الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الثاني - المعجزات

الفقرة الأولى - المعجزة القرآنية - النموذج الثاني

          والآن ننتقل لإثبات الأمر الآخر:

 

          إن القرآن كله مترابط فيما بينه، يشكل وحدة منتظمة مترابطة.

 

          أول سورة من سور القرآن هي الفاتحة ويلاحظ أنها أوجزت معاني القرآن كله. فمعاني القرآن كلها تدور حول العقائد، والعبادات، ومناهج الحياة، والسورة بدأت بالعقيدة {بöسْمö اللَّهö ٱلرَّحْمِٰنö ٱلرَّحöيمö * ٱلْحَمْدُ للَّهö رَبّö ٱلْعَالَمöينَ * ٱلرَّحْمِٰنö ٱلرَّحöيمö * مَِٰلöكö يَوْمö ٱلدّöينö} وثنت بالعبادات {إöيَّاكَ نَعْبُدُ وإöيَّاكَ نَسْتَعöينُ} وثلثت بمناهج الحياة { ٱهْدöنَا ٱلصّöرَاطَ ٱلْمُسْتَقöيمَ * صöرَاطَ ٱلَّذöينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهöمْ } وبينت أخيراً أن منهاج المسلمين متميز {غَيْرö ٱلْمَغْضُوبö عَلَيْهöم وَلاَ ٱلضَّآلّöينَ} ويلاحظ أن آخر فقرة فيها مبدوءة بكلمة { ٱهْدöنَا } ويأتي في أول سورة البقرة {الۤمۤ * ذَلöكَ ٱلْكöتَابُ لاَ رَيْبَ فöيهö هُدًى لّöلْمُتَّقöينَ } فالرابطة إذن بين سورة الفاتحة والبقرة والقرآن كله واضحة.

 

          ننتقل الآن إلى سورة البقرة والسورة التي تليها إلى سورة يونس وهي المسماة بالسبع الطöوَل: البقرة، وآل عمران , والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، لنرى هل هناك رابطة بين هذه السور:

 

          نظرة على سورة البقرة نلقيها ترينا:

 

          1 -  أن السورة مبدوءة بأحرف {الۤمۤ} ويأتي بعدها عشرون آية تتحدث عن أقسام الناس في المصطلح القرآني. متقين، وكافرين، ومنافقين، وتصف كلاً من هؤلاء.

 

          2 – تأتي بعد ذلك خمس آيات مبدوءة بكلمة {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} وفيها دعوة إلى الناس جميعاً أن يكونوا من الفئة الأولى” المتقين” وإن طريق التقوى هو عبادة الله، وتصف الآيات مظاهر قدرة الله، وكون القرآن لا شك فيه، ومصير الذين لا يسلكون هذا السبيل ومصير الذين يسلكونه.

 

          3 – تأتي بعد ذلك ثلاث آيات تتحدث عن الله عز وجل والقرآن، وموقف المهتدين منه، وضلال الضالين به وصفاتهم {ٱلَّذöينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهö مöن بَعْدö مöيثَاقöهö وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بöهö أَن يُوصَلَ وَيُفْسöدُونَ فöي ٱلأرْضö أُولَِۤئöكَ هُمُ ٱلْخَاسöرُونَ} ومناقشة من يكفر بالله عز وجل.

 

          4 – تأتي بعد ذلك آية مبدوءة بكلمة { هُوَ } تتحدث عن الله أنه خلق كل شيء في الأرض للبشر.

 

          5 – تأتي بعد ذلك عشر آيات تتحدث عن قصة آدم عليه السلام، ونزوله إلى الأرض وتختم بالقاعدة التي تحاسب عليها البشرية { فَمَن تَبöعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفñ عَلَيْهöمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَٱلَّذöينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بöآيَاتöنَآ أُولَِٰئöكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارö هُمْ فöيهَا خَالöدُونَ }.

 

          6 - {كُتöبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقöتَالُ وَهُوَ كُرْهñ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرñ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحöبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّñ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ثم تأتي آية مبدوءة بكلمة {يَسْأَلُونَكَ} الآية فيها استفتاء من الصحابة عن قضية لها علاقة بالقتال ثم تفصيلات في أمور كثيرة. حتى تختم السورة. ومن السهل جداً على دارس السورة أن يجد وحدتها، وليس هذا ما نريده الآن بل نريد إثبات الصلة بين هذه السورة والسور الست التي تليها.

 

          ولعلك تدهش إذا قلنا لك إن السور الست الطٍوَل التي تأتي بعدها إنما تشرح وتفصل هذه المقامات التي ذكرناها لك بشكل واضح لا يلتبس على المتأمل. وهي تشرح هذه المقامات بالتسلسل الموجود في سورة البقرة وكأن هذه المقامات تحتاج إلى زيادة إيضاح فجاءت كل سورة تشرح كل واحدة منها مقاماً وهاك الدليل:

 

          1 – سورة البقرة مبدوءة بأحرف {الۤمۤ} وسورة آل عمران مبدوءة بنفس الأحرف. سورة البقرة مبدوءة بآية { ذَلöكَ ٱلْكöتَابُ لاَ رَيْبَ فöيهö }. سورة آل عمران مبدوءة بهاتين الآيتين { ٱللَّهُ لاۤ إöلَِٰهَ إöلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكöتَابَ بöٱلْحَقّö }.

 

          العشرون آية الأولى في البقرة تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين. سورة آل عمران كلها توضح ملامح هذه الفئات الثلاث، والحدود التي ينبغي أن تقف عليها الجماعة المسلمة في علاقتها مع الفئتين الأخريين.

 

          2 – بعد العشرين آية من سورة البقرة تأتي الآية المبدوءة بِ {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} والتي تبين للإنسان طريق التقوى وأن التقوى هدف { ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذöي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذöينَ مöن قَبْلöكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

 

          وتأتي سورة النساء بعد سورة آل عمران مبدوءة بآية:

 

           {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذöي خَلَقَكُمْ مّöن نَّفْسٍ وَاحöدَةٍ }. نفس النداء. نفس المعاني. وكأنك عندما تدرس سورة النساء إنما تدرس التقوى طريقاً وسلوكاً.

 

          3 – وبعد هذه الآيات تأتي الآيات التي تتحدث عن نقض العهد. وتأتي بعد سورة النساء سورة المائدة وهي مبدوءة بالأمر بالوفاء بالعقود {يَا أَيُّهَا ٱلَّذöينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بöٱلْعُقُودö} وفي السورة أكثر من آية تذكر العهود.

 

          {وَٱذْكُرُواْ نöعْمَةَ ٱللَّهö عَلَيْكُمْ وَمöيثَاقَهُ ٱلَّذöي وَاثَقَكُم بöهö إöذْ قُلْتُمْ سَمöعْنَا وَأَطَعْنَا} وكأن السورة تذكر المعاني الأساسية للعهود الأساسية التي من تمسك بها اهتدى بهدي القرآن وإلا ضلّ.

 

          4 – وبعد آيات سورة البقرة هذه تأتي الآية {هُوَ ٱلَّذöي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فöي ٱلأَرْضö جَمöيعاً} وتأتي بعد سورة المائدة سورة الأنعام التي تتردد فيها كلمة { هُوَ } { هُوَ } مرات كثيرة. الآية الثانية {هُوَ ٱلَّذöي خَلَقَكُمْ مّöن طöينٍ} والآية ( 19 ) {وَهُوَ ٱلْقَاهöرُ فَوْقَ عöبَادöهö} والآية ( 61 ) {وَهُوَ ٱلَّذöي يَتَوَفَّاكُم بöٱللَّيْلö} و...

 

          وهكذا مرات، وآخر آية في السورة تكاد تكون معنى حرفياً لآية سورة البقرة {وَهُوَ ٱلَّذöي جَعَلَكُمْ خَلاَئöفَ ٱلأَرْضö وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّöيَبْلُوَكُمْ فöي مَآ آتَاكُمْ إöنَّ رَبَّكَ سَرöيعُ ٱلْعöقَابö وَإöنَّهُ لَغَفُورñ رَّحöيمñ} فكأن سورة الأنعام كها تفصيل لمجمل الآية في سورة البقرة.

 

          5 – وتأتي بعد ذلك في سورة البقرة قصة آدم، وتنتهي بالقاعدة التي ذكرناها {فَمَن تَبöعَ هُدَايَ.. } وتأتي بعد سورة الأنعام سورة الأعراف والآية الثانية فيها {ٱتَّبöعُواْ مَآ أُنزöلَ إöلَيْكُمْ مّöن رَّبّöكُمْ} والآية الأولى فيها تقول {الۤمۤصۤ * كöتَابñ أُنزöلَ إöلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فöي صَدْرöكَ حَرَجñ مّöنْهُ لöتُنذöرَ بöهö وَذöكْرَىٰ لöلْمُؤْمöنöينَ }.

 

          وتأتي بعد ذلك قصص عن أمم وكيف كان موقفهم من الهدى المنزل عليهم فكأن السورة كلها عرض عملي وتاريخي ومناقشة في جو القاعدة التي انتهت بها قصة آدم في سورة البقرة.

 

          6 – وكما أنه بعد آية القتال في سورة البقرة تأتي كلمة {يَسْأَلُونَك} وفيها استفتاء عما له علاقة بالقتال، فإن سورة الأنفال بعد الأعراف مبدوءة بكلمة {يَسْأَلُونَك}.

 

          والسورة كلها والسورة التي بعدها وهي سورة” التوبة” تتحدثان عن القتال وأدب الحرب، ويلاحظ أن السورتين في القرآن مكتوبتان بلا فاصل” البسملة” فكأن السورتين شرح وتوضيح للفريضة التي ذكرها الله في سورة البقرة.

 

          ونظن أن قد وضحت الرابطة التي تربط هذه السور فيما بينها.

 

          ولكنك سترى أعجب إن شاء الله تعالى إذا درست تفسيرنا” الأساس في التفسير”.

