الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - الصفات

الفصل الثاني - القُدوَة العليَا - رجل الدولة الأول: سياسياً وعسكرياً

4- رجل الدولة الأول: سياسياً وعسكرياً

 

          دمجنا العمل السياسي والعسكري في هذه الفقرة على اعتبار أن العمل العسكري أثر عن العمل السياسي ومرتبط به ارتباطاً كاملاً لا ينفصل عنه، وقد يكون ذروته في بعض الحالات التي تكون فيها الحرب لا بد منها، ثم إن الإمكانيات السياسية، في إدارة الحروب لا تنفصل عن الإمكانيات العسكرية في الإدارة السياسية، والرسول عليه الصلاة والسلام، كان قائد المسلمين سياسياً وعسكرياً، وهو الذي سار بهم من نصر إلى نصر. حتى جعل مفاتيح العالم في أيديهم مرات عديدة ولا زال باستطاعة المسلمين أن يسترجعوها إذا تتلمذوا مرة أخرى تلمذة كاملة على يديه عليه الصلاة والسلام.

 

          على أنه وإن ارتبط العمل السياسي بالعمل العسكري. فإن لكل مجال كلام ينفرد به. لذلك فإننا سنقسم الكلام في هذه الفقرة إلى قسمين. الأول في الكلام عن الرسول عليه الصلاة واللام سياسياً. والثاني عسكرياً، لنرى كيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام في كُلٍّ كان في القمة التي لا يرقى إليها احد، وهو الأمي الذي لا يعرف قراءة ولا كتابة، مما يدل على أن المسألة هنا ربانية المبدأ والطريق والنهاية.


أ: الرسول عليه الصلاة والسلام

 

القöيَادة السياسية العليَا

 

          إن نجاح القيادة السياسية يتوقف على ما يلي:

 

          1 ) على استيعاب هذه القيادة لدعوتها، وثقتها بها وبأحقيتها، وثقتها بانتصارها. وعدم تناقض سلوك هذه القيادة مع ما تدعو إليه، لتكون مواقفهما منسجمة مع هذه الدعوة، فتكون هذه المواقف كلها لصالح الدعوة، ولا تكون بيد أعداء الدعوة سلاحاً فعالاً بسبب التناقض ضد الدعوة نفسها.

 

          2 ) وعلى قدرة القيادة على الاستمرار بالدعوة تبليغاً وإقناعاً.

 

          3 ) وعلى قدرة القيادة في استيعاب المستجيبين للدعوة تربية وتنظيماً وتيسيراً.

 

          4 ) وعلى وجود الثقة الكاملة بين القيادة وأتباعها.

 

          5 ) وعلى قدرة القيادة أن تعرف إمكانية الأتباع، وأن تستطيع الاستفادة من كل إمكاناتهم العقلية والجسمية أثناء الحركة. بحيث يأخذ كل منهم محله الصحيح.

 

          6 ) وعلى قدرة القيادة على أن تحل المشاكل الطارئة بأقل قدر ممكن من الجهد.

 

          7 ) وعلى أن تكون هذه القيادة بعيدة النظر مستوعبة للواقع. فتضرب ضرباتها السيَاسية بشكل محكم.

 

          8 ) وعلى قدرة هذه القيادة أن تصل إلى النصر والاستفادة منه، وتطبيق مبادئ دعوتها تطبيقاً صحيحاً.

 

          9 ) وعلى قدرة هذه القيادة أن تحكم أمر بناء دولتها إحكاماً بجعلها قادرة على الصمود والنمو على المدى البعيد.

 

          وما عرف التاريخ إنساناً كمل في هذه الجوانب كلها إلى أعلى درجات الكمال غير محمد صلى الله عليه وسلم. مع ملاحظة أن كمالاته هنا جانب من جوانب كمالاته المتعددة التي لا يحيط بها غير خالقها، وأن كمالاته ونجاحه واستقامة خطواته وانتصاراته وتوفيق الله إياه كل ذلك دليل على أنه رسول الله الذي رباه فأحسن تربيته وأحاطه برعايته.

 

          ولنبدأ باستعراض هذه الجوانب التسع في سيرة رسول الله العملية لنرى برهان كُلٍّ وكماله فيه مع ملاحظة أن خطتنا في هذه الأبحاث الاختصار والإشارة لا التفصيل.

 

*        *        *

 

          1 – استيعابه صلى الله عليه وسلم لدعوته نظرياً وعملياً وثقته بها وبانتصارها:

 

          إذا كان هناك إنسان استوعب جوانب دعوته كل الاستيعاب، ووثق بها وبمصيرها كل الثقة، وعرف مضمونها كل المعرفة وعرف بداياتها ونهاياتها وأولها وآخرها ومقدماتها ونتائجها، ولم يتزحزح عن جزء منها، بل الخطوة الثانية تأتي مكملة للخطوة الأولى وممهدة للخطوة التالية، فذلك هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان واضحاً تماماً لديه أن منطلق دعوته هو أن الحاكم الحقيقي للبشر لا يجوز أن يكون غير الله، وأن خضوع البشر لغير سلطان الله وحاكميته شرك، وأن التغيير الأساسي الذي ينبغي أن يتم في العالم هو نقل البشر من خضوع بعضهم لحاكمية بعض، إلى خضوع الكل لله الواحد الأحد، وأن الأمة التي تحمل هذه القضية بكل متطلباتها هي التي سيكون بيدها مفاتيح الحياة البشرية ولها قيادها. ومن هذه البداية وانسجاماً معها، يقوم كل شيء في حياة البشرية ثانياً، وحياة الأمة التي تحمله أولاً، ولنر وضوح هذه الجوانب عنده صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر ونهايته.

 

          روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال:” لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه – وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم – فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت. وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك , وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه فخذ لنا منه وخذ له من º ليكف عنا ولنكف عنه وليدعنا وديننا ولندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أخي! هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات. قال: تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه فصفقوا بأيديهم”.

 

          وروى ابن إسحاق عن الزهري في قصة عرض الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته على بني عامر بن صعصعة ما يلي:” ثم قال له ( أي بحيرة بن فراس ): أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال ( أي رسول الله ): الأمر لله يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ما أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه”.

 

          قال عدي بن حاتم:” بينما أنا عند رسول الله إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة.. ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. فقال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله... ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز...”[1]

 

          وقد طالب المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة أن يطرد المستضعفين من المسلمين حتى يجلسوا إليه، وفي كل مرة كان يتنزل قرآن ويكون موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفض، ومن هذه ما أخرجه أبو نعيم عن ابن مسعود قال: مر الملأ ( أي السادة ) من قريش على رسول الله وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار – رضي الله عنهم – ونحوهم وناس من ضعفاء المسلمين فقالوا ( أي الملأ مخاطبين رسول الله ): أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء ؟ أهؤلاء الذي منَّ الله عليهم ؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك قال: فأنزل الله عز وجل:

 

{وَأَنذöرْ بöهö ٱلَّذöينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إöلَىٰ رَبهöمْ لَيْسَ لَهُمْ من دُونöهö وَلöيّñ وَلاَ شَفöيعñ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلاَ تَطْرُدö ٱلَّذöينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بöٱلْغَدَاةö وَٱلْعَشöي يُرöيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مöنْ حöسَابöهöم من شَيْءٍ وَمَا مöنْ حöسَابöكَ عَلَيْهöمْ من شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مöنَ ٱلظَّالöمöينَ}[2].. وأخرجه أحمد والطبراني.

 

          من هذه الأمثلة ترى بشكل واضح استيعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعوته وثقته بها وبانتصارها، وانسجام مواقفه معها، ووضوح طريقه أمامه، ومعرفته بنهايات ما يريد منها. فلم تضطرب بدايات مواقفه أبداً مع نهاياتها، بل كل خطوة تأتي تكون مكملة لما قبلها، وكل تشريع جديد يأتي متمماً لما قبله، حتى كملت شريعة الله، وتم دينه وهذا كله ما كان ليتم لولا أن محمداً رسول الله.

