الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - الصفات

الفصل الأول - الصّöفات الأسَاسية - صدقه عليه الصلاة والسلام

          إنه لا بد لكل رسولٍ لله أن يكون متصفاً بصفات أساسية أربع حتى يكون أهلاً للرسالة. هذه الصفات الأربع هي:

 

          1 – الصدق المطلق الذي لا ينقض في كل حال، بحيث لو امتحن كل قول له لكان مطابقاً للواقع إذا وعد أو عاهد أو جَدَّ أو داعب أو أخبر أو تنبأ. وإذا انتقضت هذه الصفة أيَّ نقضٍ، فإن دعوى الرسالة تنتقض من أساسها º لأن الناس لا يثقون برسول غير صادق والرسول الصادق لا تجد في جزء من أجزءا كلامه شيئاً من الباطل في أي حال من الأحوال.

 

          2 – الالتزام الكامل بما يدعو إليه نيابة عن الله º إذ مهمة الرسول تبليغ الناس ما كلفهم به الله، فإذا لم يقم الرسول نفسه بهذه التكاليف دلّ ذل على عدم تفاعله مع التكليف وهذا دليل كذبه في دعوى الرسالة º إذ الرسول الذي يتصل به الله أعر فبجلال الله وبالتالي لا يعصي له أمراً º لأن عصيان أمر الله خيانة، وغير الأمناء ليسوا أهلاً لحمل رسالة الله.

 

          3 – التبليغ الكامل المستمر لمضمون الرسالة، وعدم المبالاة معه بسخط الناس أو تعذيبهم أو إيذائهم أو كيدهم أو مؤامراتهم أو إرجافهم، والاستقامة على أمر الله وعدم الانحراف عنه، مهما كانت المغريات والاستمرار على ذلك º إذ بدون التبليغ لا تظهر الرسالة، وبدون الاستمرار عليه والصبر لا تستقر، والخضوع لضغط الناس أو لإغرائهم دليل كذب دعوى البلاغ عن الله. إذ لا يبلغ رسالة الله إلا من رغب بالله عن غيره، وكان الله وحده هو العظيم عنده، ولا يبالي بغير رضاه.

 

          4 – العقل العظيم إذ لا يسلم الناس ولا يتبعون إنساناً إلا إذا كان أرجحهم عقلاً º ليطمئنوا إلى أنه لا يسير بهم في الطريق الخطأ كما أنه بدون العقل العظيم لا يستطيع صاحب الرسالة أن يقنع الآخرين بالحق الذي معه، وخاصّة أصحاب المدارك الواسعة والعقول الكبيرة، ولا يستطيع أن يرد هجمات المبطلين والمتكبرين والمنحرفين والمنتفعين بالانحراف. فلا بد أن يكون الرسول أذكى الخلق وأفطنهم وأعقلهم وأحكمهم وأكملهم مدارك كي تقوم به الحجة.

          فإذا اجتمعت هذه الصفات الأربع لإنسان يذكر أنه رسول الله مع بقية العلامات التي يعرف بها الرسول دون وجود مانع يحيل الدعوى، كان ذلك برهاناً ودليلاً على صحة الدعوى º إذ لا يوجد مبرر لتكذيب الصادق، ولا يوجد تعليل لحرارة الالتزام غير التسليم، وعدم الانصراف عن التبليغ مع توافر الانصراف لا تعلل إلا بالإخلاص للدعوة وصاحبها، ودعوة حجتها معها، وصاحبها قادر على إقامة الحجة في أي جانب من جوانبها فيها دليل حقيتها.

 

          وسنرى في هذا الفصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في كل صفة من هذه الصفات بحيث لا تستطيع أن تدرس واحدة منها عنده إلا وستلم أن صاحبها رسول الله حقّاً. وسندرس هذه الصفات على الترتيب المذكور هنا فنبدأ بصفة الصدق عنده صلى الله عليه وسلم.

 

*        *        *


1 – صدقه عليه الصلاة والسلام

 

          وطريقتنا في استعراض هذه الصفة أن نأتي بالشهادات عليها وهذه الشهادات ثلاث:

 

          أ – شهادة الخصوم.

          ب – شهادة الأتباع.

          ج – شهادة الواقع. وشهادة الواقع تتمثل في أربع: في الإخبار، وفي الوعد والعهد، وفي المزح والمداعبة، وفي النبوءات.

 

أ. شهادة الخصوم:

 

          وشهادة الخصوم في هذا الباب لها وزنها الكبير، إذ تدلك على مبلغ الثقة التي كان يتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الجميع، ولكن بعض الناس استغرب واستكبر فأنكر دون ووجود مبرر لهذا الإنكار وهذه نصوص تؤكد لك هذا الذي قلناه:

 

          أخرج البيهقي عن المغيرة بن شعبة قال:” إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: يا أبا الحكم هلمَّ إلى الله ورسوله، أدعوك إلى الله. فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منتهٍ عن سبَö آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلَّغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلَّغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقو لحق لاتبعتك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عليَّ فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شيء. أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. قلنا: نعم. ثم قالوا: فينا السقاية. قلنا: نعم. ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي. والله لا أفعل” وأخرجه ابن أبي شيبة بنحوه.

 

          وأخرج الترمذي عن علي:” أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به. فأنزل الله تعالى: {فَإöنَّهُمْ لاَ يُكَذّöبُونَكَ وَلَِٰكöنَّ ٱلظَّالöمöينَ بöآيَاتö ٱللَّهö يَجْحَدُونَ}[1]“.

 

          وأخرج ابن عساكر عن معاوية – رضي الله عنه – قال:” خرج أبو سفيان إلى بادية له مردفاً هنداً، وخرجت أسير أمامهما وأنا غلام على حمارة لي، غذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سيفان: انزل يا معاوية حتى يركب محمد. فنزلت عن الحمارة وركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار أمامنا هنيهة، ثم التفت إلينا فقال: يا أبا سفيان بن حرب ويا هند بنت عتبة ! والله لتموتن ثم لتبعثنَّ ثم ليدخلنَّ المحسنُ الجنة والمسيء النار، وأنا أقول لكم بحق، وإنكم لأول من أُنذرتم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {حِمۤ * تَنزöيلñ مّöنَ ٱلرَّحْمَِٰنö ٱلرَّحöيمö...}... حتى بلغ {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئöعöينَ}[2]  فقال له أبو سفيان: أفرغت يا محمد ؟ قال: نعم. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمارة وركبتها، وأقبلت هند على أبي سفيان: ألهذا الساحر أنزلت ابني ؟ قال: لا والله ما هو بساحر ولا كذاب” وأخرجه الطبراني أيضاً.

 

          وروى البخاري ومسلم قصة أبي سفيان عند هرقل – كما حدّث بها أبو سفيان ابن عباس – ومنها سؤال هرقل لأبي سفيان:” قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قلت: لا” وفي آخر القصة يقول هرقل لأبي سفيان:” وسألتك هل كنت تتهمونه قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدعَ الكذب على الناسö ويكذبَ على الله تعالى”.

 

          وأخرج الشيخان الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” لما نزلت {وَأَنذöرْ عَشöيرَتَكَ ٱلأَقْرَبöينَ}[3] صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبّا لك يا محمد ألهذا جمعتنا فنزلت: {تَبَّتْ يَدَآ أَبöي لَهَبٍ وَتَبَّ}[4].

 

          من هذه النصوص يتبين لك أن الثقة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم كانت متوافرة ولم يكن هذا الموضوع فيه شك أبداً وهذا الذي يعلّل لنا:

 

1-  ظاهرة الإيمان به من قöبل من حاربوه واحداً فواحداً طوعاً لا إكراهاً أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب... لذلك لأنهم ما كانوا يشكون في أن محمداً صادق، ولكن فاجأهم بشيء لم يسمعوا به هم ولا آباؤهم فأنكروه، حتى إذا ذهب هول المفاجأة وحكّموا عقولهم التقى صدق الفكر بالثقة الأساسية بشخص محمد صلى الله عليه وسلم فتولد عن ذلك إيمان.

 

2-  ظاهرة الإخلاص له بعد الإيمان. فبعضهم لم يؤمن إلا آخراً بعد أن غلب كبقايا قريش فإنهم أخيراً غلبوا للإسلام، وكان يمنعهم من ذلك ثارات وأحقاد وشبهات وشهوات، حتى إذا دخلوا فيه تسليماً للأمر الواقع وإذا بهم مخلصون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأتم ما يكون الإخلاص، ومتفانون في الإسلام بعد أن زالت عن أعينهم غشاوات، من بعدها تبينوا أن محمداً هو الأخ الكريم والابن الكريم فكانت معرفتهم به وثقتهم بشخصيته أساساً لإخلاصهم في طريقهم الجديد الذي ساروا فيه بعد ذلك فرحين.