 

          ونستطيع ههنا أن نضع أسس نظرية في موضوع الوحدة القرآنية فنقول:

 

          إن كل مجموعة سور من القرآن تشكل كلاً متكاملاً، وهذه المجموعات كلها إنما تفصل المعاني التي ذكرتها سورة البقرة على الترتيب مع تبيان وتوضيح وتفصيل، وقد رأينا مثالاً على ذلك، ويلاحظ أن كل مجموعة من السور قد عرض الأسس النظرية والعملية للإسلام، بحيث إن من يقرأ أي مجموعة من هذه المجموعات، يتذكر بكل الحقائق الأولية في الإسلام. كما يلاحظ أن كل مجموعة من هذه المجموعات قد عرضت هذه الحقائق بلغة وطريقة عرض ونغمة جرس تختلف عن الأخرى، مما يبهر الإنسان ولا يستطيعه مخلوق: أن تعرض قضيةً واحدة على عشرات الأوجه وبطرق كثيرة من العرض. المعاني في البقرة مرتبة ترتيباً معيناً، ثم كل مجموعة سور تشكل وحدة تعرض المعاني القرآنية على ترتيب عرضها في سورة البقرة، هذه المجموعات تتدرج في الغالب من الطول إلى القصر، كل وحدة تذكر الإنسان بالمعاني الأساسية بطريقة عرض تختلف عما قبلها. ولو تأملت سورة العصر فما بعدها لرأيت نفس ترتيب العرض في سورة البقرة مع فارق القصر، فهل يمكن أن يكون هذا من عند بشر!

 

          ولعلنا استطعنا بفضل الله بعد ما تقدم توضيح هذه الآيات التي وصف الله بها كتابه:

 

          1 – {كöتَابñ أُحْكöمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصّöلَتْ مöن لَّدُنْ حَكöيمٍ خَبöيرٍ} هود: 1.

 

          2 – { كöتَاباً مُّتَشَابöهاً مَّثَانöيَ }. الزمر: 23.

 

          3 – {إöنْ هُوَ إöلاَّ ذöكْرñ وَقُرْآنñ مُّبöينñ} {وَإöنَّهُ فöيۤ أُمّö ٱلْكöتَابö لَدَيْنَا لَعَلöيّñ حَكöيمñ} فبسبب ما رأيناه كان القرآن مفصلاً، وكان متشابهاً، وكان مثاني، وكان مذكراً º لأن كل جزء منه يذكر بما ينبغي أن يتذكره الإنسان. وبمثل هذا وبمثل ما يأتي بعدُ كان هذا الكتاب على غاية الحكمة ولا يعلوه كتاب أبداً عرفه البشر.

 

- 2 -

 

          ومن خصائص هذا القرآن التي تشير إلى ربانية مصدره، ما أشار إليه القرآن بقوله:

 

          {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذöي يَعْلَمُ ٱلسّöرَّ فöي ٱلسَّمَاوَاتö وَٱلأَرْضö}. {لَِّٰكöنö ٱللَّهُ يَشْهَدُ بöمَآ أَنزَلَ إöلَيْكَ أَنزَلَهُ بöعöلْمöهö} {سَنُرöيهöمْ آيَاتöنَا فöي ٱلآفَاقö وَفöيۤ أَنفُسöهöمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}.

 

          لقد أخبر الله في الآية الأخير أنه سيكشف للناس خفايا هذا الوجود، ودقائق هذا الإنسان وأن الكشف فيه دليل صادق على أن القرآن حق، إذ ما سيعرفه الإنسان سيطابق ما في القرآن وهذا لا يكون إلا إذا كان منزل القرآن هو الله العالم بأسرار السماوات والأرض ولئن كانت الآية الأخيرة نبوءة كاملة في حد ذاتها، تحققت بما كشف الإنسان حتى الآن فإن ما سنذكره من أمثلة سيكون برهاناً كاملاً على نسبة القرآن لله جل جلاله:

 

          لقد تحدث القرآن بلغة واضحة عن كثير من القضايا الكونية، مما لم يكن معروفاً قطعاً قبل أربعة عشر قرناً في أي مكان من العالم، فضلاً عن أن يكون معروفاً وفي جزيرة العرب حيث الأمة الأمية، التي كانت معارفها عن الكون محدودة وسطحية، فكان حديث المحيط بسر كل شيء. ولكما تقادم الزمان أكثر ظهرت دقة القرآن أكثر. فيصبح الإنسان أمام الحقيقة التي لا شك فيها أن خالق الكون ومنزل القرآن واحد، الله رب العالمين، وهذه أمثلة وفي القرآن المزيد لمستزيد:

 

          أ – قال الله تعالى:

 

          {وَإöنَّ لَكُمْ فöي ٱلأَنْعَامö لَعöبْرَةً نُّسْقöيكُمْ مّöمَّا فöي بُطُونöهö مöن بَيْنö فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالöصاً سَآئöغاً لöلشَّارöبöينَ} النحل 66.

 

          يقول العلم اليوم إن الحليب قبل أن يصبح في الثدي، يمر على عمليتي تصفية. الأولى تصفيته من الفضلات وذلك بعد الهضم ونزول السائل الحليبي إلى الأمعاء، إذ تقوم الزغيبات المعوية بامتصاص المواد الغذائية طارحة إياها في الدم ومبقية الفضلات في المعدة حيث تطرح خارج الجسم. وأما المواد الممتصة التي طرحت في الدم فإن قسماً منها يغذي جسم الكائن الحي، وقسماً آخر تصفيه الغدد اللبنية من الدم وترسله إلى الضرع حليباً خالصاً سائغاً للشاربين.

 

          إذن قال العلم هذا الحليب يصفى أولاً من الفضلات ثم من الدم.

 

          وقال القرآن { مöن بَيْنö فَرْثٍ } والفرث هو الفضلات { وَدَمٍ لَّبَناً خَالöصاً... }.

 

          وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلاً عن أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة، وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل، ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة، يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن.

 

          ب -  قال تعالى:

 

          {فَمَن يُرöدö ٱللَّهُ أَن يَهْدöيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لöلإöسْلاَمö وَمَن يُرöدْ أَن يُضöلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّöقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فöي ٱلسَّمَآءö} الأنعام 125.

 

          “ منذ اكتشاف الطبقات العليا من الجو بفضل الطيران والبالونات، استطعنا أن ندرك ظاهرة كونية تنتج عن نقص أوكسجين الهواء في طبقات الجو العليا، إذ يشعر الصاعد في هذا العلو ببعض الصعوبة في التنفس ويحس بالضيق، والآية القرآنية صرحت بأن من يرتفع في السماء يشعر بعوارض الضيق، ولذلك يستعمل الطيارون الذي يصعدون إلى الارتفاعات العالية أجهزة التنفس الصناعية حتى يتفادوا هذه الحالة ولقد لفتت هذا الظاهرة نظرة هواة التسلق حتى قبل ارتياد الطبقات الجوية العليا. ويلاحظ أن الآية لم تعبر عن لفظ الصعود في الجبال بل عبرت عن الصعود في السماء. كما أن بلاد العرب ذات سطح منبسط وصحارى ممتدة وليس فيها جبال عالية بحيث يأخذ الساكن فيها فكرة عن تسلق الجبال وما يشعر المتسلق فيها من ضيق”.

 

          ج – قال تعالى:

 

          {وَمöن كُلّö شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنö لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الذاريات: 49.

 

          وقال: {سُبْحَانَ ٱلَّذöي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مöمَّا تُنبöتُ ٱلأَرْضُ وَمöنْ أَنفُسöهöمْ وَمöمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} يس: 36.

 

          القاعدة في اللغة  العربية أن ( كل ) إذا أضيفت إلى معرفة عممت أجزاءها وإذا أضيفت إلى نكرة عمت أفرادها، وفي الآية الأولى أضيفت ( كل ) إلى نكرة لذلك تعمم جميع الأشياء.

 

          يقول صاحب ظلال القرآن” وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض وربما في هذا الكون، إذ إن التعبير لا يخصص الأرض قاعدة الزوجية في الخلق وهي ظاهرة في الأحياء ولكن كلمة شيء تشمل غير الأحياء أيضاً، والتعبير يقرر أن الأشياء كالأحياء مخلوقة على أساس الزوجية، وحين تتذكر أن هذا النص عرفه البشر منذ أربعة عشر قرناً وأن فكرة عموم الزوجية حتى في الأحياء لم تكن معروفة حينذاك فضلاً على عموم الزوجية في كل شيء حين نتذكر هذا نجدنا أمام أمر عجيب عظيم وهو يُطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكرة كل التبكير.

 

          كما أن هذا النص يجعلنا نرجح أن البحوث العلمية سائرة في طريق الوصول وهي لا تكاد...

 

          إن بناء الكون كله يرجع إلى الذرة وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء موجب وسالب.

 

          د – قال تعالى:

 

          {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إöن كُنتُمْ فöي رَيْبٍ مّöنَ ٱلْبَعْثö فَإöنَّا خَلَقْنَاكُمْ مّöن تُرَابٍ ثُمَّ مöن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مöنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مöن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرö مُخَلَّقَةٍ لّöنُبَيّöنَ لَكُمْ وَنُقöرُّ فöي ٱلأَرْحَامö مَا نَشَآءُ إöلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرöجُكُمْ طöفْلاً ثُمَّ لöتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} الحج: 5.

 

          وقال: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّöن مَّآءٍ مَّهöينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فöي قَرَارٍ مَّكöينٍ * إöلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنöعْمَ ٱلْقَادöرُونَ} المرسلات: 20، 23.

 

          وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإöنْسَانَ مöن سُلاَلَةٍ مّöن طöينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فöي قَرَارٍ مَّكöينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عöظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعöظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالöقöينَ } المؤمنون: 12 – 14. وقال: {ٱقْرَأْ بöٱسْمö رَبّöكَ ٱلَّذöي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإöنسَانَ مöنْ عَلَقٍ} العلق: 22.

 

          “ يتم الإخصاب بين الحيوان المنوي للرجل وبويضة المرأة في أعلى القناة الواصلة بين المبيض والرحم، فيبدأ الجنين خلية واحدة ولكن الإنسان كله بكل عناصره وخصائصه يكون مختَصراً في تلك الخلية الواحدة، ثم تنحدر في اتجاه الرحم مستغرقة في رحلتها ما يقارب الأسبوع، تكون خلاله قد تكاثرت حتى أصبحت كتلة من الخلايا تلتصق هذه الكتلة بجدار الرحم فتنهشه ربما بواسطة أنزيمات معينة حتى تعلق به كنقطة صغيرة تتغذى على دم الأم، وليس أدق من كلمة العلق في وصف شكل ونشاط الجنين في هذه المرحلة ثم تأخذ هذه العلقة في النمو، وتأخذ خلاياها في التنوع، ويكون شكلها مستديراً بغير انتظام، وتبقى كذلك بضعة أسابيع يكون الدم فيها في ( برك ) صغيرة لا في شرايين محددة، إن شكلها لا يختلف عن شكل قطعة من اللحم الممضوغ وإن كان طولها لا يتعدى بضعة مليمترات.