 

          وهذا أول ما يلزم العمل السياسي العام، تجده كأكمل ما يكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          ويكفيك لتعرف معنى هذا الذي قدمناه، أن تعلم أن الناس يعتبرون العمل السياسي الإسلامي عملاً مثالياً لا يستطيعه أي إنسان، فإذا ما عرفنا بعد ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام استطاع أن يقود الناس بهذا الإسلام. فلا نجد موقفاً من مواقفه تناقض مع نصوص ومبادئ دعوته، وعلمت أنه ما من زعيم سياسي، إلا ويضطر للتناقض، إما لاحقاً مع سابق، أو دعوى مع عمل، أو داخلياًّ مع خارجي، أدركت مدى الكمال في القيادة المحمدية، وخاصة إذا عرفت أنه لم يستطع أن يرتفع من حكام الأمة الإسلامية إلى القيادة بالإسلام الكامل بحق إلا أفراد منهم الخلفاء الراشدون الأربعة، والثالث ثير عليه وقتل ظلماً، والرابع خُرöجَ عليه وانتصر بعد ذلك خصمه السياسي. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ساس الناس بالإسلام ولم ينزل بالإسلام إلى مستوى الناس بل رفع الناس إلى مستواه. على وتيرة واحدة ونسق واحد، في الفكر والعمل، من بداية الدعوة حتى انتقاله صلى الله عليه وسلم على العالم الآخر.

 

*        *        *

 

          2 – استطاعته صلى الله عليه وسلم الاستمرار بدعوته تبليغاً وإقناعاً:

 

          إن هناك شيئين أساسيين في العادة. يجب أن يتفطن لهما قادة الحركات السياسية الفكرية الجديدة.

 

          أ – الحرص على استمرار عملية التبليغ والإقناع.

 

          ب- البصر الحكيم بالموقف الذي يتخذ من الخصم.

 

          إن أي دعوة من الدعوات إذا لم تستطع تأمين عملية استمرار التبليغ والإقناع تجمد، ثم تنحصر ثم تموت، وأي دعوة من الدعوات لا تتخذ الموقف المناسب من الخصم، تضرب ضربة ساحقة ثم تزول، ولنضرب هذا مثالاً: إن الهنود عندما أرادوا تحرير بلادهم من الإنكليز، اختاروا لنفسهم طريق اللاعنف في العمل. ومعناه عندهم أن لا يجابه الإنسان القوة الظالمة بالعنف بل يتحمل ظلمها بصبر حتى تتغير هي عواطفها، وترتدع عن غيها، وفائدة هذا الطريق أنه يكسب صاحبه عطف الناس وعطف الرأي العام خاصة عندما يكون على حق، وقد نجح الهنود أخيراً في تحرير بلادهم ولم يكلفهم هذا الطريق ضحايا كثيرة. ولو أنهم سلكوا غير هذا الطريق لما استطاعوا وقتذاك أن يصمدوا أمام قوة بريطانيا فيكونوا قد خسروا كثيراً وفشلوا أخيراً.

 

          وأنت عندما تدرس هذين الجانبين في العمل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نجح فيهما نجاحاً منقطع النظير، فرغم تألب الجزيرة العربية كلها عليه كما رأينا في الفصل السابق، ورغم العداء العنيف الذي ووجه به، ورغم كل شيء فإن عملية التبليغ لم تنقطع لحظة من اللحظات، ولعل أهم نقطة تلمحها بعد التوحيد أثناء عرض الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته على القبائل، هو إلحاحه على حماية الدعوة، واستمرارها وتأديتها، ولقد تجاوز الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً من المجابهة للمشركين، دون انقطاع عن العمل، مما يدل على مقدار نجاحه في هذا الموضوع.

 

          وأما بالنسبة للأمر الثاني فأنت تلاحظ حكمة مواقفه تجاه العدو، فهو في مكة، يصبر ويأمر أتباعه بالصبر، ولو فعل غير هذا لخسر أتباعه قتلاً، ولشغل بذلك في قضايا الثأر، ولما أمكنه أن يتابع عملية التبليغ، وكسب بهذه الخطة كثيراً من القلوب.

 

          فإذا ما انتقل إلى المدينة رأيت تجدد مواقفه على حسب الظروف الجديدة من معاهدة، إلى سلام، إلى حرب، إلى ضربة هنا ووثبة هناك، ولكن هذا كله لم يؤثر بتاتاً على عملية تبليغ الحق وإقناع الناس به، على كل مستوى وبكل وسيلة ملائمة.

 

          وإذا أردت أن تقدر مقدار النجاح المحرز في هذا الطريق فانظر هذه المقارنة:

 

          إن الحركة الشيوعية رغم وسائل القرن التاسع عشر في الدعاية وتفرغ أتباعها فإنها لم تستطع أن تحقق نصراً وتعمم إلا بعد سبعين عاماً من أول بيان أصدره زعيماها.

 

          ولكن الذي حدث بالنسبة للدعوة الإسلامية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عممها خلال ثلاث وعشرين عاماً التعميم الذي يرافقه الإقناع. ولهذا فإننا نقول مطمئنين: إنه لم توجد حركة سياسية تقوم على أساس عقدي، نجحت كما نجحت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي فترة قصيرة. وهذا كذلك يدلنا على أن الأمر أكبر من أن يكون – لولا التوفيق الإلهي – لهذا الرسول الأعظم الفذ على مدى التاريخ بين التاريخ.

 

*        *        *

 

          3 – قدرته على استيعاب أتباعه تربية وتنظيماً وتسييراً ورعاية:

 

          إن الدعوة العقدية السياسية تصاب من قبل أتباعها بسبب قيادتها من نواح ثلاث:

 

          1 – ألا تقدر هذه الدعوة على أن تربي أتباعها تربية نموذجية، بحيث يعطى أتابعها صورة حسنة عنها، مما يؤدي إلى نفور الناس منها كأثر عن نفورهم من أصحابها. فيكون التابع حجة على الدعوة بدلاً من أن يكون حجة لها. وهذا يؤلب الرأي العام ضدها تأليباً خطيراً ويعطي الرأي العام حجة تلو الحجة عليها. وعلى العكس من ذلك إذا ما ربي أفرادها تربية نموذجية حية فإن الناس يؤمنون بهم قبل إيمانهم بدعوتهم، ويحبونهم قبل أن يعرفوا ما يدينون به، وكم رجال ضربوا دعوتهم بسلوكهم مع أنهم يحملون دعوة عظيمة.

 

          2 – أن يدخل الدعوة ناس ولا تستطيع هذه الدعوة أن تسخر طاقاتهم في سبيلها. فأمثال هؤلاء يكونون في وضع مشلول، فلا هم ضد الدعوة ولا هم يقدمون شيئاً لها، وفي هذه الحالة تكون قيادة الدعوة وحدها متحملة كل مسؤولياتها، والدعوة إذا كانت على امتداد دائم فإن هذه القيادة ستصبح في وضع لا يسمح لها أن تقوم بكل واجباتها، وتكون المسألة هكذا º داعية واحد، ومدعوون كثيرون، أما في الحالة الأخرى فإنك تجد العكس، وذلك إذا استطاعت قيادة الدعوة أن تسخر طاقات الأتباع لصالح الدعوة، لأن المسؤولية وقتذاك يتحملها مجموع الأفراد، فيكون كل فرد لينوب مناب القائد، وكل فرد يؤدي دوره. وفي النهاية فمهما توسعت دائرة الدعوة تبقى القيادة على قوة في تحملها.

 

          3 – وعندما لا يحس الأتباع بالرعاية الدائمة، والملاحظة التامة، وعندما لا يوضعون فيما يحسن وضعهم به، أو عندما يحسون بأنهم منسيون، أو عندما لا يعرف الإنسان محله ومهمته المكلف بها كل هذا يؤثر على نفسية الأتباع ويولد عندهم فتوراً عن الدعوة.

 

          هذه النواحي الثلاث لا بد من تلافيها لأي دعوة تقوم على أساس مبدأ معين وعدم تلافيها يعطل سير الدعوة ويقتلها.

 

          وأنت عندما تدرس حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقيادته لأتباعه تجد تجنبه لهذه الجوانب، ووجود ما يقابلها بشكل لا مثيل له. بحيث تستغرب بعد كيف انتصرت هذه الدعوة، وهذه الجماعة، وكيف توسعت على مر الأيام.

 

          ففي الجانب الأول رأيت البحث السابق عن تربية الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف أن الأمة ألإسلامية كل قد وُسعت تربيةً، وكيف ارتفع الأفراد من طور إلى طور بحيث أصبحوا نماذج يقتدى بها.

 

          وفي الجانب الثاني ترى الحركية الدائمة التي كان يجعل أصحابه دائماً يعيشونها. فإذا أسلم رجل رباه التربية الإسلامية ثم كلفهُ أن يقوم بأعباء الدعوة في جهة من جهاتها، أو يقوم بجزء من أعبائها، وفي الجانب الثالث ترى دقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الرعاية والعناية والسهر على شؤون الأتباع بشكل عجيب، ولعل هذا الجانب هو الأحق بالتمثيل هنا لأن الجانبين الآخرين ممثل لهما في هذا المقام!!.

