الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الخامس

البشارات

- 1 -

 

          إن القرآن ذكر بوضوح وفي أكثر من سورة أن الكتب السماوية قد بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإöذْ قَالَ عöيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنöي إöسْرَائöيلَ إöنّöي رَسُولُ ٱللَّهö إöلَيْكُم مُّصَدّöقاً لّöمَا بَيْنَ يَدَيَّ مöنَ ٱلتَّوْرَاةö وَمُبَشّöراً بöرَسُولٍ يَأْتöي مöن بَعْدöي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بöٱلْبَيّöنَاتö قَالُواْ هَِٰذَا سöحْرñ مُّبöينñ} ( الصف: 6 ).

 

          { وَرَحْمَتöي وَسöعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لöلَّذöينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَِاةَ وَٱلَّذöينَ هُم بöآيَاتöنَا يُؤْمöنُونَ * ٱلَّذöينَ يَتَّبöعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبöيَّ ٱلأُمّöيَّ ٱلَّذöي يَجöدُونَهُ مَكْتُوباً عöندَهُمْ فöي ٱلتَّوْرَاةö وَٱلإöنْجöيلö يَأْمُرُهُم بöٱلْمَعْرُوفö وَيَنْهَاهُمْ عَنö ٱلْمُنْكَرö وَيُحöلُّ لَهُمُ ٱلطَّيّöبَاتö وَيُحَرّöمُ عَلَيْهöمُ ٱلْخَبَآئöثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إöصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتöي كَانَتْ عَلَيْهöمْ فَٱلَّذöينَ آمَنُواْ بöهö وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذöيۤ أُنزöلَ مَعَهُ أُوْلَِٰئöكَ هُمُ ٱلْمُفْلöحُونَ } ( الأعراف: 157 ).

 

          {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كöتَابñ مّöنْ عöندö ٱللَّهö مُصَدّöقñ لّöمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مöن قَبْلُ يَسْتَفْتöحُونَ عَلَى ٱلَّذöينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بöهö فَلَعْنَةُ ٱللَّهö عَلَى ٱلْكَافöرöينَ} ( البقرة: 89 ).

 

          إن ظاهرة دينية عامة كنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين جميعاً، يترتب عليها معاني كثيرة من وحدة الإنسانية وتوحيد دينها. تحتاج إلى مقدمات ومبشرات توجد استعداداً عاماً عند الناس لها.

 

- 2 -

 

          والدارس للنصوص التاريخية التي تتحدث عن فترة ما قبل البعثة وأثناءها يلاحظ ملاحظة هامة. هي أن الناس الذين كانت لهم صلة بكتاب سماوي كان واضحاً في أذهانهم أنه سيبعث نبي، وكانوا يرتقبون ظهوره وإن بعضاً من علمائهم قد أعلن إسلامه بمجرد اجتماعه بهذا النبي صلى الله عليه وسلم.

 

          فمن ذلك قصة سلمان الفارسي كما تذكرها روايات كثيرة، وتنقّله من عالم إلى عالم في النصرانية، حتى دلّه آخرهم أن يترقّب نبياً كاد أن يبعث من أرض العرب، وذلك سبب مجيئه إلى أرض العرب وسكناه فيها.

 

          ومن ذلك القصة التي يرويها البخاري عن أبي سفيان عندما استدعاه هرقل في بلاد الشام إذ يقول في آخرها هرقل:” وقد كنت أعلم أنه خارج نبي ولم أكن أظن أنه منكم”.

 

          ومن ذلك ما ذكرته صفية بنت حيي أم المؤمنين عن أبيها وعمها اليهوديين قالت:

 

          لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مغلسين، فلم يرجعا حتى كان غروب الشمس، فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما فما التفت إليّ أحد منهما مع ما بهما من الهم. فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو ؟ أي المبشر به في التوراة، قال: نعم والله، قال: أتثبته وتعرفه ؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه ؟ قال: عداوته والله ما بقيت أبداً[1]

 

          ومن ذلك قصة إسلام عبد الله بن سلام:

 

          قال ابن هشام في سيرته قال ابن إسحاق وكان من حديثه كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم وكان حبراً عالماً قال: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسراً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأ،ا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: خيبك الله والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت. قال فقلت لها: أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به، قال فقالت: فذاك إذن قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا...

 

          ومن ذلك قصة النجاشي وموقفه من أصحاب السيد الرسول صلى الله عليه وسلم في هجرتهم إليه وقولهم بعد نقاش وعرض عندما أوفدت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد لإخراجهم:

 

          .. أشهد أنه رسول الله وأنه المبشر به عيسى في الإنجيل[2].

 

          وقد اشتهر حديث اليهود للأوس والخزرج عن خروج نبي وكان ذلك من جملة العوامل التي جعلت هذا الاستعداد الكبير عند الأوس والخزرج للإيمان:

 

          فمن ذلك ما جاء عن سلمة بن سلامة - رضي الله عنه -، وكان من أصحاب بدر قال: كان لنا جار من يهود بني عبد الأشهل، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، فقالوا له: ويحك يا فلان أو ترى هذا كائناً ؟ أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها نار وجنة يجزون فيها بأعمالهم، قال: نعم والذي يحلف به، وليود أي شخص أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه بأن ينجو من تلك النار غداً. فقالوا له: ويحك وما آية ذلك ؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن، قالوا: ومن يراه ؟ فنظر إليّ وأنا أحدثهم سناً فقال: إن يستنفد أي يستكمل هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: والله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم وهو أي ذلك اليهودي بين أظهرنا فآمنا به وكفر بغياً وحسداً، فقلنا له: ويحك يا فلان ألست الذي قال لنا فيه ما قلت ؟ قال: بلى ولكن ليس به[3].

 

- 3 -

 

          وعلى كل حال فإن وجود الكتب الدينية العالمية الآن أصبح كثيراً، وانتشارها واسعاً، ولعل دراسة منصفة تستخرج الكثير مما له علاقة بهذه الحقيقة. هذا مع الاعتقاد بأن هذه الكتب قد حرفت وبدلت، يشهد على ذلك كل دراسة جيدة لنصوص هذه الكتب ولواقعها التاريخي، ويكفي كبرهان عملي على تحريف أحدثها وأقربها إلينا ( الإنجيل ) إن الإنجيل الواحد أصبح أربعة بينها تعارض أحياناً وبعضها يزيد على بعض أو ينقص وفي سندها التاريخي انقطاع.

 

          وقد قام بهذه الدراسة المنصفة الواسعة الواعية علماء كبار، جمعوا بين معرفة اللغات، ومعرفة الديانات، فخرج معهم الشيء العجيب الذي لا يدع مجالاً لإنسان يحترم عقله أن يشك في أن هناك بشارات بمحمد النبي العربي قبل ميلاده بمئات السنين، ونحن ها ننقل نماذج من هذه الدراسات، وسيرى أي منصف أن هؤلاء العلماء ما ظلموا وما حرفوا وما اعتسفوا في فهم النصوص ولا حمّلوها فوق ما تحتمل. بل فهم هذه النصوص على غير ما ذكروه، هو الاعتراف والتحريف، وتحميل النصوص ما لا تحتمل، وكتمان الشهاة ونأي عن الحق:

 

          {ٱلَّذöينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكöتَابَ يَعْرöفُونَهُ كَمَا يَعْرöفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} ( الأنعام: 2 ).

 

- 4 -

 

          يقول العقاد:

 

          “ من هذه الدراسات كتاب باللغة الإنجليزية ألفه” مولانا عبد الحق فديارتي” وسماه:” محمد في الأسفار الدينية العالمية” واستفاد في مقارناته ومناقضاته بمعرفته للفارسية والهندية والعبرية والعربية وبعض اللغات الأوروبية ولم يقنع فيه بكتب التوراة والإنجيل بل عمّم البحث في كتب فارس والهند وبابل القديمة، وكانت له في بعض أقواله توفيقات تضارع أقوى ما ورد من نظائرها في شواهد المتدينين كافة، ولا نذكر أننا اطعلنا على شواهد أقوى منها في روايات الأقدمين أو المحدثين من أتباع الديانات الأولى أو الديانات الكتابية.

 

          يقول الأستاذ عبد الحق: إن اسم الرسول العربي” أحمد” مكتوب بلفظه العربي في السامافيدا من كتب البراهمة وقد ورد في الفقرة السادسة والفقرة الثامنة من الجزء الثاني، ونصها أن أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة وقد قبست منه النور كما يقبس من الشمس. ولا يخفي المؤرخ وجوه الاعتراض التي قد تأتي من جانب المفسرين البرهميين بل ينقل عن أحدهم” سينا أشاريا” أنه وقف عند كلمة أحمد فالتمس لها معنى هندياً وركب منها ثلاث مقاطع وهي” أهم” و” آت” و” هي” وحاول أن يجعلها تفيد” إنني وحدي تلقيت الحكمة من أبي” قال الأستاذ عبد الحق ما فحواه: إن العبارة منسوبة إلى البرهمي” فاتزاكانفا” من أسرة كانفا ولا يصدق عليه القول بأنه وحده تلقى الحكمة من أبيه.

 

          وفي مواضع كثيرة يرى المؤلف أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مذكور بوصفه الذي يعني الحمد الكثير والسمعة البعيدة ومن أسمائه الوصفية اسم سشرافا الذي ورد في كتاب الآثار فافيدا.

 

          وكذلك صنع بكتب زرادشت التي اشتهرت باسم الكتب المجوسي فاستخرج من كتاب زندافستا نبوءة عن رسول يوصف بأنه رحمة للعالمين” سوشيانت” ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة” أبا لهب” ويدعو إلى إله واحد لم يكن له كفوءاً أحد وليس له أول ولا آخر ولا ضريع ولا قريع ولا صاحب ولا أب ولا أم ولا صاحبة ولا ولد ولا ابن ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولا رائحة.

 

          وهذه هي جملة الصفات التي يوصف بها الله سبحانه في الإسلام: أحد صمد، ليس كمثله شيء، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوءاً أحد، ولم يتخذ صاحبة ولا والداً.

 

          ويشفع ذلك بمقتبسات كثيرة من كتب الزردشتيه، تنبيء عن دعوة الحق التي يجيء بها النبي الموعود، وفيها إشارة إلى البادية العربية، ويترجم نبذة منها إلى اللغة الإنكليزية معناها بغير تصرف” إن أمة زردشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون، وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعه فارساً، ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار في هياكلهم، يولون وجوههم نحو كعبة إبراهيم التي تطهرت من الأصنام ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبي رحمة للعالمين وسادة لفارس ومديان وطوس وبلخ وهي الأماكن المدقسة للزرادشتيين ومن جاورهم، وإن نبيهم ليكون فصيحاً يتحدث بالمعجزات”.

 

          وقد أشار المؤلف بعد الديانات الآسيوية الكبرى إلى فقرات من كتب العهد القديم، والعهد الجديد، فقال: إن النبي عليه السلام هو المقصود بما جاء في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية” جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس ومن يمينه نار شريعة لهم”.

 

          وجاء بالنص العبري كما يلي:” ويومر يهووه مسيناتي به وزارح مسعير لامو هو فيع مهرباران ببوث قودش حيميفو أيش داف لامو”.

 

          فترجمه هكذا” إن الرب جاء من سيناء ونهض من سعير لهم وسطع من جبل فاران وجاء مع عشرة آلاف قديس وخرج من يمينه نار شريعة لهم”.

 

          وقال: إن الشواهد القديمة جميعاً تنبيء عن وجود فاران في مكة وقد قال المؤرخ جيروم واللاهوتي يوسبيوس: إن فاران بلد عند بلاد العرب على مسيرة ثلاثة أيام إلى الشرق من أيلة.

 

          ونقل عن ترجمة التوراة السامرية التي صدرت في سنة 1851 ( أن إسماعيل سكن برية فاران بالحجاز وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر ) ثم قال إن سفر العدد من العهد القديم يفرق بين سيناء وفاران إذ جاء فيه ( أن بني إسرائيل ارتحلوا من برية سيناء، فحلت السحابة في برية فاران ) ولم يسكن أبناء إسماعيل قط في غرب سيناء فيقال إن جبل فاران واقع إلى غربها. ولم يحدث قط أن نبياً سار بقيادته عشرة آلا قديس غير النبي محمد عليه السلام، وقوديش ترجم بقديس في رأي المؤلف الذي يناقش ترجمتها بالملائكة في الترجمات الأخيرة.

 

          كذلك لم يحدث قط أن نبياً غيره جاء بشريعة بعد موسى الكليم فقول موسى الكليم: إن مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم أبناء إبراهيم يصدق على النبي العربي صاحب الشريعة ولا يصدق على نبي من أبناء إبراهيم تقدمه في الزمن. اهِ ( نقل هذا المقطع من كتاب العقاد: مطلع النور – باختصار بعض جمله ).

 

- 5 -

 

          ومن هذه الكتب التي قام أصحابها بدراسة النصوص الحالية للكتب الدينية اليهودية والنصرانية: كتاب اسمه” إظهار الحق” لِ” رحمة الله بن خليل الهندي” ولعل هذا الكتاب أعظم دراسة نقدية لنصوص الديانتين اليهودية والنصرانية وأدق نقد لاعتراضات أتباع هاتين الديانتين على الديانة الإسلامية، بحيث يرى أي دارس منصف للكتاب أن يهود اليوم ونصارى اليوم والسابقين لهم إلى  فترات طويلة من الزمان، ليسوا على شيء، وأن الإسلام وحده هو الذي يصح أن يسمى ديناً، فهو وحده دين الله الحق في هذا الزمان ومنذ بعث محمد عليه الصلاة والسلام.

 

          ولأهمية الكتاب نعرض صورة مختصرة له هنا، ثم نأخذ منه ما له علاقة ببحثنا من نصوص لا زالت موجودة رغم التحريف والتبديل تبشر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

          وقارئ الكتاب يحس إحساساً يقيناً أن المؤلف متمكن من كتب العهدين القديم والجديد تمكناً تاماً، فكأنه قرأهما عشرات المرات واطلع على كل ما كتبه أهلهما من تفاسير أو شروح أو تعليقات عليهما. وكتب كتابه بعد ذلك، وسبب تأليف الكتاب أن المبشرين النصارى أخذوا يهاجمون الإسلام مهاجمات عنيفة في الهند أثناء الاحتلال البريطاني، وركزوا هجومهم حول خمس نقاط فتصدى لهم كثير من علماء المسلمين، وكان من آثار هذا التصدي أن عقدت مناظرة بين أكثر المبشرين سلاطة لسان وبين مؤلف الكتاب حضرها أكبر رجالات الهند. كان من نتائجها أن انسحب القس المبشر بعد أن قامت عليه الحجة ولما يتم النقاش في المسائل المقرر نقاشها.