 

          ثم ينشأ طراز من العظم أكثر شفافية وأقل صلابة وأشد رخاوة من العظم العادي هو الغضروف الذي تترسب حوله مادة العظم فيما بعد، وتنشط الخلايا في كافة أجزاء المضغة مكونة الأنسجة والأجهزة التي تكسو العظام المتكونة لحماً”.

 

          وهنا يقف الإنسان مدهوشاً أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيراً بعد تقدم علم الأجنة التشريحي. وذلك أن خلايا العظام هي التي تتكون أولاً في الجنين، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا العظم، وتمام الهيكل العظمي الغضروفي للجنين. وهي الحقيقة التي يسجلها النص القرآني { مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عöظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعöظَامَ لَحْماً} فسبحان العليم الخبير.

 

          في كل المراحل السابقة لا توجد فروق بين جنين الإنسان وجنين الحيوان ولكن ما أن يوشك الشهر الثاني للحمل على الانتهاء حتى تتضح الخصائص الإنسانية لهذا الجنين فإذا به خلق آخر...

 

          إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد، وهو ينشأ { خَلْقاً آخَرَ } في آخر أطواره الجينية بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني لأنه غير مزود بتلك الخصائص. ومن ثم فإنه لا يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبة الحيوانية فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطوراً آلياً كما تقول النظريات المادية، فهما نوعان مختلفان اختلفا بتلك النفخة الإلهية التي بها صارت سلالَةñ من الطين إنساناً. واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص المعينة الناشئة من تلك النفخة التي ينشأ بها الجنين الإنساني خلقاً آخر، إن الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني، ثم يبقى الحيوان حيواناً في مكانه لا يتعداه، ويتحول الإنسان خلقاً آخر قابلاً لما هو مهيأ له من الكمال بواسطة خصائص مميزة وهبها له الله عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى نوع الإنسان {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالöقöينَ }.

 

          وإن الناس ليقفون دهشة أمام ما يسمونه” معجزات العلم [1]“ حين يصنع الإنسان جهازاً يتبع طريقاً خاصاً في تحريكه دون تدخل مباشر من الإنسان. فأين هذا من سير لجنين في مراحله تلك وأطواره وتحولاته، وبين كل مرحلة ومرحلة فوارق هائلة في طبيعتها وتحولات كاملة في ماهيتها ؟

 

          غير أن البشر يمرون على هذه الخوارق مغمضي العيون مغلقي القلوب. لأن طول الألفة أنساهم أمرها الخارق العجيب، وأن مجرد التفكير في أن الإنسان هذا الكائن المعقد كله ملخص وكامن بجميع خصائصه وسماته وشياته في تلك النقطة الصغيرة التي لا تراها العين المجردة، وإن تلك الخصائص والسمات والشيات كلها تنمو وتتفتح وتتحرك في مراحل التطور الجنينية حتى تبرز واضحة عندما ينشأ خلقاً آخر. فإذا هي ناطقة بارزة في الطفل مرة أخرى. وإذا كان الطفل يحمل وراثاته الخاصة فوق الوراثات البشرية العامة. هذه الوارثات وتلك التي كانت كامنة في تلك النقطة..

 

          إن مجرد التفكر في هذه الحقيقة التي تتكرر كل لحظة لكافٍ وحده أن يفتح مغاليق القلوب على ذلك التدبير العجيب الغريب.

 

          كل هذا يتم في القرار المكين الذي هو الرحم وأن من يدرس تشريح الرحم وموضعه المكين الأمين في أسفل بطن المرأة ويرى ذلك الوعاء ذا الجدار العريض السميك، ثم يرى هذه الأربطة العريضة، والأربطة المستديرة، وهذه الأجزاء من البريتون التي تشده إلى المثانة والمستقيم، وكلها تحفظ توازن الرحم وتشد أزره وتحميه من الميل أو السقوط. تطول معه إذا ارتفع عند تقدم الحمل، وتقصر إلى طولها الطبيعي تدريجياً بعد الولادة. إن من يدرس كل ذلك يعرف تكوين الحوض وعظامه يعرف جيداً صدق قوله تعالى:

 

           { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فöي قَرَارٍ مَّكöينٍ} المؤمنون: 13.

 

          هِ - {وَأَرْسَلْنَا ٱلرّöيَاحَ لَوَاقöحَ فَأَنزَلْنَا مöنَ ٱلسَّمَآءö مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بöخَازöنöينَ} الحجر: 22.

 

          {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجöي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلّöفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مöنْ خöلاَلöهö وَيُنَزّöلُ مöنَ ٱلسَّمَآءö مöن جöبَالٍ فöيهَا مöن بَرَدٍ فَيُصöيبُ بöهö مَن يَشَآءُ وَيَصْرöفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقöهö يَذْهَبُ بöٱلأَبْصَارö} النور: 43.

 

          “ إن العوامل المسببة للأمطار محورها الكهربائية الجوية وقد أشير إليها إشارات واضحة كما سنرى في هاتين الآيتين، كما ضمت الآيتان معاني أخرى.

 

          لقد كان الناس قبل يحملون وصف الرياح” باللواقح” على أنها لواقح للزرع والشجر وهذا منهم إغفال للنصف الثاني من الآية. إذ لو كان ما ذهبوا إليه هو المراد لترتب عليه إزكاء الزرع وإخراج الثمر للناس يأكلونه لا إنزال الماء من السماء يشربونه، أما وقد رتب الله على إرسال الرياح لواقح إنزال الماء من السماء يسقاه الناس فقد تحتم أن يكون”“ للواقح” معنى آخر غير معنى تلقيح الزرع ويكون مع ذلك – من ناحية – شبيهاً بلقاح الأحياء من زروع وحيوان، ومن ناحية أخرى يكون بينه وبين نزول الماء ما بين العلة والمعلول، أو السبب والمسبب، وما عليك الآن إلا أن تتذكر بعض الحقائق العلمية حتى ترى سر الإعجاز في الآية:

 

          إن تكاثف السحاب مطراً أثر عن الكهربائية، إذ من السحاب ما كهربائيته سالبة، ومنه ما كهربائيته موجبة، والرياح هي أداة اتحاد أنواع السحب حتى يتكون المطر. وهذا هو المراد كما هو ظاهر في الآية من وصف الرياح بأنها لواقح.

 

          فالملاقحة هنا بين قطيرات أو بين سحاب وسحاب والشبه تام بين التلقيح الكهربائي والتلقيح النباتي، فكما تتحد الخليتان في حالة التلقيح النباتي لتنشأ بعد ذلك خلية واحدة لها غير خواص الخليتين الأصليتين فكذلك في حالة اتحاد سحاب وسحاب إذ ينشأ عنها برق ورعد ومطر، إذ ينزل المطر كأثر عنه التفريغ الكهربائي السحابي.

 

          فآية الحجر تلك هي مظهر من مظاهر الإعجاز المتجدد للقرآن لأن تلاقح السحاب وأثره في نزول المطر أمر كان يجهله الإنسان حتى كشف عنه العلم الحديث.

 

          ثم زادت آية النور الإعجاز {سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلّöفُ بَيْنَهُ} فإن التأليف بين السحاب ما هو إلا إشارة واضحة بل وصف دقيق للتقريب بين السحاب المختلف الكهربائية حتى يتجاذب ويتعبأ في الجو تعبئة تتفق مع ما سيخلق من برق وصواعق ومن مطر أو برد.

 

          فإذا كان السحاب المتجاذب بعضه فوق بعض نشأ السحاب الركام عظيماً، فإذا حدث التفريغ داخل السحاب بين بعض تلك الطبقات وبعض – كما هو الغالب – نزل المطر الناشيء عن التفريغ من خلال الطبقات الدنيا، وتكبر قطراته أثناء نزولها بما تستلحقه من القطيرات وهو الودق، فإذا بلغت الحالة الجوية الكهربائية في ذلك السحاب الركام من القوة والاضطراب ما يسمح بوقوع تلك الظاهرة الغريبة ظاهرة تردد بلورات الماء بين منطقتين ثلجية علوية ومطرية سفلية تكون البرد ونما حتى يصير أثقل من أن يظل في أسر تلك القوى فيسقط على الأرض والإنسان لا يعرف كثيراً عن الظروف التي يتكون فيها البرد ولكنه يعرف أنها ظروف يسودها اضطراب جوي عظيم. هذا الاضطراب قد أشارت إليه الآية وإلى طبيعته إشارتين:

 

          الأولى: حين شبهت السحاب الركام الذي يتكون البرد داخله بالجبال. ومشهد السحاب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها، فإذا المشهد مشهد الجبال حقاً بضخامتها ومساقطها وارتفاعاتها وانخفاضاتها وأنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس إلا بعد ما ركبوا الطائرات.

 

          والثانية: حين أشارت إلى عظم القوى الكهربائية المشتركة في تكوينه بنصها على عظم برقه وشدته وبلوغه من الحرارة درجة الابيضاض أو ما فوق ذلك {يَكَادُ سَنَا بَرْقöهö يَذْهَبُ بöٱلأَبْصَارö} النور: 43.

 

          و - {أَلَمْ تَرَ إöلَىٰ رَبّöكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّöلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكöناً ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهö دَلöيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إöلَيْنَا قَبْضاً يَسöيراً} الفرقان: 45، 46.

 

          نحن نعلم أن الجو هو تراكب طبقات متتابعة، تقل فيها بينها كثافة الهواء ابتداء من الأرض، وفي وسط كهذا يجب أن يكون مسلك الشعاع الضوئي منحنياً طبقاً للقانون الثاني للعالمين ( الهيثم – ديكارت ) وهو قانون الانكسار... إن قانون ( الهيثم – ديكارت ) يقول بأن الشعاع الضوئي الذي ينتشر في مجال ذي كثافة متغيرة باستمرار يخط في مسيره خطأ منحنياً ذا تجويف متجه نحو النقط الأكثر كثافة وفي هذا المجال يقبض الظل” قبضاً يسيراً” بالنسبة لما قد يكون عليه في الفراغ الذي لا يوجد فيه انكسار. ذلك توافق عظيم بين ما كشفه الإنسان مما لم يكن معروفاً زمن تنزل القرآن وبين القرآن.