 

وبعد فهذه شهادة خصوم، بعضهم أسلم بعد خصومة شديدة، وبعضهم مات على كفره ولكن الجميع حتى في أشد حالات الخصومة كانوا مؤمنين أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق.

 

* * * * *

 

ب – شهادة الأتباع:

 

ونقدم لشهادة الأتباع بما يلي:

 

1-  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائم الخلطة لأصحابه في طعامهم وشرابهم وسفرهم وصلاتهم ومجالسهم، وهو عليه الصلاة والسلام كان يحب البساطة والصراحة ويكره التكلف، وبعض الصحابة خالط الرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها عشرات السنين.

 

2-  وهؤلاء الأصحاب لم يكونوا أغراراً ولا مغفلين ولا منعزلين عن العالم، بل بعضهم من مكة التي كان العرب يقصدونها سنوياً للحج، وتسلم الجزيرة العربية كلها لأهلها بالفضل والزعامة، عدا عن صلات أهلها بواسطة التجارة مع اليمن ومع الشام حيث مراكز الحضارة. وبعض أصحابه من المدينة حيث الصلات الفكرية مع اليهود وما ينشأ عن ذلك من تفتح ذهني.

 

          كما أن هؤلاء الأصحاب أثبتوا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد مماته أنهم أرجح الناس عقولاً وأكثرهم دهاءً وحنكة ومعرفة بالرجال والشعوب وسياسة الأمم، بدليل أنهم نجحوا رغم محدودية وسائلهم في فتح أعظم الدول المتحضرة وقتذاك وإدارتها وكسب مودة شعوبها ودمجهم في الأمة الإسلامية.

          فإذا ما اجتمعت هذه الناحيتان: الخلطة الدائمة، وذكاء المخالطين، فإن أمر الكاذب يفتضح، وأمر الصادق يتضح.

          والظاهرة الواضحة في حياة الصحابة أنهم كلما ازدادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خلطة ازدادوا به إيماناً وتصديقاً، بل أكثرهم اختلاطاً به أكثرهم إيماناً به وطاعة له، وقد بلغ منهم درجة انه أصبح الموت من أجل ما يريد الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من الحياة، وإنفاق المال أحب إليهم من إمساكه، والطاعة أحب إليهم من المعصية، ودين الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من الأموال والأولاد والمساكن والزوجات والوطن. وكل هذا من مظاهر التصديق الكامل إذ لولا التصديق لما كان شيء من هذا. فقد قتل منهم الابن أباه، وأراد الأب قتل ابنه، فعلام يفعلون هذا ؟! لولا أن إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وتصديقهم به وصل إلى ذروة الذرى. وهذه أمثلة كل منهما يعتبر أثراً من آثار التصديق الكامل ودليلاً عليه نذكرها بلا تعليق، وفي كل منها شهادة من صاحبها بعد تجربة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق لا شَك في ذلك:

 

1-  أخرج الحافظ أبو الحسن الطرابلسي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” لمّا اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً – أَلَحَّ أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل. فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً ووطئ أبو بكر وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه.

 

وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ؟، فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول º ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك، قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دöنفاً، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوماً نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لكَ منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو ؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرöجْل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة. فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها، عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت”.

2-  وأخرج ابن إسحاق عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال:” لما أسلم عمر – رضي الله عنه – قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل – وأنا غلام أعقل كل ما رأيت – حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعته أنا، حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش – وهم في أنديتهم حول الكعبة – ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. قال يقول عمر من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثاروا إليه فما برح يقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، قال: وطلح[5] فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم ؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه. قال فقلت لأبي – بعد أن هاجر إلى المدينة -: يا أبت ! من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال: ذاك – أي بني –العاص بن وائل السهمي”. وهذا إسناد جيد قوي – كذا في البداية.

 

3-  وأخرج البخاري في التاريخ عن مسعود بن خراش – رضي الله عنه – قال:” بينما نحن نطوف بين الصفا والمروة إذا أناس كثير يتبعون فتى شاباً موثقاً بيده في عنقه. قلت: ما شأنه ؟ قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله صبأ. وامرأة وراءه تدمدم وتسبه. قلت: من هذه ؟ قالوا: الصعبة بنت الحضرمي أمه”.

 

4-  وأخرج البيهقي وابن سعد والحارث ابن المنذر وابن عساكر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب – رضي الله عنه -:” أن صهيباً – رضي الله عنه – أقبل مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل فانتشل كنانته فقال: قد علمتم يا معشر قريش أني أرماكم رجلاً بسهر، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه. ثم شأنكم بعد ذلك وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وتخلوا سبيلي.. قالوا: نعم. فتعاهدوا على ذلك فدلهم، فأنزل الله على رسوله القرآن {وَمöنَ ٱلنَّاسö مَن يَشْرöي نَفْسَهُ ٱبْتöغَآءَ مَرْضَاتö ٱللَّهö}[6] حتى فرغ من الآية. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم صهيباً قال: ربح البيع يا أبا يحيى ربح البيع يا أبا يحيى ! وقرأ عليه القرآن”.

 

 

5-  وأخرج الحاكم عن سليمان بن بلال – رضي الله عنه -:” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خثيمة وأبوه جميعاً الخروج معه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن يخرج أحدهما فاستهما. فقال خثيمة بن الحارث لابنه سعد – رضي الله عنهما -: إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم فأقم مع نسائك. فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به إني أرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر. فقتله عمرو ابن عبد ود” وأخرجه أيضاً ابن المبارك عن سليمان وموسى بن عقبة عن الزهري، كما في الإصابة.

 

6-  وأخرج الطبراني عن ابن عمر” أن عمر – رضي الله عنه – قال يوم أحد لأخيه: خذ درعي يا أخي ! قال: أريد من الشهادة مثل الذي تريد، فتركاها جميعاً” قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.

 

7-  وأخرج ابن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخي بني عدي بن النجار قال:” انتهى أنس بن النضر – عم أنس بن مالك – إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار – رضي الله عنهم – وقد ألقوا ما بأيديهم. فاقل: فما يجلسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قُتل”.

 

8-  وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت – رضي الله عنه – قال:” بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع – رضي الله عنه – وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك ؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم. فقلت له: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك: أخبرني كيف تجدك ؟ قال: على رسول الله السلام، وعليك السلام، قل له: يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف. قال: وفاضت نفسه – رحمه الله –” قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. ثم أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة حدثه عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع – رضي الله عنه – فذكر الحديث بنحو منه. وقال: فقال سعد: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من الأموات، وأقرئه السلام وقل له: يقول سعد: جزاك الله عنا، وعن جميع الأمة خيراً”.

 

9-  وأخرج البيهقي عن مالك بن عمير رضي الله عنه وكان قد أدرك الجاهلية.، قال:” جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لقيت العدو ولقيت أبي فيهم، فسمعت لك منه مقالة قبيحة فلم أصبر حتى طعنته بالرمح – أو حتى قتلته -، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم جاء آخر فقال: إني لقيت أبي فتركته وأحببت أن يليه غيري، فسكت”. قال البيهقي وهذا مرسل جيد.

 

10-     وأخرج البزار عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:” مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وهو في ظل أطم فقال: غبّر علينا ابن أبي كبشة. فقال ابنه عبد الله بن عبد الله – رضي الله عنه -: يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه ! فقال: لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته”. قال الهيثمي رواه البزار ورجاله ثقات.

 

11-     وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال لسعيد بن العاص – رضي الله عنه – وقربه:” إني أراك تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بورقه، فحدت عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله”. كذا في البداية، وزاد في الاستيعاب والإصابة:” فقال له سعيد بن العاص: لو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل. فأعجبه قوله”.

 

12-     وأخرج ابن سعد عن الزهري قال:” لما قدم أبو سفيان بن الحر بالمدينة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزو مكة فكلّمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فدخل على ابنته أم حبيبة – رضي الله عنها -. فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دون. فقال: يا بنية ! أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه ؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنية ! لقد أصابك بعدي شر”. وذكر ابن إسحاق نحوه بلا إسناد، كما في البداية وزاد:” فلم أحب أن تجلس على فراشه”.

 

13-     وأخرج الطبراني عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال:” لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة. وقالوا: قُتل محمد حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة. فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها – أي قتلى – لا أدري أيهم استقبلت به أولاً. كلما مرت على أحدهم قالت: من هذا ؟ قالوا: أبوك، أخوك، زوجك، ابنك، تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ يقولون: أمامك حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذ سلمتَ من عطب”.

 

هذه نصوص تبين لك مدى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم عند أتباعه المخالطين له، مما يدلك على أن تصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ حداً لا مثيل له.

 

* * * * *

 

ج -  وأخيراً شهادة الواقع:

 

          إن شهادة الواقع أعلى الشهادات لأن الإنسان يصل بواسطتها إلى اليقين الذي لا يخالطه شك فليقم الإنسان بإجراء اختبار كامل لكل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل. فإذا ما وجد أن كل قول وفعل مما يمكن أن يدخل تحت الاختبار لا يخرج عن الحق والصدق. لم يبق أمام الإنسان إلا طريق واحد هو الإيمان والتصديق. وسنرى في الباب الثاني أن الاختبار الكامل للقرآن يجعلك – على مثل الشمس وضوحاً – أن القرآن كله حق وصدق وأنه من عند الله، وسنرى في الباب الثالث – إن شاء الله – أن الاختبار الكامل لنبوءاته يدلك على أن المستقبل كان كشفاً لها وتوكيداً. أما هنا فسننقل نماذج من مزاحه ومداعباته لنرى أنها لا تخرج عن الحق والصدق، ونماذج عن وعوده وعهوده وصدقه فيها، ونماذج من أحاديثه التي يستطيع الإنسان أن يعرف صدقها بالاختبار، لنرى العجب في مطابقة ما عرفه إنسان عصرنا بعد التجربة، لما نطقت به شفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عصور، وسنختم هذه الفقرة بالتذكير بأن المصدر الوحيد الذي نستطيع أن نأخذ عنه العلم بالغيبيات بثقة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلامه حجة على غيره فيه، مع مناقشة بعض القضايا التي لها علاقة بهذا الأمر ونبدأ باستعراض ما ذكرنا:

 

1- نماذج من صدقه صلى الله عليه وسلم في مزاحه ومداعباته:

 

          إن الناس عادة لا يلتزمون الصدق في المزاح، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم داعب صادقاً ومازح صادقاً وألزم أمته الصدق في كل حال.

 

          أخرج أحمد عن أنس بن مالك:” أن رجلاً أتى النبي فاستحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا حاملوك على ولد ناقة، فقال يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق ؟” رواه أبو داود والترمذي.

 

          وقال زيد بن أسلم:” إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي يدعوك، قال: ومن هو ؟ أهو الذي بعينه بياض ؟ قالت: والله ما بعينه بياض. فقال: بل إن بعينه بياضاً. فقالت: لا والله. فقال: ما من أحدٍ إلا وبعينه بياض”[7] هو أراد البياض المحيط بالحدقة وهي فهمت البياض على الحدقة الذي يكون به الرجل أعورَ.

 

          وأخرج أحمد عن أنس:” أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يهدي النبي الهدية من البادية فيجهزه النبي إذا أراد أن يخرج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضره، وكان رسول الله يحبه وكان رجلاً دميماً. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني من هذا ؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي حين عرفه وجعل رسول الله يقول: من يشتري العبد ؟ فقال يا رسول الله إذن والله تجدني كاسداً، فقال رسول الله: لكن عند الله لست بكاسد. أو قال لكن عند الله غالٍ”. رواته ثقات. فأنت ترى من سياق الحديث أنه عنى بالعبد عبد الله وكلنا عبد الله.

 

          وأخرج الترمذي في الشمائل عن الحسن قال:” أتت عجوزñ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة: فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول: {إöنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إöنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً}”.

 

          وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس قال:” قال لي رسول الله: يا ذا الأذنين”. قال أبو أسامة يعني يمازحه، وكل إنسان له أذنان.

 

          فأنت ترى من هذه الأمثلة أنه داعب ومازح دون أن يخرج عن الحق والصدق، ولكنه استعمل هذا الصدق استعمالاً لطيفاً، على غير المتعارف. ففهم المخاطب فهماً كانت فيه نكتة وهكذا كانت مداعباته كلها حقاً.

 

          أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال:” قالوا: يا رسول الله ! إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقّاً”. إنها نبوة صدق وما كان للنبوة أن يكون للباطل عندها أو معها نصيب.

* * * * *

2- نماذج من صدقه صلى الله عليه وسلم في وعوده وعهوده:

 

          أخرج أبو داود عن عبد الله بن أبي الخنساء قال:” بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وبقيت له بقية فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. فنسيت يومي والغد فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت عَلَيَّ، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك”.

 

          وأخرج ابن حبان والحاكم:” كان صلى الله عليه وسلم جالساً يقسم غنائم هوزان بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال: إن لي عندك موعداً يا رسول الله. قال: صدقت فاحتكم ما شئت. قال: أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. قال: هي لك وقال: احتكمت يسيراً...”

 

          وأخرج الحاكم عن حويطب بن عبد العزى في قضية إسلامه عندما كان مشركاً تولى مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم بالجلاء عن مكة في عمرة القضاء بعد انقضاء مدة الثلاثة أيام المتفق عليها يقول حويطب:” ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء وخرجت قريش من مكة كنت فيمن تخلف بمكة أنا وسهيل بن عمرو فقلنا: قد مضى شرطك فاخرج من بلدنا فصاح يا بلال لا تغب الشمس وواحد من المسلمين بمكة ممن قدم معنا”.

 

          وهذه فقرأت من كتاب ( بطل الأبطال ) يحلل فيها صاحبه بعض مواقف الوفاء بالعهد والوعد التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” قبل سنة من هدنة الحديبية كانت قريش تحاصر المدينة وقد جمعت لذلك الأحزاب من أهل القرى والأعراب فنقض بنو قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. واشتد بذلك الكرب وزلزل المؤمنون زلزالاً شديداً، ولكن الله نصر عبده، وأعزه وألقى الرعب في قلوب المشركين، ولم تمض إلا فترة وجيزة حتى كان جيش الإسلام بقيادة رسول الله يزحف إلى مكة، فنزل الحديبية وبعثت قريش رسلها إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

 

          وهو ذا عروة بن مسعود الثقفي رسولها يعود إليها يصف حال محمد صلى الله عليه وسلم وجنده بهذه العبارة:

          “ إني قد جئت كسرى في ملكه، قيصر في ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قومه قط مثل محمد في أصحابه”. كان محمد في منعة وقوة ولكنه كان يعلن أنه لا يريد الحرب، ويقول: لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. فلما جاءه سهيل بن عمرو مفوضاً من قريش لعقد الهدنة يرجع بها محمد وجيشه عن دخول مكة، كان من شروط هذه الهدنة شرط ظاهر الغبن وهو أن محمداً يسلم إلى قريش من لجأ إليه من المسلمين بغير إذن وليه ولا يطلب تسليم من لجأ إلى قريش من أتباعه...

 

          ذلك الشرط أهاج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى إن عمر – رضي الله عنه – كان يذهب تارة إلى أبي بكر وتارة أخرى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: ألسنا المسلمين ! أليسوا المشركين ! ألست رسول الله !!.. فعلام نعط الدنية في ديننا ؟ فيقول الرسول: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني، ويقول أبو بكر: أشهد أنه رسول الله. فقبول المسلمين هذا الشرط هو استسلام منهم لأمر لم يدركوا سره، وكان ذلك أعظم بلاء وامتحان لصبرهم، وبينما هم على هذه المضاضة وقد فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من الجدل مع مفوض قريش سهيل بن عمرو، ولم يكتب العقد ولم يمض، جاءهم أبو جندل مستصرخاً يرسف في قيوده وأبو جندل هذا هو ابن سهيل بن عمرو نفسه، فلما رأى سهيل ابنه قام إليه وأخذ بتلابيبه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك – أي فرغنا من المناقشة – قبل أن يأتيك هذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت، وأبو جندل ينادي يا معشر المسلمين ! أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني ؟ تصوروا ذلكم المقام مقام محمد صلى الله عليه وسلم وهو الشجاع الذي حدثتكم عن شجاعته المنقطعة النظير، وهو القوي الذي خرج من المدينة زاحفاً بجيش. سمعتم الآن وصف عروة بن مسعود له تصوروه وهو يرى أقرب أصحابه ( في حالة تذمر ) ثم تصوروا لاجئاً يرسف في القيود، وهو من أبناء الأعزة في قريش، يرسف فيها ( اتباعاً ) لمحمد ودين محمد، ثم انظروا إليه لا يحتال ولا يتردد ولما يكتب ولما يمض، يقول لسهيل: صدقت لقد لجت القضية، ويرد صاحبه باكياً إلى أعدائه تصوروا كل ذلك، ثم ليكتب إليَّ من يشاء بمثل واحد في تاريخ البشر كله كهذا المثل يضربه محمد في رعاية الكلمة التي قالها ولما تكتب ولما تمض.

 

          ويقول صاحب الكتاب ذاكراً مثلاً آخر:

 

          ثم انظروا إلى وفائه للمشركين أيضاً: كان بين شروط هدنة الحديبية أن من شاء دخل في عقد محمد وعهده، ومن شاء دخل في عقد قريش وعهدها. فدخلت خزاعة على شركها في عهد محمد فلما نقضت قريش عهدها معه ونصرت حليفتها بكراً عليها. ذهب عمرو بن سالم الخزاعي يطالب ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بالعهد ويطلب ( منه ) نصر حلفائه فوقف على رسول الله وهو في المسجد ينشده ويقول:

 

يا رب إني ناشد محمداً                         حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فانصر هداك الله نصرا اعتدا          وادع عباد الله يأتوا مددا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا                   إن قريشاً أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

 

          فكان ذلك الاعتداء على المشركين من حلفاء المسلمين سبباً في تجهيز أضخم جيش عرفته الجزيرة والسير لنصرة الحليف وكان من آثار ذلك فتح مكة كما هو معروف هذه أمثلة سقناها من وفاء ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لأعداء الملة وقد عاهدهم... أو قبل محالفتهم على غيرهم”[8].

 

          هذه نماذج من صدقه في وعده وعهده وسواها كثير فما حدث أن وعد رسول الله، أو عاهد فأخلف أو غدر. روى البخاري أن هرقل لما سأل أبا سفيان عن محمد: هل يغدر ؟ فأجاب أبو سفيان: لا. فقال هرقل بعد ذلك: وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر”.

 

          إن الغدر نوع من أنواع الكذب والخلف بالوعد كذب. والرسول صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، ومن النماذج القليلة التي ذكرناها ترى أنه ما أحد من البشر غير الرسل وصل إلى ما وصل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الوفاء لشرف الكلمة، إلا إذا كان تلميذاً من تلامذته، يقتدي به. لقد كانت كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الضمان الذي ما بعده ضمان، حتى أن ألد خصومه وأعرقهم في دعواته كان لا يتردد إذا تأكد أن محمداً أمنه أن يلقي بنفسه في أحضان المسلمين، ثقة منه أن كلمة محمد ضمان لا يعدله ضمان. ومن تتبع حوادث السيرة وجد الأمثلة الكثيرة على هذا، إنها صفة الصدق عن الأنبياء لا تتخلف.

 

3- نماذج من حديثه صلى الله عليه وسلم الذي صدقته علوم عصرنا من غير النبوءات:

 

          أ) – قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:” إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء”.

 

          إن هذا الحديث ذكر قضيتين كلتاهما لم تكونا معروفتين قديماً. أولاهما أن الذباب ناقل داء وهذا شيء أصبح الآن معروفاً لدى الجميع، فالذباب ناقل جراثيم ممتاز. والثانية وهي التي يجهلها الكثير أن الذباب يحمل مضادات للجراثيم من النوع الممتاز كذلك، وهذا تحقيق كتبه” الدكتور عز الدين جوالة” حول هذا الموضوع ننقل منه ما يلزمنا هنا يقول:

 

          قبل الخوض في هذا الموضوع لنتذكر ما يلي:

 

          1- من المعروف منذ القديم أن بعض المؤذيات قد يكون في سمها نفع ودواء، فقد يجتمع الضدان في حيوان واحد، فالعقرب في إبرتها سم ناقع، وقد يداوى سمها بجزء منها، وفي ذلك يقول العلماء:” وقد وجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء والآخر شفاء ودواء فيما أقامه الله من عجائب خلقه وبدائع فطرته شواهد ونظائر، منها النحلة يخرج من بطنها شراب نافع ويكمن في إبرتها السم الناقع، والعقرب تهيج الداء بإبرتها ويتداوى من ذلك بجرمها”.

 

          2- وفي الطب يحضر لقاح من ذبيب الأفاعي والحشرات السامة يحقن به لديغ العقرب أو لديغ الأفعى، بل وينفع في تخفيف آلام السرطان أيضاً.

 

          3- إن الطب الحديث استخرج من مواد مستقذرة أدوية حيوية قلبت فن المعالجة رأساً على عقب، فالبنسلين استخرج من العف، والستربتو مايسين من تراب المقابر.. إلخ أو بمعنى أدق من طفيليات العفن وجراثيم تراب المقابر. أما والحالة كذلك، فهل يمتنع عقلاً ونظرياً أن يكون في الذباب هذه الحشرة القذرة، والتي تنقل القذر طفيلي أو جرثوم يخرج أو يحمل دواء يقتل هذا الداء الذي تحمله.

 

          4- من المعروف في فن الجراثيم أن للجرثوم ذيفاناً ( مادة منفصلة عن الجرثوم ) وأن هذا الذيفان إذا دخل بدن الحيوان كَوَّنَ البدن أجساماً ضد هذا الذيفان، لها قدرة على تخريب الذيفان والتهام الجراثيم، تسمى بمبيدات الجراثيم.

 

          فهل يستبعد القول بأن الذباب تلتهم الجراثيم فيما تلتهم، فيكون في جسم الذباب الأجسام الضدية المبيدة للجراثيم والتي مر ذكرها، ولها القدرة على الفتك بالجراثيم الممرضة التي ينقلها الذباب إلى الطعام أو الشراب، فإذا وقعت في الطعام فما علينا إلا أن نغمس الذبابة فيه فتخرج تلك الأجسام الضدية فتبيد الجراثيم التي تنقلها وتقضي على الأمراض التي تحملها.

 

          وبعد كلام للدكتور عز الدين، يستمر فينقل تحقيقاً للطبيبين المصريين محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين في إثبات ما في الحديث، ننقل بعضاً منه، يقولان:

 

          ما تقوله المراجع العلمية:

 

          في 1871 وجد الأستاذ الألماني” بريفلد” من جامعة هال بألمانيا أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سماها” امبوزاموسكي” وهو طفيلي يعايش الذبابة على الدوام، وبالتدقيق فيه وجده من نوع الفطور التي تسمى” انتوموفترالي” تنتمي إلى أهم فصيلة في الفطور الأشنية، وهي المسَّاه بالفطور الشنية المرتبطة أو المتحدة، وهو من النوع الثاني للفطر المسمّى الفطور الأشنية الطفيلية، وهذا الطفيلي يقضي حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة بشكل خلايا مستديرة فيها خميرة خاصة سيأتي ذكرها. ثم لا تلبث هذه الخلايا المستدير أن تستطيل فتخرج من الفتحات أو من بين مفاصل حلقات بطن الذبابة فتصبح خارج جسم الذبابة.

 

          ودور الخروج هذا يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وفي هذا الدور تتجمع بذور الفطر داخل الخلية، فيزداد الضغط الداخلي للخلية من جراء ذلك، حتى إذا وصل الضغط إلى قوة معينة لا تحتملها جدر الخلية انفجرت الخلية وأطلقت البذور إلى خارجها بقوة دفع شديدة، تدفع البذور إلى مسافة 2 سم خارج الخلية، على هيئة رشاش مصحوباً بالسائل الخلوي.

 

          وعلى هذا إذا أمعنا النظر في ذبابة ميتة ومتروكة على الزجاج نشاهد:

 

          أ – مجالاً من بذر هذا الفطر حول الذبابة المذكورة.

 

          ب – ويشاهد حول القسم الثالث والأخير من الذباب على بطنها وعلى ظهرها وجود الخلايا المتفجرة، التي خرجت منها البذور، وقد برز منها رؤوس الخلايا المستطيلة التي مر ذكرها. وقد جاءت مكتشفات العلماء الحديثة مؤيدة ما ذهب إليه” بريفلد” ومبينة خصائص عجيبة لهذا الفطر الذي يعيش في بطن الذبابة منها:

 

          1- في عام 1945 أعلن أكبر أستاذ في علم الفطريات وهو” لانجيرون” أن هذا الفطر الذي يعيش دوماً في بطن الذبابة على شكل خلايا مستديرة فيها خميرة خاصة ( أنزيم ) قوية تحلل وتذيب من أجزاء الحشرة الحاملة للمرض.

 

          2- في عام 1947 – 1950 تمكن العالمان الإنجليزيان” آرنشتين وكوك” والعالم السويسري” روليوس” من عزل مادة سموها” جافاسين” استخرجوها من فصيلة الفطور التي تعيش في الذباب وتبين لهم أن هذه المادة مضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة من بينها جراثيم غرام السالبة والموجبة والديزانتريا والتيفوئيد.

 

          3- وفي عام 1948 تمكن” بريان وكورتيس وهيمنغ وجيفيرس وماكجوان” من بريطانيا من عزل مادة مضادة للحيوية أسموها” كلوتيزين” وقد عزلوها عن فطريات تنتمي إلى نفس فصيلة الفطريات التي تعيش في الذباب وتؤثر في جراثيم غرام السالبة كالتيفوئيد والديزينطريا.

 

          4- وفي عام 1949 تمكن عالمان إنجليزيان هما” كومسي وفارمر” وعلماء آخرون من سويسرا هم” جرمان وروث واثلنجر وبلاتنز” من عزل مادة مضادة للحيوية أيضاً أسموها” انياتين” عزلوها من فطر ينتمي إلى فصيلة الفطر الذي يعيش في الذباب وتؤثر بقوة على جراثيم غرام موجب وسالب وعلى بعض فطريات أخرى كالزحار والتيفوئيد والكوليرا.

 

          5- وفي عام 1947 عزل” موفيتش” مواد مضادة للحيوية من مزرعة للفطريات الموجودة على نفس جسم الذبابة، فوجدها ذات مفعول قوي على الجراثيم السالبة لصيغة غرام. كالزحار والتيفوئيد وما يشابهها ووجدها ذات مفعول قوي على الجراثيم المسببة لأمراض الحميات ذات الحضانة القصيرة المدة. وأن غراماً واحداً من هذه المادة يمكنه أن يحفظ أكثر من 1000 لتر من اللبن المتلوث بالجراثيم المذكورة.

          والخلاصة يستدل من كل ما سبق أنه:

 

          1- يقع الذباب على الفضلات والمواد القذرة والبراز وما شابه ذلك، فيحمل بأرجله أو يمج كثيراً من الجراثيم المرضية الخطرة.

 

          2- يقع الذباب على الأكل فيلمس بأرجله الملوثة للمرض هذا الطعام، أو هذا الشراب، فيلوثه بما يحمل من سم ناقع، أو يتبرز عليه فيخرج مع ونيمها تلك الجراثيم الدقيقة الممرضة.

 

          3- فإذا حملت الذبابة من الطعام، وألقيت خارجه دون غمس، بقيت هذه الجراثيم في مكان سقوط الذباب، فإذا التهمها الآكل وهو لا يعلم طبعاً، دخلت فيه الجراثيم، فإذا وجدت أسباباً مساعدة تكاثرت ثم صالت وأحدثت لديه المرض، فلا يشعر إلا وهو فريسة للحمى طريحاً للفراش.

 

          4- أما إذا غمست الذبابة كلها، أو مقلت في الطعام فماذا يحدث؟ إذا غمست الذبابة أحدثت هذه الحركة ضغطاً داخل الخلية الفطرية الموجودة مع جسم الذبابة فزاد توتر البروز والسائل داخلها زيادة تؤدي إلى انفجار الخلايا، وخروج الأنزيمات الحالة لجراثيم المرض والقاتلة له، فتقع على الجراثيم التي تنقلها الذبابة بأرجلها فتهلكها وتبيدها، ويصبح الطعام طاهراً من الجراثيم المرضية.

 

          5- وهكذا يضع العلماء بأبحاثهم تفسيراً للحديث النبوي المؤكد لضرورة غمس الذبابة كلها في السائل أو الغذاء ليخرج من بطنها الدواء الذي يكافح ما تحمله من داء.

 

          ويستنتج من ذلك أن العلم الحديث قد حقق ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم.

 

          فقد أثبت العلم الحديث أن الذباب ينقل الجراثيم والأقذار بأرجله من النفايات والكنف والمزابل إلى الأطعمة والأشربة، وإلى فتحات الوجه والتنفس فيسبب الأمراض المعدية من تيفوئيد وسل وكوليرا وغيرها، وهذا ما أخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم من أن بأحد جناحي الذبابة الداء.

 

          والداء يجب الوقاية منه والبعد عنه، ولا يكون لك إلا بمكافحة الذباب وإبادته والاحتراس منه.

 

          ويقرر العلم الحديث أيضاً كما رأينا أن في الذباب طفيليّاً له ذيفان يبيد الجراثيم ويفتك بها بشدة، وأن هذا الذيفان لا ينفصل عن جرثومة إلا بعد وصول توتره إلى درجة معينة، يكفي لبلوغه الضغط عليه بغمسه ولو في الشراب أو الطعام. وهذا ما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، {وَمَا يَنطöقُ عَنö ٱلْهَوَىٰ * إöنْ هُوَ إöلاَّ وَحْيñ يُوحَىٰ}.(النجم: 3، 4)

* * * * *

 

          ب )- عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ فقال:” لا إن ذلك دم عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي”.

 

          المسألة هنا كما يلي: للمرأة عادة شهرية يخرج فيها الدم من رحمها كأثر من آثار عدم تلقيح بويضة الأنثى بماء الذكر والدم الذي يخرج منها في هذه الحالة يسمى دم حيض وهذه امرأة يخرج منها الدم دائماً وكانت تتصور أن الدم كله حيض ولكن الرسول أفهمها أن هذا الدم ليس دم حيض ولكنه نزيف عرق.

 

          فماذا يقول العلماء المختصون المعاصرون ؟

 

          يقولون: إن الدم الوحيد الذي يخرج من الرحم – عادة – هو دم الحيض والنفاس أما الدم الآخر فمرجعه إلى نزيف يحدث في بعض الأغشية مما لا علاقة له بدم الحيض، فهل كان حديث أهل الاختصاص في عصرنا إلا مصدقاً لما قاله عليه السلام من عصور لم يكن فيها معروفاً ؟.

 

* * * * *

 

          ج )- روى مسلم عن طارق الجعفي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنه فقال: إنما أصنعها للدواء فقال:” إنه ليس بدواء ولكنه داء”.

 

          إن هذا الحديث يذكر أن الخمرة من أسباب المرض وليست من أسباب الشفاء. فماذا يقول الأطباء في عصرنا ؟ ننقل للجواب على هذا ما ذكره صاحب كتاب روح الدين الإسلامي في هذا الموضوع، وقد نقل هو قسماً من بحثه عن الإسلام والطب الحديث يقول:

 

          “ الخمر أساسها مادة الكحول بكميات مختلفة، وهذه المادة توجد بنسبة خفيفة جداً في جسم الإنسان في عملية هضم المواد السكرية... ولها فوائد طبياً ولكن يظهر أن هذه الفوائد قاصرة على هذا القدر البسيط جداً ( والحديث لم يذكر أن ما يجري داخل الجسم من عملية التخمر فيه ضرر ولكن الكلام فيما نخمره ثم نشربه ) فإن زاد عن ذلك أحدث ضرراً خصوصاً إذا كان التعاطي لمدة طويلة، فإنه يحدث التهاباً مزمناً في الأعصاب وفي الكلى، وتصلباً في الشرايين وتحجراً في الكبد، وضعفاً في القلب. وربَّ سائلٍ يقول: لم لا يؤخذ منه مقدار بسيط ؟ ( ولا يسأل هذا السؤال إلا إنسان يجهل أن الجسم متى اعتاد على الكحول طلبه وغلب عليه، فلم يعد يستطيع الصبر عنه ) والجواب أن الكحول يختلف عن أغلب المواد في أنه حتى بالمقادير البسيطة يحدث ضعفاً في قوة الإرادة والحكم، وتزداد به الانفعالات النفسية، وهذا هو الخطر، لأن الشخص يصبح شخصاً آخر، وإرادته تصبح غير إرادته الطبيعية، ومع علمه بضرر الزيادة في حالته الاعتيادية لا يقوى على منع نفسه، وهو تحت تأثير البسيط منه وقد يحدث الشيء البسيط منه حركة انتعاش ولكن ضعف الإرادة المتولدة منه يجعل الشخص عبداً لعادة شرب الخمر.

 

          وإن تأثير الخمر يبدأ بمجرد وصول عشرة جرامات من الكحول إلى الدم للشخص البالغ، وهذا القدر يوجد في كأس واحدة من الويسكي أو الكونياك، وقد لا يصل الشخص إلى درجة السكر، ولكن على كل حال له أثر ملموس في حالة الشخص الجسمية والعقلية، وإذا فحص الشخص في هذه الحالة، نجد أن درجة إدراكه وتقديره قد تغيرت فعلاً، فهو مثلاً إذا كتب على الآلة الكاتبة زادت أخطاؤه عن المعتاد، وإذا قاد سيارة لم يتبع بالضبط قوانين المرور. وقد ثبت من الإحصائيات أن أكثر ن 13 في المائة من حوادث المرور سببها الخمر.

 

          والجرعة الواحدة من الخمر تحدث شيئاً من الارتفاع في ضغط الدم، وهذا الارتفاع وحده قد لا يكون له ضرر كبير ولكن الضرر يتضاعف إذا كان الشخص مرتفع الضغط من نفسه، ثم إذا كانت كمية الخمر وافرة كانت كافية لأن تحدث هيجاناً يزيد في الضغط لدرجة ينفجر معها شريان في المخ، يسبب شللاً قد ينجو منه الشخص جزئياً أو لا ينجو كلية، إذ من المعلوم أن الشخص الذي ضغطه الدموي مرتفع يجب أن يلتزم الهدوء في حياته، لأن أي هيجان يزيد في ارتفاع الضغط يعرضه لانفجار شرياني، والسكران لا يمكنه أن يضبط عواطفه، وبالتالي لا يمكنه أن يضمن لنفسه هذا الهدوء.

 

          والخمر تحدث عند غير المتعوّد عليها احتقاناً في المعدة، قد يسبب غثياناً أو قيئاً، وإذا كانت الجرعة كبيرة سببت التهاباً في المعدة وعسر هضم يمتد إلى بضعة أيام.

 

          ويرى بعض الأطباء أن الخمر ولو كانت قليلة جداً، فهي ضارة بالخميرات في طول القناة الهضمية، وهذه الخميرات ضرورية لسير حركة الهضم سيراً طبيعياً. والخمر لها تأثير في الوراثة، فقد شوهد أن أولاد السكيرين ينشأون غير صحيحي الجسم، ضعفاء البنية ناقصي العقول، ويكون لديهم ميل إلى الإجرام ودافع إلى الشر. وأن من يبحث في كتب الطب يتولاه العجب عندما يقرأ مسببات الأمراض المختلفة. إذ يجد للخمر نصيب الأسد في ذلك.

 

          لقد أصبحت فكرة التداوي بالخمر محض خرافة وتأكد كونها داء بعشرات الطرق، وأقل ما فيها ما ذكره”بتنام” في كتابه أصول الشرائع: النبيذ في الأقاليم الشمالية يجعل الإنسان كالأبله وفي الأقاليم الجنوبية يجعله كالمجنون”[9].

 

          ولعله وضح بعد هذا كيف أن كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينقصها شيء، لأنها محض الحق الذي لا تزيده الأيام إلا تثبيتاً وتأكيداً.

* * * * *

 

          د )- عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إن لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله” رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء” رواه البخاري. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام”.

أخرجه أبو داود.

 

          هذه الأحاديث تلح أن لكل داء دواء، فماذا قال الواقع ؟

 

          لقد قال الواقع ولا يزال يقول كل يوم إن ذلك حق لا مرية فيه، ففي كل يوم يكشف أهل الاختصاص دواء لداء لم يكن له دواء معروف. ولعلك تلاحظ أن العلماء مقبلون على محاولة اكتشاف دواء كل داء بروح الواثق أنه لا بد أن يكون لكل داء دواء وإن جهلوه الآن، فهم لا بد واجدوه. فأخذت هذه القضية مأخذ البديهية في أذهانهم، وفي ذلك كله تجد كيف أن كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنتقض بل هي الصدق كل الصدق.

 

* * * * *

 

          هِ )- مما قرره علماء الظواهر الطبيعية في عصرنا أن ما ينزل سنوياً من الأمطار في العالم لا يتغير مقداره بتاتاً، فلا يزيد ولا ينقص ولو مقداراً بسيطاً، وعللوا ذلك بأن ما تقدمه الشمس من الحرارة نسبته ثابتة. والعوامل الأخرى التي تشارك في وجود ظاهرة المطر تبقى ثابتة ونسبة الأمطار بالتالي لا تتغير بتاتاً في كل عام، وأما ما نراه من كون المطر ينزل في منطقة واحدة بنسب مختلفة خلال سنين، فهذا لا يؤثر على جوهر القضية، لأنه ينقص في مكان على حساب زيادته في مكان آخر، فالنسبة بالنسبة للعالم كله واحدة وإن اختلفت بالنسبة لكل منطقة على حدة.

 

          وانظر بعد هذا الذي قدمناه إلى هذا الأثر تجد أن علماء عصرنا ما – زادوا – على أن أكدوا مضمونه ليكون جزءاً من شهادة الواقع على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والأثر هو:” ما عام بأمطر من عام”[10].

 

* * * * *

 

          و )- روى أبو داو والترمذي عن ابن عباس حديث دخوله وخالد بن الوليد مع رسول الله على ميمونة. ومن الحديث قال: قال صلى الله عليه وسلم:” من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن”.

 

          إن هذه الحقيقة التي أشار إليها الحديث هي كون الحليب هو الغذاء الكامل وأي غذاء آخر يبقى فيه نقص كغذاء منفرد، أصبحت الآن تجدها في أي كتاب عن علم التغذية يصدر الآن، وذلك بعد أن تقدمت وسائل التحليل والتجريب، وتقدمت العلوم، فكانت حصيلة ما وصل إليه إنسان عصرنا متناسقةً تماماً مع ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث بشكل واضح، وهذه الحقيقة على بساطتها تدلك أن الكلمة النبوية حق وصدق لا يزيدها مرور الأيام إلا ثباتاً.

 

* * * * *

 

          ز )- نشر الدكتور” جراد فنتسر” في مجلة كوسموس الألمانية مقالاً تحت عنوان: الأخطار التي تنشأ عن اقتناء الكلاب والاقتراب منه جاء فيه:

 

          “ إن ازدياد شغف الناس بالكلاب في هذا العهد الأخير، يضطرنا إلى لفت الأنظار للأخطار التي تنجم عن ذلك وخاصة إذا دفع اقتناؤها إلى مداعبتها وتقبيلها، والسماح لها بلحس الأيدي وتركها تلعق فضلات الطعام من أوانيها، فكل ما ذكره مع نبوّه عن الذوق السليم، ومنافاته للآداب، لا يتفق وقوانين الصحة فإن الأخطار التي تهدد صحة الإنسان وحياته بسبب هذا التسامح لا يستهان بها، فإن الكلاب تصاب بدودة شريطية تتعداها إلى الإنسان وتصيبه بأمراض عضالة قد تصل إلى حد العدوان على حياته”.

 

          وقد ثبت أن جميع أجناس الكلاب حتى أصغرها حجماً  تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطية.

 

          وقد رؤي في إقليم فريزلند بهولندة حيث تستخدم الكلاب في الجر. أن فيكل مائة منها 12 إصابة. ووجد في اسلانده شخص مصاب بهذه الآفة في كل 43 شخصاً من أهاليها. وشوهد أن هذه النسبة تزيد في استراليا إذ ثبت وجود شخص في كل 39 شخصاً من سكانها مصاباً بها. وثبت كذلك أنها كانت سبباً مباشر للكثير من الأمراض في الأقطار الأخرى.

 

          ثم يقول:” ومما تجب على الناس مراعاته عدم مداعبة الكلاب، وتعويد الأطفال التوقّي منها. فلا تترك تلعق أيديهم ولا يجوز إبقاء الكلاب بمحال نزهة الأطفال، وميادين رياضتهم، ويجب أن لا تطعم الكلاب في الأواني المعدّة لأكل الناس وأن لا يسمح لها بدخول متاجر المأكولات والأسواق العامة أو المطاعم. على وجه عام يجب إبعادها عن كل ما له صلة بمأكل الإنسان ومشربه”.

 

          وإن من كشوفات عصرنا استخراج كثير من مبيدات الجراثيم من التراب وخاصة تراب المقابر، لأنه أكثر من غيره تلوثاً فمثلاً الستربتومايسين والتتراسكلين والنيوماسين، وكلها من مبيدات الجراثيم، استفيد من التراب في استخراجها لوجود ذيفان في جراثيمه يقضي على أنواع من الجراثيم الأخرى.

 

          ضع ما مر كله في ذهنك واقرأ هذا الحديث:

 

          روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه كلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب”. إنك ترى أن كشوفات عصرنا قد برهنت على صدق ما دلنا عليه الحديث.

 

* * * * *

 

4- وأخيراً: فإنه ما من كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والحق والصدق مضمونها. ولكن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين:

 

1-   ما له علاقة بالغيب.

2-   ما له علاقة بالمشهود المحسوس.

 

          فالنوع الثاني فقط هو الذي يستطيع الإنسان أن يختبره فإذا ما ثبت صدقه فيه كان ذلك آية صدقه على الأول، هذا مع أنّ الله عز وجل علامات أخرى تدلّ على صدقه صلى الله عليه وسلم في أمر الغيب، هي المعجزات والنبوءات. فرسولñ ثبت صدقه في كل شيء مع هذه المؤيدات لا يبقى مجال أما الإنسان إلا التسليم له.

 

          ونحب أن نذكر هنا بعض الملاحظات المهمة بمناسبة كلامنا عن صفة الصدق عنده عليه الصلاة والسلام:

 

          الملاحظة الأولى: إن معرفة صحة الحديث، وتأكد ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينبغي أن يسبق دراسة المضمون. لأن كثيراً من الكلام دُسَّ عليه، وقد قام العلماء بتمحيص الصحيح من كل ما روي عنه الصلاة والسلام، فلا بد من الرجوع إلى ما أثبتوه أولاً، ليكون تحليل المضمون قائماً على أساس سليم، وينبغي أن يتوافر هذا في كل دراسة لها علاقة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          الملاحظة الثانية: إن بعض الألفاظ في اللغة العربية نقلت من مدلولاتها اللغوية إلى مدلولات شرعية، فصارت تطلق على كلا المدلولين وقد تستعمل في القرآن وفي حديث الرسول تارة بالاستعمال الأول، وتارة بالاستعمال الجديد، فلا بدل لدارس النص من أن يتأكد من نوعية استعمال اللفظ في النص الذي يدرسه. فمثلاً كلمة” السماء” ذكرت أحياناً في القرآن للدلالة على المعنى اللغوي وهو كل ما على. وذكرت أحياناً للدلالة على السماء التي هي سكن الملائكة وفيها من عالم الغيب فلا بد لدارس نص فيه مثل هذا أن يعرف بواسطة القرائن المقصود الحقيقي من اللفظ في هذا المحل. وقد أخطأ كثيرون في فهم النصوص نتيجة لعدم وضوح هذا عندهم فعرضوا قضايا على أنها حقائق وهي ليست كذلك، وأنكروا قضايا هي من باب الحقائق، وهم في كلا الحالتين متوهمون، وجعلوا توهمهم من الإسلام، فحمّلوا الإسلام ما ليس منه جهلاً.

 

          الملاحظة الثالثة: إن بعض الأمور تكون نتيجة لعوامل كثيرة، كل عامل من هذه العوامل يكون سبباً من عدة أسباب مؤثرة فيه، وفي هذه الحال لو ذكر إنسان سبباً فقط ولم يذكر الآخر لا يعني هذا أنه ينفي البقية. فمثلاً قد يكون الكسل نتيجة لاجتماع الحر والتعب والضجر والعادة والملل، وقد تجتمع هذه الأسباب كلها عند إنسان، فلو قلت لهذا الإنسان: الحر جعلك تكسل لا يعني هذا أنني أنفي الأسباب الأخرى لكسله، وهناك كثير من القضايا ربطها الله – عز وجل – بأسباب حسية وأسباب غيبية، كالموت مثلاً فإن له سبباً حسياً هو المرض، وآخر غيبياً هو قبض الروح من قöبَلَ الملك الموكل بذلك، وأمور كثيرة من هذا النوع، والقرآن والحديث قد يتحدثان في موقف عن السبب الحسي لقضية، وقد يتحدثان في موقف آخر عن السبب الغيبي لها، ولا يعني أن ذكر أحدهما في موطن نفي للثاني.

 

          ومن هنا نجد أن كثيرين من الناس يتوهمون في فهم بعض النصوص، فتراهم إذا قرءوا نصّاً يتحدث عن السبب الغيبي فقط لقضية لها سبب حسي كذلك، إنهم ينفون السبب الحسي أو العكس في القضايا المقابلة، وذلك جهل عظيم يقابله جهل الذين يثبتون السبب الحسي فقط، ولا يثبتون معه السبب الغيبي الذي أخبرنا به الرسول الصادق صلى الله عليه وسلم. إن القوارع والجوائح والمصائب التي تصيب بني البشر لها أسبابها العادية، ولا يتنافى هذا مع كونها بقدرة الله وإرادته انتقاماً من الناس بما صنعوا وتذكيراً لهم حتى يرجعوا. قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذöينَ كَفَرُواْ تُصöيبُهُم بöمَا صَنَعُواْ قَارöعَةñ أَوْ تَحُلُّ قَرöيباً مّöن دَارöهöمْ}[11].

 

          الملاحظة الرابعة: تمتلئ كتب التصوف الإسلامي بالحديث عن انكشاف بعض عوالم الغيب لأناس، ويقول بعض السائرين إلى الله: إن أي إنسان يفعل ما يفعلون يصل مثل الذي يصلون إليه من مثل هذه المشاهدات التي تزيد في يقين الإنسان، ويلاحظ أن بعض الذين يقولون مثل هذا الكلام ناسñ مُجْمَعñ على توثيقهم وصدقهم، وهذا لا شك من جملة المؤكدات لصدق رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنا نحب هنا أن نذكر بعض الضوابط لنعرف حدود ما يمكننا قبوله من هذا الكلام فنقول:

 

          1- إنّ إمكانية رؤية بعض عوالم الغيب ضمن شروط معينة جائزة. أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ووقعت لبعض الصحابة، فقد روى أحمد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يسمع عذاب القبر:” لولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع”. وقد روى مسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وحنظلة:” والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ساعة وساعة، ساعة وساعة”. وأخرج البخاري عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت الفرس ثم قرأ فجالت وكان ابنه يحيى قريباً منها فانصرف فأخّره، ثم رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وتدري ما ذاك ؟ قال: لا. قال:” تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر إليها الناس لا تتوارى منهم”. وأخرج الشيخان والترمذي عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له فقال:” تلك السكينة تنزلت للقرآن”.

 

          2- لكننا لا نستطيع قبول كلام يدعي صاحبه أنه من مثل هذا إلا بشروط منها:

 

          أ- أن يكون ممن تقبل شهادته، فالفاسق والمبتدع والضال وجميع هؤلاء لا تقبل شهادتهم وكلامهم في مثل هذه القضايا.

 

          ب- وأن يكون هذا الاطلاع كأثر من آثار التزامه بشريعة الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نقبل كلام إنسان ادعى أنه شاهد من مثل هذا باتباعه طريقاً لم يشرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه بعمله فسق والفاسق لا شهادة له.

 

          ج- وأن يكون ما اطلع عليه من عالم الغيب متفقاً مع أن ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن رسول الله هو الذي لا يمكن أن يكون في كلامه خطأ، ولأن الله جعله الحجة على الناس في كل شيء، فلا تقبل كلام إنسان ينقضه نص.

 

          د- وألا يكون مدعاه أنه شاهد شيئاً تستحيل مشاهدته شرعاً في قوانين كوننا الحالية، أو يرتب على مشاهدته تشريعات محدثة.

 

          فمن توافرت فيه هذه الشروط وأخبرنا أنه قد حدث له من هذه الكشوفات، فلا علينا لو قبلنا كلامه إذ لا مبرر لتكذيبه، ولم يعرف عنه إلا الصدق، ولعل الفارق بين العقل الخرافي العقل العلمي هو التثبت لا الإنكار دون مبرر، فهذا نوع من المرض العقلي يشبه المرض الآخر.

 

          الملاحظة الخامسة: إن هناك ظواهر غيبية كثيرة تحتاج إلى تحليل ووضع لها في محلها الصحيح:

 

1-    ظاهرة الأحلام.

2-    ظاهرة التنويم المغناطيسي.

3-    ظاهرة تحضير الأرواح.

4-    ظاهرة الاتصال بعالم الجن.

5-    ظاهرة التلبائي.

 

          هذه الظواهر وكل منها يدعم قضية الإيمان بعالم الغيب من زاوية من الزوايا، بصرف النظر عن تعليل هذه الظواهر، إلا أنها جميعاً تشير إلى قضية واحدة هي وجود عالم غيبي كما أخبر الرسل، تمثل هذه الظواهر جزءاً منه.

 

          فانكشاف شيء من المستقبل البعيد للإنسان وهو في حالة النوم , ووقوعه في كثير من الأحيان حرفياً دون أن يكون في بعض الحالات تفكير مسبق عنه، دليل على وجود علم محيط بالمستقبل، هو غيب بالنسبة لنا.

 

          وظاهرة التنويم المغناطيسي تدل بشكل لا يقبل الجدل، على وجود الروح وعلى أن لها قوانينها وعالمها الخاص، فالإنسان في حالة النوم المغناطيسي، تكون حواسه كلها معطرة، وحتى الأفعال الانعكاسية تكون في حالة شلل تام، حتى لو وخزت النائم بإبرة فإنه لا يظهر عليه أي شعور، ومع ذلك فإنك تسأله عن أشياء بعيدة عنه، فيحدثك عنها وكأنها لا يراها وهو لا يعرفها في حالة اليقظة، ولا يستطيع لو كان مستيقظاً أن يجيب على أي سؤال مما أجاب عليه وهو نائم، فإذا استيقظ من هذا النوع من النوم فإنه لا يتذكر شيئاً مما سئل عنه وأجاب. وهذه نقول عجيبة سجلت في حالات التنويم المغناطيسي:

 

          نقل” بيو” في كتابه:” المخاطبات على التنويم المغناطيسي” هذه المحاورة بين منوَّم ومنوَّمة كما نقلها” شارول” قالت المنوَّمة: هل تسمع ما يأمرني به ؟ فقال الدكتور: من هو الذي يأمرك ؟ فقالت هي: ألست تسمعه ؟ فقال: كلا لم أسمع شيئاً ولم أر أحداً. فقالت: حقيقة لأنك نائم وأنا يقظى. فقال لها الدكتور: كيف ذلك أتدّعين أني نائم وأنت يقظى، مع أنك تحت تأثير إرادتي في الحالة المغناطيسية، إنك تتوهمين أنك يقظى لكونك تكلميني، وإنك متمتع بنوع من الإرادة، ولكنك في الحقيقة لا تستطيعين أن تفتحي جفنيك. فقالت: إني أكرر لك القول بأنك أنت النائم وأنا بالعكس اليقظى تماماً على مثل الحالة التي سنكون عليها جميعاً في يوم ما لأفسر لك ذلك. إن كل الذي تستطيع أن تراه أنت ليس إلا أشكالاً غليظة مادية، فلا يمكن أن تميز إلا أشكالها الظاهرة، ولكن جمالها الحقيقي محجوب عنك تماماً، أما أنا في حالة وقوف وظائفي أعضائي الآن وفي حالة حرية روحي من علائقها الاعتيادية، فإني أرى ما هو مستور عنك وأسمع ما لا يمكنك سماعه، وأفهم كل ما هو غير مفهوم لديك. إلى أن قالت: وإني بمجرد الإرادة أستطيع أن أسمع الأصوات البعيدة عني ولو كان بيني وبينها مائة فرسخ. وبالاختصار فإني لا أحتاج أن تأتي الأشياء إليّ أنا بل أذهب إليها حيثما كانت، وأحكم على حقيقتها بطريقة أضبط مما يحكم بها عليها أي إنسان آخر لا يكون في الحالة التي أنا عليها.

 

          ونقل” أكزاكوف” في كتابه:” المذهب الروحي وفن استحضار الأرواح” ما يلي:

 

          “ إن زوجة الإنجليزي الشهير” دومرجان” معتادة على تنويم امرأة وجعل روحها تخرج من جسدها وتذهب إلى المحل الذي تعينه لها، فقالت لها يوماً وهي تحت تأثير النوم المغناطيسي: إذهبي إلى منزلي القديم فقالت المنوَّمة: قد فعلت وطرقت الباب بشدة، قالت زوجة دومرجان: فذهبت في اليوم التالي لأتأكد من صدقها، وسألت عما حصل في تلك اللحظة فأجابني السكان بأنهم سمعوا طرقاً شديداً على الباب، فذهبوا إليه فلم يجدوا أحداً فعلموا أن ذلك فعل الأشقياء من الأطفال.

 

          وينقل أكزاكوف كذلك حادثة أخرى لها علاقة بظاهرة تحضير الأرواح، هي أنه كان يحضر روحاً مع ثلة من إخوانه، وكانت الواسطة امرأة شهيرة هي مدام” دسبرانس” فشاهد أن الروح تجسدت من نصفها الأعلى وأن الواسطة التي هي المرأة قد فقدت أطرافها السفلى تماماً. وقد فحصوا ذلك بأيديهم وأعينهم وهم في غاية الدهشة، فلم يجدوا لأطرافها أثراً ثم لما ذهبت الروح عادت إليها أطرافها، وقد شاهد مثل هذه الحادثة التي فيها يفنى جسد الواسطة كله أو بعضه علماء آخرون”.

 

          وظاهرة تحضير الأرواح كظاهرة التنويم المغناطيسي أصبحت منتشرة في كل مكان في العالم، وهي تدل بمجملها على وجود عالم الغيب، إذ الأرواح التي تحضر قسم منها يذكر أنه أرواح بشر، وأخرى تذكر أنها أرواح جن، وهي كما رأيت في بعض مظاهرها أن بعض الأجسام لا ترى مع وجودها إذا كانت في حالة روحية معينة.

 

          وأما ظاهرة التلبائي[12] وهي الظاهرة التي تحدث لبعض الناس، إذ يشاهدون حوادث بعيدة جداً بشكل خارق، فهي كذلك تدل على أن في الإنسان شيئاً غير الجسد، وأما ظاهرة الاتصال بالجن وهي ظاهرة موجودة بشكل واضح في بعض المناطق ولها خصائصها الغريبة. فهي تؤكد بشكل ما وجود عالم الجن والشياطين الذي أخبر عنه الرسل. هذه الظواهر كلها تشير وتؤكد أن هناك عالم غيب، ولكن هذه الظواهر كلها لا يصح أن تكون وسيلة من وسائل المعرفة وطريقاً من طرق الهداية، إذ ما من واحدة منها فيها ضمانة على أنها طريق سليم للمعرفة، إذ يختلط بها الكذب بالصدق، والحق بالباطل، وروح الشيطان بروح الإنسان، وليست هناك مسؤولية محددة، كما أن للدجل في كثير من أحوالها نصيباً. لذلك يبقى أمام الإنسان طريق وحيد مأمون لمعرفة عالم الغيب، هو طريق الرسول المؤيد بالمعجزة من عالم الغيب، وهي شهادة ضمان كاملة على الحق، عدا عن كون البلاغ يأتينا عن مصدر ثقة مسؤول مشاهد لنا معروف، مادام الرسول وحده هو المصدر الوحيد للمعرفة في موضوع عالم الغيب، فينبغي أن يعرض استخدام هذه القضايا على هديه، ليعرف حكم الجواز أو عدمه. كما ينبغي أن يعرض ما يأتينا منها على هديه ليعرف وجه الحق فيه، ولا يصح أبداً أن نعتبر أمثال هذه الطرق وسيلة من وسائل المعرفة الجازمة أو طريقاً من طرق الهداية المستقلة.

 

          الملاحظة السادسة: إن سبب التزامنا الكامل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم كمقياس وحيد للحق، وهو أنه وحده الذي كلفنا الله – عز وجل – باتباعه وتصديقه، وألزمنا ذلك وأقام علينا الحجة فيه بالعلامات الكثيرة التي جعلها مؤيدة له، وشاهد صدق على رسالته، فكان هذا ضماناً لنا بأنه على الحق والصدق اللَّذَيْن لا شبهة فيهما، لأن الله وحده هو المحيط علماً بكل شيء، والمنزه عن كل خطأ، وهذا رسوله صلى الله عليه وسلم الذي ينطق بأمره ووحيه، فهو كذلك منه عن الخطأ والباطل برعاية الله وتعليمه، وهذه شهادة الواقع تثبت أن الحق كل الحق في كل كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

          ذكرنا هذه الملاحظات الستة في معرض الحديث عن صفة الصدق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأن الذي يصرف بعض الناس عن الإيمان شبهة لها علاقة بواحدة من هذه الملاحظات، كمثل ذلك الذي يستبعد وجود عالم غيبي، أو كذلك الذي أشكل عليه نص، إما لأن النص غير صحيح النسبة لرسول الله. أو لعدم حمل الحديث على المعنى المراد. أو لقصور الاطلاع وهكذا...

 

          وعلى كل فإن كل ما كتبناه هنا عن صفة الصدق لرسول الله هو مقدمة البرهان عليها. وإلا فإن هذا البحث بأبوابه الخمسة برهان عليها وتأكيد لمضمونها بالشكل الذي يثلج القلب بإذن الله ببرد اليقين.

 

          والآن ننتقل لاستعراض الصفة الأساسية الثانية للرسل وحظه الأكمل منها عليه الصلاة والسلام.



[1] الأنعام : 33 .

[2] فصلت : 1 – 11 .

[3] الشعراء : 214 .

[4] المسد : 1 .

[5] طلح : تعب وأعيا .

[6] البقرة : 207 .

[7] أخرج أبو داود والترمذي عن أنس نحوه . أما هذ فقد ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين .

[8] بطل الأبطال لعبد الرحمن عزام .

[9] روح الدين الإسلامي لعفيف الدين طيّارة .

[10] تفسير ابن كثير سورة الفرقان .

[11] الرعد : 31 .

[12] انظر مادتي " نوم " ج10 ص 412 و " روح " ج 4 ص 369 في دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error