 

          والكتاب يناقش المسائل الخمس التي أثارها المبشرون النصارى وهاجموا فيها الإسلام وهي:

 

          1 – إن دعوى القرآن بأن في التوراة والإنجيل تحريفاً وأن اليهود والنصارى حرفوا الكلم عن مواضعه دعوى باطلة.

 

          2 – إن بعض آيات القرآن منسوخة وأن النسخ دليل على أن القرآن ليس من عند الله لأن أحكامه بهذا قابلة للتبديل والتعديل.

 

          3 – إن الله ثلاثة الأب والابن وروح القدس والإسلام يدين بوحدانية الله ومحاولتهم البرهنة على عقيدة التثليث ومن ثم التهجم على عقيدة التوحيد.

 

          4 – إن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم وليس كلام الله المنزل وتشكيكهم في طريقة جمعه وتواتره.

 

          5 – إنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء.

 

          والكتاب ناقش هذه المسائل مناقشة دقيقة مستفيضة كل مسألة في باب، وزاد باباً سادساً تناول فيه العهدين القديم والجديد، ومع هذه الأبواب الستة فقد كتب للكتاب مقدمة جامعة، فتألف الكتاب من مقدمة وستة أبواب بحث في كل منها ما يلي:

 

          أ – المقدمة: وتشمل ثماني ملاحظات عامة بين يدي الكتاب، يذكر في بعضها مراجع الكتاب وطبعات المراجع وسنة طبعها وأين طبعت، ويذكر بعض عادات المبشرين في بعضها ويعتذر في بعضها عن بعض ألفاظ يستعملها ويبين أنهم يستعملون أشد منها...

 

          ب – الباب الأول: تناول فيه الكلام على العهدين العتيق والجديد كل باب من أبوابهما، واستشهد من كلام مؤرخيهم وعلمائهم على تبيان المطعون فيه من الأبواب والآيات، وبين بالحجج الدامغة أنه لا يوجد لدى علمائهم في كلتا الديانتين سند متصل لأي كتاب من كتب العهدين ثم تناول بعد ذلك ما في كتب العهدين من الاختلاف والأغلاظ، وبين أن ادعاءهم بأن هذه الكتب الموجودة بين أيديهم إلهامية، ادعاء باطل، وساق برهاناً على هذا البطلان سبعة عشر وجهاً لكثرة ما بها من أغلاط وتحريف واختلاقات عجز مفسروهم عن التوفيق بينها، ثم إن الكاثوليك والبروتستانت يختلفون في الاعتراف ببعض هذه الكتب، فما يعترف به الكاثوليك ينكره البروتستانت والعكس بالعكس.

 

          جِ - الباب الثاني: أثبت فيه وجود التحريف في كتب العهدين القديم والجديد مصداقاً لقوله تعالى {يُحَرّöفُونَ ٱلْكَلöمَ عَن مَّوَاضöعöهö}[4] وأثبت أن بعض هذا التحريف كان عن عمد، وكان يأتي هذا التحريف أحياناً بالزيادة وأحياناً بالنقصان، وأحياناً بالتبديل اللفظي، وساق على التحريف بالزيادة خمسة وأربعين شاهداً، كما ساق على التبديل اللفظي خمسة وثلاثين شاهداً، كما أورد عدة مغالطات للمبشرين النصارى فندها ببراهين ساطعة، ثم نقل على سبيل الاستدلال أقوال النصارى الثقات عندهم من المفسرين والمؤرخين ليزيد حججه نصاعةوقوة، وبلغت هذه الاستدلالات من أقوالهم الثلاثين قولاً مما يدل على سعة اطلاع وتتبع حريص لإقامة الحجة عليهم من كتبهم وبلسان علمائهم، وفي ختام هذا الباب أورد أموراً يزول بها استبعاد وقوع التحريف في كتبهم بل ثبت وقوع التحريف.

 

          د – الباب الثالث: أثبت فيه بالأدلة القاطعة نسخ بعض الأحكام في الشريعتين الموسوية والمسيحية بعد أن بين ماهية النسخ، ثم برهن على أن الأحكام العملية للتوراة نسختها شريعة عيسى، وأن لفظ النسخ موجود في كلام قديسيهم، إلى غير ذلك من الأمور الهامة، مبيناً أكاذيبهم في اختصاص الشريعة الإسلامية بالنسخ، مبرهناً على أن النسخ في اصطلاح الشريعة موجود مثله عند اليهود والنصارى.

 

          هِ - الباب الرابع: في إبطال التثليث. وهذا الباب ينقسم إلى مقدمة وثلاثة فصول:

 

          1 – المقدمة وهي كمدخل إلى الفصول الثلاثة يذكر فيها اثنتي عشرة قضية، ككون التوراة مصرحاً فيها بتحريم عبادة غير الله وكتصريح العهد الجديد والقديم بأن الله ليس كمثله شيء، وأن النصوص المتشابهة محمولة على هذا التنزيه..

 

          2 – الفصل الأول في إبطال التثليث بالبراهين العقلية، ويأتي على ذلك بسبعة براهين كلها دامغة في استحالة التثليث من الناحية العقلية.

 

          3 – الفصل الثاني في إبطال التثليث بأقوال المسيح، ويأتي فيه باثني عشر قولاً عن السيد المسيح من الإنجيل الحالي، كلها تثبت أن المسيح دعا إلى التوحيد الخالص وأنه رسول فقط وكمثال:

 

          أ – من إنجيل يوحنا إصحاح سابع جملة (3) وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.

 

          ب – في الباب التاسع عشر من إنجيل متى هكذا.. (16) وإذا واحد تقدم، وقال له: أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟ (17) فقال له: لماذا تدعوني صالحاً ؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله.

 

          4 – الفصل الثالث في مناقشة النصوص الإنجيلية التي يتمسك بها المثلثون، وإثبات أن فهمهم لها خاطئ هذا على فرض ثبوتها، ومن المؤكد تاريخياً بطلان بعضها.

 

          فمثلاً يعتمدون على إطلاق كلمة ابن الله في الإنجيل على مرادهم مع الإنجيل نفسه يطلقها على كل صالح” طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناءالله يدعون” إنجيل متى باب خامس (44)” وصلوا لأجل الذين يسبونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات” (45) نفس المصدر” لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني” يوحنا باب 8-42.

 

          وهكذا يثبت أن كل نص حملوه على التثليث قد استعمله المسيح على غير ما فهموه في خطاب الناس حتى لا يبقى مجال لمتشكك.

 

          و – الباب الخامس: أثبت فيه أن القرآن من عند الله باثني عشر وجهاً، وكل وجه كاف لإقامة الحجة، وناقش الشبهات التي يذكرها بعض المبشرين، وتحدث بعد ذلك عن السنة وثبوتها، وبرهن على وجود الروايات اللسانية عند اليهود والنصارى التي سجلت متأخرة مع ملاحظة جواز الكذب عليهم لأنهم يرون الكذب جائزاً في موضوع النقل إذا كان لصالح الشريعة. أما المسلمون فعلى عكس هذا تماماً، والدارس لموضوع السنة يرى أن أدق نقد في العالم أو سيعرف هو نقد علماء السنة للوصول إلى الحديث الصحيح.

 

          ز – الباب السادس: أثبت فيه نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ودفع فيه كل مطعن توهمه هؤلاء القسس الذين هاجموا الإسلام وقسم الباب إلى فصلين:

 

          الفصل الأول: في إثبات النبوة وسلك فيه ستة سبل، كل سبيل يؤدي إلى إقامة الحجة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله.

 

          1 – معجزاته.

 

          2 – أخلاقه.

 

          3 – كمال شريعته.

 

          4 – انتصاره.

 

          5 – حاجة الناس إليه وإلى شريعته.

 

          6 – تبشير الأنبياء السابقين عليه عن نبوته عليه الصلاة والسلام.

 

          الفصل الثاني: في دفع المطاعن التي يتوهمها المبشرون منافية لدعوى النبوة وهم يفعلون هذا مدعين أنهم مؤمنون بنصوص العهد القديم والجديد وأنبياء العهدين، ولما كانوا مؤمنين بنصوص العهدين القديم والجديد فإنه يذكر المطاعن التي وجههوها إلى السيد الرسول صلى الله عليه وسلم. ويثبت أن رسل العهدين قد فعلوا مثلها أو أشد منها º ويثبت أن بيتهم كله من زجاج، وأن ما يذكرونه في العهدين في حق الرسل لا يليق بالمؤمنين العاديين فضلاً عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم المبرئين عندنا من كل مذمة.

 

          ويبدأ الفصل في ذكر تصوراتهم الفاسدة في نصوصهم المحرفة عن الرسل، وما يتكلمون في حقهم من الكلام القبيح. كنسبة الزنا إليهم والمعاصي، ويأتي هنا بما لا يستطيع أحد أن يهضمه مما يجعل مقام الرسل وحاشاهم عرضة لسخرية الساخرين º فإذا كان هذا مفهومهم الفاسد عن الرسل فبأي شيء يعترضون على محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقع في: أدنى ما ذكروه عن رسلهم كذباً.

 

          ثم يذكر المطاعن ويرد عليها واحداً واحداً:

 

          المطعن الأول: في عملية الجهاد الإسلامي وكيف أنهم يرون أن ذلك متناف مع مقام الرسالة، ويذكر للرد على هذا الطعن خمسة أمور.

 

          1 – حول استحقاق الكافرين العقاب من الله لهم في الدنيا والآخرة، ويذكر ذلك عن كتبهم.

 

          2 – إن الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في العهد القديم قاتلوا الكفار وسبوا نساءهم وذراريهم، ويأتي كدليل على ذلك بعشرات الشواهد من العهد القديم المعترف به عندهم.

 

          3 – إن الجهاد في الإسلام أرحم بما لا يقاس بما يذكرونه في كتبهم عن عمليات القتال السابقة.

 

          4 – إن عملية الجهاد عندنا لا تعني الإكراه على الدخول في الإسلام ولكن تاريخهم هم وخاصة النصارى مليء بجرائم الإغارة على عقائد البشر وإكراههم، ويذكر من ذلك أمثلة تقشعر منها جلود الإنسان. محاكم التفتيش، مذابحهم الفظيعة º طريقتهم القذرة في الحرب، وطريقتنا الرحيمة. إن التاريخ كله ضدهم وكله معنا.

 

          5 – يتحدث عن الجهاد في الشريعة الإسلامية.

 

          المطعن الثاني: إن محمداً لم تظهر على يده معجزة فلذلك هو ليس نبياً، ويرد على هذا، أولاً: يثبت من كتبهم أنه ليس مشروطاً عندهم وجود المعجزة للنبي فحتى على صحة دعواهم فليس هذا مطعنا بالنسبة لعقيدتهم، ولكن الحقيقة غير ذلك فإن معجزات محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من معجزات أي رسول ويثبت هذا.

 

          المطعن الثالث: موضوع زواجه صلى الله عليه وسلم بكثيرات وخاصة بزينب وتحريم زواج زوجاته بعد وفاته ويرد على هذا الكلام بثمانية مقاطع:

 

          1 – إن الأنبياء الذين يعترفون على نبوتهم في الكتب المعتبرة عندهم تزوجوا أكثر من عدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بكثير فما أحله الله لرسوله حلال وما حرم حرام.

 

          2 – إن قصة زواجه بزينب كما يوردونها باطلة لا أساس لها، وقد ذكرت في القرآن، والسنة الصحيحة على خلاف ما أوردوه ونقلوه.

 

          3 – إن التحريم والتحليل بيد الله، ولذلك نجد شيئاً تقصه كتب العهدين فعله أنبياء سابقون وحرمه أنبياء لاحقون، وإذ ثبت أن القرآن وحي من الله فما أحله حلال وما حرمه حرام، ورسول الله لم يفعل ما حرمه الله.

 

          4 – إن هؤلاء يطعنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالف لله أمراً مما ذكر في القرآن وينسون أن كتبهم تذكر عن رسلهم كذباً أنهم خالفوا الوحي الذي نزل عليهم.

 

          5 – يذكر في هذا المقطع أموراً فظيعة مذكورة في كتبهم تجرح مقام عيسى وحوارييه وحاشاهم من كلام هؤلاء الأتباع المارقين، وكذلك مما حدث في تاريخ كنائسهم من الإثم والزنى والفجور مما لا يطيق أحد أن يسمعه أفيطعنون بعد ذلك علينا وبماذا ؟ ونحن أطهر أهل أرض ذيلاً.

 

          6 – خطؤهم في فهم بعض الآيات القرآنية.

 

          7 – إذا صدر للنبي أمر ولم يفعله يكون عاصياً، أما إذا فعل شيئاً مباحا ًله في الأصل فلا حرج فإذا ما أطاع الرسول الله فلا مأخذ عليه.

 

          8 – يذكرون في كتبهم أن هوشع النبي أمره الله أن يتزوج زانية وأن يتعشق بامرأة فاسقة محبوبة لزوجها ( وحاشاه ) وأمثال هذا كثير في كتبهم ويذكر بعضاً منه فكيف ينكرون على محمد صلى الله عليه وسلم زواجه بزينب بعد طلاقها من زوجها وانتهاء عدتها بأمر الله º ويذكر في ذلك أن كتبهم تذكر أن الله خص بعض أنبيائه بأمور خصوا بها عن غيرهم، تجوز لهم ولا تجوز لغيرهم، ومحمد رسول الله، فإذا خص بحكم فأي وجه المطعن عليه مع ملاحظة تفرده بكل كمال مما لا تتطاول إليه أعناق الرجال.

 

          المطعن الرابع: يدعون فيه أن محمداً أذنب والمذنب لا يكون رسولاً، ويرد على كلامهم بخمسة مقاطع يثبت فيها عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الذنب وأنه لم يرتكب ذنباً قط.

 

          وبذلك ينتهي الكتاب. والكتاب في الحقيقة أنفس كتاب – في علمنا – ناقش الديانتين النصرانية واليهودية نقاشاً دقيقاً في النصوص والمضمون معتمداً على كلام علمائهم نفسه º وفي تصورنا أن أي منصف من أتباع الديانتين يطلع على الكتاب كله مضطر لنبذ دينه والدخول في الإسلام.

 

          نبدأ بنقل الجزء المتعلق بالبشارات من الفصل الأول من الباب السادس لأنه هو المقصود هنا، مع ملاحظة أننا حذفنا بعض مقاطع من فقراته لم نجد ضرورة لنقلها والمكان الذي تم فيه حذف نشير إليه بثلاث نقاط وكل ما نذكره هنا هو كلامه بنصه:

 

          قال في المسلك السادس من مسالكه لإثبات نبوة محمد عليه الصلاة والسلام تحت عنوان: إخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته عليه الصلاة والسلام ما يلي:

 

          ولما كان القسيسون يغلّظون العوام في هذا الباب تغليظاً عظيماً استحسنت أن أقدم على نقل تلك الأخبار أموراً ثمانية تفيد للناظر بصيرة.