 

 ز - {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بöأَيْدٍ وَإöنَّا لَمُوسöعُونَ} الذاريات: 47. وهكذا يبدو الكون من خلال الآية – بسبب استعمال اسم الفاعل” موسع” الذي يفيد الاستمرار في هذه الحالة – وكأنه في حالة توسع مستمر وكأنه يزداد على الدوام، هذه المسألة أصبحت الآن من مسلمات العلوم وهي التي هالت (انشتين) عندما اكتشف عالم الطبيعة (هابل) أن الكواكب السديمية تبتعد عن (سديمنا) واستنبط عالم الرياضة البلجيكي (لسومتر) من ذلك نظرية امتداد الكون، أو ليس عجيباً مذهلاً أن يضع الوحي دائماً معالمه المضيئة أمام الفكر العلمي حتى كأنها تصف له الطريق وهل يستطيع أحد أن يقول بأن معالم كهذه قد انبثقت من عقل أمي.

 

          ح - {وَتَرَى ٱلْجöبَالَ تَحْسَبُهَا جَامöدَةً وَهöيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابö صُنْعَ ٱللَّهö ٱلَّذöيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إöنَّهُ خَبöيرñ بöمَا تَفْعَلُونَ} النمل 88.

 

          {يُغْشöي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثöيثاً} الأعراف 54.

 

          إن في هاتين الآيتين إشارتين واضحتين إلى موضوع دوران الأرض، الآية الأولى تلفت النظر إلى أن الإنسان لأول وهلة يرى الجبال ثابتة، ولكنها في واقع الأمر تسير تبعاً لسير الكرة الأرضية ذاتها ويذهب بعض المفسرين إلى أن الآية في حديث الآخرة ولكن نهايتها: {صُنْعَ ٱللَّهö ٱلَّذöيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} تدل على أنها في عالمنا هذا.

 

          والآية الثانية تشير إلى نفس المعنى وإن كانت الإشارة أبعد وذلك:

 

          لنفرض أن الشمس والأرض ثابتتان إذن يكون قسم من الأرض نهاراً دائماً وآخر ليلاً دائماً، فإذا ما فرضنا أن الشمس هي التي تدور حول الأرض فإنه في هذه الحالة يكون المنبع الضوئي هو المتحرك وإذن فالنهار هو السائر والليل تابع.

 

          وعلى عكس ذلك في حالة دوران الأرض فالمنبع الضوئي ثابت نسبياً[2] أي بالنسبة للأرض – وإن كان هو في حد ذاته متحركاً، وفي حالة ثبات المنبع الضوئي يكون الليل هو السائر وحركة النهار تابعة وهذا الذي ذكرته الآية إذ قالت: {يُغْشöي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثöيثاً} فالليل هو الذي يطلب النهار ولا يكون هذا إلا إذا كانت الأرض هي التي تدور حول نفسها، ولزيادة التوضيح نقول: إذا عمل الفعل – في اللغة العربية – بمفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبر. فالأول منهما يكون فاعلاً في المعنى والثاني مفعولاً، ولا يصح تقديم ما هو مفعول في المعنى على ما هو فاعل بالمعنى في حالة وجود اللبس وآية: {يُغْشöي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثöيثاً} عمل فيها الفعل يغشي بمفعولين كل منهما يصلح أن يكون فاعلاً ومفعولاً. فلا بد إذن أن الفاعل في المعنى يكون هو المقدم فلما قال الله عز وجل {يُغْشöي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} دل على أن الليل هو الفاعل في المعنى وهو الفاعل فيقوله عز وجل: {يَطْلُبُهُ حَثöيثاً} يقول ابن مالك:

 

والأصل سبق فاعل معنى كمن              من ألبسن من زاركم نسج اليمن

ويلزم الأصل لموجب عرى                 وترى ذاك الأصل حتما قد يرى

 

ط – والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة لمن أراد أن يتتبّع وكلها تشير إلى شيء واحد: إن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند بشر فإنك إذ تجد في كلمتين حقيقة علمية ما عرفها الناس إلا في زمن متأخر تصبح أمام شيء خارق جداً جداً.

 

          فعندما يقول: {وَٱلْجöبَالَ أَوْتَاداً} تجد نفسك أمام أدق النظريات الجيولوجية التي تقول بأن للجبال جذوراً وتدية في الأرض يعدل امتدادها ضعفي ارتفاع الجبل عن الأرض.

 

          وعندما يقول {إöذَا زُلْزöلَتö ٱلأَرْضُ زöلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتö ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تجد نفسك أمام أدق النظريات الجيولوجية التي تعب العلم حتى وصل إليها وهي أن الاضطرابات تسبق البركان وإن باطن الأرض أثقل من قشرها وإن كانت الآية لم تأت لبيان هذا ولكنها مع هذا لم تتناقض مع النظريات العلمية.

 

          وعندما يقول في قراءة صحيحة:

 

          {وَجَعَلَ فöيهَا سöُرُجاً} عن السماء تجد نفسك أمام حقيقة عملية غير متوقعة فالسراج في اصطلاح القرآن الشمس وفي الماضي لم تكن تعرف إلا شمس واحدة وإذا بالعلم اليوم يقول هذه النجوم كلها شموس.

 

          وعندما يقول:

 

          {وَٱلشَّمْسُ تَجْرöي لöمُسْتَقَرٍّ لَّهَِا} تجد نفسك أمام أدق الحقائق عن الشمس التي تبين أخيراً أنها تشارك مجرتها في دورتها وتدور حول نفسها وهي مع هذا تسير في اتجاه عامودي نحو كوكبة الجاثي ويتوقع العلم حدوث حالة ما لها في يوم من الأيام.

 

          وعندما يقول:

 

          {يُكَوّöرُ ٱللَّيِْلَ عَلَى ٱلنَّهَِارö وَيُكَوّöرُ ٱلنَِّهَارَ عَلَى ٱللَّيْلö} الزمر. تجد نفسك أمام مسألة كروية الأرض إذ التكوير إنما يكون للشيء الدائري، كما تجد نفس المعنى في قوله: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلöكَ دَحَاهَا} فالأدحية والأدْحُوَة بيض النعام.

 

          وعندما يقول:

 

          {وَأَلْقَىٰ فöي ٱلأَرْضö رَوَاسöيَ أَن تَمöيدَ بöكُمْ} النحل: 15. تجد نفسك أمام الحقيقة العلمية التي تقول: إنه لولا الجبال لكانت قشرة الأرض في حالة تشقق دائم، وبالتالي في حالة ميدان واضطراب شديدين.

 

          وعندما يقول:

 

          {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذöينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتö وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} الأنبياء: 30.

 

          تجد نفسك أمام ما كشفه العلم بعد زمن في كلا تفسيري الآية سواء فسرنا” رتقاً” بأنهما كانتا شيئاً واحداً وهذا ينسجم مع أدق النظريات العلمية خاصة السديمية أو فرسنا” رتقاً” بأن الأرض كانت لا تنبت والسماء لا تمطر وهذا ينسجم مع النظريات التي تقول إن الأرض كانت في الأصل كتلة نارية كالشمس فلم يكن وقتذاك شيء حي أو ماء، وكلا التفسيرين أشار إليه ابن كثير.

 

          هذا وأمثاله كثير ولو أنصف العقل عرف أن هذا القرآن أنزله خالق السماوات والأرض العليم بهما {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطöيفُ ٱلْخَبöيرُ} الملك: 14.

 

- 3 -

 

           ومن خصائص هذا القرآن التي تشير إلى ربانية مصدره ما أشار إليه القرآن بقوله: {وَإöنَّهُ لَكöتَابñ عَزöيزñ * لاَّ يَأْتöيهö ٱلْبَاطöلُ مöن بَيْنö يَدَيْهö وَلاَ مöنْ خَلْفöهö تَنزöيلñ مّöنْ حَكöيمٍ حَمöيدٍ} فصلت: 41، 42.

 

          لقد تكلم القرآن عن الماضي وتكلم عن المستقبل وفي كلامه عن الماضي أو المستقبل تنزّه عن الخطأ وجل عن الباطل، وهو في كلا الأمرين يقدم الدليل الكامل على أنه من عند الله.

 

          وقد حاول أناس أن يطعنوا في بعض أخباره عن الماضي متصورين أن بعد الزمان يجعل كلامهم مقبولاً عند غير المؤمنين، وهم يدعون في ذلك النقد العلمي والنزاهة التاريخية، ولكن العلم أثبت بالكشوف المحسوسة تخريفهم وصدق القرآن. قال العقاد في كتابه ( مطلع النور ):

 

          “ فمن أقطاب هؤلاء المخرفين من أنكر عاداً وثموداً، وأنكر الكوارث التي أصابتهم بغير حجة، إلا أنه يحسب أن المنكر لا يطالب بحجة ولا يعاب على النفي الجزاف. فما لبثوا طويلاً حتى تبين لهم أن عادا ( Oadita ) وثمود ( Thamudida ) مذكورتان في تاريخ بطليمسوس وأن اسم عاد مقرون باسم إرم في كتب اليونان فهم يكتبونها ( ادراميت ) ويؤيدون تسمية القرآن لها بعاد إرم ذات العماد وعثر المنقب ( موزيل التشيكي ) صاحب كتاب الحجاز الشمالي على آثار هيكل عند مدين منقوش عليه كلام بالنبطية واليونانية وفيه إشارة إلى قبائل ثمود.

 

          ومن أقطاب هؤلاء المخرفين من أنكر أبرهة، وكنبة جيشه، واهتمامه بتعطيل الكعبة، وبناءه القليس في صنعاء لصرف العرب عن الكعبة إليها ثم تنكشف النقوش عن اسمه على خرائب سد مأرب ملقباً بالأمير الحبشي من قبل” ملك الحبشة وسبأ وريدان وحضرموت واليمامة وعرب الوعر والسهل”.

 

          ويروي الرحالة ( بروس ) الذي زار بلاد الحبشة في القرن الثامن عشر أن الأحباش يذكرون في تواريخهم أن أبرهة قصد مكة ثم ارتد عنها لما أصاب جيشه من المرض الذي يصفونه بصفة الجدري، ولا يقل عن هذه الأسانيد جميعاً سند التاريخ بعام الفيل قبل البعثة المحمدية بجيل واحد بل أقل من جيل”.

 

          إنه ما من شيء تحدث عنه القرآن في الماضي إلا وكانت وقائع التاريخ القديم ونصوصه وحفرياته تؤديه من أدق التفصيلات – حيث يحدثنا القرآن عن شك بعض النصارى أنفسهم في صلب المسيح، فتكون فرقة كبيرة من فرقهم قديماً لا تؤمن بصلب المسيح – إلى أكبر الوقائع حيث يحدثنا القرآن عن الطوفان العظيم الذي تذكره مصادر التاريخ القديم كلها، سواء المصادر المصرية، أو اليونانية، أو البابلية، ويأتي التنقيب لحديث ليرى طميه ويحدد مكانه.