 

          أخرج ابن إسحاق عن أم سلمة أنها قالت: لما ضاقت مكة، وأوذي أصحاب رسول الله وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره، ومما ينال أصحابه. فقال لهم رسول الله:” إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه” وقد وجههم مرتين إلى الحبشة. مرة في السنة الخامسة. ومرة في السنة السابعة، حيث كان المسلمون مقدمين على أعظم مراحل الاضطهاد، مرحلة المقاطعة الشاملة.

 

          وعندما قرر الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى المدينة، وجه أتباعه كلهم قبله، وبقي في مكة حتى إذا لم يبق إلا من له عذر خرج مهاجراً. وأخرج أحمد عن شداد بن عبد الله قال: قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة بأي شيء تدعي أنك ربع الإسلام ؟ قال: إني كنت في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان شيئاً، ثم سمعت عن رجل يخبر أخباراً بمكة ويحدث أحاديث، فركبت راحلتي حتى قدمت مكة، فإذا أنا برسول الله مستخف وإذا قومه عليه جراء فتلطفت له فدخلت عليه فقلت: ما أنت ؟ قال: أنا نبي الله، فقلت: وما نبي الله ؟ قال: رسول الله. قال: قلت الله أرسلك ؟ قال: نعم. قلت: بأي شيء أرسلك ؟ قال: بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء وكسر الأوثان وصلة الرّحم. فقلت: من معك على هذا ؟ قال: حر وعبد / أو عبد وحر / وإذا معه أبو بكر بن أبي قحافة وبلال مولى أبي بكر. قلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع يومك هذا، ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرت فالحق بي. قال: فرجعت إلى أهلي وقد أسلمت. فخرج رسول الله مهاجراً إلى المدينة، فجعلت أتخبر الأخبار حتى جاء ركبه من يثرب. فقلت ما هذا المكي الذي أتاكم ؟ قالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، وحيل بينهم وبينه، وتركنا الناس سراعاً. قال عمرو بن عبسة: فركبت راحلتي حتى قدمت عليه المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله أتعرفني ؟ قال: نعم. ألست أنت الذي أتيتني بمكة ؟ قال: قلت بلى.

 

          هذه ثلاثة أمثلة تدلك على مبلغ دقة الرسول صلى الله عليه وسلم في توجيه أصحابه بالشكل الذي يحمون فيه ويأمنون، وكيف أنه لا ينسى أحداً منهم، بل يستوعبهم جميعاً برعايته، وكيف يعدّهم للحظة المناسبة، وكيف يسيّر كل واحد منهم بحكمة تناسب وضعه.

 

          ولا ننتقل بك من هذا البحث حتى نضرب لك أمثلة أخرى على سهره صلى الله عليه وسلم على حاجات أتباعه الشخصية وتأمينها لهم.

 

          أخرج أحمد والبخاري عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر أبو القاسم فعرف ما في وجهي وما في نفسي فقال: أبا هريرة، قلت له: لبيك يا رسول الله. فقال: الْحقْ واستأذنت فأذن لي فوجدت لبناً في قدح قال: من أين لكم هذا اللبن فقالوا: أهداه لنا فلان – أو آل فلان – قال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله. قال: انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي. قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لم يأووا إلى أهل ولا مال إذا جاءت رسول الله هدية أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها، قال: وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى به بقية يومي وليلتي، وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم، وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال: أبا هر! خذ فأعطهم. فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله فأخذ القدح فوضعه في يده وبقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إليّ وتبسم وقال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. فقلت: صدقت يا رسول الله. قال: فاقعد فاشرب. قال: فقعدت فشربت ثم قال لي: اشرب فشربت، فما زال يقول لي اشرب فأشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له فيّ مسلكاً، قال: ناولني القدح فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة.

 

          وأخرج أحمد عن ربيعة الأسلمي قال:

 

          كنت أخدم النبي فقال لي: يا ربيعة ألا تزوج ؟ قلت: لا والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج وما عندي ما يقيم المرأة وما أحب أن يشغلني عنك شيء فأعرض عني، ثم قال لي الثانية: يا ربيعة ألا تزوج ؟ فقلت: ما أريد أن أتزوج ما عندي ما يقيم المرأة وما أحب أن يشغلني عنك شيء فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: والله لرسول الله أعلم مني بما يصلحني في الدنيا والآخرة، والله لئن قال لي  ألا تزوج، لأقولن: نعم يا رسول الله. مرني بما شئت. فقال لي: يا ربيعة ألا تزوج ؟ فقلت: بلى مرني بما شئت. قال: انطلق إلى آل فلان حي من ألأنصار كان فيهم تراخ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم يأمرني أن تزوجوني فلانة لامرأة منهم، فذهبت إليهم فقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني، فقالوا: مرحباً برسول الله وبرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يرجع رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بحاجته. فزوجوني وألطفوني وما سألوني البينة. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حزيناً. فقلت: يا رسول الله! أتيت قوماً كراماً فزوجوني وألطفوني وما سألوني البينة وليس عندي صداق.

 

          فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بريدة الأسلمي اجمعوا له وزن نواة من ذهب. قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا لي فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم قال اذهب بهذا إليهم فقل لهم: هذا صداقها. فأتيتهم فقلت: هذا صداقها، فقبلوه ورضوه وقالوا: كثير طيب، قال: ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حزيناً فقال: يا ربيعة ما لك حزيناً ؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت قوماً أكرم منهم ورضوا بما آتيتهم وأحسنوا وقالوا: كثير طيب، وليس عندي ما أولم. فقال: يا بريدة اجمعوا له شاة. قال: فجمعوا له كبشاً عظيماً سميناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى عائشة – رضي الله عنها – فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام. قال: فأتيتها فقلت لها ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت  هذا المكتل في سبع آصع شعير، لا والله لا والله: إن أصبح لنا طعام غيره فخذه. قال: فأخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قالت عائشة، قال: اذهب بهذا إليهم فقل لهم  ليصبح هذا عندكم خبزاً وهذا طبيخاً، فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه فأصبح عندنا خبز ولحم فأولمت ودعوت النبي صلى الله عليه وسلم.

 

          وأخرج أحمد عن أبي برزة الأسلمي – رضي الله عنه – أن جليبيباً كان امرأً يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن فقلت لامرأتي:

 

          لا تدخلن عليكم جليبيباً، إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن.

 

          قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: زوجني ابنتك! قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين! قال: إني لست أريدها لنفسي، قال  فلمن يا رسول الله ؟ قال: لجليبيب، قال: أشاور أمها، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك، قالت: نعم ونعمة عين، قال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب، قالت: لجليبيب، أنيه لجليبيب أنيه، لا لعمر الله لا نزوجه! فلما أن أراد ليقوم ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بما قالت أمها قالت الجارية: من خطبني إليكم ؟ فأخبرتها أمها. فقالت: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره! ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني! فانطلق أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: شأنك بها، فزوجها جليبيباً، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له، قال: فلما أفاء الله الله عز وجل عليه قال: هل تفقدون من أحد ؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيباً، قال: فاطلبوه. فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه – مرتين أو ثلاثاً. ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه وحفر له، ما له سرير إلا ساعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم وضعه في قبره، لم يذكر أنه غسله، قال ثابت فما كان في الأنصار أيم أنفق منها”.

 

          ولعل في هذه الأمثلة كفاية على إبراز مقدار رعايته صلى الله عليه وسلم لأتباعه واستيعابهم في كل الجوانب.

 

*        *        *

 

          4 – الثقة التي كان يتمتع بها صلى الله عليه وسلم عند أتباعه:

 

          للثقة بين الناس وقائدهم أهمية عظيمة جداً عند أصحاب الفكر السياسي º لذلك ترى في أنظمة الحكم الديمقراطية أن الحكومة تبقى حاكمة ما دامت متمتعة بثقة شعبها التي تعرفها ببعض الوسائل، وقديماً قال كونفوشيوس حكيم الصين: إن الحكومة ينبغي أن توفر لشعبها الثقة بها والحماية له بتوفير أسباب القوة والطعام والشراب وما يلزم. قالوا: فإن لم تستطع أن تؤمن هذه الأشياء الثلاثة قال: تتخلى عن تأمين الطعام والشراب، قالوا: فإن لم تستطع تأمين الاثنتين الأخريتين قال: تتخلى عن تأمين القوة والحماية ولا تفرط في الثقة”.

 

          وهذا شيء معقول إذ ما دام الناس واثقين بحكومتهم ومتعاونين معها، فإنهم يستطيعون بالتالي أن يسدوا النواقص، أما إذا فقدت الثقة، فقد تلاشى كل شيء، وفقدت الأمة قوتها وحمايتها وهذا شيء مجرب، إن فقدان الثقة يشل العمل السياسي ويميت حركة الأمة ويضعف روحها المعنوية، ويضرب اقتصادها وبالتالي يهوي بها.

 

          لذلك كان من أهم عوامل نجاح القائد السياسي للأمة ثقة الأمة به ومحبتها له، فإن هذا إذا وجد يعوض كل النواقص وكل الفراغات، فإذا ما وضح هذا بشكل عام نقول:

 

          إن تاريخ العالم كله لا يعرف مثلاً واحداً يشبه ما كانت عليه ثقة أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم به.

 

          إن ثقة الناس بالقائد الرسول، كانت ثقة غير متناهية، يكفي لإدراكها أن ترى بعضاً من مواقف الصحابة في أدق وأصعب وأحرج الأحوال:

 

          في يوم العقبة حيث تم اللقاء بين الرسول صلى الله عليه وسلم والوفد الثاني للأنصار كان من أمرهم ما ذكره ابن هاشم:

 

          قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه ؟ فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافوه بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف...”

 

          وقال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله وإن بيننا وبين الناس حبالاً ( أي أحلافاً وعهوداً ) فلعلنا نقطعها ثم ترجع إلى قومك وقد قطعنا الحبال وحاربنا الناس. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وقال: الدم الدم، الهدم الهدم، وفي رواية: بل الدم الدم والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.

 

          ثم أقبل أبو الهيثم على قومه فقال  يا قوم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أنه لصادق وأنه اليوم في حرم الله وأمنه وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنه إن تخرجوه رمتكم العرب عن قوس واحدة، فإن كانت طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله وذهاب الأموال والأولاد فادعوه إلى أرضكم فإنه رسول الله حقاً، وإن خفتم خذلاناً فمن الآن. فقالوا عند ذلك: قبلنا عن الله وعن رسوله ما أعطيانا، وقد أعطينا من أنفسنا الذي سألتنا يا رسول الله، فخل بيننا يا أبا الهيثم وبين رسول الله فلنبايعه، فقال أبو الهيثم: أنا أول من بايع.

 

          وأخرج أحمد من حديث بيعة العقبة:

 

          فقلنا ( أي الأنصار ): يا رسول الله علام نبايعك ؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. فقمنا إليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة – رضي الله عنه – وهو أصغرهم فقال: رويداً يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله قالوا: أمط عنا يا سعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبداً”.

 

          من هذه النصوص يشعر الإنسان بمقدار الثقة التي كانت تملأ قلوب هذا الرعيل الأول مع معرفتهم بما سيترتب على هذه البيعة من آثار مخيفة.

 

          ومن مواقف مقدمات معركة بدر كما أخرجها ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.

 

          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطباً أصحابه: ما ترون في قتال القوم ؟ فقام المقداد بن عمرو فقال: إذاً لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى – عليه السلام – اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.

 

          تكلم آخرون ثم قال سعد بن عبادة: إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بر الغماد لفعلنا.

 

          وقال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله

 

          قال: أجل

 

          قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استرضعت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إن لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك ما تقر به عينك فسر على بركة الله.

 

          هذه المواقف، وكل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مواقف من هذا النوع تدلك على مقدار الثقة التي كانت لرسول الله في قلوب أصحابه.

 

          والحقيقة أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم كانت من الأسر والقوة والنفوذ، بحيث لا يملك من يخالطها إلا أن يذوب فيها، إلا إذا كانت شخصيته معقدة، ولعل في قصة مولاه زيد بن حارثة ما يؤكد هذا المعنى. إذ يأتي أبو زيد وأعمامه ليشتروه ويرجعوا به إلى أهله حراً ولكن زيداً يختار صحبة محمد مع العبودية والغربة. على فراقه مع الحرية ولقاء الأهل، وهذه ظاهرة عجيبة أن يصارح زيد أهله بهذا. وهو ليس صغير السن بل كان وقتذاك ناضج الفكر، فكافأه محمد صلى الله عليه وسلم ( كان ذلك قبل النبوة ) أن حرره وتبناه.

 

          ويكفينا ما ذكرناه في هذا الباب. فالسيرة وحياة الصحابة كلها شواهد على أن الثقة التي تمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أتباعه لم يعرف العالم لها مثيلاً.

 

*        *        *

 

          5 – استطاعة القائد الاستفادة من كل إمكانيات الأتباع العقلية والجسمية أثناء الحركة، مع المعرفة الدقيقة بإمكانية كل منهم ووضعه في محله:

 

          إن عبقرية القيادة لا تظهر في شيء ظهورها في معرفة الرجال، ووضع كل في محله، واستخراج طاقات العقول بالشورى، واستخلاص الرأي الصحيح، وفي كل من هذين كان الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة العليا للبشر.

 

           إن الشورى في فن السياسة عملية تستجمع فيها طاقات العقول كلها لاستخلاص الرأي الصالح، ويتحمل فيها كل فرد مسؤولية القرار النهائي، ويقتنع فيها كل فرد بالنتيجة. فيندفع نحو المراد بقوة، وترتفع بها ملكات الفرد وروح الجماعة. ويبقى الإنسان فيها على صلة بمشاكل أمته وجماعته، ولذلك جعل الله أمر المسلمين شورى بين المسلمين، حتى يتحمل كل فرد من المسلمين المسؤولية كاملة ولا يبقى مسلم مهملاً.

 

          والظاهرة التي نراها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كقائد. حبه للشورى، وحرصه عليها، ومحاولته توسيع دائرتها، واستخلاصه الرأي الأخير في النهاية:

 

          قبيل غزوة بدر استشار الناس فأشار المهاجرون، فلم يكتف، ثم استشار الناس فأشار الخزرج والأوس ثم اتخذ قراره الأخير في الحرب حتى يمحو  أي تردد عن أي نفس.

 

          ولما عسكر المسلمون يوم بدر في أدنى ماء جاء الحباب بن منذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟

 

          قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

 

          قال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي ماء من القوم فنعسكر فيه ثم نغوّر ما رواءه من الآبار ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشر ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي. ونفذ صلى الله عليه وسلم ما أشار به[3].

 

          وقبيل يوم احد استشار الناس وأخذ برأي الأكثرية. ويوم الأحزاب أخذ برأي سلمان الفارسي. ويوم الحديبية أشارت عليه أم سلمة زوجته فأخذ برأيها.

 

          إنها القيادة التي لا تستكبر أن تنزل على رأي مسلم كائناً من كان، ما دام الرأي سليماً صحيحاً، والقيادة الصالحة هي التي تعمم الشورى حتى لا يبقى أحد عنده رأي إلا قاله، وخاصة فيما يكون فيه غرم.

 

          بعد غزوة حنين جاءت هوازن مسلمة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم سبيهم وثروتهم فقال لهم: إن معي من ترون وإن أحب الحديث إلي أصدقه فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله ما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه أنهم قد طيبوا وأذنوا.

 

          إنها الشورى التي يأخذ فيها كل إنسان حقه. ولقد علم المسلمون من نبيه هذا فأحسنوا القيام به، حتى إن كان عمر بن الخطاب ليستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذ به.

 

*        *        *

 

          وأما معرفة الرجال ووضع كل في محله المناسب له وتكليفه بالمهمة التي يصلح لها فكذلك لا يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم أحد فيها.

 

          إن أبا بكر وعمر كانا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقبهما الصحابة بالوزيرين له، وكان يسمر معهما في قضايا المسلمين، ولما مرض صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس وهذا الذي جعل المسلمين يختارونه بعده خليفة، ثم كان عمر الخليفة الثاني، والناس يعرفون ماذا فعل أبو بكر وعمر يوم حكما الناس، فهل يشك أحد أن تركيز الرسول صلى الله عليه وسلم على هاتين الشخصيتين كان في محله، وأنهما من الكفاءة في المحل الأعلى وأن رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما في محله. وهذان مثلان فقط وإلا فما اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً إلا ورأيت الحكمة في هذا الاختيار.

 

          يقول عمرو بن العاص في قصة إسلامه وخالد بن الوليد: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحداً من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا.

 

          وما أحد إلا ويعرف كفاءة هذين الرجلين من آثارهما بعد.

 

          وعندما أتى وفد بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا.

 

          قال: قد أذنت لخطيبكم فليقل. فقام عطارد بن حاجب فقال، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس الخزرجي أن يرد عليه فرد، ثم قال شاعر بني تميم فقال، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يرد، فغلب خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبهم وشاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعرهم.

 

          لكل مقام رجال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الخلق فراسة في اختيار الرجل المناسب للمقام المناسب.

 

          ولعل في قصة نعيم بن مسعود بالغ الدلالة على ما قلناه:

 

          “ كان نعيم بن مسعود حسن الصلة بكل القبائل المعايدة للمسلمين يوم الأحزاب سواء في ذلك يهود بني قريظة أو قومه أو قريش... وفي أحلك اللحظات أيام الأحزاب أسلم نعيم وقد أصبح المسلمون بين بني قريظة في الداخل والمشركين بعد الخندق، وإذا أُتي المسلمون من قöبل قريظة لم يعد يصلح خط دفاع المسلمين واضطروا للدخول في معركة مفتوحة ليست متكافئة ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أسلم نعيم يكلفه ألا يعلن إسلامه وأن يقوم بعملية تخلخل صف العدو.

 

          يقول عليه الصلاة والسلام لنعيم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة.

 

          ورجع نعيم وكان من أمره ما سنقصه عليك مما يشهد أن اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موفقاً غاية التوفيق.

 

          خرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما ًفي الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم.

 

          قالوا: صدقت لست عندما بمتهم.

 

          فقال لهم: إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم. البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره. وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه. فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.

 

          ثم خرج حتى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمر رأيت عليّ حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم فاكتموا عني. فقالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد. وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم ؟ ثم تكون لك على من بقي منهم حتى نستأصلهم. فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً.

 

          ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي. ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم..

 

          فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام فقد هلك الخف والحافر. فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم. ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل محمداً معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا. حتى نناجز محمداً. فإنا نخشى إن ضرّستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا. ولا طاقة لنا بذلك منه.

 

          فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا. فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا وقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا. فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم. وهكذا أفلح المسلمون في فصم عرى التحالف بين الأحزاب المجتمعة عليهم.

 

*        *        *

 

          6 – قدرته الكاملة صلى الله عليه وسلم على حل المشاكل الطارئة:

 

          إن الدعوات والتنظيمات السياسية التي تقوم على أساسها، كثيراً ما تضرب بسبب مشكلة طارئة لا تستطيع القيادة أن تحلها حلاً موفقاً، مما يؤدي إلى انقسام أصحابها أو ضربها والقضاء عليها، وكلما كانت القيادة أقدر على حل المشاكل كان ذلك أضمن لنجاح الدعوة.

 

          وقد يحدث أن بعض القيادات تحل المشاكل حلاً غير مشروع فتستعمل القوة مع أتباعها، فتبيد المعارضين أو تسجنهم.. كما نرى كثيراً من هذا في عصرنا الحاضر. إلا أن الظاهرة التي لا مثيل لها في تاريخ القيادات أنك تجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرة لا مثيل لها على حل المشاكل بكل بساطة، هذا مع سلوك الطريق الألطف مع الأتباع. والذي عرف العرب عن كثب يدرك أي قيادة هذه القيادة التي استطاعت أن تشق الطريق بأقل قدر ممكن من المتاعب.

 

          إنه لا توجد أمة في العالم أكثر مشكلات من الأمة العربية، إذ العوامل النفسية التي تثير المشاكل كثيرة جداً، فكلمة قد تثير حرباً، وجرح كرامة قد يؤدي إلى ويلات، ونظام للثارات، وشعور بالولاء، وعواطف متأججة، وعصبية عارمة، وجرأة نادرة، وقوة، وصلابة، وعدم انضباط... وكل واحدة من هذه تحتاج إلى قيادة تتمتع بكفاءة منقطعة النظير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد الفذ الذي استطاع أن يدير أمر هذا الشعب القوي المراس ويحل كل مشاكله بكل بساطة. وهذه أمثلة على حلوله السريعة للمشاكل:

 

          حله صلى الله عليه وسلم لمشكلة وضع الحجر الأسود قبل النبوة حين هدمت قريش الكعبة وأعادت بناءها. وهذه رواية ابن إسحاق للحادث. قال:

 

          ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وأعدوا للقتال، فربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا وتناصفوا. فزعم ( إذ يروى أن المشير على قريش مشهم بن المغيرة، ويكنى أبا حذيفة ) بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا.

 

          فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمينُ، رضينا. هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم هلمّ إليّ ثوباً، فأتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثّوب، ثم ارفعوا جميعاً، ففعلوا. حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بنى عليه.

 

*        *        *

 

نموذج من حلوله صلى الله عليه وسلم السريعة لمشاكل المنافقين:

 

          نزل المسلمون مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزو بني المصطلق على ماء فحدثت حادثة أراد عبد الله بن أبي أن يستغلها ليهدم وحدة صف المسلمين، وهو قديماً رأس قومه، فلنر ماهية الحادثة وكيف حلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          يقول ابن هشام: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر ابن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبي بن سلول – وعنده رهط من قومه – فيهم زيد بن أرقم غلام حدث – فقال: أوَ فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.

 

          ( جلابيب قريش: كان المشركون يلقبون به من أسلم من المهاجرين ).

 

          فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله.

 

          فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، لا ولكن أذّن بالرحيل. وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس.

 

          وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمعه، فحلف بالله: ما قلت ولا تكلمت به، وكان في قومه شريفاً عظيماً.

 

          فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ما قال الرجل، حَدَباً على ابن أبي بن سلول ودفعاً منه.

 

          فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما بلغك ما قال صاحبكم. قال: وأي صاحب يا رسول الله ؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول. قال: وما قال ؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت. هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكاً.

 

          ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي.

 

          ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له بقعاء...

 

          ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال: هذا الذي أوفى الله بأذنه، وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ الذي كان من أمر أبيه فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل رجلاً مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به ونحن صحبته ما بقي معنا.

 

          وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري.

* * *

 

حله صلى الله عليه وسلم لمشاكل الهجرة:

 

          ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة كانت هناك مشاكل تحتاج إلى حل سريع:

 

          أ- قضية اسنجام الناس بعضهم مع بعض وهم من قبائل شتى.

 

          ب- إيجاد صيغة ملائمة يتعايش فيها الناس في المدينة وليسوا كلهم مسلمين فمنهم اليهود ومنهم المنافقون ومنهم المسلمون.

 

          جِ- حل المشكلة الاقتصادية إذ المهاجرون تركوا أولادهم ومساكنهم، ومشكلة المهاجرين دائماً مشكلة صعبة حتى بالنسبة للدول الحديثة، ثم كان اليهود هم المسيطرين على السوق التجارية، إذ السوق الوحيدة فيها لهم. ولنرى كيف حلت هذه المشاكل كلها بسهولة.

 

          وقد حلت المشكلة الأولى والثالثة مع بعضهما على الشكل التالي:

 

          ما كادت الأمور تستقر بالمدينة حتى أنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين سوقاً ليستغنوا عن سوق اليهود، وشرع بأمر الله سنة الإخاء فكل مهاجري جعل له أخاً أنصارياً، وجعل هذه الأخوة أعمق من أخوة النسب فكانوا يتوارثون بها، وحض الناس على الكرم والسخاء والإيثار، وصادق ذلك نفوساً ما عرف التاريخ أشرف منها، ولا أرقى بعد الرسل، فكان من آثار ذلك الشيء العجيب.

 

          روى البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف قال:

 

          كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أن قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

 

          أما بعد: أيها الناس! فقدموا لأنفسكم. تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه – ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه – ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالاً وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي نفسه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله.

 

          وروى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالي نصفني، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن..

 

          ومن خبر الأنصار يوم هاجر إليهم الناس أنهم كانوا يختصمون على المهاجر كلهم يريد أن يضمه إلى نفسه، حتى إنه لم ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة.

 

          بهذه الروح التي بثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أتباعه حلت مشكلة من أكبر المشاكل استعصاء على الحل.

 

          أما المشكلة الثانية وهي إيجاد صيغة ملائمة يتعايش بها الناس º إذ المجتمع المدني كان مؤلفاً من الأوس والخزرج وبينهما عداء قديم، واليهود كانوا منقسمين على بعضهم، بعضهم مع الأوس وبعضهم مع الخزرج، وهم حريصون على أن يبقى النزاع بين الأوس والخزرج. ثم أتى المهاجرون وهم كذلك من عشائر كثيرة فكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كتب أول وثيقة سياسية في الإسلام بين هذه الأطراف كلها تمثل الدستور الذي يتعايش به هؤلاء جميعاً وقد رضوا جميعاً به.

 

          قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادَعَ فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون ( الربعة: الحالة التي جاء الإسلام وهم عليها ) بينهم. وهم يفدون عانيهم ( العاني: الأسير ) بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى ( المعاقل: الديات، الواحدة: معقلة ) كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو ابن عروف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بني المؤمنين. وأن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ( عظيمة ) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ً، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا نصر كافراً على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض  دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم , وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً، وأن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط ( أي قتله بلا جناية منه توجب القتل ) مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينضر محدثاً ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم , وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوقع إلا نفسه ( أي يهلك نفسه ) وأهل بيته.

 

          وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، إن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوقع إلا نفسه وأهل بيته، وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البرَّ دون الإثم، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.

 

          وإن بطانة يهود كأنفسهم وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها وأن بينهم النصر على من دعهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وأن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة”.

 

          قال ابن إسحاق: وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

*   *   *

 

          حله لمشكلة دفاع الأوس عن قريظة يوم قريظة:

 

          أثناء غزوة الأحزاب أعلن بنو قريظة نقضهم للعهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرروا الحرب وكان قصة ذلك كما يلي:

 

          كان من جملة الرجال الذين ألبوا العرب حتى تجمعوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزو حيي بن أخطب اليهودي فلما اجتمعت العرب عامة وحاصرت المدينة أتى حيي بن أخطب كعب بن أسد سيد قريظة ليقنعه بإنهاء عهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشاركة في الحرب ضده، وكان كعب حتى تلك اللحظة مغلقاً أبوابه وحصونه وملتزماً الوفاء بعهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          ولما طرق حيي بن أخطب باب كعب قال له كعب رافضاً أن يفتح له الباب: إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً. وبعد أخذ ورد سمح له كعب بالدخول فقال حيي:

 

          ويحك يا كعب جئت بعز الدهر وبحر طام.

 

          قال: وما ذاك ؟

 

          قال: جئتك بقريش على سادتها وقادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومه وبغطفان على سادتها وقادتها حتى أنزلتهم إلى جانب أحد وقد عاقدوني وعاهدوني على ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه.

 

          قال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء. دعني وما أنا عليه فإني لم أر محمداً إلا وفاءً وصدقاً.

 

          ولكنه لم يزل به وببني قريظة حتى أقنعهم بنقض العهد فأحضرت قريظة الصحيفة التي كتب بها الميثاق فمزقتها وبعث النبي صلى الله عليه وسلم من يستكشف له الأمر كسعد بن معاذ حليف بني قريظة في الجاهلية فقالوا له: من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد وسبوا سعداً فقالوا له وهو سيد الأوس بكل وقاحة: أكلت أير أبيك..

 

          وكانت خيانة داخلية في أحرج المواقف، وغدراً لو أعطى ثمراته الخبيثة لاستؤصل الإسلام والمسلمون، إذ به لا تعود للخندق فائدة، ويتحطم خط دفاع المسلمين، وتكون الكارثة، إنها خيانة جزاؤها بشكل طبيعي الإعدام.

 

          وانتهت غزوة الأحزاب بانسحاب المشركين ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين للتوجه إلى بني قريظة لمعاقبتهم وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه وكانوا يعرفون أن الحكم فيهم سيكون القتل والصحابة كلهم يعرفون أن جزاءهم سيكون كذلك. وهذا هو الحكم الحق والعدل والذي نصت عليه توراة اليهود نفسها.

 

          وقبل أن يصدر الرسول صلى الله عليه وسلم حكمه تواثبت الأوس وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم العفو كما عفا عن بني النضير، إذ بنو قريظة كانوا حلفاء الأوس في الجاهلية، وبنو النضير كانوا حلفاء الخزرج، والأوس والخزرج كانتا تتنافسان في كل شيء، وإذاً فرسول الله صلى الله عليه وسلم أمام معارضة من قسم كبير من أصحابه في قضية حساسة هي قضية تنفيذ عقوبة يستحقها مجرمون، فكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ما هذه قصته كما يرويها انب هشام حيث حكّم سيد الأوس فيهم، وسيد الأوس هو الذي عانى ما عانى من بني قريظة يوم غدروا، وسيد الأوس ما كان يحكم إلا بما استحق هؤلاء فرضيت الأوس بتحكيم سيدها وحكم بالعدل في أمرهم وهو القتل جزاء خيانتهم ورضيت الأوس:

 

يقول ابن هشام:

 

          فلما أصبحوا ( أي بني قريظة ) نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت – وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه. فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له – فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تضرون يا معشر الأوس أن يحكم فيكم رجل منكم ؟ قالوا بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك إلى سعد بن معاذ.

 

          وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة في مسجده. وكانت تداوري الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابهم السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب. فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلاً جسيماً جميلاً ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد أنى ( آن ) لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه.

 

          فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم – فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار.

 

          وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا: نعم – قال: وعلى من ها هنا ؟_ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء.

 

          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد:” لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة”.

 

          ثم نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم.

 

          حله صلى الله عليه وسلم لمشكلة هزيمة أحد:

 

          يوم أحد خسر المسلمون المعركة بسبب عدم تنفيذ مخطط الرسول صلى الله عليه وسلم للمعركة كاملاً وهذا الفشل سيكون من آثاره ما يلي:

 

          1 – ضعف الروح المعنوية عند المسلمين.

          2 – طمع القبائل العربية كلها بالمسلمين.

          3 – سقوط هيبة المسلمين العسكرية.

          4 – توجه قلوب الناس كلها للقضاء على المسلمين.

          5 – تنفيس المنافقين واليهود وتربصهم الشر بالمسلمين.

          6 – وهناك احتمال بعد أحد أن يفكر المشركون وقد انتصروا ورجعوا أن يعودوا لاستئصال المسلمين من جديد وقد سنحت لهم الفرصة. وفعلاً قد فكروا في ذلك. فكيف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلافي هذه النتائج كلها.

 

          إنه ما كاد يصل إلى المدينة حتى أمر المسلمين الذين دخلوا المعركة أن يستعدوا مباشرة للحرب رغم إعيائهم ثم خرج بهم تبعاً آثار المشركين، ولم يكد المشركون يسمعون بأنباء هذا الهجوم والطرد وراءهم إلا وأعلنوا الرحيل الذي يشبه الهرب مع أنهم كانوا يفكرون أثناءها في الرجوع إلى المدينة لاستئصال المسلمين فيها، ولم يقع يومها حرب ولكن هذه العملية الجرئية غسلت آثار أحد كلها وبشكل سريع. إذ كانت معركة أحد يوم السبت وكان خروج الجيش هذا يوم الأحد، وبقي معسكراً في حمراء الأسد طيلة ثلاث ليال ونزل القرآن بعد ذلك فربى المسلمين ووعظهم وغسل كل الآثار النفسية للهزيمة..

 

*  *  *

 

          هذه أمثلة خمسة ضربناها لنرى كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل المشكلات اليومية بسرعة عجيبة فلا يبقى لها أثر، هذه الإمكانية العجيبة في حل المشكلات. جعلت رجلاً كبرناردشو الأديب الإنكليزي المشهور يقول: ما أحوج العالم إلى رجل كمحمد يحل مشاكله وهو يشرب فنجاناً من القهوة ( أي ببساطة ) وهذه الأمثلة التي ضربناها، نماذج. وإلا فمن قرأت كتب الحديث ككتاب البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وموطأ مالك ومسند أحمد وكتب حياة الصحابة وكتب السيرة، رأى كثرة المشكلات اليومية الفردية والجماعية التي كانت تعترض حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوس شعباً من أعصى شعوب العالم انقياداً وطاعة وسياسة، ومع هذا فما عرف أن مشكلة مرت عليه إلا وحلها بسهولة كاملة واستقامة مع منهج الحق الذي يدعو إليه، والذي يمثل أرقى صور الواقعية والمثالية بآن واحد، وما كان ذلك ليكون لولا توفيق الله ورعايته.

 

*   *   *

 

          7 – بعد نظره صلى الله عليه وسلم وضرباته السياسية الموفقة:

 

          إن الدارس لتصرفات رسول الله يجد أنه لا يوجد تصرف من تصرفاته عليه الصلاة والسلام، إلا وفيه غاية الحكمة، وبعد النظر، فمثلاً يرسل كسرى إلى عامله على اليمن / باذان / أن يهيج رسول الله، وأن يقبض على رسول الله ليرسله إلى كسرى، فيرسل باذان رجلين ليقبضا على رسول الله ويأتيا به إلى كسرى ويأمر باذان أحد الرجلين أن يدرس أحوال رسول الله، فلما وصل الرجلان أبقاهم الرسول عنده خمسة عشر يوماً دون رد عليهم وقُتöلَ كسرى في اليوم الخامس عشر فأنبأهم عليه السلام بقتل كسرى يوم مقتله وأهدى أحد الرجلين منطقة فيها ذهب وفضة وأرسل إلى باذان رسالة مضمونها أنه إن أسلم أعطاه ما تحت يده وكان من آثار هذا كله أن خلع باذان ولاءه لكسرى وأسلم معلناً ولاءه لمحمد صلى الله عليه وسلم.

 

          ويوم أراد المنافقون أن يستغلوا شعائر الإسلام، ليوجدوا عملاً منسقاً فيما بينهم ضد الإسلام. بأن يبنوا مسجداً يكون مركزاً لتآمرهم ودسهم وتجمعاتهم المشبوهة. أمهلهم عليه السلام حتى عاد من غزوة تبوك، ثم حرق المسجد وهدمه وفضح الله أمرهم، والأمثلة من هذا النوع كثيرة كلها تدل على حنكته عليه السلام وحكمته وبعد نظره السياسي، وإن كان العمل السياسي عنده عليه الصلاة والسلام غير منفصل عن غيره، فتجده يخاطب كل قوم بأسلوب ينسجم مع نفسيتهم، ويعامل كل إنسان بطريقة ترضي هذا الإنسان بالحق وهكذا، انظر إلى خطابة إلى وفد بني الحارث بن كعب تجده يختلف عن أي خطاب آخر خاطب به وفداً من الوفود لأن هذه القبيلة لها وضع خاص.

 

قال ابن هشام:

 

          “ فأقبل خالد إلى رسول الله وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذي الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبد الله القناني وعمر بن عبد الله الضبابي فلما قدموا على رسول الله فرآهم قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند ؟ قيل: يا رسول الله! هؤلاء رجال بني الحارث ابن كعب. فلما وقفوا على رسول الله سلموا عليه وقالوا: نشهد إنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال رسول الله: أنتم الذين إذا زجروا استقدموا، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله نحن الذي إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرار فقال رسول الله: لو أن خالداً لم يكتب لي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالداً قال: فمن حمدتم قالوا: حمدنا الله عز وجل الذي هدانا بك يا رسول الله قال: صدقتم، ثم قال رسول الله: بم كنتم تغلبون من قاتلكم، في الجاهلية ؟ قالوا: لم نكن نغلب أحداً قال: بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحداً بظلم”.

 

          ولما كانت خطتنا في هذا البحث الاختصار فسنكتفي بتحليل موقف من أبرز مواقفه السياسية عليه الصلاة والسلام، تتضح به حنكته وحكمته بشكل كامل. هذا الموقف هو الموقف الذي تمخض عنه صلح الحديبية، وما لهذا الصلح من آثار رائعة وهذه هي القصة كما يرويها ابن هشام نذكرها ثم نعقب عليها:

 

 قال ابن هشام:

 

          واستنفر العرب ومن حوله ومن أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا: أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الأعراب، فخرج صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له.

 

          وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله! هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل[4] وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى قراع الغميم[5]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ( أي صفحة العنق ).

 

          ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ وإن رجلاً من بني أسلم قال: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل ( كثير الحجارة ) بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال صلى الله عليه وسلم للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش، في طريق تخرجهم على ثنية المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة.

 

          فسلك الجيش ذلك الطريق. فلما رأت خيل قريش قترة الجيش ( غبار الجيش ) قد خالفوا عن طريقهم. رجعوا راكدين إلى قريش. وخرج صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته. فقالت الناس: خلأت الناقة ( بركت ولم تنهض ). قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها، ثم قال للناس: انزلوا. قيل له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه. فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب ( القليب: بئر ) فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن ( مبرك الإبل حول الماء ).

 

          فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت ليريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تعجلون على محمد، إن محمداً لم يأت للقتال وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم[6] وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب.

 

          وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة.

 

          ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: هذا رجل غادر، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قاله له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة – أو ابن زبان – وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسير عليه في عرض الوادي في قلائده وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى.

 

          فقال لهم ذلك. فقالوا: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. فغضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، وعلى هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

 

          ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي، وخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال:

 

          يا محمد، أجمعت أوشاب الناس ( الأوشاب، الأخلاط ) ثم جئت بهم إلى بيضتك ( القبيلة والعشيرة ) لتفضها بهم. إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل. قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً.

 

          وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال: امصص بظر اللات، أنَحْنُ ننكشف عنه ؟ قال: من هذا يا محمد ؟

 

          قال: هذا ابن أبي قحافة.

 

          قالوا: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها.

 

          ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه. والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد. وجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله قبل أن لا تصل إليك.

 

          يقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك.

 

          فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد ؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة ابن شعبة. قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس. فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً.

 

          فقام من عند رسول الله وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً. فروا رأيكم.

 

          وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له” الثعلب” ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلا فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل. قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم. فدعا رسول الله الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على ألا نفر فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقاً إبط ناقته قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان بن عفان باطل.

 

          ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: إئت محمداً فصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً فقال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجع ثم جرى بينهما الصلح.

 

          فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله ؟ قال: بلى قال: أولسنا بالمسلمين قال: بلى قال: أليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى. قال فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر: يا عمر: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ؟ ألست برسول الله.

 

          قال: بلى.

 

          قال: أولسنا بالمسلمين،

 

          قال: بلى.

 

          قال: أو ليسوا مشركين ؟

 

          قال: بلى.

 

          قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟

 

          قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني.

 

          فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً.

 

          ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب – رضوان الله عليه – فقال: اكتب” بسم الله الرحمن الرحيم” فقال سهيل  لا أعرف هذا ولكن اكتب” باسمك اللهم” فكتبها ثم قال: اكتب:” هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو” فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

          “ هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بني عمرو. اصطلحا على وضع الحرب على الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم. ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه. وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه..

 

          فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثاً معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها.

 

          فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل ابن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله في نفسه، دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.

 

          ولما رأى سهيل أبا جندل قام إليه بضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد لقد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فجعل ينثره بتلبيبه ويجره ليرده على قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناه على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم.

 

          فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنهم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدني عمر قائم السيف منه، يقول عمر:

 

          رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضنَّ الرجل بأبيه ونفذت القضية فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلي بن أبي طالب، وكان هو كاتب الصحيفة”. اهِ.

 

          هذه قصة الحديبيبة فلنر آثرها وقيمة هذا العمل من الناحية السياسية الحركية:

          يقول الزهري، فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضاً والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك.

 

          قال ابن هشام:

 

          والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك في بسنتين في عشرة آلا” وحسبك أن تعلم أن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة زعماء قريش أسلموا في هذه المرحلة.

 

ومن آثار هذه العملية:

 

          أن تهدمت حجة قريش الأساسية في جمعها العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أن قريشاً أخذت زعامتها من كونها مجاورة للكعبة بيت الله ولهذا الجوار ولتعظيمها هذا البيت كانت العرب تعظمهم وتدين لهم فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا عمرته وتعظيمه للبيت الحرام تهدم أمام الرأي العام كثير من الحجب.

 

          ومن آثار هذه العملية أن فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب الذين يسيرون في فلك قريش لغيرهم، وتفرغ لليهود فأنهاهم من جزيرة العرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ومن آثار هذه العملية أن اقتنعت كثير من القبائل العربية بتعنت قريش حتى أن الأحابيش كادوا يدخلون المعركة بجانب محمد صلى الله عليه وسلم يومها وهم حلفاء قريش المشركة.

 

          ومن آثار هذه العملية أن أعطيت القبائل العربية حرية التحالف مع محمد صلى الله عليه وسلم وهذا شيء ما كان ليكون من قبل، فدخل من شاء من هذه القبائل في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          ومن آثار هذه العملية كثرة إقبال الناس على الإسلام بعدها، أن انقطع أمل الناس من غير المسلمين بنصرة أو عزة أو غلبة أو منعة إلا بالإسلام، فضلاً عن انقطاع أملهم بإنهاء الإسلام والمسلمين.

 

          ومن آثار هذه العملية أن تفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح آفاق أمته على العالم. وتفهيمهم مهمتهم العالمية، بإرسال رسله وكتبه إلى الدول الكبرى يومذاك. كسرى وهرقل والمقوقس والنجاشي...

 

          ومن آثار هذه العملية أن خدمت فتن المنافقين الذين كانوا يشدون أزرهم. وتتقوى ظهورهم بقريش، وتبعثرت القبائل العربية الوثنية، وهمدت حدة قريش وعصبيتها، واسترخت وأخذت تقوى تجارتها , وركنت إلى السلام، ولما كانت الهدنة مديدة المدة لم تفكر في البحث عن أحلاف لها بينما كان المسلمون يتوسعون يومياً.

 

          ومن آثار هذه العملية فتح مكة. إذ عندما نقضت قريش عهدها واعتدت على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني خزاعة، وعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً. لولا صلح الحديبية وما أحاط به لرأيت عرب الجزيرة العربية كلهم وقد رمت أنوفهم وأقبلوا للدفاع عن مكة وكعبتها وأصنامها وقريشها، ولكن صلح الحديبية والآثار التي ترتبت عليه لم يبق بقية من الحمية لا عند قريش ولا عند غيرها لها، فكان أن فتحت مكة صلحاً بل لقد فتحت مكة من يوم دخلها المسلمون في العام التالي للصلح بأعدادهم الضخمة وروحهم العالية المرتفعة ومظاهرتهم التي أرهبت من رآها.

 

          لقد كنت ضربة سياسية لا يستطيعها غير محمد صلى الله عليه وسلم. إذ ضربها وأصحابه غير راضين، وأعداؤه لا يعرفون كيف يتصرفون. وإنك عندما تعلم أن عمر وكبار الصحابة كانوا كارهين لما حدث، وترى بعد ذلك هذه الآثار، تدرك أن الأفق الذي ينظر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفق فريد في تاريخ الزعامات كلها.

 

          ولا يفوتنا قبل الانتهاء من هذا البحث أن نتعرض لمصير أقسى الشروط التي فرضتها قريش في المعاهدة والذي أثار المسلمين، وهو أن قريشاً لا ترد من جاءها من المسلمين مرتداً وأن المسلمين يردون من جاءهم من مكة مسلماً بدون إذن، لقد كانت نهاية هذا الشرط أن طلبت قريش نفسها إلغاء هذا الشرط من المعاهدة وقصة ذلك ما يلي:

 

          لما فر أبو بصير عبيد بن أسيد وهاجر إلى المدينة بعد صلح الحديبية أرسلت قريش وراءه رجلين وقالوا:

 

          العهد الذي جعل لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً فاستله الآخر فقال أجل والله لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً فلما انتهى إلى النبي قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد وفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم فقال صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وتلفت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت عنده عصابة، فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا وتعرضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله تعالى والرحم ما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل إليهم”.

 

          وهكذا ألغت قريش بنفسها أشد البنود قسوة كما ظنها المسلمون.

 

          إذا عرفت آثار الحديبية وعرفت أن الصحابة كلهم كانوا غضاباً لهذا الصلح. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بعد كتابة الصلح أن يقوموا فينحروا هديهم ويحلقوا متحللين من إحرامهم لم يقم منهم رجل واحد، مما داخلهم من الغم مع تكرار رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر ثلاثاً. ولم يفعلوا إلا بعد أن حلق عليه الصلاة والسلام ونحر هديه، هنالك أفاقوا ونفذوا ما أمرهم به، إذا عرفت هذا تدرك الأفق العالي الذي كان ينظر منه عليه السلام، وتدرك أن قيادته جزء من صلته بالله المحيط علماً بكل شيء فكان مسدَّداً راشداً مهدياً.

 

*    *    *

 

          8 و 9 – الوصول إلى النصر وتطبيق ما كان العمل من أجله بعد النصر، وإحكام البناء بحيث يكون قادراً على الصمود في المستقبل، ووضع أسس النمو الدائب المتطور بحيث تحتفظ الدعوة بإمكانية السير عبر العصور:

 

          لقد مضى على بدء الإسلام أربعة عشر قرناً ولا زال الإسلام في انتشار ولا زال يتوسع، ورغم كل ما تبذله الدعايات الكافرة من أعدائه. سواء كانوا أصحاب دين أو غير أصحاب دين، بطرق منظمة وغير منظمة، فلا زال الإسلام هو الإسلام ولا زال قادراً على أكثر من الحركة، ورغم الملابسات التاريخية التي أوقعت العالم الإسلامي في قبضة أعدائه، ورغم سيطرة هؤلاء الأعداء، فالإسلام باق. ورغم أن الكافرين استطاعوا أن يهيؤا لأعداء الإسلام وسائل الانتصار داخل العالم الإسلام، فالإسلام شامخ يتحدى ويقهر.

 

          وخلال هذا التاريخ الطويل دخل الإسلام في صراع مع ثقافات فغلبها، ومع أديان فغلبها، ومع قوى عظيمة فصهرها.

 

          وخلال هذا التاريخ الطويل سقطت دول تحكم باسم الإسلام، وقامت دول تحمل الإسلام واستوعب الإسلام الجميع.

 

          وفي كل مرة كان الإسلام محمولاً حق الحمل، كان أصحابه هم الغالبين وحضارته أرقى الحضارات وما أتي المسلمون إلا من تقصيرهم وتفريطهم وجهلهم بالإسلام.

 

          القرون الوسطى عند الأوروبيين قمة التأخر، والقرون الوسطى عندنا قمة التقدم، وكانوا يومها متمسكين بدينهم وكنا لا زلنا متمسكين بديننا ومن هنا مفرق الطريق، حيث كان الإسلام حمل أتباعه على التقدم. وحيث كان غير الإسلام ديناً كان تأخر.

 

          والإسلام الآن يصارع على كل مستوى شرقاً وغرباً فكراً وسلوكاً وهو في كل حال أبداً غالب وإن اضطهد المسلمون فذلك لقوة فكرهم لا لشيء آخر.

 

          وما أحد يجهل أن روح الجهاد في قلوب المسلمين هي التي حررت العالم الإسلامي من قبضة مستعمريه في عصرنا هذا، وإن كان جهاد المسلمين ضرب بيد ناس منهم وليسوا منهم، ففرضوا على المسلمين بعد التحرير مذاهب أخرى. هذا الإسلام الذي كان هكذا عبر العصور يحمله جيل إلى جيل وهو الآن يستعد ليكون له المستقبل كله.

 

          هذا الإسلام استطاع أن يفعل هذا لأن الأساس الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم له خلال ثلاثة وعشرين عاماً، كان من القوة بحيث يحمل كل العصور، ويسع كل العصور.

 

*   *   *

 

          ونحن اليوم نرى دعوات فكرية وسياسية كثيرة، لا تحمل في جوهرها إمكانية تطبيقها، أو لا تستطيع قيادتها أن تحققها في عالم الواقع مع أن بيدها كل السلطات وبيدها كل الوسائل، ولكنها تقف عاجزة عن تحقيق الفكرة، وأحياناً تتراجع من نصف الطريق، ولكن الظاهرة التي نراها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خلال عشر سنوات فقط كان كل جزء من أجزاء دعوته قائماً يمشي على الأرض، على أكمل ما يكون التطبيق، وكل جزء من أجزاء دعوته قابلاً للتطبيق خلال كل عصر وما مر عصر وإلا ورأيت الإسلام مطبقاً بشكل من الأشكال، فإذا ما علمت بأن دعوة سياسية فكرية تحتاج إلى عشرات السنين حتى تنتشر وتنتصر وقد تطبق وقد لا تطبق، أدركت أن العملية هنا ليست عملية عادية وإنما هي شيء خارق للعادة تحس وراءه يد الله. وتحس بالتالي أن الدين دين الله. وأن محمداً عبده ورسوله...

 

          وقد آثرنا هنا الاختصار لأن الرسالة الثالثة ( الإسلام ) كلها برهان عملي على أن شريعة الإسلام وأحكامه تعلو في كل عنصر وعلى كل فكر.

 

          وننتقل هنا نقلة أخرى لاستعراض جوانب الشخصية القيادية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الحرب كما وعدنا.

 

*    *    *



[1] أخرجه أحمد .

[2] الأنعام : 51 ، 52 .

[3] أخرجه ابن إسحاق .

[4] العوذ المطافيل : استعار العوز المطافيل للنساء مع أولادهن , والعوذ هي الإبل الحديث النتاج . والمطافيل : التي معها أولادها .

[5] كراع الغميم : موضع بين مكة والمدينة .

[6] جبهوهم : واجهوهم بما يكرهون .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error