 

          الأمر الأول: إن الأنبياء الإسرائيليين مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وعيسى عليه السلام، أخبروا عن الحوادث الآتية كحادثة بختنصر وقورش وإسكندر وخلفائه، وحوادث أرض آدوم ومصر ونينوى وبابل، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد الذي كان وقت ظهوره، كأصغر البقول، ثم صار شجرة عظيمة تتآوى طيور السماء في أغصانها، فكسر الجبابرة والأكاسرة، وبلغ دينه شرقاً وغرباً، وغلب الأديان وامتد دهراً بحيث مضى على ظهوره مدة ألف ومائتين وثمانين إلى هذا الحين، ويمتد إن شاء الله إلى آخر بقاء الدنيا، وظهر في أمته ألوف أولف من العلماء الربانيين، والحكماء المتقين، والأولياء ذوي الكرامات والمجاهَدَات والسلاطين العظام، وهذه الحادثة كانت أعظم الحوادث، وما كانت أقل من حادثة أرض آدوم ونينوى وغيرهما فكيف يجوّز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الإخبار عن الحادثة العظيمة.

 

          الأمر الثاني: أن النبي المقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر لا يشترط في إخباره أن يخبر بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية في السنة الفلانية في البلد الفلاني، وتكون صفته كيت وكيت، بل يكون هذا الإخبار في غالب الأوقات مجملاً عند العوام، وأما عند الخواص فقد يصير جلياً بواسطة القرائن، وقد يبقى خفياً عليهم أيضاً لا يعرفون مصداقه إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عني، وظهور صدق ادعائه بالمعجزات وعلامات النبوة، وبعد الادعاء وظهور صدقه يصير جلياً عندهم بلا ريب، ولذلك يعاتبون، كما عاتب المسيح عليه السلام علماء اليهود بقوله ( ويل لكم أيها الناموسيون º لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم ) كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل لوقا.

 

          الأمر الثالث: ادعاء أن أهل الكتاب ما كانوا ينتظرون نبياً آخر غير المسيح وإيلياء ادعاء باطل لا أصل له، بل كانوا منتظرين لغيرهما أيضاً لما علمت في الأمر الثاني أن علماء اليهود المعاصرين لعيسى عليه السلام سألوا يحيى – عليه السلام – أولاً: أنت المسيح ؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء: ولما أنكر سألوه: أنت النبي ؟ أين النبي المعهود الذي خبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظراً مثل المسيح وإيلياء وكان مشهوراً بحيث ما كان محتاجاً إلى ذكر الاسم، بل الإشارة إليه كانت كافية. وفي الباب السابع من إنجيل يوحنا بعد نقل قولعيسى عليه السلام هكذا 40: فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي 41 ( وآخرون قالوا: هذا هو المسيح ) وظهر من هذا الكلام أيضاً أن النبي المعهود عندهم غير المسيح ولذلك قابلوه بالمسيح.

 

          الأمر الرابع: ادعاء أن المسيح خاتم الأنبياء ولا نبي بعده باطل لما عرفت في الأمر الثالث أنهم كانوا منتظرين للنبي المعهود الآخر الذي يكون غير المسيح وإيلياء عليهما السلام ولما لم يثبت بالبرهان مجيئه قبل المسيح فهو بعده  وقد يتمسكون لإثبات هذا الادعاء بقول المسيح المنقول في الآية الخامسة عشر من الباب السابع من إنجيل متى هكذا ( احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة ) والتمسك به عجيب لأن المسيح عليه السلام أمر بالاحتراز من الأنبياء الكذبة لا الأنبياء الصدقة أيضاً ولذلك قيد بالكذبة. نعم لو قال احترزوا من كل نبي يجيء بعدي لكان بحسب الظاهر وجه للتمسك.. فمقصود المسيح عليه السلام التحذير من هؤلاء الأنبياء الكذبة والمسحاء الكذبة لا من الأنبياء الصادقين أيضاً ولذلك قال بعد القول المذكور في الباب السابع ( من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً ) ومحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء الصاقين كما تدل عليه ثماره على ما عرفت في المسالك المتقدمة.

 

          الأمر الخامس: الإخبارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى عليه السلام لا تصدق عليه على تفاسير اليهود وتأويلاتهم، ولذلك هم ينكرونه أشد الإنكار، وعلماء المسيحية لا يلتفتون في هذا الباب إلى تفاسيرهم وتأويلاتهم ويفسرونها ويؤولونها بحيث تصدق في زعمهم على عيسى عليه السلام. قال صاحب ميزان الحق في الفصل الثالث من الباب الأول في الصفحة 46 من النسخة الفارسية المطبوعة سنة 1849 ( المعلمون القدماء من الملة المسيحية ادعوا أن هذه الدعوى الصحيحة فقط: إن اليهود أوَّلوا الآيات التي كانت إشارة إلى يسوع المسيح بتأويلات غير صحيحة وغير لائقة وبينوها خلاف الواقع ) انتهى. وقوله ادعوا هذه الدعوة الصحيحة فقط غلط يقيناً، لأن المعلمين القدماء كما ادعوا هذه الدعوى ادعوا أن اليهود حرفوا الكتب تحريفاً لفظياً كما عرفت في الباب الثاني. لكني أقطع النظر عن هذا وأقول: كما أن تأويلات اليهود في الآيات المذكورة مردودة غير صحيحة وغير لائقة عند المسيحيين، كذلك تأويلات المسيحيين في الإخبارات التي هي في حق محمد صلى الله عليه وسلم مردودة غير مقبولة عندنا. وسترى أن الإخبارات التي ننقلها في حق محمد صلى الله عليه وسلم أظهر صدقاً من الإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه السلام. فلا بأس علينا إن لم نلتفت إلى تأويلاتهم الفاسدة. وكما أن اليهود ادعوا في حق بعض الاختبارات التي هي في حق عيسى عليه السلام على زعم المسيحيين أنها في حق مسيحهم المنتظر أو في حق غيره أو ليست في حق أحد، والمسيحيون يدعون أنها في حق عيسى عليه السلام ولا يبالون بمخالفتهم. فهكذا نحن لا نبالي بمخالفة المسيحيين في حق بعض الإخبارات التي هي في حق محمد صلى الله عليه وسلم ولو قالوا إنها في حق عيسى عليه السلام. فادعاؤنا أحق من ادعائهم...

 

          الأمر السادس: أن أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالباً الأسماء في تراجمهم ويوردون بدلها معانيها، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد وأنهم يزيدون تارة شيئاً بطريق التفسير في الكلام الذي هو كلام الله في زعمهم، ولا يشيرون إلى الامتياز، وهذا الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور الكثيرة.

 

          وإذا عرفت هذه الأمور الستة أقول: إن الإخبارات الواقعة في حق محمد صلى الله عليه وسلم توجد كثيرة إلى الآن أيضاً، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب ومن عرف أولاً طريق إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر على ما عرف في الأمرالثاني جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. وأنقل في هذا المسلك عن الكتب المعتبرة عند علماء بروتستنت ثماني عشرة بشارة[5].

 

          البشارة الأولى: ( في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء هكذا: 17 فقال الرب لي نعم جميع ما قالوا 18. وسوف أقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ويكلمهم بكل شيء آمره به 19 – ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك 20 – فأما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره به أن يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل 21 – فإن أحببت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميز الكلام الذي لم يتكلم به الرب فهذه تكون لك آية: إن ما قاله ذلك النبي في اسم الرب ولم يحدث فالرب ما تكلم به بل ذلك النبي صورة في تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه ). وهذه البشارة ليست بشارة يوشع عليه السلام كما يزعم الآن أحبار اليهود ولا بشارة عيسى عليه السلام كما زعم علماء بروتستنت بل هي بشارة محمد صلى الله عليه وسلم لعشرة أوجه.

 

          الوجه الأول: قد عرفت في الأمر الثالث أن اليهود المعاصرين لعيسى عليه السلام كانوا ينتظرون نبياً آخر مبشراً به في هذا الباب، وكان هذا المبشر به عندهم غير المسيح، فلا يكون هذا المبشر به يوشع ولا عيسى عليهما السلام.

 

          الوجه الثاني: أنه وقع في هذه البشارة لفظ مثلك، ويوشع وعيسى عليهما السلام لا يصح أن يكونا مثل موسى أما أولاً فلأنهما من بني إسرائيل ولا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى كما تدل عليه الآية العاشرة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء وهي هكذا: ( ولم يقم بعد ذلك في بني إسرائيل مثل موسى يوفه الرب وجهاً لوجه ) فإن قام أحد مثل موسى بعده من بني إسرائيل يلزم تكذيب هذا القول..

 

          الوجه الثالث: أنه وقع في هذه البشارة لفظ من بين إخوتهم ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى عليه السلام حاضرين عنده، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم قال منهم لا من بين إخوتهم، لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبية والبطنية ببني إسرائيل º كما جاء لفظ الإخوة بهذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله هاجر في حق إسماعيل عليه السلام في الآية الثانية عشر من الباب السادس عشر من سفر التكوين وعبارتها في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844 هكذا ( وقبالة جميع إخوته ينصب المضارب ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 هكذا ( بحضرة جميع إخوته يسكن ) وجاء بهذا الاستعمال أيضاً في الآية الثامنة عشر من الباب الخامس والعشرين من سفر التكوين في حق إسماعيل في الترجمة العربية المطبوع سنة 1844 هكذا ( منتهى إخوته جميعهم سكن ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 هكذا ( أقام بحضرة جميع أخوته ) والمراد بالأخوة ههنا بنو عيسو وإسحاق وغيرهم من أبناء إبراهيم عليه السلام. وفي الباب الثاني من سفر الاستثناء هكذا. ( وقال لي الرب 4 ثم أوص الشعب أنكم ستجوزون في تخوم إخوتكم بني عيسو والذين في ساعير وسيخشونكم فلما جزنا إخوتنا بني عيسو الذين يسكنون ساعير إلخ ) والمراد بإخوة بني إسرائيل بنو عيسى ولا شك أن استعمال لفظ إخوة بني إسرائيل في بعض منهم كما جاء في بعض المواضع من التوراة استعمال مجازي ولا تترك الحقيقة ولا يصار إلى المجاز ما لم يمنع عن الحمل على المعنى الحقيقي مانع قوي. ويوشع وعيشى عليهما السلام كانا من بني إسرائيل فلا تصدق هذه البشارة عليهما.

 

          الوجه الرابع: أنه وقع في هذه البشارة لفظ” سوف أقيم” ويوشع عليه السلام كان حاضراً عند موسى داخلاً في بني إسرائيل نبياً في هذا الوقت فكيف يصدق عليه هذا اللفظ.

 

          الوجه الخامس: أنه وقع في هذه البشارة لفظ ( أجعل كلامي في فمه ) وهو إشارة إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب، وإلى أنه يكون أمياً حافظاً للكلام، وهذا لا يصدق على يوشع عليه السلام لانتفاء كلا الأمرين فيه.

 

          الوجه السادس: أنه وقع في هذه البشارة ( ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به فأنا أكون المنتقم من ذلك ) فهذا الأمر لما ذكر لتعظيم هذا النبي المبشر به فلا بد أن يمتاز ذلك المبشر بهذا الأمر عن غيره من الأنبياء فلا يجوز أن يراد بالانتقام من المنكر العذاب الأخروي الكائن في جهنم أو المحن والعقوبات الدنيوية التي تلحق المنكرين من الغيب، لأن هذا الانتقام لا يختص بإنكار نبي دون نبي بل يعم الجميع فحينئذ يراد بالانتقام الانتقام التشريعي، فظهر منه أن هذا النبي يكون مأموراً من جانب الله بالانتقام من منكره ولا يصدق على عيسى عليه السلام لأن شريعته خالية من أحكام الحدود والقصاص والتعزير والجهاد.

 

          الوجه السابع: في الباب الثالث من كتاب الأعمال في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844 هكذا: ( 19 فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم 30 – حتى إذا تأتي أزمنة الراحة من قدام وجه الرب ويرسل المنادي به لكم وهو يسوع المسيح 21 – الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر 22 – أن موسى قال إن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً من إخواتكم مثلي له تسمعون في كل ما يكلمكم به – 23 – ويكون كل نفس لا تسمع ذلك النبي تهلك من الشعب ). فهذه العبارة سيما بحسب التراجم الفارسية تدل على صراحة أن هذا النبي غير المسيح عليه السلام وأن المسيح لا بد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبي ومن ترك التعصب الباطل من المسيحيين وتأمل في عبارة بطرس ظهر له أن هذا القول من بطرس يكفي لإبطال ادعاء علماء بروتستنت. إن هذه البشارة في حق عيسى عليه السلام وهذه الوجوه السبعة التي ذكرتها تصدق في حق محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه لأنه غير المسيح عليه السلام ويماثل موسى عليه السلام في أمور كثيرة 1 – كونه عبد الله ورسوله 2 – كونه ذا الوالدين 3 – كونه ذا نكاح وأولاد 4 – كون شريعته مشتملة على السياسات المدنية 5 – كونه مأموراً بالجهاد 6 – اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته 7 – وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته 8 – اشتراط طهارة الثوب من البول والبراز 9 – حرمة غير المذبوح وقرابينالأوثان 10 – كون شريعته مشتملة على العبادات البدنية والرياضات الجسمانية 11 – أمره بحد الزنا 12 – تعيين الحدود والتعزيرات والقصاص 13 – كونه قادراً على إجرائها 14 – تحريم الربا 15 – أمره بإنكار من يدعو إلى غير الله 16 – أمره بالتوحيد الخالص 17 – أمره الأمة بأن يقولوا له عبد الله ورسوله لا ابن الله أو الله والعياذ بالله 18 – موته على الفراش 19 – كونه مدفوناً كموسى 20 – وعدم كونه ملعوناً لأجل أمته. وهكذا أمور أخر تظهر إذا تؤمل في شريعتهما ولذلك قال الله تعالى في كلامه المجيد: {إöنَّآ أَرْسَلْنَآ إöلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهöداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إöلَىٰ فöرْعَوْنَ رَسُولاً} ( المزمل: 15 ) وكان من إخوة بني إسرائيل لأنه من بني إسماعيل وأنزل عليه الكتاب وكن أُمياً جعل كلام الله في فمه وكان ينطق بالوحي كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطöقُ عَنö ٱلْهَوَىٰ * إöنْ هُوَ إöلاَّ وَحْيñ يُوحَىٰ} ( النجم 3، 4 ) وكان مأموراً بالجهاد وقد انتقم الله لأجله من صناديد قريش والأكاسرة والقياصرة وغيرهم وهر قبل نزول المسيح...