 

          وعندما نعلم أن قسماً من أخبار القرآن كان معروفاً عند العرب، وقسماً كان مجولاً لا يعرف شيء عنه، كقصة الطوفان. إذ يقول القرآن عنها {تöلْكَ مöنْ أَنْبَآءö ٱلْغَيْبö نُوحöيهَآ إöلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مöن قَبْلö هَِٰذَا} هود: 49. ولم يكن هناك مصدر آخر غير الوحي كما هو ثابت تاريخياً يأخذ عنه محمد صلى الله عليه وسلم. يتبين كنتيجة لهذا كيف أن هذا القرآن لا يمكن أن يكن مصدره غير الله عز وجل.

 

{ لاَّ يَأْتöيهö ٱلْبَاطöلُ مöن بَيْنö يَدَيْهö وَلاَ مöنْ خَلْفöهö } فصلت 42.

 

          وأما حديثه عن المستقبل، وتصديق المستقبل حديثه. فذلك أدل في بابه على أنه من عند الله. فما من كلمة قالها القرآن قديماً ونقضتها الوقائع على مر الأيام، حتى هذا الزمان وإلى آخر الزمان. سواء في ذلك ما في القرآن من تشريع أو إخبار أو بيان، ولتشريع القرآن محل آخر ندرسه فيه.

 

          وقد رأينا مثلاً في الخاصية السابقة على أن بيانه عن الكون كان موافقاً – ولا يمكن ألا يكون – لما اكتشفه الإنسان من حقائق. ونريد هنا أن نتحدث عن شيء مما أخبر به عن المستقبل ووقع، وقبل أن نبدأ بضرب الأمثلة نحب أن نذكر كيف أن في هذه الخاصية دليلاً لا يدحض على أن القرآن من عند الله وذلك:

 

          إن علم الإنسان محدود بالزمان الحاضر والماضي، أما المستقبل فهو غيب مستور مجهول، والإنسان يستطيع أن يوازن ويقايس ليصل إلى احتمال في أمر هذا المستقبل، قد يقع وقد لا يقع وهو أبداً لا يستطيع أن يجزم، فعندما يحدثنا كتاب عن بعض ما سيأتي حديثاً جازماً، ثم يقع هذا المخبر عنه تماماً وقوعاً مطابقاً مرات دون أن يخرم ذلك مرة، إننا في هذه الحالة لا بد واجدون غير علم الإنسان وإحاطته، إنه لا بد أن يكون ذلك أثراً من علم محيط منكشف أمامه المستقبل كالحاضر والماضي إنه علم الله عز وجل. وهذه أمثلة مما في القرآن:

 

          أ – { وَٱللَّهُ يَعْصöمُكَ مöنَ ٱلنَّاسö } المائدة 67.

 

          روى الإمام أحمد عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال:” ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة” قالت: فينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال: من هذا ؟ فقال: أنا سعد بن مالك، فقال: ما جاء بك ؟ قال: جئت لأحرسك يا رسول الله: قالت: سمعت غطيط رسول الله في نومه”.

 

          وروى الترمذي والحاكم عن عائشة وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال:

 

          كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرس بالليل فلما نزلت هذه الآية ترك الحرس وقال:” يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله”.

 

          من هذين الأثرين يتبين لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يُحرس وكان يحب أن يحتاط في أمر حماية نفسه، وقد حرسه الصحابة حتى نزول هذه الآية التي تجزم أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الناس

 

          لن تستطيع يد قاتل أن تمتد إليه، وهذا إخبار عن غيب إذ من الذي يستطيع أن يجزم أنه لن يقتل قتلاً مع توافر دواعي التعرض للقتل خاصة لرجل كمحمد صلى الله عليه وسلم! عاداه الناس جميعاً وصار للعداء مظهر الدم في أمة تأصل فيها معنى الثأر. إن مثل هذا لا يجزم به إنسان متماسك عقلياً، إن لم يكن مصدر ذلك العلم المحيط.

 

          وتذكر لنا السيرة محاولات كثيرة أعدها اليهود لاغتياله، ومحاولات كثيرة أعدها المشركون كلها لم تبلغ شيئاً في الوقت الذي لم يكن أي مانع بشري يحول دون تنفيذ الجريمة إلا عناية الله. وعدا عن محاولات الاغتيال فقد كانت معارك الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة وكانت خطرة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو هدف العدو فيها، وما حدث أبداً أن ولى الرسول صلى الله عليه وسلم العدو ظهره وكان أقرب أصحابه إلى العدو ساعة المعركة وكانوا يلوذون به إذا حمي الوطيس كما يذكر ذلك صناديدهم، ومع هذا وذاك فالآية تجز أن هذا الإنسان معصوم لن يقتل وقد كان

 

          لقد انتقل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى بيد القدرة الإلهية لا بتسليط إنسان.. ونذكر هنا أثرين يوضحان حماية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في أشد ساعات الخطر º تحقيقاً لوعده.

 

          - روى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة وروى مسلم في صحيحه عن جابر قال:

 

          كنا إذا أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كنا بذات الرقاع نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق سيفه فيها فجاء رجل من المشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أتخافني ؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني ؟ قال: الله يمنعني منك ضع السيف فوضعه.

 

          - وروى الشيخان: في غزوة حنين انكشف المسلمون وولوا مدبرين فطفق الرسول صلى الله عليه وسلم يركض جهة العدو راكباً بغلته وعمه العباس آخذ بلجامها يكفها عن الإسراع فأقبل المشركون إليه فلما غشوه لم يفر ولم ينكص بل نزل عن بغلته كأنما يمكنهم من نفسه وجعل يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. كأنما يتحداهم ويدلهم على مكانه فوالله ما نالوا منه نيلاً بل أيده الله بجنده وكف عنه أيديهم بيده.

 

          إن نبوءة تقول لإنسان وهو معرض كل يوم لخطر القتل: لن تقتل.  لا يمكن أن يجزم بها رجل يحترم نفسه أن يكذبه الناس ما لم يكن ذلك وحياً من الله الذي يعلم الغيب وبيده الموت والحياة.

 

          ب – {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ * بَلö ٱلسَّاعَةُ مَوْعöدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} القمر 45، 46.

 

          نزلت هذه الآية في مكة كما روى البخاري عن عائشة: ( نزل على محمد بمكة وإني لجارية ألعب ): { بَلö ٱلسَّاعَةُ مَوْعöدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} والمسلمون وقتذاك مستضعفون في مكة قليلون رمتهم العرب عن قوس واحدة ولم تكن هناك أية فكرة قتال، ولو كان قتال فلم يكن متوقعاً في ميزان القوة أن يغلب المسلمون، ومع ذلك تنزل هذه الآية المنبئة فلا يفهم المسلمون المراد منها حتى عمر. روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال:

 

          لما نزلت: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} قال: عمر: أي جمع يهزم ؟ أي جمع يغلب ؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} فعرفت تأويلها يومئذ. وقد وقعت الواقعة بعد فترة طويلة تميز بها معسكر الكافرين عن معسكر المؤمنين وأصبح للمسلمين دار، وللمشركين دار، واصطدم الجمعان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عارفاً يومها أنه اليوم الموعود. روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض. فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله لقد ألححت على ربك. فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ * بَلö ٱلسَّاعَةُ مَوْعöدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} وقد انتصر جمع الإيمان، وهزم جمع الكافرين وصدق القرآن العظيم , وآمن المؤمنون أن هذا إنما هو علم الله الذي لا يخطئ.

 

          ج - {الِۤمۤ * غُلöبَتö ٱلرُّومُ * فöيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضö وَهُم مّöن بَعْدö غَلَبöهöمْ سَيَغْلöبُونَ * فöي بöضْعö سöنöينَ لöلَّهö ٱلأَمْرُ مöن قَبْلُ وَمöن بَعْدُ وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمöنُونَ * بöنَصْرö ٱللَّهö يَنصُرُ مَن يَشَآءُ}.

 

          - كان المشركون يجادلون المسلمين في مكة قبل الهجرة، يقولون لهم إن الروم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أُنزل عليكم، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم فنزلت الآية..

 

          ولقد كان الإخبار بهذا النصر وبأنه كائن في وقت معين إخباراً بأمرين كل منهما خارج عن متناول الظنون. ذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حداً يكفي من دلائله أنها غزيت في عقر دارها، وهزمت في بلادها، فلم يكن أحد يظن أنها تقوم لها بعد ذلك – إلى أمد طويل – قائمة فضلاً عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر، ولذلك كذب به المشركون وتراهنوا على تكذيبه، على أن القرآن لم يكتف بهذين الوعدين بل عززهما بثالث حيث يقول {وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمöنُونَ * بöنَصْرö ٱللَّهö} الروم: 3، 4.

 

          إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس. سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين، وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعداً عند الناس أشد الاستبعاد، فكيف الظن بوقوعهما في يوم ؟

 

          لذلك أكد القرآن أعظم التأكيد بقوله {وَعْدَ ٱللَّهö لاَ يُخْلöفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَِٰكöنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسö لاَ يَعْلَمُونَ} الروم. ولقد صدق الله وعده فتمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤخرين في أقل من تسع سنين، وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى. كما رواه الترمذي عن أبي سعيد ورواه الطبري عن ابن عباس وغيره. فكانت نبوءة ثالثة في الآية تحققت.

 

          د – {ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إöنْ هَِٰذَآ إöلاَّ سöحْرñ يُؤْثَرُ * إöنْ هَِٰذَآ إöلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرö * سَأُصْلöيهö سَقَرَ} المدثر 21 – 26.

 

          {تَبَّتْ يَدَآ أَبöي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبö * فöي جöيدöهَا حَبْلñ مّöن مَّسَدٍ}.

 

          النص الأول:

 

          في الوليد بن المغيرة كما هو معروف من أسباب النزول.

 

          ولكن النص الثاني في عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوجة عمه، والنصان يخبران في حياة الثلاثة أنهم سيدخلون النار وهذا يعني أنهم سيموتون على الكفر ولن يدخلوا في الإسلام وواضح في ذلك الإخبار عن الغيب. فكم من مشرك كان مثلهم ضلالاً وكفراً وعتواً وكيداً بالمسلمين، ثم كان بعد من المسلمين كأبي سفيان وخالد وعمرو بن العاص.. وظواهر الأمور لم تكن تدل على أن الوليد مثلاً أبعد من أبي سفيان عن الإسلام. فللوليد تلك الشهادة العظيمة التي رأيناا سابقاً في القرآن كما أن الآخر عم النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها النبوءة التي لا تتخلف إذ تقول فيكون ما قالت، ولم يحدث أن القرآن ذكر إنساناً بأنه من أهل النار ثم أسلم.

 

          هِ - {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بöٱلْحَقّö لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجöدَ ٱلْحَرَامَ إöن شَآءَ ٱللَّهُ آمöنöينَ مُحَلّöقöينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصّöرöينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلöمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مöن دُونö ذَلöكَ فَتْحاً قَرöيباً} الفتح 27.

 

          مُنع المسلمون من دخول مكة عام الحديبية واشترطت عليهم قريش إذا جاؤها في العام المقبل أن يدخلوا عزلاً من كل سلاح إلا السيوف في القرب.

 

          فهل كان للمسلمين أن يثقوا بوفاء المشركين بعقدهم وقد بلوا منهم نكث العهود، وقطع الأرحام، وانتهاك شعائر الله ؟ أليسوا اليوم يحسبون هديهم أن يبلغ محله ؟ فماذا هم صانعون غداً ؟

 

          على أنهم لو صدقوا في تمكين المسلمين من الدخول فكيف يأمن المسلمون جانبهم إذا دخلوا عليهم دارهم مجردين من دروعها وقوتهم ؟ ألا يمكن أن تكون هذه مكيدة يراد منها استدراجهم إلى فخ ؟ وآية ذلك: اشتراط تجردهم من السلاح إلا السيف في القراب وهو سلاح قد يطمئن به المؤمن إلى أنهم لن ينالوا بأيديهم ورماحهم ولكن لا يأمنون معه أن ينالوا بسهامهم وبنبالهم.

 

          في هذه الظروف المربية يجيئهم الوعد الجازم بالأمور الثالثة مجتمعة: الدخول والأمن وقضاء الشعيرة. فدخلوها في عمرة القضاء آمنين، ولبثوا فيها ثلاثة أيام حتى أتموا عمرتهم، وقضوا مناسكهم كما أخرج ذلك الشيخان. وكان من بعد ذلك الفتح القريب.

 

          و – كان القرآن بمكة يقص على المسلمين ما يثبت به فؤادهم، ويعدهم الأمن والنصر الذي كان لمن قبلهم {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلöمَتُنَا لöعöبَادöنَا ٱلْمُرْسَلöينَ * إöنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإöنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالöبُونَ} الصافات: 171 – 173.

 

          {إöنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذöينَ آمَنُواْ فöي ٱلْحَيَاةö ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} غافر: 51.

 

          كان هذا يوم كانوا في مكة حيث كانوا ينامون على خوف، ويستيقظون على خوف. ثم هاجروا إلى المدينة فكيف كان الحال ؟

 

          روى الحاكم وصححه ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا: أترون أنا نعيش آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت الآية: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذöينَ آمَنُواْ مöنْكُمْ وَعَمöلُواْ ٱلصَّالöحَاتö لَيَسْتَخْلöفَنَّهُمْ فöي ٱلأَرْضö كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذöينَ مöن قَبْلöهöمْ وَلَيُمَكّöنَنَّ لَهُمْ دöينَهُمُ ٱلَّذöي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّöلَنَّهُمْ مّöن بَعْدö خَوْفöهöمْ أَمْناً} النور: 55.

 

          وروى ابن أبي حاتم عن البراء قال:

 

          “ نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد” فانظر بعد ذلك ماذا كان من نصر وماذا كان من أمن، وماذا كان من استخلاف بلدة عدد سكانها مئات تقوم بها دولة كل من حولها يعاديها، وإذا بها في سنوات تضرب كل جزيرة العرب وتنتصر عليها، وتضرب أكبر دولتين في العالم الفرس والروم فتنتصر عليهما، ثم تنساح في الأرض فلا يستعصي على سيوف أهلها شعب ولا بلد.

 

          ز - {وَمَآ أَنتُمْ بöمُعْجöزöينَ فöي ٱلأَرْضö وَمَا لَكُمْ مّöن دُونö ٱللَّهö مöن وَلöيٍّ وَلاَ نَصöيرٍ} الشورى: 31. {وَمَآ أَنتُمْ بöمُعْجöزöينَ فöي ٱلأَرْضö وَلاَ فöي ٱلسَّمَآءö} العنكبوت: 22.

 

          إن الكلام عن الشيء فرع تصوره هذا بالنسبة للإنسان. أما بالنسبة للذات الإلهية، فإن الكلام عن شيء أثر العلم به. وأنت ترى في هاتين الآيتين خطاباً للإنسان أنه لن يعجز الله، ولكن يلاحظ في الآية الأولى أنه خاطب الإنسان على الأرض فقط، وفي الآية الثانية خاطبه على الأرض وفي السماء. فزيادة” في السماء” إذن في الآية الثانية زيادة ذات دلالة كبيرة، هذه الزيادة فيها معنى النبوءة التي تبشر بإمكانية صعود الإنسان إلى السماء وتخاطبه في كل أحواله بأنه خاضع لقهر المشيئة غير خارج عما تريد هذه الذات.

 

          يا إنسان لن تعجزني على الأرض، وإذا صعدت إلى السماء فلن تعجزني، ولم يصعد الإنسان إلى السماء إلا في عصرنا هذا، فكأن الخطاب إذن لإنساننا الحالي وذلك من أسرار الإعجاز.

 

          وفي كل حال يظهر لك أن الزمان يظهر ما في القرآن من حق، وكيف أن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

 

          ح - {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبöغَالَ وَٱلْحَمöيرَ لöتَرْكَبُوهَا وَزöينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} النحل: 8.

 

          {وَآيَةñ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّöيَّتَهُمْ فöي ٱلْفُلْكö ٱلْمَشْحُونö * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّöن مّöثْلöهö مَا يَرْكَبُونَ} يس: 41، 42.

 

          الآية الأولى ذكرت أصنافاً مما يركبه الإنسان وله فيه زينة، وبعد أن عد هذه الأصناف ذكر أنه سيخلق ما لم يعلمه الصحابة المخاطبون الأول بهذه الآية، ومن جو الآية نفهم أن هذا الشيء سيخلقه الله عز وجل هو مما يركب وفيه زينة في نفس الوقت غير الخيل والبغال والحمير.

 

          والآية الثانية تحدد نوع تحديد بعض صفات هذه المركوبات وتقول: {وَآيَةñ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّöيَّتَهُمْ فöي ٱلْفُلْكö ٱلْمَشْحُونö * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّöن مّöثْلöهö مَا يَرْكَبُونَ}.

 

          ترى ما هذا الذي هو من جنس الفلك ويركبه الإنسان ؟

 

          لقد كان يومها في مستقبل الغيب السفينة الفضائية والطائرة والسيارة والقطار وكل هذه المركوبات التي رأيناها حديثاً وهذا كله يدخل في كلمة { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّöن مّöثْلöهö مَا يَرْكَبُونَ} يس: 42.

 

          وإذن فنحن أمام آيتين تبشران بمركوبات جديدة للإنسان، وقد كان ما بشر به القرآن، يبقى معنى لا بد من الإشارة إليه وهو أننا نلاحظ تطور المركوبات يوماً بعد يوم كل يوم يأتي بجديد لا يعلمه الإنسان قبل وجوده وهذا الشيء نفسه نفهمه من آخر الآية الأولى { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} النحل: 8.

 

          فالقرآن في الحقيقة يخاطب الإنسان أبداً في كل زمان ومكان. فعندما أسمع الخطاب اليوم { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أفهم أن في غد شيئاً جديداً، ويكون إذن ما تراه من تطور كل يوم في عالم المركوبات داخل ضمناً في الآية.

 

          وأخيراً نقول: إن بعض الصحابة منذ تنزل القرآن فهم أن الله سيخلق للإنسان ما يركبه غير ما يعهده الناس قديماً يسير في البر كما تسير السفن في البحر.

 

          ط - {وَقَطَّعْنَاهُمْ فöي ٱلأَرْضö أُمَماً} الأعراف 168.

          { وَإöذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهöمْ إöلَىٰ يَوْمö ٱلْقöيَامَةö مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابö} الأعراف: 167.

 

          {ضُرöبَتْ عَلَيْهöمُ ٱلذّöلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقöفُوۤاْ إöلاَّ بöحَبْلٍ مّöنْ ٱللَّهö وَحَبْلٍ مّöنَ ٱلنَّاسö} آل عمران: 112.

 

          هذه الآيات في اليهود وإن واقع التاريخ، ومستقبل الزمان بالنسبة لعصر تنزل القرآن، هو الذي يفسرها، فكان ما حدث تفسير القدرة الإلهية للعم الإلهي، إذ كان اليهود مشردين طوال هذا الزمان، كما أخبر الله {وَقَطَّعْنَاهُمْ فöي ٱلأَرْضö أُمَماً} ومع هذا التقطيع كان العذاب المتواصل من لدن عصر القرآن إلى هذا الزمان.

 

          والتاريخ يقص علينا قصة هذه الحقبة من تاريخ اليهود، وأنها اضطهاد دائم، وذلة دائمة، من ملاحقة الأسبان لهم، إلى مطاردة الكنيسة في كل مكان، إلى ما وقع لهم في روسيا، وآخر أنباء هذا العذاب ما سامهم إياها النازيون مما يعرفه أهل الأرض جميعاً. هذه صورة مما وقع لهم في الغرب، والصورة الأخرى التي وقعت لهم في الشرق والغرب أنهم أبداً محكومون من غيرهم، وأنهم أبداً يعانون حياة الذلة، وفي هذا وذلك عذاب { وَإöذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهöمْ إöلَىٰ يَوْمö ٱلْقöيَامَةö مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابö} الأعراف  167.

          ثم حدث أن عطفت عليهم الشعوب والحكومات. أمريكا، وإنكلترا، وروسيا، وفرنسا... والناس فكان لهم ما يسمى دولة فارجع بعد ما ذكرناه إلى الآية الثالثة ترى كيف قامت المعجزة {ضُرöبَتْ عَلَيْهöمُ ٱلذّöلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقöفُوۤاْ إöلاَّ بöحَبْلٍ مّöنْ ٱللَّهö وَحَبْلٍ مّöنَ ٱلنَّاسö} آل عمران: 112.

 

          عذاب متواصل وذل دائمة إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فلما كان هذان الحبلان. صار لهم دولة، ولكن الآية الأولى تذكر أن العذاب لن ينقطع عنهم إلى يوم القيامة. لذلك فهم على موعد معنا نحن المسلمين {فَإöذَا نَزَلَ بöسَاحَتöهöمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرöينَ} الصافات: 177. وفي التوراة الحالية المحرفة هذا القول” سأجمعك يا إسرائيل في أرض الميعاد ثم أذبحك ذبحاً” وسيعلمون ماذا سيفعل بهم جند الله بعد أن تنتهي هذه الردة عن الإسلام إن شاء الله.

 

          ي – والذي يريد أن يتتبع هذا النوع مما في القرآن يجد الكثير. ففي آية {إöنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّöكْرَ وَإöنَّا لَهُ لَحَافöظُونَ} الحجر: 9. غيب تحقق وفي آية {فَإöن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} البقرة: 24. غيب تحقق وفي آية {سَنُرöيهöمْ آيَاتöنَا فöي ٱلآفَاقö وَفöيۤ أَنفُسöهöمْ} غيب تحقق مظهره ما كشف الإنسان من علم وما يكشف، وفي آية {إöذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهö وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فöي دöينö ٱللَّهö أَفْوَاجاً} غيب تحقق وفي آية {إöنَّ ٱلَّذöي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إöلَىٰ مَعَادٍ} القصص 85. أي إلى مكة ففيها غيب تحقق.

 

          والشيء الذي نريد أن نخرج به هو أن القرآن إذا قال فذلك العلم الذي لا يخطئ لأنه علم الله المحيط.

 

          غير أن فهمنا للقرآن قد يخطئ وهذا هو البلاء الكبير عندما نفهم القرآن فهماً خاطئاً، ونعطيه للناس، بل نلزمهم به أو يلتزمون. وهذا خطر كبير. لذلك ينبغي أن نكون على حذر عندما نقرأ تفاسير القرآن: وكل مفسر فهم القرآن على ضوء ثقافة عصره فقدم لنا فهمه للقرآن وتفسيراً للقرآن وشتان بين الفهم الخاطئ للقرآن وحقيقة القرآن.

 

-        4 –

 

شيء آخر يدلك على أن هذا القرآن مصدره الله عز وجل، وأنه ما كان ليكون هكذا لولا أنه منزل من عند الله الذي أحاط علمه بكل شيء. هذا الوجه الذي نريد أن نتحدث عنه هو الذي أشارت إليه الآيات القرآنية التالية:

 

         {إöنَّ هَِٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنöيۤ إöسْرَائöيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذöي هُمْ فöيهö يَخْتَلöفُونَ} النمل: 76.

 

         {يَا أَهْلَ ٱلْكöتَابö قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّöنُ لَكُمْ كَثöيراً مّöمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مöنَ ٱلْكöتَابö وَيَعْفُواْ عَن كَثöيرٍ} المائدة: 15.

 

                    {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكöتَابَ إöلاَّ لöتُبَيّöنَ لَهُمُ ٱلَّذöي ٱخْتَلَفُواْ فöيهö وَهُدًى وَرَحْمَةً لّöقَوْمٍ يُؤْمöنُونَ} النحل: 64.

 

          {مَا كَانَ حَدöيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَِٰكöن تَصْدöيقَ ٱلَّذöي بَيْنَ يَدَيْهö} يوسف: 111.

*    *    *

 

          إن الدراسات النقدية للتوراة لم تعترف بالصحة إلا لسفر واحد من أسفارها. هو سفر” أرمياء” كما يذكر ( مونتيه ) في تاريخ الكتاب المقدس، وليس الإنجيل بأسعد حالاً. فقد ألغى مجمع أساقفة ( نيقيه ) كثيراً من أخباره مما زرع الشك حول ما تبقى منه وهو الأناجيل. وهذه الأخيرة بدورها لا تعتبر الآن من الصحاح. لأن النقد أثبت أنها قد وضعت بعد المسيح بأكثر من قرن أي بعد عصر الحواريين الذي تنسب إليهم التعاليم المسيحية وعلى هذا فإن شكوكاً كثيرة تحوم الآن حول القيمة التاريخية للوثائق اليهودية والمسيحية. ( انظر كتاب الظاهرة القرآنية ).

 

          إن إنجيلاً واحداً نطق به عيسى على أنه كلمة الله، فلöمَ يكون الإنجيل أربعة ولم كان بينها اختلاف وتعارض وزيادة ونقص، ولقد لعن أرمياء في سفره المذكور ( أقلام النساخ الكاذبة ).

 

          ومن هنا كان للقرآن فيما يتعلق بهذه الكتب مواقف كل منها يشير إلى ربانية مصدره، حيث إن هذه المواقف كلها تدل على علم مطلق لا يأتيه الشك، حتى يتحدى في بعض المواقف أن يأتوا بالتوراة ليثبتوا ما يدعون مما يذكر القرآن خلافه {كُلُّ ٱلطَّعَامö كَانَ حöِلاًّ لّöبَنöيۤ إöسْرَائöيلَ إöلاَّ مَا حَرَّمَ إöسْرَائöيلُ عَلَىٰ نَفْسöهö مöن قَبْلö أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بöٱلتَّوْرَاةö فَٱتْلُوهَا إöن كُنتُمْ صَادöقöينَ} آل عمران: 93.

 

          - أول هذه المواقف أن التوراة والزبور والإنجيل، هذه الموجودة حالياً ليست هي بالضبط الكتب السماوية الأصلية بل داخلها تحريف وتبديل، ونُسي قسم منها وقد رأينا موقف النقد العلمي العقلي النصراني من هذا الموضوع وكلمة أرمياء التي تتفق مع ما ألح القرآن عليه:

 

          {وَمöنْهُمْ أُميُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكöتَابَ إöلاَّ أَمَانöيَّ وَإöنْ هُمْ إöلاَّ يَظُنُّونَ * فَوَيْلñ للَّذöينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكöتَابَ بöأَيْدöيهöمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَِٰذَا مöنْ عöنْدö ٱللَّهö لöيَشْتَرُواْ بöهö ثَمَناً قَلöيلاً فَوَيْلñ لَّهُمْ ممَّا كَتَبَتْ أَيْدöيهöمْ وَوَيْلñ لَّهُمْ ممَّا يَكْسöبُونَ } البقرة: 78 – 79.

 

          {مّöنَ ٱلَّذöينَ هَادُواْ يُحَرّöفُونَ ٱلْكَلöمَ عَن مَّوَاضöعöهö} النساء: 46. {يُحَرّöفُونَ ٱلْكَلöمَ عَن مَّوَاضöعöهö وَنَسُواْ حَظَّا مّöمَّا ذُكöرُواْ بöهö} المائدة: 41.

 

          - الموقف الثاني:

 

          ذكر القرآن الكريم كثيراً مما كان في التوراة والإنجيل من معان ووحي، وعندما نستعرض هذه النصوص وتقرأ التوراة والإنجيل فإننا نجد هذه النصوص قد طابقت ما في التوراة والإنجيل، مما يدل على أن قسماً من التوراة والإنجيل لم يحرف، وعلى أن الله العليم بما أنزل هو منزل القرآن، إذ لا شك تاريخياً كما مر أن محمداً ليس له أي اطلاع على كتب دينية أو غير دينية:

 

          وهذه أمثلة:

 

          أ – يقول القرآن:

 

          {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذöينَ قَالُوۤاْ إöنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسöيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسöيحُ يَابَنöيۤ إöسْرَائöيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّöي وَرَبَّكُمْ إöنَّهُ مَن يُشْرöكْ بöٱللَّهö فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهö ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لöلظَّالöمöينَ مöنْ أَنصَارٍ}. {وَإöذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعöيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لöلنَّاسö ٱتَّخöذُونöي وَأُميَ إöلَِٰهَيْنö مöن دُونö ٱللَّهö قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لöيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لöي بöحَقٍّ إöن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلöمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فöي نَفْسöي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فöي نَفْسöكَ إöنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبö * مَا قُلْتُ لَهُمْ إöلاَّ مَآ أَمَرْتَنöي بöهö أَنö ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبي وَرَبَّكُمْ} المائدة: 116.

 

          ويقول إنجيل يوحنا الفقرة الثالثة الباب السابع عشر ( وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ).

 

          ويوقل إنجيل مرقس الباب الثاني عشر ( 28 ) ( فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسناً سأله أية وصية هي أول الكل فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكركَ ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى ).

 

          ويقول إنجيل متى الباب التاسع عشر (16) ( وإذا واحد تقدم وقال أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية فقال له لماذا تدعوني صالحاً ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله ).

 

          هذه نصوص صريحة في الأناجيل الحالية تثبت أن دعوة عيسى كانت للتوحيد وأنه رسول الله ثم كان الانحراف وأتى القرآن ليصحح الانحراف.

 

          ب – يقول القرآن على لسان عيسى {وَمُصَدّöقاً لّöمَا بَيْنَ يَدَيَّ مöنَ ٱلتَّوْرَاةö... } ويقول {وَآتَيْنَاهُ ٱلإöنجöيلَ فöيهö هُدًى وَنُورñ وَمُصَدّöقاً لّöمَا بَيْنَ يَدَيْهö مöنَ ٱلتَّوْرَاةö} المائدة: 46. ويقول مخاطباً لنا: {شَرَعَ لَكُم مّöنَ ٱلدّöينö مَا وَصَّىٰ بöهö نُوحاً وَٱلَّذöيۤ أَوْحَيْنَآ إöلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بöهö إöبْرَاهöيمَ وَمُوسَىٰ وَعöيسَىٰ أَنْ أَقöيمُواْ ٱلدّöينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فöيهö} الشورى ك 13.

 

          ويذكر إنجيل متى إصحاح (5) على لسان عيسى: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماوات والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات فإني أقول لكم: إن لم يزد بركم على الكتبة والقديسين لن تدخلوا ملكوت السماوات”.

 

ج – يقول القرآن:

 

          {وَكَتَبْنَا عَلَيْهöمْ فöيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بöٱلنَّفْسö وَٱلْعَيْنَ بöٱلْعَيْنö وَٱلأَنْفَ بöٱلأَنْفö وَٱلأُذُنَ بöٱلأُذُنö وَٱلسّöنَّ بöٱلسّöنّö وَٱلْجُرُوحَ قöصَاصñ فَمَن تَصَدَّقَ بöهö فَهُوَ كَفَّارَةñ لَّهُ} المائدة: 45. وفي الإصحاح ( 21 ) من سفر الخروج.

 

          وهذه هي الأحكام التي تضع أمامهم ( من ضرب إنساناً فمات يقتل قتلاً ومن ضرب أباه أو أمه يقتل قتلاً وإن حصلت أذية تعطي نفساً بنفس وعيناً بعين وسناً بسن ويداً بيد ورجلاً برجل وكياً بكي وجرحاً بجرح وضّاً برض ).

 

د – يقول القرآن:

 

          {هُوَ ٱلَّذöي خَلَقَكُمْ مّöن نَّفْسٍ وَاحöدَةٍ وَجَعَلَ مöنْهَا زَوْجَهَا}. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتö وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فöي سöتَّةö أَيَّامٍ}. {هُوَ ٱلَّذöي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فöي ٱلأَرْضö جَمöيعاً}.

 

          وتقول التوراة في الإصحاح الأول من سفر التكوين بعد ذكر قصة الخلق. ( وقال الله نعمل الإنسان فخلق الإنسان ذكراً وأنثى وباركهم اله وقال لهم أثمروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا وكان.. يوماً سادساً ). وفي الإصحاح الثاني من سفر التكوين:

 

          - ( فأكملت السماوات والأرض وكل جندها ).

 

          - ( هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت يوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات ).

 

          - ( وجعل الرب الإله آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حية ).

 

          ( فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إليه ).

 

هِ - يقول القرآن:

 

          {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتö وَٱلأَرْضö وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسöهöمْ} الكهف ويقول {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنö يَلْتَقöيَانö * بَيْنَهُمَا بَرْزَخñ لاَّ يَبْغöيَانö} ويقول {أَلَمْ نَجْعَلö ٱلأَرْضَ مöهَاداً * وَٱلْجöبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لöبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شöدَاداً * وَجَعَلْنَا سöرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مöنَ ٱلْمُعْصöرَاتö مَآءً ثَجَّاجاً * لّöنُخْرöجَ بöهö حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً } النبأ: 6 – 16.

 

          وفي سفر أيوب إصحاح ( 38 ) أجاب الرب أيوب وقال: ( شد الآن حقويك كرجل – أي قف باستعداد – فإني أسألك فتعلمني: أين كنت حين أسست الأرض ؟ أخبر إن كان عندك فهم من وضع قياسها وعلى أي شيء قرت قواعدها أو من وضع حجر زاويتها عندما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله.من حجز البحر بمصاريع حين اندفق من فم الرحم هل تربط أنت عقد الثريا أو تفك ربط الجبار أتخرج المنازل من أوقاتها وتهدي الشمس مع... من يهيء للغراب صيده إذا نعب فراخه إلى الله فأجاب أيوب: الرب وقال: ها أنذا حقير فماذا أجاوبك وضعت يدي على فمي”.

 

          و – يقول القرآن:

 

          {ذٰلöكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إöلَِٰهَ إöلاَّ هُوَ خَالöقُ كُل شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُل شَيْءٍ وَكöيلñ * لاَّ تُدْرöكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرöكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطöيفُ ٱلْخَبöيرُ } ويقول {لَيْسَ كَمöثْلöهö شَيْءñ} ويقول {للَّهö مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتö وَٱلأَرْضö}.

 

          وتقول التوراة سفر الخروج:

 

          “الرب يملك إلى الدهر إلى الأبد” ( ص ح 15 وفي الإصحاح ( 37 )” عند الله جلال مرهب القدير لا ندركه عظيم القوة والحق وكثير البر” وفي الإصحاح ( 33 )” هو ذا الله يتعالى بقدرته من مثله”“ هو ذا الله عظيم ولا نعرفه وعدد سنيه لا يفحص”.

 

          ز – يقول القرآن:

 

          {وَإöذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعöينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعöجْلَ مöن بَعْدöهö وَأَنْتُمْ ظَالöمُونَ} البقرة: 51.

 

          ويقول {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إöلَىٰ قَوْمöهö غَضْبَانَ أَسöفاً قَالَ بöئْسَمَا خَلَفْتُمُونöي مöن بَعْدöيۤ أَعَجöلْتُمْ أَمْرَ رَبّöكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} الأعراف: 150 ويقول {وَٱنظُرْ إöلَىٰ إöلَِٰهöكَ ٱلَّذöي ظَلْتَ عَلَيْهö عَاكöفاً لَّنُحَرّöقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسöفَنَّهُ فöي ٱلْيَمّö} طه: 97.

 

          ( وفي الإصحاح ( 32 ) من سفر الخروج ( فانصرف موسى ونزل من الجبل.. ) وكان عندما اقترب إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه...

 

          ثم أخذ العجل الذي صنعوه وأحرقه بالنار حتى صار ناعماً وذراه على وجه الماء ).

 

          ح – يقول القرآن متحدثاً عن موسى:

 

          {قَالَ رَبّö أَرöنöيۤ أَنظُرْ إöلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانöي} الأعراف: 143.

 

          وفي ألإصحاح ( 33 ) من سفر الخروج ( فقال موسى: أرني مجدك... ( 18 ). قال لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ) ( 20 ).

 

          ط – يقول القرآن:

 

          {وَإöذْ أَخَذْنَا مöيثَاقَ بَنöيۤ إöسْرَائöيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إöلاَّ ٱللَّهَ وَبöٱلْوَالöدَيْنö إöحْسَاناً وَذöي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكöينö وَقُولُواْ لöلنَّاسö حُسْناً} البقرة: 83.

 

          وفي الإصحاح العشرين من سفر الخروج: ( أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء... لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك غيور وأصنع ‘إحساناً إلى ألوف من محبيَّ وحافظي وصاياي.. ).

 

           ي – يقول القرآن في سورة يوسف عن يوسف عليه السلام:

 

          {إöذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبöيهö يٰأَبتö إöنّöي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لöي سَاجöدöينَ} ويقول سفر التكوين الفصل ( 37 ) ( قال رأيت حلماً أيضاً كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة له ).

 

          ويقول القرآن على لسان إخوة يوسف:

 

          { ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوö ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبöيكُمْ وَتَكُونُواْ مöن بَعْدöهö قَوْماً صَالöحöينَ * قَالَ قَآئöلñ منْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فöي غَيَابَةö ٱلْجُب يَلْتَقöطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةö إöن كُنتُمْ فَاعöلöينَ } يوسف: 10.

 

          وفي سفر التكوين:

 

          ( والآن تعالوا نقتله ونطرح في بعض الآبار ونقول: إن وحشاً ضارياً افترسه ونرى ما يكون من أحلامه، وقال لهم رأوبين لا تسفكوا دماً اطرحوه في هذا البئر التي في البرية ).

 

          ويقول القرآن:

 

          {قَالُواْ يَأَبَانَا إöنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبöقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عöندَ مَتَاعöنَا فَأَكَلَهُ ٱلذّöئْبُ... }.

 

          {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمöيصöهö بöدَمٍ كَذöبٍ} يوسف.

 

          وفي سفر التكوين:

 

          ( فأخذوا قميس يوسف وذبحوا تيساً من المعز وغمسوا القميص في الدم.. وحش ضار أكله افترس يوسف افتراساً ).

 

          ويقول القرآن:

 

          {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتöي هُوَ فöي بَيْتöهَا عَن نَّفْسöهö وَغَلَّقَتö ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهö إöنَّهُ رَبّöيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ} يوسف 23.

 

           وفي سفر التكوين:

 

          ( وكان بعد هذه الأمور أن امرأة مولاه طمحت عينها إلى يوسف وقالت ضاجعني فأبى وقال لامرأة مولاه هو ذا مولاي لا يعرف معي شيئاً مما في البيت وجميع ما هو له جعله في يدي... فاتفق في بعض الأيام أنه دخل البيت ليتعاطى أمره ولم يكن في البيت احد من أهله فأمسكت بثوبه وقالت ضاجعني ).

 

          ويقول القرآن:

 

          {وَقَالَ ٱلْمَلöكُ إöنيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سöمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعñ عöجَافñ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابöسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونöي فöي رُؤْيَايَ إöن كُنتُمْ لöلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بöتَأْوöيلö ٱلأَحْلاَمö بöعَالöمöينَ} يوسف.

 

          ويقول سفر التكوين:

 

          ( إن فرعون رأى حلماً كأنه واقف على شاطئ النهر فإذا بسبع بقرات صاعدة منه وهي حسان المنظر وسمان الأبدان فرتعت في المرج وكأن سبع بقرات أخرى صاعدة وراءها من النهر وهي قباح المنظر وعجاف الأبدان فوقفت بجانب تلك على شاطئ النهر فأكلت البقرات القباح المنظر العجاف الأبدان السبع بقرات الحسان المنظر السمان...

 

          ثم نام فحلم ثانية فرأى كأن سبع سنابل قد نبقت في ساق واحدة وهي سمان جياد وكأن سبع سنابل دقاقاً قد لفحتها الريح الشرقية نبتت وراءها فابتلعت السنابل الدقاق السبع السنابل السمينة الممتلئة واستيقظ فرعون فإذا هو حلم فلما كانت الغداة انزعجت نفسه فبعث ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها فقص عليهم فرعون حلمه فلم يكن من يعبره لفرعون ).

 

*     *     *

 

          من هذه النقول نعرف معنى الآية القرآنية التي ختمت بها سورة يوسف {مَا كَانَ حَدöيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَِٰكöن تَصْدöيقَ ٱلَّذöي بَيْنَ يَدَيْهö} ونعرف كذلك وحدة الوحي ووجوده إذ رأينا أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يتلق أي تعليم سابق مما يوهم أن مثل هذا التلاقي وليد دراسة، كما أن البيئة العربية لم تكن منتشرة فيها هذه المعاني أبداً. ولم تكن تعرفها، بدليل الآية التي ذكرت في سورة يوسف عقب القصة {ذَلöكَ مöنْ أَنْبَآءö ٱلْغَيْبö نُوحöيهö إöلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهöمْ إöذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} يوسف: 102.

 

          فعندما يتم التلاقي بين معنى ذكره الإنجيل أو التوراة أو الزبور مع معنى موجود في القرآن، مع ملاحظة ما ذكرناه آنفاً فذلك دليل لا يدحض على أن هذا القرآن من عند الله {لَِّٰكöنö ٱللَّهُ يَشْهَدُ بöمَآ أَنزَلَ إöلَيْكَ أَنزَلَهُ بöعöلْمöهö} النساء: 166.



[1] لا يجوز إطلاق المعجزة إلا على الأمر الخارق للعادة الذي يجري على يد الرسل بقدرة الله .

[2] يقول علماء الكون اليوم : إن للشمس ثلاث حركات . حركة عمودية باتجاه كوكبة الجائي مع الكواكب السيارة ، وحركة حول نفسها ، وحركة مع مجرتها .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca