك ؟ فلقد أصابك شيء. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير مخل عنه أخبره فقال: إن أبا جهل أمر فطرح علي فرث فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو البختري فدخلا المسجد ثم أقبل أبو البختري إلى أبي جهل فقال: يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث ؟ قال: نعم: قال: فرفع السوط فضرب به رأسه. قال: فثار الرجال بعضها على بعض. قال: وصاح أبو جهل ويحكم هي له، إنما أراد محمد صلى الله عليه وسلم أن يلقي العداوة بيننا وينجو هو وأصحابه”.

 

          6- وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة ص 103: عن عروة بن الزبير – رضي الله عنهما – قال:” ومات أبو طالب وازداد من البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة، فعمد إلى ثقيف يرجو أن يؤووه وينصروه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم إخوة º عبد ياليل بن عمرو، وخبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط ؟ وقال آخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبداً لئن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أن أكلمك. قال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك ؟

 

          وأفضوا ذلك في ثقيف الذي قال لهم، واجتمعوا يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدوا له صفين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة وهم في ذلك يستهزؤون ويسخرون. فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء عمد إلى حائط من كرومهم، فأتى ظل حبلة من الكرم فجلس في أصلها مكروباً موجعاً تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما أبصرها كره أن يأتيهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامهما عداساً بعنب وهو نصراني من أهل نينوى.

 

          فلما أتاه وضع العنب بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” بسم الله” فعجب عداس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي أرض أنت يا عداس ؟ قال أنا من أهل نينوى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال عداس: وما يدريك من يونس بن متى ؟

 

          فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحداً يبلغه رسالات الله تعالى.

 

          قال: يا رسول الله أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن يونس بن متى ما أوحي إليه من شأنه، خر ساجداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء.

 

          فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا. فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلت هذا بأحد منا.

 

          قال: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا يدعى يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول الله، فضحكا وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، إنه رجل يخدع، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة”.

 

          وذكر في البداية ( ج3 ص 136 ) عن موسى بن عقبة:” وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه فخلص منهم وهما يسيلان الدماء. وفيما ذكر ابن إسحاق: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم – فيما ذكر لي -: إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه. ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف”.

 

          من هذه القصص قصص الإيذاء الرهيب نعرف ما لاقى وهو الشريف الهاشمي ذو النفس الحساسة، ابن الأشراف ومع ذلك تحمّل واستمرّ وليس بيده ألا يستمر، وكما أوذي هو أوذي أتباعه كذلك وقتل بعضهم... ومع ذلك صبروا وثبّتهم على الصبر، وهذا شيء يجرح الضمير أن يرى الإنسان الناس يعذّبون بسبب دعوته، لولا أن ذلك هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الإنسان ليس مخيراً في سلوكه بل هو الذي لا بد منه للقيام بحق الله وإنها لرسالة الله.

 

* * * * *

 

ب – محاولة إغرائه ورفضه صلى الله عليه وسلم لذلك:

 

          قال ابن إسحاق º وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، قال” حدّöثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد. قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي: إنك منا حيث قد علمت، من السطة في العشيرة ( السطة: الشرف ) والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد، أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئياً تراه،  لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له: حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال:

 

أقد فرغت يا أبا الوليد ؟

 

قال: نعم،

 

قال: فاسمع مني.

 

قال: أفعل..

 

          فقال: بسم الله الرحمن الرحيم {حِمۤ * تَنزöيلñ مّöنَ ٱلرَّحْمَِٰنö ٱلرَّحöيمö * كöتَابñ فُصّöلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبöيّاً لّöقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشöيراً وَنَذöيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فöيۤ أَكöنَّةٍ مöمَّا تَدْعُونَا إöلَيْهö}.

 

          ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره، معتمداً عليها، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.

 

          فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟

 

          قال: ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنت أسعد الناس به، قالوا: سَحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم”.

 

          وقال ابن إسحاق:” اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث ( بن كلدة ) أخو بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم، قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه، حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه:

 

          عن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم.

 

          فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك. وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين , وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك – أو كما قالوا له – فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك، وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً – فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيه.

 

          فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً. فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل من شيئاً مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً، ولا أقل ماءً، ولا أشيد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول.

 

          فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله بيني وبينكم.

 

          قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بهذا عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً – أو كما قال – فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

 

          قالوا: فأسقط السماء علينا كسفاً، كما زعمت إن شاء ربك فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل.

 

          قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل، قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله , وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً.

 

          فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم – وهو ابن عمته، فهو لعاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك، فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تجعل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل – أو كما قال له – فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه”.

 

          قارن بين الصورتين: اضطهاد بدون حدود، وإغراء إلى هذا المستوى، ولا خيار. خذ ما تريد واترك ما أنت عليه أو تضطهد هذا الاضطهاد المر. ومحمد صلى الله عليه وسلم في الحالتين هو هو لا الاضطهاد يؤثر في صده عن عملية التبليغ ولا الإغراء يثنيه. وفي موقفه في كلا الحالتين شهادة على أنه رسول الله حقاً وأنه صاحب دعوة هداية أولاً وآخراً.

 

* * * * *

 

ج – محاولتهم أن يضغطوا عليه صلى الله عليه وسلم عائلياً:

 

          أخرج الطبراني في الأوسط والكبير عن عقيل بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال:” جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب ! إن ابن أخيك يأتينا في أفنيتنا وفي نادينا فيسمعنا ما يؤذينا به، فإن رأيت أن تكفه عنا فافعل، فقال لي: يا عقيل ! التمس لي ابن عمك، فأخرجته من كبس ( أي بيت صغير ) من أكباس أبي طالب. فأقبل يمشي معي يطلب الفيء يمشي فيه فلا يقدر عليه حتى انتهى إلى أبي طالب. فقال له أبو طالب، يا ابن أخي ! والله ما علمت إن كنت لي لمطاعاً، وقد جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم تسمعهم ما يؤذيهم، فإن رأيت أن تكف عنهم. فحلق ببصره إلى السماء فقال: والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار. فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط، ارجعوا راشدين”.

 

          قال الهيثمي ( ج6 ص14 ): رواه الطبراني وأبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، انتهى. وأخرجه البخاري في التاريخ بنحوه كما في البداية (ج3 ص42 ).

 

          وعند البيهقي:” أن أبا طالب قال له صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي ! إن قومك قد جاءوني وقالوا كذا وكذا، فأبقö عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أ”يق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.

 

          فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمله فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم ! لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى. فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ برسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، فأقبل عليه فقال: امض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً”. كذا في البداية ( ج3 ص42 ).

 

          والذي يعرف عادة العرب في احترام الأكابر منهم وطاعتهم لأمرائهم ومشايخ بيوتهم يدرك مدى الأثر النفسي الكبير الذي يحدثه تدخل أبي طالب شيخ بني هاشم نتيجة ضغط قومه عليه. ومحمد صلى الله عليه وسلم الحيي الخجول المهذب ما كان ليخالف أمر عمه ورغبته لو كانت المسألة مسألة شخصية ولكن الأمر أكبر من ذلك. إنه أمر الله الذي هو أكبر من كل عرف ومن كل اعتبار ومن كل ضغط. وفي ذلك شهادة كاملة لمن عرف عادات القبائل العربية على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

* * * * *

 

د- سلوكهم طريق الاستهزاء والسخرية والإعراض والاتهامات:

 

          من سيرة ابن هشام ننقل هذه المقاطع:

 

          “ ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش ! إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فل وأقم لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله º رجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق ( النخلة ) وإن فرعاه لجناة – قال ابن هشام، ويقال لغدق ( الغدق: الماء الكثير ) وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وأن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره.

 

          - وقال ابن إسحاق:

 

          ثم إن قريشاً اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مبادلهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.

 

          - وقال ابن إسحاق:

 

          وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني.

 

          وقال:

 

          فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث، وموقع نبوته فيما جاءهم من علم الغيوب، حين سألوه عما سألوا عنه، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتّباعه وتصديقه، فعتوا على الله وتركوا أمره عياناً، ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: {لاَ تَسْمَعُواْ لöهَِٰذَا ٱلْقُرْآنö وَٱلْغَوْاْ فöيهö لَعَلَّكُمْ تَغْلöبُونَ}[1] أي اجعلوه لغواً باطلاً واتخذوه هزواً، لعلكم تغلبونه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصتموه يوماً غلبكم.

 

          - وقال: فقال أبو جهل يوماً وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش ! يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشرة، وأنتم أكثر الناس أعداداً، وكثرة، أفيعجز كل مئة رجل منكم عن رجل منهم، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارö إöلاَّ مَلاَئöكَةً وَمَا جَعَلْنَا عöدَّتَهُمْ إöلاَّ فöتْنَةً لّöلَّذöينَ كَفَرُواْ}[2]... إلى آخر القصة.

 

          فلما قال ذلك بعضهم لبعض، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي فيتفرقون عنه، ويأبون أن يستمعوا له، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي، استرق السمع دونهم، فَرَقاً منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه، ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، فظن الذي يستمع أنهم يستمعون شيئاً من قراءته وسمع هو شيئاً دونهم، أصاخ له ليستمع منه”.

 

          تصور حرب الدعاية الفظيعة التي لجأوا إليها، وهم قريش موطن ثقة العرب، والذين تأتيهم العرب سنوياً للحج، فهم يشوهون اسمه عاماً بعد عام، ويحاولون أن يحاربوه بكل سلاح من أسلحة القول، والعربي لا تسمح نفسه أبداً أن يقف موقف المتهم، ومع ذلك بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً على هذه الحرب الدعائية الفظيعة، هذه المدة الطويلة، ثلاثة عشر عاماً، وما وَنَى وما كَلَّ، وهو يقوم بعملية التبليغ المستقيمة النظيفة.

 

          إن استمرار الداعية في مثل هذا الجو المحموم، دليل على صدقه فيما يدعو إليه، وإلا فكيف نعلل استمرار رجل في دعوة يلاقي ما لاقى، مع العرض عليه كل متاع الدنيا، ثم لا يرضى إلا بحمل الناس على دعوته. إن هذا لا يُعلّل إلا بصدقه في دعوته، وأنه يبلغها مأموراً من الله عز وجل، وقد وضح له أن النكوص عن طريقه وراءه ما وراء الذي يَعصöي أمر الله من عقاب الله.

 

* * * * *

 

هِ - استعمال سلاح المقاطعة:

 

          قال ابن إسحاق:” فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي – قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث – فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه”.

 

          وقال ابن إسحاق:” فلما فعلت قريش انحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزي بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم”.

 

          وقال ابن إسحاق:” وحدثني حسين بن عبد الله: أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشاً، فقال: يا بنت عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما ؟ قالت: نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة”.

 

          - وأخرج أبو نعيم في الحلية ج1 ص93 عن سعد – رضي الله عنه – قال:” كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدته، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذل ومَرَنَّا عليه وصبرنا له، ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خرجت من الليل أبول. وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها فوضعتها بين حجرين ثم استففتها وشرب عليها الماء فقويت عليها ثلاثاً”.

 

          هذه المقاطعة التي كانت من آثارها ما رأيت استمرت ثلاث سنين متواليات. لا بيع ولا شراء ولا زواج ولا إزواج ولا طعام ولا شراب.

 

          يقول السهيلي:” كانت الصحابة إذا قدمت عير إلى مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام قوتاً لعياله، فيقول أبو لهب: فيقول: يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع أحدهم إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يده شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس”.

 

          ثلاث سنوات متواليات والمسلمون وأقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين أنفسهم ممن يحمونه عصبية بني هاشم وبني المطلب على هذه الحال. ورسول الله صلى الله عليه وسلم صابر وهو يرى هذه المناظر المؤلمة. زوجه خديجة الطاعنة في السن، عمه أبو طالب الطاعن في السن، أسرته أقاربه يعانون هذه الحياة المجهدة، ومع ذلك ما فكر لحظة في إيقاف عملية التبليغ والجهر بالدعوة، وليس هناك ظاهرياً بارقة أمل، فالجزيرة العربية كلها مجمعة على الوقوف ضده مع قريش، ومع ذل بقي مستمراً لا لقاء ولا مداهنة ولا تنازل ولا أي شيء آخر. فمن يستطيع أن يتحمل هذا لولا إيمان بالله وثقة به صدق بوعده ووعيده، واتصال بالله كامل يستسلم صاحبه لأمر الله فيه. إنها صفات الأنبياء ولا يمكن أن تعلل إلا بأن صاحبها رسول الله حقاً...

 

* * * * *

 

و – محاولتهم قتله صلى الله عليه وسلم:

 

          - قال ابن إسحاق:

 

          “ ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: - فيما بلغني – يا أبا طالب: هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ويدن آبائك، وفرَّق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم , وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً. قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني، ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك – أو كما قال – فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضاً”.

 

          وقال ابن إسحاق:

 

          “ فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس له غداً بحجر ما أطيق حمله – أو كما قال – فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبداً، فامض لما تريد”.

 

          وقال ابن إسحاق:

 

          “ وكان إسلام عمر – فيما بلغني – أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت وأسلم بعلها سعيد بن زيد وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر , وكان نعيم بن عبد الله النحام رجل من قومه، من بني عدي بن كعب قد أسلم، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه قد ذكروا أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين – رضي الله عنهم – ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمداً هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ فقال: وأي أهل بيتي ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما. قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه”.

 

          وقال ابن إسحاق:” من خبر اجتماع الملأ من قريش وتشاورهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً. قال  فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيراً والنابغة، ومن مضى منهم مع هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبتوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره، فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله لا نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، وإذا غاب عنا وفرغنا منه، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه. ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد. دبروا فيه رأياً غير هذا.

 

          قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأياً، ما أراكم وقعتم عليه بعد.

 

          قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟

 

          قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً ( الشريف في قومه ) فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم ( العقل: الدية ) قال: فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له”.

 

          هذه نماذج من قرارات القوم بشأن اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم. وإذن فالفترة التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لم تكن فترة أمن من كل الجوانب. ومع هذه التهديدات المتواصلة وهذا الجو الذي يحطم الأعصاب. نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انقطع فترة عن القيام بعملية التبليغ والجهر بها، ومجابهة الناس بما يدعو له، إن هذا كله ليس عادياً في بيئة عربية وعلى النفسية العربية لولا أن المسألة مسألة وحي من الله وأمر.

 

* * * * *

 

ز- ملاحقة خطواته صلى الله عليه وسلم ومحاولة إيئاسه منهم:

 

          أخرج ابن إسحاق عن ربيعة بن عباد – رضي الله عنه – قال:” إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان ! إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به. قال: وخلفه رجل أحول وضيء غديرتان عليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان ! إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا عنه.

 

          قال: فقلت لأبي  يا أبت.. من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب”.

 

          وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال:” لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في المواسم فيدعو القبائل، ما أحد من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بمجنة وعكاظ وبمنى حتى يستقبل القبائل يعود إليهم سنة بعد سنة حتى إن القبائل منهم من قال: ما آن لك أن تيأس منا ؟”.

 

          لقد بقي مستمراً في عملية التبليغ على وتيرة واحدة وبدأب متواصل، رغم هذه الظروف غير المواتية، والتي تجعل الإنسان العادي ييأس أو يفتر. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، فلولا أنه رسول الله حقاً يقوم بهذا كله إيماناً بالله وتنفيذاً لأمره وتصديقاً بوعده وخوفاً من وعيده لما أمكنه الاستمرار وتجاوز شيء من هذا.

 

          ونكتفي بهذه الأمثلة على تخطيه العقبات أمام البلاغ º لننتقل إلى عرض نماذج من عمله الدائب المستمر الشامل في تبليغ دعوة الله، أي إلى:

 

*        *        *

 

 

 

نماذج النوع الثاني: الطرق التي سلكها صلى الله عليه وسلم لإيصال دعوة الله إلى الناس.

 

أ- دعوته صلى الله عليه وسلم الناس للاجتماع من أجل أن يبلغهم:

 

          أخرج أحمد عن ابن عباس قال:” لما أنزل الله {وَأَنذöرْ عَشöيرَتَكَ ٱلأَقْرَبöينَ}[3] أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى: يا صباحاه فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول الله: يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ قالوا: نعم. قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله {تَبَّتْ يَدَآ أَبöي لَهَبٍ وَتَبَّ}[4].

 

ب – ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى أماكن تجمع الناس وتبليغهم دعوة الله:

 

          أخرج أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة قال:” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها يقول:” يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” قال وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول لا يغوينكم هذا عن دينكم فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى وما يتلفت إليه رسول الله”.

 

          وأخرج أحمد عن ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهلياً فأسلم قال:” رأيت رسول الله في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول:” يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” والناس يجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب”.

 

          وأخرج البخاري في التاريخ وأبو زرعة والبغوي وابن أبي عاصم والطبراني عن الحارث ابن الحارث الغامدي قال:

 

          “ قلت لأبي ونحن بمنى ما هذه الجماعة ؟ قال: هؤلاء اجتمعوا على صابئ لهم قال: فتشرفت فإذا برسول الله يدعو الناس إلى توحيد الله وهم يردون عليه الحديث”.

 

          وأخرج الطبراني عن مدرك قال: حججت مع أبي فلما نزلنا منى إذا نحن بجماعة فقلت لأبي: ما هذه الجماعة ؟ قال: هذا الصابئ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا” قال الهيثمي ( ج6 ص21 ) ورجاله ثقات.

 

          وأخرج ابن إسحاق عن الزهري:” أنه عليه الصلاة والسلام أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله – عز وجل – وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه”.

 

          وعن محمد بن عبد الرحمن بن حصين:” أنه ( أي رسول الله ) أتى كلباً في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم”.

 

          وفي البداية عن عبد الله بن كعب بن مالك:” أن رسول الله أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح رداً عليه منهم”.

 

          وعن ابن إسحاق عن الزهري:” أنه ( أي رسول الله ) أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك º فأبوا عليه. فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم. فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم. فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا. فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بني عامر ! هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إسماعيلي قط، وإنها الحق فأين رأيكم كان عنكم ؟”.

 

          وأخرج الحافظ أبو نعيم عن العباس – رضي الله عنه – قال:” قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منعة فهل أنت مخرجي إلى السوق غداً حتى نقر في منازل قبائل الناس وكانت مجمع العرب. قال فقلت: هذه كندة ولفها وهي أفضل من يحج البيت من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك ؟ قال فبدأ بكندة فأتاهم فقال: ممن القوم ؟ قالوا: من أهل اليمن. قال: من أي اليمن ؟ قالوا: من كندة. قال: من أي كندة ؟ قالوا: من بني عمرو بن معاوية، قال: فهل لكم إلى خير ؟ قالوا: ما هو ؟ قال: تشهدون أن لا إله إلا الله، وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله. قال عبد الله بن الأجلح: وحدثني أبي عن أشياخ قومه أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الملك لله يجعله حيث يشاء. فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به”.

 

          وقال الكلبي:” فقالوا أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا وننابذ العرب. الحق بقومك فلا حاجة لنا بذلك. فانصرف من عنده فأتى بكر بن وائل فقال: ممن القوم ؟ قالوا: من بكر بن وائل. فقال: من أي بكر بن وائل ؟ قالوا: من بني قيس بن ثعلبة. قال: كيف العدد ؟ قالوا: كثير مثل الثرى. قال: فكيف المنعة ؟ قالوا: لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال: فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين، وتكبروه أربعاً وثلاثين. قالوا: من أنت ؟ قال: أنا رسول الله. ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبي: وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس: لا تقبلوا قوله، ثم مر أبو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل ؟ قال: نعم، هذا في الذروة منا فعن أي شأنه تسألون ؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا: زعم أنه رسول الله. قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولاً فإنه مجنون يهذي من أم رأسه. قالوا: قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكره”.

 

ج) رحلته صلى الله عليه وسلم من أجل التبليغ:

 

          أخرج الطبراني عن عبد الله بن جعفر قال:” لما توفي أبو طالب خرج النبي إلى الطائف ماشياً على قدميه يدعوه إلى الإسلام فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين ! أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله”.

 

د) تكليفه صلى الله عليه وسلم من أسلم تبليغ من لم يسلم:

 

          أخرج ابن أبي عاصم عن الأحنف بن قيس قال:” بينما أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان إذ أخذ رجل من بني ليث بيدي فقال: ألا أبشرك ؟ قلت: بلى، قال: أتذكر إذ بعثني رسول الله إلى قومك فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه فقلت أنت: إنك لتدعونا إلى خير وتأمر به، وإنه ليدعو إلى الخير. فبلغ ذلك النبي فقال: اللهم اغفر للأحنف”.

 

          وأخرج الدارقطني عن ابن عمر قال:” دعا النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف فقال: تجهز فإني باعثك في سرية – فذكر الحديث – وفيه: فخرج عبد الرحمن حتى لحق بأصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل فلما دخلها دعاهم إلى الإسلام ثلاثة أيام فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانياً، وكان رأسهم فكتب عبد الرحمن – مع رجل من جهينة يقال له رافع بن مكيث – إلى النبي يخبره فكتب إليه النبي أن تزوج ابنة الأصبغ فتزوجها وهي تماضر التي ولدت له بعد ذلك أبا سلمة بن عبد الرحمن”.

 

          وأخرج ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن التميمي قال:” بعث رسول الله عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلى، فبعثه رسول الله إليهم يتألفهم بذلك”.

 

          وأخرج البيهقي عن البراء” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وأمره أن يقفل خالداً إلا رجلاً كان ممن مع خالد، فأحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ثم تقدم. فصلى بنا علي صفاً صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجداً ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان !!! السلام على همدان”.

 

         أخرج أبو نعيم في الحلية عن عروة بن الزبير – رضي الله عنه –” أن الأنصار لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وأيقنوا واطمأنت أنفسهم إلى دعوته فصدقوه وآمنوا به – كانوا من أسباب الخير وواعدوه الموسم من العام المقبل فرجعوا إلى قومهم – بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا رجلاً من قبلك فيدعو الناس إلى كتاب الله فإنه أدنى أن يتبع فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير – رضي الله عنه – أخا بني عبد الدار، فنزل بني غنم على أسعد بن زرارة يحدثهم ويقص عليهم القرآن فلم يزل مصعب عند سعد بن معاذ يدعو ويهدي الله على يديه حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم. ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدعى المقرئ”.

 

          وروى الطبراني في الكبير عن بكير بن معروف عن علقمة... عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون، والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون، أو لأعاجلنهم العقوبة”.

 

          ثم نزل فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء ؟ قال: الأشعريين، هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب. فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله ! ذكرت قوماً بخير وذكرتنا بشر فما بالنا فقال:” ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا” فقالوا: يا رسول الله ! أنعظن غيرنا ؟ فأعاد قوله عليهم فأعادوا قولهم: أنعظن غيرنا ؟ فقال ذلك أيضاً، فقالوا: أمهلنا سنة فأمهلهم سنة يفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لُعöنَ ٱلَّذöينَ كَفَرُواْ مöن بَنöيۤ إöسْرَائöيلَ عَلَىٰ لöسَانö دَاوُودَ وَعöيسَى ٱبْنö مَرْيَمَ ذٰلöكَ بöمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}[5].

 

و) إرساله صلى الله عليه وسلم الرسل والرسائل لتبليغ الملوك والأمراء:

 

          أخرج البيهقي عن ابن إسحاق قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتاباً:

 

          “ بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، السلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والمولاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين فإذا جاءوك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وبلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى”.

 

          وأخرج البخاري عن ابن عباس حديث أبي سفيان مع هرقل وفيه نص رسالة رسول الله إليه وهذا نصها:” بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ! سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين، {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكöتَابö تَعَالَوْاْ إöلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إöلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرöكَ بöهö شَيْئاً وَلاَ يَتَّخöذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّöن دُونö ٱللَّهö فَإöن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بöأَنَّا مُسْلöمُونَ}[6].

 

          وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق نص رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وهي:” بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ! سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة º لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم تسلم وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك”.

 

          وأخرج البيهقي نص رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران وهي:

 

          “ بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران ! سلم أنتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما بعد ! فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوك إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام”.

 

          وقد أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام رسائل مشابهة إلى المقوقس وإلى ملك اليمامة وإلى المنذر بن ساوة عظيم البحرين وإلى الحارث بن أبي شمر الغساني وإلى الحارث بن عبد كلال الحميري وإلى ملكي عمان ابني الجلندي وغيرهم.

 

*        *        *

 

          هذه نماذج من عملية التبليغ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تعطيك صورة مبسطة عن قيامه بتبليغ أمر الله ودينه وشريعته، واستفياء هذا الموضوع حقه يحتاج إلى مجلد ضخم على الأقل. إذ إن رسول الله خلال ثلاثة وعشرين عاماً بعد النبوة، لم يهدأ ولم يسترح ولم يفوّت فرصة يستطيع بها أن يبلغ، بالاتصال الشخصي والعرض الجماعي، وفي السفر والحضر وبنفسه وأتباعه وبالمشافهة والخطاب، ثم عمم الأمر على أمته جميعاً بأن أوجب عليهم البلاغ أنه عليه الصلاة والسلام لم يمت إلا والجزيرة العربية كلها مستجيبة لأمر الله، وأكبر الدول المجاورة للجزيرة العربية قد بلغتها الدعوة ولم يمض عصر الخلفاء الراشدين إلا وكان أكثر العالم المعروف وقتذاك قد بلغته الدعوة، فمن مستجيب ومن معرض قامت عليه الحجة فأصر على الكفر عناداً، وما من إنسان يستطيع أن يتصور مثل هذا الحماس للتبليغ المنقطع النظير يمكن أن يكون إلا وليد اقتناع كامل بصدق الدعوة والداعية، وما كان الداعية ليعطي هذا الحماس لأتباعه، لو لم يكن هو في أعلى حالات الصدق والقيام بالواجب والشعور بالمسؤولية أمام الله.

 

          إن تاريخ العام كله لا يقص علينا، أن أحداً استوعبت دعوته من قبل الآخرين في حياته كما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يمت إلا وعشرات الآلاف من أتباعه يحفظون من الكتاب المنزل عليه الكثير، ومن أحاديثه وتعاليمه الكثير الكبير، ثم حفظت نصوص تعاليمه حرفياً لكل الأجيال الآتية من بعد. لأنها كلها مكلفة باتباعه ومحاسبة أمام الله إن لم تتبعه بعد البلاغ. أما من لم تبلغه دعوته فقد اقتضت رحمة الله ألا يعتبر مسؤولاً، وكلن عملياً – وذلك كله من آثار قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بواجب التبليغ – لم يبق أحد منذ زمن بعيد إلا في النادر لم تبلغه دعوة رسول الله، وأنت ترى الآن الدعاة إلى الله على صراط رسول الله منتشرين في العالم كله، لقد قام رسول الله بعملية التبليغ حق القيام، وكما رأيت فإن كل موقف من مواقفه فيها ما يجعلك على برد اليقين، بأن هذه المواقف ما كانت لتكون، لولا أن رسول الله محمداً صادق في دعوى الرسالة عن الله.

 

          فإلى الصفة الأساسية الرابعة للتبليغ وجوهر الرسالة عن الله وهي العقل العظيم والفطانة لترى أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحظ الأعلى منها:

 

*        *        *


4 – عقله العظيم وفطانته عليه الصلاة والسلام

 

          1- إن الصفة الرابعة للرسل عليهم الصلاة والسلام هي الفطانة وهي الصفة الملازمة للتبليغ. إذ الرسول معرّض وهو يقوم بعملية التبليغ لمناقشات لخصوم أو لتساؤلات الأتباع أو لاعتراضات المشككين وانتقاداتهم، فلا بد أن يكون لديه من الذكاء وقوة البيان وحدة العارضة ما يستطيع به أن يدحض شبه الآخرين فلا تقوم لهم حجة، إذ لو قامت لهم حجة لما كان له عليهم سلطان وذلك مقتضى قوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشّöرöينَ وَمُنذöرöينَ لöئَلاَّ يَكُونَ لöلنَّاسö عَلَى ٱللَّهö حُجَّةñ بَعْدَ ٱلرُّسُلö}[7].

 

          وهذا لا يتم إلا بأن تكون دعوة الرسول حقاً كلها، إذ غير الحق لا تكون حجته واضحة، والباطل دائماً حجته داحضه، ولا يتم كذلك إلا بعقل يستطيع إحكام الحجة في العرض. فكم من حق لم يجد عقلاً فضاع، ولا يتم هذا كله إلا بفصاحة وبيان يمكن بهما عرض الحجة بالشكل الأكمل، ولا يتأتى هذا إلا لأعلم الناس وأذكى الناس وأفصح الناس.

 

          فالناس يتفاوتون علماً ويختلفون اختصاصاً. فمنهم رجل الدين , ومنهم السياسي، ومنهم الاقتصادي، ومنهم الطبيب، ومنهم رجل الحكمة ومنهم ومنهم. وكل واحد من هؤلاء ينبغي أن تقام عليه الحجة فما لم يكن الرسول أعلم الخلق لا يستطيع إقامة الحجة.

 

          والناس يتفاوتون ذكاء وقوة حجة وعارضة، والرسول مهمته أن يقيم الحجة على كل البشر فما لم يكن أذكى البشر فإنه لا يستطيع أن يفعل.

 

          وإنسان يحتاج إلى هذا كله لا بد له من لسان مبين , وفصاحة عظيمة، حتى قال موسى يوم كلفه الله بالوحي: {رَبّö ٱشْرَحْ لöي صَدْرöي * وَيَسّöرْ لöيۤ أَمْرöي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّöن لّöسَانöي * يَفْقَهُواْ قَوْلöي}[8].

 

          وباجتماع هذه الجوانب كلها تتحقق صفة الفطانة عند الرسول وتدل بذلك على صاحبها أنه رسول الله حقاً مع استكمال بقية الشروط.

 

          فالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

 

          والحجة الكاملة البينة الخاصة فيه.

 

          والعرض السليم الكامل الأداء.

 

          وإلزام الخصوم العجز عن أن يكون لهم موقف حق إلا بالمتابعة.

 

          كل هذا لا يتأتى إلا لدعوة الله المحيط علماً بكل شيء، ولرسوله الذي يختاره أهلاً لحمل دعوته {ٱللَّهُ يَصْطَفöي مöنَ ٱلْمَلاَئöكَةö رُسُلاً وَمöنَ ٱلنَّاسö}[9] {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رöسَالَتَهُ}[10].

 

*        *        *

 

          2- وباستعراضنا لهذه الجوانب عند رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نجد أن له من كل شيء ذروته، فمن حيث إن دعوته كلها حق فذلك لا مرية فيه وتحقيق ذلك في كل بحوث هذا الكتاب.

 

          ومن حيث الفصاحة فهو أفصح العرب على الإطلاق وأبينهم لغة ونطقاً وأداء.

 

          ومن حيث إقامة الحجة فإنك لا تجد إنساناً يستطيع إقامة الحجة المقنعة على كل إنسان حسب مستواه العقلي بكل بساطة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا تأتّى له أن يقيم الحجة على الناس بدينه كله، عقيدة وعبادات وسلوكاً ومنهاج حياة، هذا مع توفيق الله له، وحكمته – جل جلاله – في أن جعل القرآن الكريم قد فصّل كل شيء، وحاجّ كل إنسان فحجّه، فكان القرآن مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح كما فحصه علماء الحديث – وهما محفوظان – حجة الله على البشر في كل جيل إلى قيام الساعة.

 

*        *        *

 

          3- ولتوضيح ظهور هذه الجوانب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. سنختار نماذج من مناقشاته يقيم بها الحجة على آخرين ومن خطبه أو كتبه يدعو بها إلى شيء من شريعته ومن كَلöمöهö المعلل بالحكمة في الأمر أو النهي أو الخير مما يدلك على مدى ملكة الإقناع التي وهبها الله لرسوله حتى جعله أكمل الخلق في كل الخلق:

 

          أخرج عبد الله بن أحمد وأبو يعلى عن سعيد بن أبي راشد قال: رأيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص وكان جاراً لي شيخاً كبيراً قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ؟ قال: بلى... وذكر الحديث ومن جملته:

 

          “ فانطلقت بكتابه ( أي كتاب هرقل ) حتى جئت تبوك فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء. فقلت: أين صاحبكُم ؟ قيل: هاهو ذا. فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال: ممن أنت ؟ قلت: أنا أحد تنوخ. فقال: هل لك في الحنيفية ملة إبراهيم ؟ قلت: إن رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. قال: {إöنَّكَ لاَ تَهْدöي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَِٰكöنَّ ٱللَّهَ يَهْدöي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بöٱلْمُهْتَدöينَ}[11].

 

          إلى أن قال: ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره فقلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي يدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله فأين الليل إذا ذهب النهار”.

 

          قال الهيثمي: رجال أبي يعلى ثقات ورجال عبد الله بن أحمد كذلك.

 

          أخرج ابن خزيمة عن عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين قال:” حدثني أبي عن أبيه عن جده أن قريشاً جاءت إلى الحصين – وكانت تعظمه – فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أوسعوا للشيخ. وعمران وأصحابه متوافرون. فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك. إنك تشتم آلهتنا وتذكرهم وقد كان أبوك حصينة وخيراً ؟ فقال: يا حصين إن أبي وأباك في النار، يا حصين كم تعبد من إله ؟ قال سبعاً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فإذا أصابك الضر من تدعو ؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعو ؟ قال: الذي في السماء. قال: فيستجيب لك وحده وتشركهم معه، أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك ؟ قال: لا واحدة من هاتين، قال: وعلمت أني لم أكلم مثله.

 

          قال: يا حصين أسلم تسلم.

 

          قال: إني لي قوماً وعشيرة فماذا أقول ؟

 

          قال: قل اللهم أستهديك لأرشد أمري، وزدني علماً ينفعني.

 

          فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه. فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بكى وقال:

 

          بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران ولم يلتفت ناحيته فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة. فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قرش فقالوا: صبأ، وتفرقوا عنه” كذا في الإصابة ج1 ص337.

 

          أخرج أحمد عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه” أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد ؟ فقال: نعم. قال: ما تدعو ؟ قال: أدعو الله عز وجل وحده º مَنْ إذا كان لك ضر فدعوته كشفه عنك، ومن إذا أصابك عام فدعوته أنبت لك، ومن إذا كنت في أرض قفر فأضللت فدعوته رد عليك.

 

          فأسلم الرجل ثم قال: أوصني يا رسول الله، فقال: لا تسب شيئاً. أو قال أحداً – شك الحكم – قال: فما سببت بعيراً ولا شاة منذ أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          أخرج أحمد عن عدي بن حاتم قال:” لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم – وفي رواية: حتى قدمت على قيصر – قال:  فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه. قال: قلت: والله لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذباً لم يضرني وإن كان صادقاً علمت، قال: فقدمت فأتيته. فلما قدمت قال الناس: عدي بن حاتم، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم – ثلاثاً -. قال: قلت: إني على دين. قال: أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت تعلم بديني مني ؟ قال: نعم، ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك ؟ قلت: بلى، قال: هذا لا يحل لك في دينك، قال: نعم، فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب. أتعرف الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: فوالذي نفسي بيده ليمتن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد. وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال: قلت كنوز ابن هرمز ؟ قال: نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد.

 

          قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تأتي من لحيرة تطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها”. كذا في البداية ج5 ص66 وأخرجه البغوي أيضاً في مجمعه بمعناه، كما في الإصابة.

 

          وأخرج أحمد عن عدي بن حاتم قال:” جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب فأخذوا عمتي وناساً فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نصفوا له. قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة º فَمُنَّ عليَّ، منَّ الله عليك. فقال: ومن وافدك ؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله ؟ قالت: فمنَّ عليَّ، فلما رجع ورجل إلى جنبه – نرى أنه عليُّ – قال: سليه حملاناً، قال: فسألته فأمر لها. قال عدي: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت: إيته راغباً أو راهباً، فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه، قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان – أو صبي – فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى وقيصر. فقال له: يا عدي بن حاتم! ما أفرك ؟ أفرك أن يقال: لا إله إلا الله، مَنْ إله إلا الله ؟ ما أفرك ؟ أفرك أن يقال: الله أكبر. فهل شيء أكبر من الله عز وجل ؟ فأسلمت فرأيت وجهه قد استبشر”.

 

          أخرج أبو يعلى، عن حرب بن سريج قال: حدثني رجل من بلعدوية، قال: حدثني جدي قال:” انطلقت إلى المدينة فنزلت عند الوادي، فإذا رجلان بينهما عنزة واحدة، وإذا المشتري يقول للبائع: أحسن مبايعتي، قال: فقلت في نفسي هذا الهاشمي الذي قل أضل الناس، أهو هو ؟ قال: فنظرت فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين. وإذا من ثغره نحره إلى سرته مثل الخيط الأسود شعر أسود، وإذا هو بين طمرين. قال: فدنا منا فقال: السلام عليكم، فرددنا عليه، فلم ألبث أن دعا المشتري فقال: يا رسول الله قل له يحسن مبايعتي، فمد يده وقال أموالكم تملكون، إني أرجو أن ألقى الله عز وجل يوم القيامة لا يطلبني أحد منكم بشيء ظلمته في مال ولا في دم وعرضٍ إلا بحقه، رحم الله امرأ سهل البيع، سهل الشراء، سهل الأخذ، سهل العطاء، سهل القضاء، سهل التقاضي ثم مضى.

 

          فقلت: والله لأقصن هذا فإنه حسن القول، فتبعته فقلت: يا محمد فالتفت إلي بجميعه فقال: ما تشاء ؟

 

          قلت: أنت الذي أضللت الناس وأهلكتهم وصددتهم عما كان يعبد آباؤهم.

 

          قال: ذاك الله.

 

          قال: ما تدعو إليه ؟

 

          قال: أدعو عباد الله إلى الله.

 

          قال: فقلت: ما تقول ؟

 

          قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله وتؤمن بما أنزله علي وتكفر باللات والعزى وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة.

 

          قال: قلت: وما الزكاة ؟

 

          قال: يرد غنينا على فقيرنا.

 

          قال: قلت: نعم الشيء تدعو إليه.

 

          قال: فلقد كان وما في الأرض أحد يتنفس أبغض إلي منه، فما برح حتى كان أحب إلي من ولدي ووالدين ومن الناس أجمعين.

 

          قال: فقلت: قد عرفت، قال: قد عرفت ؟

 

          قلت: نعم.

 

          قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله وتؤمن بما أنزل علي، قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني أرد ماءً عليه كثير من الناس فأدعوهم إلى ما دعوتني إليه فإني أرجو أن يتبعوك. قال: نعم فادعهم، فأسلم أهل ذلك الماء رجالهم ونساؤهم فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه”.

 

          وذكر البخاري وأبو داود وأتم ما ذَكَرَا رزين مساجلة جرت بني المسلمين وأبي سفيان بعد موقعة أحد – وقد أصيب المسلمون – فنادى أبو سفيان جماعة من المسلمين وهذا نص الحادثة كما رووها:” فأشرف أبو سفيان ( أي على المكان الذي كانوا فيه ) فقال: أفي القوم محمد ؟ فقال: ( أي الرسول وكان معهم ) لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب ؟ فلم يجبه أحد، فقال: إن هؤلاء قتلوا، ولو كانوا أحياء لأجابوا: فلم يملك عمر – رضي الله عنه – نفسه. فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يحزنك. قال أبو سفيان: أُعْلُ هبل. فقال صلى الله عليه وسلم أجيبوه. فقالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا ما نقول ؟ قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. قال صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار” أخرجه البخاري وأبو داود إلى قوله” لم تسؤني” وأخرج باقيه رزين.

 

          وعن ابن إسحاق من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال:” لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين – وقسم للمتألفين من قريش ( أي حديثو العهد بالإسلام ليمكن الإسلام في قلوبهم ) وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منهم شيء قليل ولا كثير – وجد ( أي تغيرت قلوبهم ) هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه. فمشى سعد بن عبادة – رضي الله عنه – إلى رسول لله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إن هذا الحي من الأنصار، قد وجدوا عليك في أنفسهم. فقال: فيم ؟ قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم ذلك شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.

 

          قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. فإذا اجتمعوا فأعلمني. فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة. فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا، وجاء آخرون فردهم – حتى إذا لم يبق من الأنصار إلا اجتمع له. أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة ( أي فقراء ) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ قالوا: بلى. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله ! وبماذا نجيبك ؟ المنُّ لله ولرسوله. قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم º جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فآمناك، ومخذولاً فنصرناك. فقالوا: المنُّ لله ولرسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة ( أي في شيء تافه إذ اللعاعة نبت ناعم لا يعمر طويلاً ) من الدنيا ؟ تألفت بها قوماً أسلموا ووكلتم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون – يا معشر الأنصار – أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعباً، وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ( أي بلوها بدموعهم ) وقالوا: رضينا بالله ربّاً ورسوله قسماً ثم انصرف. وتفرقوا” وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح.

 

          وأخرج مالك عن عطاء بن يسار:” أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن على أمي ؟ فقال: نعم. فقال الرجل: إني معها في البيت. فقال: استأذن عليها. فقال: إني خادمها ؟ فقال رسول الله: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة ؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها”.

 

          وأخرج الإمام أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي أمامة – رضي الله عنه -:” أن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه. فقال: أدْنُ فدنا منه قريباً. قال: اجلس فجلس قال صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال صلى الله عليه وسلم: أفتحبه لابنتك ؟ قال: لا والله، يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال صلى الله عليه وسلم أفتحبه لأختك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال صلى الله عليه وسلم: أفتحبه لعمتك ؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال صلى الله عليه وسلم: أفتحبه لخالتك ؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. فقال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده صلى الله عليه وسلم عليه ثم قال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه قال: فلم يكن – بعد – ذلك الفتى يلتفت إلى شيء”.

 

          ومن نقاشه مع وفد نصارى نجران كما ترويه كتب السيرة في أمر عيسى هذا المقطع:

 

          “ قالوا: من أبوه ( أي عيسى يريدون أن يقيمون الحجة بهذا السؤال على أنه ابن الله – تعالى الله- عن ذلك علواً كبيراً - ).

 

          وقد رد القرآن عليهم بقوله: {إöنَّ مَثَلَ عöيسَىٰ عöندَ ٱللَّهö كَمَثَلö آدَمَ خَلَقَهُ مöن تُرَابٍ ثöمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[12].

 

          ورد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يلي:

 

          قال: ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟

 

          قالوا: بلى.

 

          قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟

 

          قالوا: بلى.

 

          قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً ؟

 

          قالوا: لا.

 

          قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؟

 

          قالوا: بلى.

 

          قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما عُلّöم ؟

 

          قالوا: لا.

 

          قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء ؟ وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث ؟

 

          قالوا: بلى.

 

          قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذّي كما يغذّى الصبي. ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟

 

          قالوا: بلى.

 

          قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟

 

          ويوم الحديبية وقد حميت قريش للحرب وهو لا يريده قال كلمة أحاطت بجوانب الموضوع الذي يجعل قريشاً لا تريد إلا ما أراد قال:

 

          “ يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة”. تنفرد السالفة: يعني الموت.

 

* * * * *

 

          هذه نماذج على مناقشاته التي يقيم بها الحجة على ألآخرين بالبساطة المقنعة والفصاحة الآسرة.

 

          وسنرى نماذج على حدة ذكائه الهائل في تصريف الأمور وتدبيرها في الفصل الثاني من هذا الباب.

 

          أما هنا فنريد أن نتمم ببيان فصاحته التي لا مثيل لها وهي السمة المرافقة التي لا بد منها في إقامة الحجة ونضرب على ذلك أمثلة من خطبه وكتبه وكلمه الذي كان كله بليغاً.

 

* * * * *

 

          في حجة الوداع خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطبة طويلة، وكان الذي يبلغها عنه ربيعة بن أمية، وهذا جزء منها ترى فيه نماذج الكلم الذي فعل فعله في القلوب بما لم يفعله كلام آخر:

 

          “ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيعة: قل يا أيها الناس إن الرسول يقول: هل تدرون أي شهر هذا ؟ فقال ربيعة. فصاح الناس: الشهر الحرام. فقال رسول الله: قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا.

 

          ثم قال: قل يا أيها الناس إن الرسول يقول: هل تدرون أي بلد هذا ؟ فيقول ربيعة فيصيح الناس: البلد الحرام فيقول عليه الصلاة والسلام: قل لهم إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة بلدكم هذا.

 

          ثم يأمره: يا أيها الناس إن رسول الله يقول: هل تدرون أي يوم هذا ؟ فيقول لهم فيصيحون: يوم الحج الأكبر. فيقول قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا”.

 

          ذكره ابن هشام وهو بمعناه عند البخاري ومسلم.

 

          ومن كلمة له عليه الصلاة والسلام:” أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً ونظري عبرة، وآمر بالمعروف” لرزين، والجمل الستة الأولى لها طرق وشواهد تحسنها.

 

* * * * *

 

          ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم:

 

          “ يا غلام ! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك – أو قال: أمامك – تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله تعالى º فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله تعالى لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله تعالى لك لم يقدروا على ذلك. جفت الأقلام وطويت الصحف، فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً ولن يغلب عسر يسرين”. صحيح، أخرجه أحمد والترمذي مع اختلاف في اللفظ.

 

* * * * *

 

          ومن خطبة طويلة له عليه الصلاة والسلام حفظ منها أبو سعيد الخدري ما يلي:

 

          “ إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعلمون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء”.

 

          “ ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه”.

 

          “ ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة، يركز لواؤه عند استه”.

 

          “ ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء والسريع الغضب سريع الفيء، البطيء الغضب بطيء الفيء، فتلك بتلك. ألا وإن منهم بطيء الفيء سريع الغضب، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وإن منهم حسن القضاء حسن الطلب، ومنهم سيء القضاء حسن الطلب، ومنهم حسن الطلب حسن القضاء، فتلك بتلك ألا وإن منهم السيء القضاء سيء الطب، ألا وخيرهم الحسن القضاء الحسن الطب، وشرهم سيء القضاء سيء الطلب، ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ؟ فمن أحسن بشيء من ذلك فليلصق بالأرض”. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.

 

* * * * *

 

          - عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه -:

 

          قال:” كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير. فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. فقال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه. تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان , وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على باب من أبواب الخير ؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل شعار الصالحين. ثم تلى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنö ٱلْمَضَاجöعö}. إلى قوله: {جَزَآءً بöمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[13]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: رأس الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه، قلت: يا رسول الله ! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم”[14].

 

          عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال:

 

          “ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله. فأما الثلاثة الذي يحبهم الله: فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوماً ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فنزلوا، فقام يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فانهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له. وأما الثلاثة الذين يبغضهم الله: فالشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم”[15].

 

          وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله – عز وجل – يوم القيامة: يا ابن آدم  ! مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم ! استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال: إن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه، أما علمت لو إنك أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ فيقول: إن عبدي فلاناً استسقاك فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي”[16].

 

* * * * *

 

          والسر في فصاحته صلى الله عليه وسلم أنه يقول الكلمة القصيرة فتبلغ كل مبلغ وتحيط كل إحاطة، وتصل إلى أدق القضايا، ويتفاوت الناس في الأخذ منها على مقدار ما أوتوا من حكمة وعلم وذكاء وفهم. وقد عبر هو عليه الصلاة والسلام عن سر فصاحته فقال: أوتيت جوامع الكلم. وانظر عبارته هذه، تر معناها أنه ليعبر عن المعاني العظيمة الكثيرة الكبير بكلمة مختصرة سهلة، ولكنها لا تدرك معانيها لما أحاطت به، وهذه قضية يعرفها كل من اطلع على أحاديث عليه الصلاة والسلام، التي بلغت عشرات الآلاف، والمحفوظة في كتب الحديث المعتمدة المنقحة الصحيحة. وخذ أي حديث من أحاديثه وأي كلمة من كلامه تجد هذا واضحاً بالشكل الذي لا يلحق به إنسان إلا في نوادر الحالات، ولكن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله من هذا النوع ومن ثم كان أفصح العرب على الإطلاق.

 

          وقد ضرب العقاد أمثلة على هذا الذي قلناه وحللها فأتى بالجيد، نجتذيء منه بمثال يقول:” ومن أمثلته ( أي الكلام الجامع للمعاني الكبار في الكلمات القصار عند رسول الله ) علم السياسة الذي اجتمع كله في قوله صلى الله عليه وسلم:” كما تكونوا يول عليكم”. فأي قاعدة من القواعد الأصيلة في سياسة الأمم لا تنطوي بين هذه الكلمات ؟ ؟

 

          ينطوي فيها أن الأمم مسؤولة عن حكوماتها لا يعفيها من تبعة ما تصنع تلك الحكومات عذر بالجهل، أو عذر بالإكراه، لأن الجهل جهلها الذي تعاقب عليه، والإكراه ضعفها الذي تلقى جزاءه.

 

          وينطوي فيها أن العبرة بأخلاق الأمة لا بالنظم والأشكال التي تعلنها الحكومة. فلا سبيل إلى الاستبداد بأمة تعاف الاستبداد ولو لم يتقيد فيها الحاكم بقيود القوانين، ولا سبيل إلى حرية أمة تجهل الحرية، ولو تقيد فيها الحاكم بألف قيد من النظم والأشكال.

 

          وينطوي فيها أن الولاية تبع تابع، وليست بأصل أصيل، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأحرى ألا يغير الوالي قوماً حتى يتغيروا هم قبل ذلك.

 

          وينطوي فيها أن الأمة مصدر السلطات على حد التعبير الحديث.

 

          وينطوي فيها أن الأمة تستحق الحكم الذي تصبر عليه، ولو لم يكن حكم صلاح واستقلال، وذلك هو الإبلاغ الذي ينفذ فيه وجهاته كل نفاذ”.

 

          ويختم العقاد كلامه في هذا الموضوع بقوله:

 

          “ وأمثال هذه الأحاديث في أصول السياسة والأخلاق والاجتماع مما لا يتناوله الإحصاء، في هذا المقام. كان محمد صلى الله عليه وسلم فصيح اللغة، فيصح اللسان، فصيح الداء، وكان بليغاً مبلغاً على أسلس ما تكون بلاغة الكرامة والكفاية، وكان بلسانه وفؤاده من المرسلين، بل قدوة المرسلين”.

 

          وحسبك هذه الشهادة من العقاد شيخ أدباء العرب في القرن العشرين.

 

* * * * *

 

          وبهذا نرجو أن تكون قد اتضحت لك صفة الفطانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الحق، وإقامة الحجة فيه، ونصاعة البيان في عرضه، وكمال الأداء في إيصاله. وستتضح لك هذه الصفة أكثر في الفصل الثاني، حيث الكلام عن السياسي الأول، والمحارب الأول، والمعلم الأول عليه الصلاة والسلام، ولعل الفصل الثاني سيكون أكثره مشيراً إلى عظمة عبده وفطانته صلى الله عليه وسلم فلنقتصر هنا على ما قدمناه.

 

* * * * *

 

          وبهذا نختم الفصل الأول من هذا الباب وقد رأيت فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له من الصفات الأساسية للرسل كمالها وتمامها وأن ذلك دليل على أنه رسول الله حقاً، خلقه الله على أكمل الأحوال وأرفع المقامات ووفقه لأعظم الأعمال، مما ينوء بحمله كل الرجال مجتمعين. فسار في طريق لم تضطرب بدايته فيه، ولم تتحول مسيرته عنه. حتى وصل إلى نهايته على استقامة من أول الشوط إليها، كل خطوة بعد التي تليها، بناء يتكامل يوماً فيوماً حتى تم، لا نقص فيه ولا عوج، ولا ينقض منه شيء أبداً، وما كان ذلك ليكون لولا أن الله المحيط علماً بكل شيء هو الذي يسدّد رسوله صلى الله عليه وسلم ويرعاه ويسيّره حتى كان ما كان.



[1] فصلت : 26 .

[2] المدثر : 31 .

[3] الشعراء : 214 .

[4] المسد : 1 .

[5] المائدة 78 ، 79 .

[6] آل عمران :

[7] النساء : 165 .

[8] طه : 25 – 28 .

[9] الحج : 75 .

[10] الأنعام : 124 .

[11] القصص : 56 .

[12] آل عمران : 59 .

[13] السجدة : 16 ، 17 .

[14] أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وهو صحيح بطرقه .

[15] أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم ورمز لصحته السيوطي .

[16] أخرجه مسلم .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error