 

          الوجه الثامن: أنه صرح في هذه البشارة بأن النبي الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره يقتل، فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً لكان يقتل، وقد قال الله في القرآن المجيد أيضاً {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوöيلö * لأَخَذْنَا مöنْهُ بöٱلْيَمöينö * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مöنْهُ ٱلْوَتöينَ} ( الحاقة 44 – 46 ). وما قتل بل قال الله في حقه {وَٱللَّهُ يَعْصöمُكَ مöنَ ٱلنَّاسö} ( المائدة: 67 ).

 

          الوجه التاسع: أن الله بين علامة النبي الكاذب أن إخباره عن الغيب المستقبل لا يخرج صادقاً. ومحمد صلى الله عليه وسلم أخبر عن الأمور الكثيرة المستقبلية كما علمت.. وظهر صدقه فيها، فيكون نبياً صادقاً لا كاذباً.

 

          الوجه العاشر: أن علماء اليهود سلموا كونه مبشراً به في التوراة ولكن بعضهم أسلم وبعضهم بقي في الكفر...

 

          البشارة الثانية: الآية الحادية والعشرون من الباب الثاني والثلاثين من سفر الاستثناء هكذا: ( هم أغاروني بغير إله وأغضبوني بمعبوداتهم الباطل وأنا أيضاً أغيرهم بغير شعب º وبشعب جاهل أغضبهم ). والمراد بشعب جاهل العرب، لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال وما كان عندهم علم لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا محقرين عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر الجارية، فمقصود الآية أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة، فأغيرهم باصطفاء الذين هم عندهم محقرون وجاهلون فأوفى بما وعد، فبعث من العرب النبي صلى الله عليه وسلم فهداهم إلى الصراط المستقيم كما قال الله تعالى في سورة الجمعة: {هُوَ ٱلَّذöي بَعَثَ فöي ٱلأُمّöيّöينَ رَسُولاً مّöنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهöمْ آيَاتöهö وَيُزَكّöيهöمْ وَيُعَلّöمُهُمُ ٱلْكöتَابَ وَٱلْحöكْمَةَ وَإöن كَانُواْ مöن قَبْلُ لَفöي ضَلاَلٍ مُّبöينٍ} ( الجمعة: 2 ) وليس المراد بالشعب الجاهل اليونانيين كما يفهم من ظاهر كلام مقدسهم بولس في الباب العاشر من الرسالة الرومية لأن اليونانيين قبل ظهور عيسى عليه السلام بأزيد من ثلثمائة سنة كانوا فائقين على أهل العالم كلهم في العلوم والفنون، وكان جميع الحكماء المشهورين مثل سقراط وبقراط وفيثاغورث وافلاطون وأرسطاطاليس وأرشمديس وبليناس وإقليدس وجالينوس وغيرهم الذين كانوا أئمة الرياضيات والطبيعيات وفروعها قبل عيسى عليه السلام، وكان اليونانيون في عهده على غاية درجة الكمال في فنونهم وكانا واقفين على أحكام التوراة وقصصها وسائر كتب العهد العتيق أيضاً بواسطة ترجمة سبتوجنت التي ظهرت باللسان اليوناني قبل المسيح بمقدار مائتين وست وثمانين سنة، لكنهم ما كانوا معتقدين للملة الموسوية وكانوا متفحصين عن الأشياء الحكمية الجديدة..

 

          البشارة الثالثة: في الباب الثالث والثلاثين من سفر الاستثناء في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844 هكذا ( وقال جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار ) فمجيئه من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى عليه السلام، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى عليه السلام، واستعلائه من جبل فاران إنزاله القرآن لأن فاران جبل من جبال مكة، في الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل عليه السلام هكذا 20 – ( وكان الله معه ونما وسكن في البرية وصار شاباً يرمي بالسهام 21 – وسكن برية فاران ) ولا شك أن إسماعيل عليه السلام كان سكونته بمكة ولا يصح أن يراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير ومن فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع لأن الله لو خلق ناراً في موضع لا يقال جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا اتبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة أو ما أشبه ذلك وقد اعترفوا أن الوحي اتبع تلك في طور سيناء فكذا لا بد أن يكون في ساعير وفاران.

 

          البشارة الرابعة: في الآية العشرين من الباب السابع عشر من سفر التكوين وعد الله في حق إسماعيل عليه السلام لإبراهيم عليه السلام في الترجمة المطبوعة سنة 1844 هكذا ( وعلى إسماعيل استجيب لك هوذا أباركه وأكبّره وأكثره جداً فسيلد اثني عشر رئيساً وأجعله لشعب كبير ). وقوله أجعله لشعب كبير يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره º  وقد قال الله تعالى ناقلاً دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه – عليهم السلام – في كلامه المجيد أيضاً: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فöيهöمْ رَسُولاً مّöنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهöمْ آيَاتöكَ وَيُعَلّöمُهُمُ ٱلْكöتَابَ وَٱلْحöكْمَةَ وَيُزَكّöيهöمْ إöنَّكَ أَنتَ ٱلعَزöيزُ ٱلحَكöيمُ} البقرة: 129.

 

          البشارة الخامسة: الآية العاشرة من الباب التاسع والأربعين من سفر التكوين هكذا كما في الترجمة العربية سنة 1722 وسنة 1831 وسنة 1844 -.

 

          ( فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من تحت فخذه حتى يجيء الذي هو له وإليه تجتمع الشعوب ).

 

          “ يذكر المؤلف هنا كلاماً طويلاً محتواه أن القضيب هنا لا يفسر إلا بالنبوة ويفند كل تفسير آخر مستشهداً بالتاريخ والوقائع المذكورة في كتب اليهود والنصارى أنفسهم ومقتضى كلامه أن الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم لا بد أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام ولا يصح أن يفسر به غيره لأنه لو فسرنا أن المقصود بذلك المسيح لكان فهمنا متناقضاً مع النص إذ المسيح من آل إسرائيل ومن ذريته والكلام هنا عن نبوة تخرج عن ذرية إسرائيل تجتمع إليه الشعوب من غيرهم وليس ذلك لغير محمد عليه الصلاة والسلام”.

 

          البشارة السادسة: في الزبور الخامس والأربعين هكذا:

          ( فاض قلبي كلمة صالحة أنا أقول أعمالي للملك (1) لساني قلم كاتب سريع الكتابة (2) بهي في الحسن أفضل من بني البشر (3) انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الدهر (4) تقلد سيفك على فخذك أيها القوي بحسنك وجمالك (5) إستلّه وانجح واملك من أجل الحق والدعة والصدق وتهديك بالعجب يمينك (6) نبلك مسنونة أيها القوي في قلب أعداء الملك الشعوب تحتك يسقطون (7) كرسيك يا الله إلى دهر الداهرين عصا الاستقامة عصا ملكك (8) أحببت البر وأبغضت الإثم لذلك مسحك الله إلهك بدهن الفرح أفضل من أصحابك (9) المر والميعة والسليخة من ثيابك من منازلك الشريفة العاج التي أبهجتك (10) بنات الملوك في كرامتك قامت الملكة من عن يمينك مشتملة بثوب ذهب موشى (11) اسمعي يا نت وانظري وأنصتي بأذنيك شعبك وبنت أبيك (12) فيشتهي الملك حسنك لأنه هو الرب إلهك وله تسجدين (13) بنات صور يأتينك بالهدايا لوجهك يصلي كل أغنياء البشر (14) كل مجد ابنة الملك من داخل مشتملة بلباس الذهب الموشى (15) يبلغن إلى الملك عذارى في أثرها قريباتها إليك يقدمن (16) يبلغن بفرح وابتهاج يدخلن إلى هيكل الملك (17) ويكون بنوك عوضاً من آبائك وتقيمهم رؤساء على سائر الأرض (18) سأذكر اسمك في كل جيل وجيل من أجل ذلك تعترف لك الشعوب إلى الدهر وإلى الدهر الداهرين ) ا هِ. وهذا الأمر مسلم عند أهل الكتاب أن داود عليه السلام يبشر في هذا الزبور بنبي يكون ظهوره بعد زمانه ولم يظهر إلى هذا الحين عند اليهود نبي يكون موصوفاً بالصفات المذكورة في هذا الزبور ويدعي علماء بروتستنت أن هذا النبي عيسى عليه السلام ويدعي أهل الإسلام سلفاً وخلفاً أن هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأقول إنه ذكر في هذا الزبور من صفات النبي المبشر به هذه الصفات 1 – كونه حسناً 2 – كونه أفضل البشر 3 – كون النعمة منسكبة على شفتيه 4 – كونه مباركاً إلى الدهر 5 – كونه متقلداً بالسيف 6 – كونه قوياً 7 – كونه ذا حق ودعة وصدق 8 – كونه هداية يمينه بالعجب 9 – كون نبله مسنونة 10 – سقوط الشعب تحته 11 – كونه محباً للبر ومبغضاً للإثم 12 – خدمة بنات الملوك إياه 13 – إتيان الهدايا إليه 14 – انقياد كل أغنياء الشعب له 15 – كون أبنائه رؤساء الأرض بدل آبائهم 16 – كون اسمه مذكوراً جيلاً بعد جيل 17 – مدح الشعوب إياه إلى دهر الداهرين. وهذه الأوصاف كلها توجد في محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه. أما الأول فلأن أبا هريرة رضي الله عنه قال: ( ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه ). وعن أم معبد رضي الله عنها قالت في بعض ما وصفته به: ( أجمل الناس من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب ) وأما الثاني فلأن الله تعالى قال في كلامه المحكم {تöلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} البقرة: 253. وقال أهل التفسير أراد بقوله {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} محمداً صلى الله عليه وسلم أي رفعه على سائر الأنبياء من وجوه متعددة وقد أشبع الكلام في تفسير هذه الآية الإمام الهمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير. وقال صلى الله عليه وسلم:” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر” أي لا أقول ذلك فخراً لنفسي بل تحدثاً بنعمة ربي. وأما الثالث فغير محتاج إلى البيان، حتى أقر بفصاحته الموافق والمخالف، وقال الرواة في وصف كلامه إنه كان أصدق الناس لهجة فكان من الفصاحة بالمحل الأفضل والموضع الأكمل. وأما الرابع فلأن الله تعالى قال {إöنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئöكَِتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبöيّö} وألوف ألوف من الناس يصلون عليه في الصلوات الخمس. وأما الخامس فظاهر وقد قال هو بنفسه أنا رسول الله بالسيف. وأما السادس فكانت قوته الجسمانية على الكمال. وأما شجاعته فقد قال ابن عمر رضي الله عنهما ( ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقال علي كرم الله وجهه ( وإنا كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً ). وأما السابع فلأن الأمانة والصدق من الصفات الجليلة له صلى الله عليه وسلم كما قال النضر بن الحارث لقريش: ( قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم إنه ساحر لا والله ما هو بساحر ) وسأل هرقل عن حال النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان فقال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قال:لا. وأما الثامن فلأنه رمى يوم بدر وكذا يوم حنين وجوه الكفار بقبضة فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا وتمكن المسلمون منهم قتلاً وأسراً فأمثال هذه من عجيب هداية يمينه. وأما التاسع فلأن كون أولاد إسماعيل أصحاب النبل في سالف الزمان غير محتاج إلى البيان وكان هذا الأمر مرغوباً له وكان يقول:” ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا يعجز أحكم أن يلهو بأسهمه” ويقول:” ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً” ويقول عليه الصلاة والسلام:” من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا”. وأما العاشر فلأن الناس دخلوا أفواجاً أفواجاً في دين الله في مدة حياته. وأما الحادي عشر فمشهور يعترف به المعاندون أيضاً كما عرفت في المسلك الثاني. وأما الثاني عشر فقد صارت بنات الملوك والأمراء خادمة للمسلمين في الطبقة الأولى ومنها شهريانو بنت يزدجر كسرى فارس كانت تحت الإمام الهمام الحسين رضي الله عنه. وأما الثالث عشر والرابع عشر فلأن النجاشي ملك الحبشة ومنذر بن ساوى ملك البحرين وملك عمان انقادوا وأسلموا º وهرقل قيصر الروم أرسل إليه بهدية والمقوقوس ملك القبط أرسل إليه ثلاث جواري وغلاماً أسوداً وبغلة شهباء وحماراً أشهب وفرساً وثياباً وغيرها. وأما الخامس عشر فقد وصل من أبناء الإمام الحسن رضي الله عنه إلى الخلافة في أقاليم مختلفة من الحجاز واليمن ومصر والمغرب والشام وفارس والهند وغيرها...

 

          أما السادس عشر والسابع عشر فلأنه ينادي ألوف أولف، جيلاً بعد جيل في الأوقات الخمسة بصوت رفيع في أقاليم مختلفة” أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله” ويصلي عليه في الأوقات المذكورة غير المحصورة من المصلين والقراء يحفظون منشوره والمفسرون يفسرون معاني فرقانه , والوعاظ يبلغون وعظه. والعلماء والسلاطين يصلون إلى خدمته ويسلمون عليه من وراء الباب ( أي باب قبره عليه الصلاة والسلام ).

 

          البشارة السابعة: وهي موجودة في الزبور المائة والتاسع والأربعين” لأن الرب يسر بشعبه ويشرّف المتواضعين بالخلاص، تفتخر الأبرار بالمجد ويبتهجون على مضاجعهم ترفيع الله في حلوقهم وسيوف ذات فمين في أياديهم، ليصنعوا انتقاماً في الأمم، وتوبيخات في الشعوب، ليقيدوا ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بأغلال من حديد، ليضعوا بها حكماً محكتوماً هذا المجد يكون لجميع الأبرار”... ( لم تتحقق هذه البشارة إلا بالمسلمين الذين فعلوا هذا باسم الله ولله ) وهذه هي:

 

          البشارة الثامنة: في الباب الثاني والأربعين من كتاب أشعيا هكذا:

 

          9 ( التي كانت أولاها قد أتت وأنا مخبرا أيضاً بأحداث قبل أن تحدث وأسمعكم إياها ).

 

          10 ( سبحوا للرب تسبيحة جديدة حمده من أقاصي الأرض راكبين في البحر وملؤه الجزائر وسكانهن ).

 

          11 ( يرتفع البرية ومدتها في البيوت نحل قيدار سبحوا يا سكان الكهف من رؤوس الجبال يصيحون ).

 

          12 ( يجعلون للرب كرامة، وحمده يخبرون به في الجزائر ).

 

          13 ( الرب كجبار يخرج مثل رجل مقاتل يهوّش الغيرة ويصوت ويصيح على أعدائه يتقوى ).

 

          14 ( سكت دائماً صمت صبرت صبراً فأتكلم مثل الطائفة ما بدد وابتلع معاً ).

 

          15 ( أخرب الجبال والآكام وكل نباتهن أجفف وأجعل الأنهار جزائر والبحيرات أجففهن ).

 

          16 ( وأقيد العمي في طريق لم يعرفوها والسبل لم يعلموا أسيرهم فيها أُصير أمامهم الظلمة نوراً والعقب سهلاً هذا الكلام صنعته لهم ولا أخذلهم ).

 

          17 ( اندبورا إلى ورائهم والمتكلمون على المنحوتة القائلون للمسبوكة إنكم آلهتنا ليخزون خزياً ) وظهر من الآية التاسعة أن أشعيا عليه السلام أخبر أولاً عن بعض الأشياء ثم يخبر عن الأخبار الجديدة الآتية في المستقبل فالحال الذي يخبر عنه من هذه الآية إلى آخر الباب غير الحال الذي أخبر عنه قبلها ولذلك قال في الآية الثالثة والعشرين هكذا ( من هو بينكم إن يسمع هذا يصغى ويسمع الآية ) والتسبيحة الجديدة عبارة عن العبادة على النهج الجديد التي هي في الشريعة المحمدية وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر وأهل المدن والبراري، إشارة إلى عموم نبوته صلى الله عليه وسلم ولفظ قيدار أقوى إشارة إليه لأن محمدا صلى الله عليه وسلم في أولاد قيدار بن إسماعيل. وقوله من رؤوس الجبال يصيحون إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدي في أيام الحج يصيح ألوف ألوف من الناس لبيك اللهم لبيك.وقوله حمده – يخبرون به في الجزائر إشارة إلى الأذان يخبر به ألوف ألوف في أقطار العالم في الأوقات الخمسة بالجهر. وقوله ( الرب كجبار يخرج مثل رجل مقاتل يهوّش الغيرة ) يشير إلى مضمون الجهاد إشارة حسنة بأن جهاده وجهاد تابعيه يكون لله وبأمره خالياً عن حظوظ الهوى النفسانية ولذلك عبّر الله عن خروج هذا النبي وخروج تابعيه بخروجه وبيّن في الآية الرابعة عشر سبب مشروعية الجهاد وأشار في الآية السادسة عشر إلى حال العرب لأنهم كانوا غير واقفين على أحكام الله وكانوا يعبدون الأصنام، وكانوا مبتلين بأنواع الرسوم القبيحة الجاهلية كما قال الله تعالى في حقهم {وَإöن كَانُواْ مöن قَبْلُ لَفöي ضَلاَلٍ مُّبöينٍ} وقوله ( لا أخذ لهم ) إشارة إلى كون أمته مرحومة {غَيْرö ٱلْمَغْضُوبö عَلَيْهöم وَلاَ ٱلضَّآلّöينَ} وإلى تأييد شريعته. وقوله ( والمتوكلون على المنحوتة القائلون للمسبوة إنكم آلهتنا ليخزون خزياً ) وعد بأن عبادي الأصنام والأوثان كمشركي العرب وعابدي الصليب وصور القديسين يحصل لهم الخزي والهزيمة التامة، ووفى بما وعد فإن مشركي العرب وهرقل عظيم الروم وكسرى فارس ما قصّروا في إطفاء النور الأحمدي لكنهم ما حصل لهم سوى الخزي التام وعاقبة الأمر لم يبق أثر الشرك في إقليم العرب وزالت دولة كسرى مطلقاً وزالت حكومة أهل الصيب من الشام مطلقاً، وأما في الأقاليم الأخر فمن بعضها انمحى أثره مطلقاً كبخارى وكابل وغيرهما ومن بعضها قل كالهند والسند وغيرهما وانتشر التوحيد شرقاً وغرباً.

 

          البشارة التاسعة: في الباب الرابع والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: 1 ( سبحي أيتها العاقر التي لست تلدين، أنشدي بالحمد، وهللي التي لم تلدي من أجل أن الكثيرين من بني الوحشة أفضل من بني ذات رجل يقول الرب )، 2 ( أوسعي موضع خيمتك وسرادق مضاربك ابسطي شقق مساكنك طولي حباك ثبتي أوتادك ) 3 ( لأنك تنفيذين يمنة ويسرة زرعك يرث الأمم ويعمر المدن الخربة ) 4 ( لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين فإنك لا تستحين من أجل أنك خزي صبائك تنسين وعار ترملك لا تذكرين أيضاً ) 5 ( فإنه يتولى عليك الذي صنعك رب الجنود اسمه وفاديك قدوس إسرائيل إله جميع الأرض يدعى ) 6 ( إنما الرب دعاك مثل الامرأة المطلقة والحزينة الروح وزوجة منذ الصبا مرذولة قال إلهك ) 7 ( لساعة في قليل تركتك وبرحمة عظيمة أجمعك ) 8 ( في ساعة الغضب أخفيت قليلاً وجهي عنك وبالرحمة الأبدية رحمتك قال فاديك الرب ) 9 ( مثلما في أيام نوح لي هذا الذي حلفت له أن لا أصب مياه نوح على الأرض هكذا حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك ) 10 ( فإن الجبال ترتجف والتلال تزلزل ورحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك قال رحيمك الرب ) 11 ( فقيرة مستأصلة بعاصفة بلا تعزية ها أنذا أبلط بالرتبةحجارتك وأونسك بالسفير.

 

          12 (وأجعل شُرَفَكö ياقوتاً، وأبوابك حارة منقوشة وجميع حدود الأحجار مشتهية ) 13 ( جميع بنيك متعلمين من الرب وكثرة السلام لبنيك ) 14 ( وبالبر تؤسسين فابتعدي من الظلم لأنك لا تخافين ومن الهيبة لأنها لا تقرب منك ) 15 ( ها يأتي الجار الذي لم يكن معي والذي قد كان قريباً يقترب منك ) 16 ( ها أنا ذا خلقت صائغاً الذي ينفخ في النار جمراً ويخرج إناء لعمله وأنا خلقت قتولاً للإهلاك ) 17 ( كل إناء مجبول ضدك لا ينجح وكل لسان يخالفك في القضاء تحكمين عليه هذا هو ميراث عبيد الرب وعدلهم عندي يقول الرب ) اهِ: فأقول: أن المراد بالعاقر في الآية الأولى مكة المعظمة لأنها لم يظهر منها نبي بعد إسماعيل ولم ينزل فيها وحي، وهي بخلاف أورشليم لأنه ظهر فيها الأنبياء الكثيرون، وكثر فيها نزول الوحي، وبنو الوحشة عبارة عن أولاد هاجر لأنها كانت بمنزلة المطلقة المخرجة عن البيت ساكنة في البر ولذلك وقع في حق إسماعيل في وعد الله هاجر ( هذا سيكون إنساناً وحشياً ) كما هو مصرح به في الباب السادس عشر من سفر التكوين، وبنو ذات رجل عبارة عن أولاد سارة فخاطب مكة الله آمراً لها بالتسبيح والتهليل وإنشاد الشكر لأجل أن كثيرين من أولاد هاجر صاروا أفضل من أولاد سارة فحصلت الفضيلة لها بسبب حصول الفضيلة لأهلها، ووفى بما وعد بأن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولاً أفضل البشر خاتم النبيين من أهلها في أولاد هاجر. وهو المراد بالصائغ الذي ينفخ في النار جمراً، وهو القتول الذي خلق لإهلاك المشركين، وحصل لها السعة بواسطة هذا النبي، وما حصل لغيرها من المعابد في الدنيا إذ لا يوجد في الدنيا معبد مثل الكعبة من ظهور محمد صلى الله عليه وسلم إلى هذا الحين، والتعظيم الذي يحصل لها من القرابين فيك كل سنة من مدة ألف ومائتين وثمانين لم يحصل لبيت المقدس إلا مرتين في عهد سليمان عليه السلام لما فرغ من بنائه ومرة في السنة الثامنة عشر من سلطنة يوشيا، ويبقى هذا التعظيم لمكة إلى آخر الدهر إن شاء الله كما وعد الله بقوله، لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين لأنك لا تستحيين، وبقوله: برحمات عظيمة أجمعك وبالرحمة الأبدية رحمتك، وبقوله حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك، وبقوله رحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك، وملك زرعها شرقاً وغرباً، وورثوا الأمم وعبروا المدن في مدة قليلة لا تتجاوز اثنين وعشرين سنة من الهجرة، ومثل هذه الغلبة في مثل هذه المدة القليلة لم يسمع من عهد آدم عليه السلام إلى زمان محمد عليه الصلاة والسلام لمن يدعي الدين الجديد، وهذا مفاد قول الله: وزرعك يرث الأمم، ويعمر المدن الخربة. سلاطين الإسلام سلفاً وخلفاً اجتهدوا اجتهاداً تاماً في بناء الكعبة والمسجد الحرام وتزيينهما وحفر الآبار والبراك والعيون في مكة ونواحيها والغرباء يحبون مجاورتها من ظهور الإسلام إلى هذا الحين سيّما في هذا الزمان، وألوف من الناس يصلون إليها في كل سنة من أقاليم مختلفة، وديار بعيدة ووفى بما وعد بقوله:” كل إناء مجبول بضدك لا ينجح” لأن كل شخص من المخالف قام بضدها أذله الله كما وقع بأصحاب الفيل...

 

          البشارة العاشرة: في الباب الخامس والستين من كتاب أشعيا هكذا: 1 ( طلبني الذين لم يسألوني قبل ووجدني الذين لم يطلبوني قلت هاأنذا إلى الأمة الذين لم يدعوا باسمي ) 2 ( بسطت يدي طول النهار إلى شعب غير مؤمن الذي يسلك بطريق غير صالح وراء أفكارهم ) 3 ( الشعب الذي يغضبني أمام وجهي دائماً ). ( الذين يذبحون في البساتين ويذبحون على اللبن ) 4 ( الذين يسكنون في القبور في مساجد الأوثان يرقدون الذين يأكلون لحم الخنزير والمرق المنجس في آنيتهم ) 5 ( الذين يقولون ابعد عني لا تقترب مني لأنك نجس هؤلاء يكونون دخاناً في رجزي ناراً متقدة طوال النهار ) 6 ( ها مكتوب قدامي لا أسكت بل أرد وأكافي جزاء في حضهم ) فالمراد بالذين لم يسألوني والذين لم يطلبوني العرب لأنهم كانوا غير واقفين على ذات الله وصفاته وشرائعه فما كانوا سائلين عن الله وطالبين له كما قال الله تعالى في سورة آل عمران {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمöنöينَ إöذْ بَعَثَ فöيهöمْ رَسُولاً مّöنْ أَنْفُسöهöمْ يَتْلُواْ عَلَيْهöمْ آيَاتöهö وَيُزَكّöيهöمْ وَيُعَلّöمُهُمُ ٱلْكöتَابَ وَٱلْحöكْمَةَ وَإöن كَانُواْ مöن قَبْلُ لَفöي ضَلالٍ مُّبöينٍ} آل عمران: 164. ولا يجوز أن يراد بهم اليونانيون كما عرفت في البشارة الثانية والوصف المذكور في الآية الثانية والثالثة يصدق على كل واحد من اليهود والنصارى، والأوصاف المذكورة في الآية الرابعة ألصق بحال النصارى، كما أن الوصف المذكور في الخامسة ألصق بحال اليهود، فردّهم الباري واختار الأمة المحمدية.

 

          البشارة الحادية عشرة: في الباب الثاني من كتاب دانيال في حال الرؤيا التي رآها بختنتنصر ملك بابل ونسي ثم بين دانيال عليه السلام بحسب الوحي تلك الرؤيا وتفسيرها 31 ( فكنت أنت الملك ترى وإذ تمثال واحد جسيم وكان التمثال عظيماً ورفيع القامة واقفاً قبالك ومنظره مخوفاً ) 32 ( رأس هذا التمثال هو من ذهب إبريز والصدر والذراعان من فضة والبطن والفخذان من نحاس ) 33 ( والساقان من حديد والقدمان قسم منهما من حديد وقسم منهما من خزف ) 34 ( فكنت ترى هكذا حتى انقطع حجر من الجبل لا بيدين وضرب التمثال في قدميه من حديد ومن خزف فسحقهما ) 35 ( فانسحق حينئذ مع الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب وصارت كغبار البيدر في الصيف فذرتها الرياح ولم يوجد لها مكان والحجر الذي قد ضرب التمثال صار جبلاً عظيماً وملأ الأرض بأسرها ) 36 ( فهذا هو الحلم وتنبئ أيضاً قدامك يا أيها الملك بتفسيره ) 37 ( أنت هو ملك الملوك وإله السماء أعطاك الملك والقوة والسلطان والمجد ) 38 ( وجميع ما يسكن فيه بنو الناس ووحوش الحقل وأعطى بيدك طير السماء أيضاً وجعل جميع الأشياء تحت سلطانك فأنت هو الرأس من الذهب ) 39 ( وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك من فضة ومملكة ثالثة أخرى من نحاس وتتسلط على جميع الأرض ) 40 ( والمملكة الرابعة تكون مثل الحديد كما أن الحديد يسحق ويغلب الجميع هكذا هي تسحق وتكسر جميع هذه ) 41 ( أما فيما رأيت قسم القدمين وأصابعهما من الخزف الفاخوري وقسماً من حديد تكون المملكة مفترقة وإن كان يخرج من نصبة الحديد حسبما رأيت الحديد مختلطاً بالخزف من طين ) 42 ( وأصابع القدمين قسم من حديد وقسم من خزف فتكون المملكة بقسم صلبة وبقسم مسحوقة ) 43 ( فيما رأيت الحديد مختلطاً بالخزف من طين إنهم يختلطون بزرع بشري بل لا يتلاصقون مثل ما ليس بممكن أن يمتزج الحديد بالخزف ) 44 ( فأما في أيام تلك الممالك يبعث إله السماء مملكة وهي لن تنقضي قط ملكها لا يعطى لشعب آخر وهي تسحق وتفني جميع هذه الممالك أجمعين وهي تثبت إلى الأبد ) 45 ( وكما رأيت أن من جبل انقطع حجر لا بيدين وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب فالإله العظيم أظهر للملك ما سيأتي من بعد والحلم هو حقيقي وتفسيره صحيح ) ا هِ. فالمراد بالمملكة الأولى سلطنة بختنصر وبالمملكة الثانية سلطنة المادنين الذين تسلطوا بعد قتل بلشاصر بن بخنتنصر كما هو مصرح به في الباب الخامس من الكتاب المذكور وسلطنتهم كانت ضعيفة بالنسبة إلى سلطنة الكلدانيين والمراد بالمملكة الثالثة سلطنة الكيانيين لأن قورش ملك إيران الذي هو بزعم القسيسين كيخسر وتسلط على بابل قبل ميلاد المسيح بخمسائة وست وثلاثين سنة ولما كان الكيانيون على السلطة القاهرة فكأنهمكانوا متسلطين على جميع الأرض، والمراد بالمملكة الرابعة سلطنة اسكندر بن فيلفوس الرومي الذي تسلط على ديار فارس قبل ميلاد المسيح بثلاثمائة وثلاثين سنة، فهذا السلطان كان في القوة بمنزلة الحديد ثم جعل هذا السلطان سلطنة فارس منقسمة على طوائف الملوك فبقيت هذه السلطنة ضعيفة إلى ظهور الساسانيين ثم صارت قوية بعد ظهورهم فكانت ضعيفة تارة وقوية تارة وتولد في عهد أنوشيروان ( محمد بن عبد الله ) صلى الله عليه وسلم وأعطاه الله السطنة الظاهرية والباطنية وقد تسلط متبعوه في مدة قليلة شرقاً وغرباً وعلى جميع ديار فارس التي كانت هذه الرؤيا وتفسيرها متعلقين بها، فهذه هي السلطنة الأبدية التي لا تنقضي وملكها لا يعطى لشعب آخر...

 

          فهذا الحجر الذي انقطع لا بيدين من جبل وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب وصار جبلاً عظيماً وملأ الأرض بأسرها هو محمد صلى الله عليه وسلم.

 

          البشارة الثانية عشرة: نقل يهوذا الحواري في رسالته الخبر الذي تكلم به أخنوخ الرسول.. وأنا أنقل عبارته من الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844:

 

          ( الرب قد جاء في ربواته المقدسة ليدائن الجميع ويبكت جميع المنافقين على كل أعمال نفاقهم التي نافقوا فيها وعلى كل الكلام الصعب الذي تكلم به ضد الله الخطاة المنافقون )...

 

          فجاء محمد في ربواته المقدسة فدان الكفار وبكت المنافقين والخطاة على أعمال النفاق وعلى أقوالهم القبيحة في الله ورسله فبكّت المشركين لعدم تسليم توحيد الله ورسالة رسله مطلقاً وعبادتهم الأصنام والأوثان، وبكّتَ اليهود على تفريطهم في حق عيسى ومريم عليهما السلام، وبعض عقائدهم الواهية، وبكّتَ أهل التثليث مطلقاً على تفريطهم في توحيد الله وإفراطهم في حق عيسى عليه السلام، وبكت أكثرهم على عبادة الصليب والتماثيل وبعض عقائدهم الواهية.

 

          البشارات: الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة:

 

          ( ملاحظة: لقد تصرفنا هنا في كلامه فدمجنا البشارات الثلاث وصغناها صياغة مختصرة مع أنه ذكر كلا على انفراد وشرح كلا ولكنا رأينا أن الموضوع واحد فدمجنا رغبة في الاختصار ).

 

          في الباب الثالث عشر من إنجيل متى هكذا:

 

          31 ( قدم لهم مثلاً آخر قائلاً: يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله ) 32 ( وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتأوي في أغصانها ) ا هِ. وفي الباب العشرين من إنجيل متى هكذا.

 

          1 ( فإن ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت خرج من الصبح ليستأجر فعلة لركمه فاتفق في العملة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأي آخرين قياماً في السوق بطّالين فقال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم فمضوا وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قياماً بطّالين فقال لهم: لماذا وقفتم هنا كل النهار بطالين قالوا له: لأنه لم يستأجرنا أحد قال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأجرة مبتدئاً من الآخرين إلى الأولين فجاء أصحاب الساعة الحادية عشر وأخذوا ديناراً فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم أيضاً ديناراً ديناراً وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت قائلين هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا º نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر فأجاب وقال لواحد منهم: يا صاحب ما ظلمتك أما اتفقت معي على دينار فخذ الذ لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما يحلُ لي أن أفعل ما أريد بمالي أم عينك شريرة لأني أنا صالح، هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون ).

 

          ( وفي الباب الثالث من إنجيل متى:

 

          ( يشبه ملكوت السماوات إنساناً زرع زرعاً جيداً في حقله ).

 

          ( يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله ).

 

          ( يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع ).

 

          وفي الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا:

 

          ( لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ).

 

          وفي الباب الثالث من إنجيل متى هكذا:

 

          11 ( وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرّز في برية اليهودية قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ).

 

          وفي الباب الرابع من إنجيل متى هكذا:

 

          12 ( ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرّز ويقول: ( توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ).

 

          هذه النصوص كلها تشير إلى نبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

 

          فالمة البطّالة التي هي الأخيرة والأولى هي أمته.

 

          والأمة التي ورثت ملكوت الله وعملت أثماره هي أمته.

 

          وحبة الخردل التي هي أصغر البذور ثم أصبحت أكبر الشجر هي أمته وهكذا لا يمكن أن تفهم هذه النصوص فهماً مستقيماً إلا إذا طبقناها على محمد رسول الله وأمته.

 

          البشارة السادسة عشرة: في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا:

 

          33 ( اسمعوا مثلاً آخر: كان إنسان رب بيت غرس كرماً وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى كرامين وسافر ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين وسافر ليأخذ أثماره فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً ثم أرسل أيضاً عبيد آخرين أكثر من الأولين ففعلوا بهم كذلك، فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً يهابون ابني، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه )...

 

          40 ( فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين ) 41 ( قالوا له أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها ) 42 ( قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا ) 43 ( لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ) 44 ( ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه ) 45 ( ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم ) اهِ.

          أقول إن رب البيت كناية عن الله والكرم كناية عن الشريعة وإحاطته بسياج وحفر المعصرة فيه وبناء البرج كنايات عن بيان المحرمات والمباحات والأوامر والنواهي وإن الكرامين الطاغين كناية عن اليهود، وكما فهم رؤساء الكهنة والفريسيون أنه تكلم عليهم والعبيد المرسلين كناية عن الأنبياء عليهم السلام، والابن كناية عن عيسى عليه السلام، وقد قتله اليهود أيضاً في زعمهم، والحجر الذي رفضه البناؤون كناية عن محمد...

 

          وهذا هو الحجر الذي كل من سقط عليه ترضض وكل من سقط هو عليه سحقه، وأما ادعاء علماء المسيحية بزعمهم أن هذا الحجر عبارة عن عيسى عليه السلام فغير صحيح لوجوه:

 

          ( الأول ): أن داود عليه السلام قال في الزبور المائة والثامن عشر هكذا.

 

          22 ( الحجر الذي رذله البناؤون هو صار رأساً للزاوية ) 23 ( من قبل الرب كانت هذه وهي عجيبة في أعيننا ) فلو كان هذا الحجر عبارة عن عيسى عليه السلام وهو من اليهود من آل يهوذا من آل داود عليه السلام فأي عجب في أعين اليهود عموماً لكون عيسى رأس الزاوية سيما في عين داود عليه السلام خصوصاً لأن مزعوم المسيحيين أن داود عليه السلام يعظم عيسى عليه السلام في مزاميره تعظيماً بليغاً ويعتقد الألوهية في حقه، بخلاف آل إسماعيل لأن اليهود كانوا يحقرون أولاد إسماعيل غاية التحقير، وكان كون أحد منهم رأساً للزاوية عجيباً في أعينهم.

 

          ( والثاني ): أنه وقع في وسط هذا الحجر كل من سقط على هذا الحجر ترضيض وكل من سقط هو عليه سحقه ولا يصدق هذا الوصف على عيسى عليه السلام لأنه قال: ( وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن  فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم ) كما هو في الباب الثاني عشر من إنجيل يوحنا º وصدقه على محمد غير محتاج إلى البيان لأنه كان مأموراً بتنبيه الفجار الأشرار فإن سقطوا عليه ترضضوا وإن سقط هو عليهم سحقهم.

 

          ( والثالث ): قال النبي صلى الله عليه وسلم:” مَثَلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه وترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل” ولما ثبتت نبوته بالأدلة الأخرى كما ذكرت نُبَذاً منها في المسالك السابقة فلا بأس بأن أستدل في هذه البشارة بقوله أيضاً.

 

          ( والرابع ): أن المتبادر من كلام المسيح أن هذا الحجر غير الابن.

 

          البشارة السابعة عشرة: في الباب الثاني من المشاهدات هكذا:

 

          26 ( ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديد، كما تكسر آنية من خزف، كما أخذت أيضاً من عند أبي وأعطيه كوكب الصبح من له أذنان فليسمع ما يقول الروح بالكنائس ).

 

          ( ونصوغ بعض تحليله لهذه البشارة باختصار ).

 

          “ إن صاحب قضيب الحديد الذي يرعى به الأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اجتمع له سلطان الدين والدنيا ولخلفائه الراشدين ودول المسلمين”.

 

          “ والكنيسة المذكورة بأنها ستعطى له اسمها الأصلي ( ثياثرا ) كما قال القسيسان ويت ووليم اللذان ناظرا صاحب كتاب صولة الضيغم وهذه الكنيسة قريبة من القسطنطينية التي حكمها المسلمون من مئات السنين”.

 

          البشارة الثامنة عشرة: وهذه البشارة واقعة في آخر أبواب إنجيل يوحنا وأنا أنقل عن التراجم العربية المطبوعة سنة 1821 وسنة 1831 وسنة 1844 في بلدة لندن فأقول في الباب الرابع عشرة من إنجيل يوحنا هكذا:

 

          15 ( إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه لأنه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم ) 26 ( والفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي وهو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلته لكم ) 30 ( والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون )...

 

          وفي الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا هكذا: 7 ( لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم ) 8 ( فإذا جاء ذلك فهو يوبخ العالم على خطية وعلى بر وعلى حكم ) 9 ( أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي ) 10 ( وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد ) 11 ( وأما على الحكم فإن أركون هذا العالم قد دين ) 12 ( وأن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن ) 13 ( وإذا جاء روح الحق ذلك فهو يعلمكم جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي ) 14 ( وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم )..

 

          وأنا أقدم قبل بيان وجه الاستدلال بهذه العبارات أمرين:

 

          الأمر الأول: أنك قد عرفت في الأمر السابع أن أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عاداتهم أن يترجموا غالباً الأسماء وأن عيسى عليه السلام كان يتكلم باللسان العبراني لا باليوناني، فإذاً لا يبقى شك في أن الإنجيل الرابع ترجم اسم المبشر به باليوناني بحسب عادتهم، ثم مترجموا العربية عرّبوا اللفظ اليوناني بفارقليط وقد وصلت إلى رسالة صغيرة في لسان أردو من رسائل القسيسين في سنة ألف ومائتين وثمان وستين من الهجرة وكانت هذه الرسالة طبعت في كلكته وكانت في تحقيق لفظ فارقليط وادعى مؤلفها أن مقصوده أن ينبه المسلمين على سبب وقوعهم في الغلط من لفظ فارقليط وكان ملخص كلامه: إن هذا اللفظ معرب من اللفظ اليوناني فإن قلنا ( إن هذا اللفظ يوناني الأصل باراكلي طوس فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل، وإن قلنا إن اللفظ الأصل بيركلوطوس يكون قريباً من معنى محمد وأحمد، فمن استدل من علماء الإسلام بهذه البشارة فهم أن اللفظ الأصل بيركلوطوس ومعناه قريب من معنى محمد وأحمد فادعى أن عيسى عليه السلام أخبر بمحمد أو أحمد لكن الصحيح أنه باراكلي طوس، انتهى ملخصاً من كلامه فأقول: إن التفاوت بين اللفظين يسير جداً وإن الحروف اليونانية كانت متشابهة فتبدل بيركلوطوس بِ باركلي طوس في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس ثم رجع أهل التثليث المنكرين هذه النسخة على النسخ الآخر ومَن تأمل في الباب الثاني من هذا الكتاب والأمر السابع من هذا المسلك السادس بنظر الإنصاف، اعتقد يقيناً بأن مثل هذا الأمر من أهل الديانة من أهل التثليث ليس ببعيد بل لا يبعد أن يكون من المستحسنات والأمر الثاني أن البعض ادعوا قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم أنهم مصاديق لفظ فارقليط مثلاً منتنس المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد، وكان مرتاضاً شديداً واتقى عهده، ادعى في قرب سنة 177 من الميلاد في آسيا الصغرى الرسالة وقال إن هو الفارقليط الموعود به الذي وعد بمجيئه عيسى عليه السلام وتبعه أناس كثيرون، ذلك كما هو مذكور في بعض التواريخ، وذكر وليم ميور حاله وحال متبعيه في القسم الثاني من الباب الثالث من تاريخه بلسان أردو المطبوع سنة 1848 من الميلاد هكذا:

 

          ( أن البعض قالوا إنه ادعى أني فارقليط يعني المعزي روح القدس وهو كان أتقى ومرتاضاً شديداً ولأجل ذلك قبله الناس قبولاً زائداً ). انتهى كلامه.. فعلم أن انتظار فارقليط كان في القرون الأولى المسيحية أيضاً، ولذلك كان الناس يدعون أنهم مصاديقه وكان المسيحيون يقبلون دعاويهم وقال صاحب لب التواريخ:” إن اليهود والمسيحيين من معاصري محمد صلى الله عليه وسلم كانوا منتظرين لنبي فحصل لمحمد من هذا الأمر نفع عظيم لأنه ادعى أني هو ذاك المنتظر. انتهى ملخص كلامه”.

 

          فيعلم من كلامه أيضاً أن أهل الكتاب كانوا منتظرين لخروج نبي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحق لأن النجاشي ملك الحبشة لما وصل إليه كتاب محمد صلى الله عليه وسلم ( فقال أشهد بالله أنه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب ) وكتب في الجواب ( أشهد أنك رسول الله صادقاً ومصدقاً وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، ( أي جعفر بن أبي طالب ) وأسلمت على يديه لله رب العالمين ).

 

          وهذا النجاشي قبل الإسلام كان نصرانياً، وكتب المقوقس ملك القبط في جواب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم هكذا: ( لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك.

 

          أما بعد..

 

          “ فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت نبياً قد بقي وقد كت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك.

 

          والمقوقس هذا وإن لم يسلم لكنه أقر في كتابه أني قد علمت أن نبياً بقي وكان نصرانياً. فهذان الملكان ما كانا يخافان في ذلك الوقت من محمد صلى الله عليه وسلم لأجل شوكته الدنيوية º وجاء الجارود بن العلاء في قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” والله لقد جئتَ بالحق ونطقتَ بالصدق والذي بعثك بالحق نبياً لقد وجدت وصفك في الإنجيل وبشر بك ابن البتول فطول التحية لك والشكر لمن أكرمك لا أثر بعد عين ولا شك بعد يقين، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله ثم آمن قومه”.

 

          وهذا الجارود كان من علماء النصارى وقد أقر بأنه قد بشّر بك ابن البتول أي عيسى عليه السلام فظهر أن المسيحيين أيضاً كانوا منتظرين لخروج نبي بشّر به عيسى عليه السلام.

 

          فإذا علمت ذلك فأقول إن اللفظ العبراني الذي قاله عيسى عليه السلام مفقود واللفظ اليوناني الموجود ترجمة لكني أترك البحث عن الأصل، وأتكلم عن هذا اللفظ اليوناني وأقول: إن كان اللفظ اليوناني الأصل بيركلوطوس فالأمر ظاهر وتكون بشارة المسيح في حق محمد صلى الله عليه وسلم بلفظ قريب من محمد وأحمد وهذا وإن كان قريب القياس بلحاظ عاداتهم لكني أترك هذا الاحتمال لأنه لا يتم عليهم إلزاماً، وأقول إن كان اللفظ اليوناني الأصل باراكلي طوس كما يدعون فهذا لا ينافي الاستدلال أيضاً لأن معناه المعزي والمعين والوكيل على ما بين صاحب الرسالة أو الشافع كما يوجد في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 وهذه المعاني كلها تصدق على محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أبيّن الآن أولاً أن المراد بفارقليط النبي المبشر به أعني محمداً صلى الله عليه وسلم لا الروح النازل على تلاميذ عيسى عليه السلام يوم الدار الذي جاء ذكره في الباب الثاني من كتاب الأعمال وأذكر ثانياً شبهات العلماء المسيحية وأجيب عنها فأقول: أما الأول فيدل عليه أمور:

 

          (1) أن عيسى عليه السلام قال:” أولاً إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي”، ثم أخبر عن فارقليط، فمقصوده عليه السلام أن يعتقد السامعون بأن ما يلقى عليهم بعد ضروري واجب الرعاية، فلو كان فارقليط عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كانت الحاجة إلى هذه الفقرة لأنه ما كان مظنوناً أن يستبعد الحواريون نزول الروح عليهم مرة أخرى لأنهم كانوا مستفيضين به من قبل أيضاً، بل لا مجال للاستبعاد أيضاً لأنه إذا نزل على قلب أحد وحلّ فيه يظهر أثره لا محالة ظهوراً بيّناً، فلا يتصور إنكار المتأثر منه وليس ظهوره عندهم في صورة يكون فيه مظنة يكون الاستعباد فهو عبارة عن النبي المبشر به. فحقيقة الأمر أن المسيح عليه السلام لما علم بالتجربة وبنور النبوة أن الكثيرين من أمته ينكرون النبي المبشر به عند ظهوره فأكد أولاً بهذه الفقرة ثم أخبر عن مجيئه.

 

          (2) أن هذا الروح على زعمهم متحد بالأب مطلقاً وبالابن نظراً إلى لاهوته اتحاداً حقيقياً فلا يصدق في حقه ( فارقليط آخر ) بخلاف النبي المبشر به فإنه يصدق هذا القول في حقه بلا تكلف.

 

          (3) أن الوكالة والشفاعة من خواص النبوة لا من خواص هذا الروح المتحد بالله ( على زعمهم ) فلا يصدقان على الورح ويصدقان على النبي المبشر به بلا تكلف.

 

          (4) أن عيسى عليه السلام قال:” هو يذكركم كل ما قلته لكم” ولم يثبت من رسالة من رسائل العهد الجديد أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى عليه السلام وهذا الروح النازل يوم الدار ذكّرهم إياه.

 

          (5) أن عيسى عليه السلام قال:” والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون”. وهذا يدل على أن المراد به ليس الروح لأنك قد عرفت في الأمر الأول أنه ما كان عدم الإيمان مظنوناً بهم وقت نزوله بل لا مجال للاستبعاد أيضاً فلا حاجة إلى هذا القول، فلو أردنا به النبي المبشر به يكون هذا الكلام في محله وفي غاية الاستحسان لأجل التأكيد مرة ثانية.

 

          (6) أن عيسى عليه السلام قال:” هو يشهد لأجلي” وهذا الروح ما شهد لأجله بين يدي أحد لأن تلاميذه الذين نزل عليهم ما كانوا محتاجين إلى الشهادة لأنهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة قبل نزوله أيضاً فلا فائدة للشهادة بين أيديهم والمنكرون الذين كانوا محتاجين للشهادة فهذا الروح ما شهد بين أيديهم، بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه شهد لأجل المسيح عليه السلام وصدّقه وبرّأه عن ادعاء الألوهية الذي هو أشد أنواع الكفر والضلال وبرأ أمه عن تهمة الزنا وجاء ذكر براءتهما في القرآن في مواضع متعددة وفي الأحاديث في مواضع غير محصورة.

 

          (7) أن عيسى عليه السلام قال:” وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 هكذا ( وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم كنتم معي من الابتداء ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1860 هكذا: ( وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء ). فيوجد في هذه التراجم الثلاث لفظ أيضاً وكذا يوجد في التراجم الفارسية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1828 وسنة 1841 وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة 1814 ترجمة لفظ أيضاً فلفظ أيضاً سقط من التراجم التي نقلت عنها عبارة يوحنا سهواً وقصداً، فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة فارقليط، فلو كان المراد به الروح النازل يوم الدار فلا توجد مغايرة الشهادتين لأن الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها. فلا يصح هذا القول بخلاف ما إذا كان المراد به النبي المبشر به فإن شهادته غير شهادة الحواريين.

 

          (8) أن عيسى عليه السلام قال: ( إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم ).

 

          فعلق مجيئه بذهابه وهذا الروح عندهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية فنزوله ليس بمشروط بذهابه فلا يكون مراداً بفارقليط، بل المراد به شخص لم يستفض منه أحد من الحواريين قبل زمان صعوده وكان مجيئه موقوفاً على ذهاب عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان كذلك لأنه جاء بعد ذهاب عيسى عليه السلام وكان مجيئه موقوفاً على ذهاب عيسى عليه السلام لأن وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز بخلاف ما إذا كان الآخر متبعاً لشريعة الأول أ يكون كل من الرسل متبعاً لشريعة واحدة لأنه يجوز في هذه الصورة وجود اثنين أو أكثر في زمان واحد ومكان واحد كما ثبت وجودهم ما بين زمان موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام.

 

          (9) أن عيسى عليه السلام قال:” يوبخ العالم” فهذا القول بمنزلة النص الجلي لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه وبخ العالم سيما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى عليه السلام توبيخاً لا يشك فيه إلا معاند بحت، وبخلاف الروح النازل يوم الدار فإن توبيخه لا يصح على أصول أحد، وما كان التوبيخ منصب الحواريين بعد نزولة أيضاً لأنهم كانوا يدعون إلى الملة بالترغيب والوعظ وما قال رانكين في كتابه المسمى بدافع البهتان الذي هو بلسان أردو في رده على خلاصة صولة الضيغم” إن لفظ التوبيخ لا يوجد في الإنجيل ولا في ترجمة من تراجم الإنجيل، وهذا المستدل أورد هذا اللفظ ليصدق على محمد صدقاً بيناً لأجل أن محمداً صلى الله عليه وسلم وبخ وهدد كثيراً إلا أن مثل هذا التغليظ ليس من شأن المؤمنين والخائفين من الله”. انته كلامه º فمردود.

 

          وهذا القسيس إما جاهل غالط أو مغلط ليس له إيمان ولا خوف من الله لأن هذا اللفظ يوجد في التراجم العربية المذكورة التي نقلت عنها عبارة يوحنا ومن الترجمة العربية المطبوعة سنة 1860 هكذا:” ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية إلخ” وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1825 وفي التراجم الفارسية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1828 و 1841 يوجد لفظ الإلزام ولفظ التبكيت والإلزام أيضاً قريبان من التوبيخ لكن لا شكاية منه لأن مثل هذا الأمر من عادات علماء بروتستنت ولذلك ترى أن مترجمي الفارسية وأردو تركوا لفظ فارقليط لشهرته عند المسلمين في حق محمد صلى الله عليه وسلم ومترجم ترجمة أردو المطبوعة سنة 1839 فإن هؤلاء أسلافه أيضاً حيث أرجع إلى الورح ضمائر المؤنث ليحصل الاشتباه للعوام أن مصداق هذا للفظ مؤنث وليس بمذكر.

 

          (10) قال عيسى عليه السلام:” أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي” وهذا يدل على أن فارقليط يكون ظاهراً على منكري عيسى عليه السلام موبخاً لهم على عدم الإيمان به، والروح النازلة يوم الدار ما كان ظاهراً على الناس موبخاً لهم.

 

          (11) قال عيسى عليه السلام:” إن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن” وهذا ينافي إرادة الروح النازل يوم الدار لأنه ما زاد حكماً على أحكام عيسى عليه السلام لأنه على زعم أهل التثليث كان أمر الحواريين بعقيدة التثليث وبدعوة أهل العالم كله فأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله التي قال لهم زمان صعوده، نعم بعد نزول هذا الروح أسقطوا جميع أحكام التوراة التي هي ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج وحللوا جميع المحرمات وهذا الأمر لا يجوز في حقه أن يقال إنهم ما كانوا يستطيعون حمله لأنهم استطاعوا حمل سقوط حكم تعظيم السبت الذي هو أعظم أحكام التوراة الذي كان اليهود ينكرون كون عيسى عليه السلام مسيحاً موعوداً به لأجل عدم مراعاته هذا الحكم فقبول سقوط جميع الأحكام كان أهون عندهم، نعم قبول زيادة الأحكام لأجل ضعف الإيمان وضعف القوة إلى زمان صعوده كما يعترف به علماء بروتستنت كان خارجاً عن استطاعتهم فظهر أن المراد بفارقليط نبي تزاد في شريعته أحكام بالنسبة إلى الشريعة العيسوية ويثقل حملها على المكلفين الضعفاء وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

 

          (12) أن عيسى عليه السلام قال:” ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع” وهذا يدل على أن فارقليط يكون بحيث يكذبه بنو إسرائيل فاحتاج عيسى عليه السلام أن يقرر حال صدقه فقال هذاالقول ولا مجال لمظنة التكذيب في حق هذا الروح النازل يوم الدار على أن هذا الروح عندهم عين الله فلا معنى لقوله بل يتكلم بما يسمع فمصداقه محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان في حقه مظنة التكذيب، وليس هو عين الله وكان يتكلم بما يوحى إليه كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطöقُ عَنö ٱلْهَوَىٰ * إöنْ هُوَ إöلاَّ وَحْيñ يُوحَىٰ} النجم 3، 4. وقال {إöنْ أَتَّبöعُ إöلاَّ مَا يُوحَىٰ إöلَيَّ} الأحقاف: 9.

 

          (13) أن عيسى عليه السلام قال: إنه يأخذ مما هو لي وهذا لا يصدق على الروح لأنه عند أهل التثليث قديم وغير مخلوق وقادر مطلق ليس له كمال منتظر بل كل كمال من كمالاته حاصل له بالفعل، فلا بد أن يكون الموعود به من الجنس الذي يكون له كمال منتظر، ولما كان هذا الكلام موهماً أن يكون هذا النبي متبعاً لشريعته دفعه بقوله فيما بعد” جميع ما للأب فهو لي فلأجل هذا قلت مما هو لي يأخذ” يعني أن كل شيء يحصل لفارقليط من الله فكأنه يحصل مني كما اشتهر من كان لله كان الله له، فلأجل هذا قلت إن مما هو لي يأخذ.

 

          ( ثم ذكر الشيخ شبهات النصارى وما يمكن أن يقولوه وردّ عليها وختم بذلك البشارات ).

 

- 6 -

 

          وهناك كتاب ظهر في أوروبا وأحدث ضجّة وأخذاً وردّاً ثم كانت النتيجة أن رفضه العالم النصراني بلا مبرر. هذا الكتاب يسمّى” إنجيل برنابا” والكتاب أعطى قولاً فصلاً في المسائل الثلاث الأساسية وهي رسالة عيسى ورسالة محمد وعدم صلب المسيح.

 

          فهل هناك مبرر لرفض هذا الكتاب:

 

          1 – يذكر التاريخ أن الباب جيلاسيوس الأول الذي جلس على الأريكة البابوية سنة 492 ميلادية أي قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بحوالي قرن أصدر أمراً ينهى فيه عن مطالعة كتب معينة من جملتها كتاب اسمه إنجيل برنابا. إذن من المعروف تاريخياً أن هناك كتاباً اسمه إنجيل برنابا موجود قبل الإسلام.

 

          2 – وقد عثر لهذا الإنجيل على نسختين: إيطالية وإسبانية أما الإسبانية فقد أقرضها الدكتور ( هلم ) من هدلي بلدة من أعمال همبشير المستشرق سايل ثم تناولها بعد سايل الدكتور منكهوس أحد أعضاء الكلية الملكية في أكسفورد فنقلها إلى الإنكليزية ثم دفع الترجمة مع الأصل سنة 1784 إلى الدكتور هويت أحد مشاهير الأساتذة ثم بعد ذلك طمس خبرها وأمحى أثرها.

 

          وأما النسخة الإيطالية فموجودة في مكتبة بلاط فيينا وأوّل من عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا وكان مقيماً وقتئذ في أمستردام فأخذها سنة 1709 من مكتبة أحد مشاهير وجهاء المدينة المذكورة فأقرضها كريمر طولند ثم أهداها بعد ذلك بأربع سنين إلى البرنس أيوجين سافوي ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738 مع سائر مكتبة البرنس إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا حيث لا تزال هنالك. وإذن هذا الكتاب في ورده وصدره أوروبي.

 

          3 – إنه لم يعرف بتاتاً عند المسلمين أن هناك كتاباً اسمه إنجيل برنابا قبل ظهوره في أوروبا ولو أن للمسلمين يداً في صنع هذا الإنجيل لذكروه وحاولوا نشره وكان مشهوراً.

 

          4 – يذكر سايل أنه مذكور في النسخة الإسبانية المفقودة أنها مترجمة عن النسخة الإيطالية، وفيها مقدمة عن الراهب الذي اكتشف النسخة الإيطالية والقصة هي ما يلي: أن الراهب اللاتيني فرامرينو عثر على رسائل لايرينايوس وفي عدادها رسالة يندد فيها بالقديس بولص الرسول وأن أرينايوس أسند تنديده هذا إلى إنجيل القديس برنابا فأصبح من ذلك الحين الراهب فرامرينو المشار إليه شديد الشغف بالعثور على الإنجيل واتفق أنه أصبح حيناً من الدهر مقرباً من البابا سكتس الخامس فحدث يوماً أنهما دخلا معاً مكتبة البابا فأخذت البابا سنة من النوم فأحب فرامرينو أن يقتل الوقت في المطالعة إلى أن يفيق البابا فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو هذا الإنجيل نفسه فكاد أن يطير فرحاً من هذا الاكتشاف فخبأ هذه الذخيرة الثمينة في أحد ودنيه ولبث إلى أن استفاق البابا فاستأذنه بالانصراف حاملاً ذلك الكنز معه فلما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم فاعتنق على أثر ذلك الدين الإسلامي.

 

          5 – إن الكتاب متماسك يشكل وحدة متكاملة ويدل على علم لا مثيلله في كتب العهد القديم وفيه من براعة الحجة ووضوح المسلك ودقة الخطاب وتوضيح خفايا في حياة المسيح عليه السلام وتشابه كثير بين بعض مقاطعه والأناجيل الأخرى كل ذلك يجعل احتمال نسبته إلى برنابا أكبر من أي احتمال آخر.

 

          6 – إن الكتاب لا يوجد فيه ما يشير إلى تأثره بالمفاهيم الإسلامية بتاتاً ولا يوجد فيه ما يشم منه أن صاحبه قد قرأ القرآن أو عرف دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد أن الكتاب لم يؤلفه مسلم وأنه كتب قبل الإسلام.

 

          7 – والدارس للكتاب يرى أن له صولة في تهذيب النفس وترقيتها ويحس صدق العبارة وحرارة الإخلاص فيفتح له الكتاب آفاقاً روحية لا يستطيع الإنسان أن يتصور بعدها أن رجلاً اختلق هذا الكتاب كذباً وزوراً. وبعد هذه المقدمات ننقل فقرات من هذا الكتاب مما له علاقة ببحثنا عن البشارات الصادرة على لسان المسيح في رسالة رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام.

 

          1 – في الفصل السابع عشر يقول:” ولكن سيأتي بعدي بهاء وكل الأنبياء الأطهار فيشرق نوراً على ظلمات سائر ما قال الأنبياء لأنه رسول الله” أي يبين غامض أقوالهم.

 

          2 – في الفصل الثالث والأربعين يقول:” الحق أقول لكم إنّ كل نبي متى جاء فإنه إنما يحمل لأمة واحدة فقط علامة رحمة الله ولذلك لم يتجاوز كلامهم الشعب الذي أرسلوا إليه ولكن رسول الله متى جاء يعطيه الله ما هو بمثابة خاتم يده فيحمل خلاصاً ورحمة لأمم الأرض الذين يقبلون تعليمه وسيأتي بقوة على الظالمين ويبيد عبادة الأصنام بحيث يخزي الشيطان لأنه هكذا وعد الله إبراهيم قائلاً انظر فإني بنسلك أبارك كل قبائل الأرض، وكما حطمت يا إبراهيم الأصنام تحطيماً، هكذا سيفعل نسلك أبارك كل قبائل الأرض، وكما حطمت يا إبراهيم الأصنام تحطيماً، هكذا سيفعل نسلك أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا بمن صنع هذا العهد فإن اليهود يقولون بإسحاق والإسماعيليون يقولون بإسماعيل، أجاب يسوع ابن من كان داود ومن أي ذرية ؟ أجاب يعقوب: من إسحاق لأن إسحاق كان أبا يعقوب ويعقوب كان أبا يهوذا الذي من ذريته داود. فحينئذ قال يسوع: لا تغشوا أنفسكم لن داود يدعوه في الروح رباً قائلاً هكذا قال الله لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك يرسل الرب قضيبك الذي سيكون ذا سلطان في وسط أعدائك فإذا كان رسول الله الذي تسمونه ميسا ابن داود فكيف يسميه داو ربا صدقوني لأني أقول لكم الحق إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق..”

 

          3 – وفي الفصل الرابع والأربعين يقول:” لذلك أقول لكم إن رسول الله بهاء يسر كل ما صنع الله تقريباً لأنه مزدان بروح الفهم والمشورة، روح الحكمة والقوة، روح الخوف والمحبة، روح التبصر والاعتدال، مزدان بروح المحبة والرحمة، روح العل والتقوى، روح اللطف والصبر التي أخذ منها من الله ثلاثة أضعاف ما أعطى لسائر خلقه، ما أسعد الزمن الذي سيأتي فيه إلى العالم صدقوني أني رأيته وقدمت له الاحترام كما رآه كل نبي لأن الله يعطيهم روحه نبوة ولما رأيته امتلأت عزاء قائلا يا محمد ليكن الله معك وليجعلني أهلاً أن أحل سير حذائك لأني إذا نلت هذا صرت نبياً عظيماً وقدوس الله...”.

 

          4 – وفي الفصل الرابع والخمسين يقول:” فمتى مرت هذه العلامات تغشى العالم ظلمة أربعين سنة ليس فيها من حي إلا الله وحده الذي له الإكرام والمجد إلى الأبد ومتى مرت الأربعون سنة يحيي الله رسوله الذي سيطلع أيضاً كالشمس بيد أنه متألق كألف شمس فيجلس ولا يتكلم... وسيقيم الله أيضاً الملائكة الأربعة المقربين الذين ينشدون رسول الله فمتى وجدوه قاموا على الجوانب الأربعة للمحل حراساً له ثم يحيي الله بعد ذلك سائر الملائكة الذين يأتون كالنحل ويحيطون برسول الله ثم يحيي الله بعد ذلك سائر أنبيائه الذين سيأتون جميعهم تابعين لآدم فيقبلون يد رسول الله واضعين أنفسهم في كنف حمايته ثم يحيي الله بعد ذلك سائر الأصفياء الذين يصرخون اذكرنا يا محمد فتتحرك الرحمة في رسول الله لصراخهم... ثم قال يسوع أرجو الله ألا أرى هذه الهولة في ذلك اليوم إن رسول الله وحده لا يتهيب هذه المناظر لأنه لا يخاف إلا الله وحده... عند ذلك يخاف رسول الله لأنه يدرك أن لا أحد أحب الله كما يجب... لكن إذا خاف رسول الله فماذا يفعل الفجار المملؤون شراً...”.

 

          5 – في الفصل الثاني والثمانين يقول: ولكن صدقيني أنه يأتي وقت يعطي الله فيه رحمته في مدينة أخرى ويمكن السجود له في كل مكان بالحق ويقبل الله الصلاة الحقيقية في كل مكان برحمته أجابت المرأة إننا ننتظر مسياً فمتى جاء يعلمنا يسوع أتعلمين أيتها المرأة أن مسياً لا بد أن يأتي أجابت: نعم يا سيد حينئذ تهلل يسوع وقال: ويلوح لي أيتها المرأة إنك مؤمنة فاعلمي أنه بالإيمان بمسيا سيخلص كل مختاريالله إذن وجب أن تعرفي مجيء مسيا قالت المرأة: لعلك أن مسيا أيها السيد. أجاب يسوع: إني حقاً أرسلت إلى بيت إسرائيل نبي خلاص ولكن سيأتي بعدي مسيا المرسل من الله لكل العالم الذي لأجله خلق الله العالم. وحينئذ يسجد لله في كل العالم وتنال الرحمة حتى أن سنة اليوبيل التي تجيء الآن كل مئة سنة سيجعلها مسيا كل سنة في كل مكان”.

 

          6 – وفي الفصل الثالث والثمانين ( وبعد صلاة نصف الليل اقترب التلاميذ من يسوع فقال لهم ستكون هذه الليلة في زمن مسيا رسول الله اليوبيل السنوي الذي يجيء الآن كل مئة سنة لذلك لا أريد أن ننام بل أن نصلي )... ولعله أراد بهذه الليلة ليلة القدر أو ليلة براءة أي ليلة النصف من شعبان وعلى هذا نفهم أن تجلياتها كانت مرة كل مائة سنة من قبل وعلى هذا نفهم الكلمة” إن سنة اليوبيل التي تجيء الآن كل مئة سنة في الفقرةالسابقة”.

 

          7 – في الفصل السادس والتسعين أجاب يسوع:” لعمر الله الذي تقف بحضرته نفس أني لست مسيا الذي تنتظره كل قبائل الأرض كما وعد الله أبانا إبراهيم قائلاً بنسلك أبارك كل قبائل الأرض، ولكن عندما يأخذني الله من العالم سيشير الشيطان مرة أخرى هذه الفتنة الملعونة بأن يحمل عادم التقوى على الاعتقاد بأني الله وابن الله فينجس بسبب هذا كلامي وتعليمي حتى لا يكاد يبقى ثلاثون مؤمناً حينئذ يرحم الله العالم ويرسل رسوله الذي خلق كل الأشياء لأجله الذي سيأتي من الجنوب بقوة وسيبيد الأصنام وعبدة الأصنام وسينزع الشيطان سلطته على البشر وسيأتي برحمة الله لخلاص الذين يؤمنون به وسيكون من يؤمن بكلامه مباركاً”.

 

          8 – في الفصل السابع والتسعين” فقال حينئذ الكاهن: ماذا يسمى وما هي العلامة التي تعلن مجيئه ؟ أجاب يسوع: إن اسم مسياً عجيب لأن الله نفه سماه لما خلق نفسه ووضعها في بهاء سماوي قال الله: اصبر يا محمد لأني لأجلك أريد أن أخلق الجنة والعالم وجاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك حتى أن من يباركك يكون مباركاً ومن يعلنك يكون ملعوناً ومتى أرسلتك إلى العالم أجعلك رسولي للخلاص وتكون كلمتك صادقة حتى إن السماء الأرض تهنان ولكن إيمانك لا يهن إن اسمه المبارك محمد”.

 

          هذه شذرات مما ورد في هذا الكتاب وإذا ثبت أن الكتاب كان موجوداً قبل الإسلام فقد ثبت عندئذ أن ذلك مما بقي صحيحاً من آثار عيسى والله أعلم.

 

- 7 -

 

          ونختم البحث بنصين كل منهما يدل بما لا يقبل الشك أن النصارى أثناء بعثة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينتظرون رسولاً أوصافه هي نفس أوصاف السيد الرسول صلى الله عليه وسلم:

 

          1 – قصة سلمان الفارسي الذي هرب من الأرض الفارسية باحثاً عن الدين الحق:” يقول سلمان لما قدمت الشام قلت: من أفضل أهل هذا الدين ؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة قال فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قال فادخل فدخلت معه، قال فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا له أشياء اكتنزها لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً قالوا: وما علمك بذلك! قال: قلت أنا أدلكم على كنزه فدلنا عليه قال: فأريتهم موضعه قال فاستخرجوه منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً قال فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبداً فصلبوه ثم رجموه بالحجار ثم جاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه قال: فأحببته حباً لم أحبه من قبل وأقمت معه زماناً ثم حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حباً لم أحبه من قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى من توصي بي وما تأمرني: فقال يا بني والله ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجل بالموصل وهو فلان فهو على ما كنت عليه فالحق به. قال فلما مات وغيّب لحقت بصاحب الموصل فقلت: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره قال فقال لي: أقم عندي فأقمت فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره قال فقال لي: أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إليك باللحوق بك وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني: قال يا بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجل بنصيبين وهو فلان فالحق به فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي، قال فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توص بي وما تأمرني: قال: أي بني والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية فإنه بمثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته قال: فإنه على أمرنا. قال فلما مات وغيّب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة قال: ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني ؟ قال: أي بني والله ما أعلم، أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ؟ ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل”[6] والرواية متصلة السند رواتها عدول.

 

          2 – وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني أبو سفيان بن حرب قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام فبينا أنا بها إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل جاء به دحية الكلبي فدفعه إلى عظيم بصري فدفعه إلى عظيم الروم هرقل فقال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قالوا: نعم. فدعيت في نفر من قريش فدخلنا عليه فأجلسنا بين يديه فقال: أيكم أقرب نسباً منه فقلت أنا فأجلسني بين يديه وأصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه فقال: قل لهؤلاء إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان وايم الله لولا أن يؤثر عليّ الكذب لكذبته ثم قال لترجمانه سله كيف نسبه فيكم. قلت هو فينا ذو نسب، قال فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت: لا. قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت: لا. قال فهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ قال: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أو ينقصون ؟ قلت لا. بل يزيدون قال: هل يرتد أحد عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه قلت نعم قال: كيف قتالكم إياه ؟ قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر قلت: لا. ونحن منه في هذه المدة ما ندري ما هو صانع قال أبو سفيان: فوالله ما أمكني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه قال فهل قال هذا القول أحد قبله قلت: لا. فقال لترجمانه: قل له إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها. وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا فقلت لو كان في آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافه فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى. وسألتك هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له فزعمت أن لا فكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم سجالاً ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة. وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا، فقلت لو قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم يقول بقول قيل قبله، ثم قال بم يأمركم قلنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف فقال إن يك ما تقول حقاً فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم. ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه... فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط فأمر بنا فأخرجنا فقلت لأصحابي لقد أمر أمْراً ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر.

 

- 8 -

 

          وأخيراً سأل الشيخ عبد الوهاب النجار مؤلف كتاب قصص الأنبياء الدكتور ( كارلو نلينو ) المستشرق الإيطالي عن كلمة ( بير كليتوس ) الواردة في الأناجيل: فأجابه بقوله: إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها ( المعزي ) فقال له إني أسأل الدكتور كارلو نلينو الحاصل على الدكتوراة في الآداب اليونانية القديمة ولست أسأل قسيساً فقال: إن معناها الذي له حمد كثير فسأله أيضاً: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد فقال: نعم وهذا ما جاء في القرآن على لسنا المسيح:

 

          {وَمُبَشّöراً بöرَسُولٍ يَأْتöي مöن بَعْدöي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف 6 ( قصص الأنبياء للنجار ).

 

          عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قال رضيت بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وجبت له الجنة ) أخرجه أبو داود.

 

          وإذا مر معك في المبحث الأول عن الله ما أثلج ضميرك يقيناً نهيب بك أن ترضى بالله رباً.

 

          وإذا مر معك في المبحث الثاني عن الرسول ما أثلج صدرك يقينا نهيب بك أن ترضى به رسولاً.

 

          وها نحن سنبدأ بعرض الإسلام دين الله الذي بلغه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المبحث الثالث ونهيب بك أن ترضاه ديناً.

 

          لتكون بعد هذا كله أهلاً لنيل رضوان الله وجنته ولتنجو بهذا من سخط الله وعقوبته والله ولي أمرنا وأمرك.



[1] أخرجه ابن إسحاق في السيرة .

[2] البداية والنهاية .

[3] أخرجه أحمد .

[4] المائدة : 13 .

[5] بعض البشارات آثرنا عدم نقلها لصعوبة إدراك مضمونها إلا بتأمل طويل .

[6] أخرجه أحمد والحاكم .

|السابق| [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27]


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca