وفي الفصل الأول رأينا أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفات الأساسية للرسل الحظ الأعلى. وسنرى في هذا الفصل أن جوانب شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام متعددة تعدداً يجعله منفرداً عن الرسل بميزات، إن شاركوه في بعضها فلم يشاركوه في الكل. فشخصية الرسول تمثلت فيها كل جوانب الحياة، وما كل رسول كان له مثل هذا. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان أباً وما كل رسول كان أباً، وكان زوجاً وما كل رسول تزوج، وكان رئيس دولة ومؤسسها وما كل رسول أقام دولة، وكان القائد الأعلى لجيش الإسلام والمحارب الفذ وما كل رسول حارب. وبعث للإنسانية عامة فشرع لها بأمر الله ما يلزمها في كل جوانب حياتها العقدية والعبادية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية، ولم يبعث رسول قط إلى الإنسانية عامة غيره وكان المستشار والقاضي والمربي والمعلم والمهذب والعابد والزاهد والصابر والرحيم... إلى آخر صفاته – عليه الصلاة والسلام – التي استوعبت كل جوانب الحياة، فكان بذلك بين الرسل الرسول المفرد العلم الممتاز {تöلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} وإنما كان ذلك لأن الله جلت حكمته جعل الإسلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم نظاماً شاملاً لجوانب حياة البشر كلها، وجعل حياة رسوله نموذجاً لدينه كله في كل جوانبه، حتى تقوم الحجة على الناس مرتين، مرة بالبيان النظري ومرة بالبيان العملي، وشيء آخر هو أن البشر فيهم الأب والابن والزوج. وفيهم السياسي والاقتصادي ورجل الشورى، وفيهم المحارب والمسالم، وفيهم المبتلى والمعافى، وفيهم الراعي والرعية، وفيهم العامل والتاجر، فالحياة البشرية متعددة الجوانب , وكل إنسان يعيش حياة تختلف في بعض جوانبها أو تتفق مع الآخرين، وقد فرض الله على البشر على اختلاف مستوياتهم، أن يكون الرسول قدوتهم في كل شيء، فما لم تكن شخصية الرسول متعددة الجوانب والمواقف هذا التعدد، لا يكون قدوة لكل البشر في كل شيء.
وقد يعجب إنسان أن تكون حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخصب بحيث تستوعب كل جوانب حياة البشر. فتكون قدوة لهم في هذا كله، ولكنه الواقع الذي تشهد له كل الدراسات النظرية والعلمية.
فمثلاً من الناحية النظرية: ادرس مواقف الصبر عنده فإنك تجدها وقد استوعبت كل موقف يحتاج الناس به الصبر. لقد أقام الله رسوله مقام المخرج من وطنه، ومقام من مات له أولاد وأولاد وأولاد، ومن ماتت له زوجة وعم وأبناء عم بعضهم قتلى. ومقام من فشل أصحابه في معركة كان يديرها هو، ومقام من أوذي واستهزئ به، ومقام من شمت فيه ومن اتهم في عرض أºب الخلق إليه، ومقام من مرض وجرح، ومقام من جاع وعطش وخاف وغير ذلك من المقامات التي يعتبرها الناس مصائب بحيث لا تصيب الإنسان مصيبةً إلا ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصيب بمثلها، وكان له موقف مثالي منها، فيقف مثله إن كان مؤمناً.
ومن الناحية العملية: فإن تاريخ الأمة الإسلامية ما خلا في عصر من عصوره، من ملايين من أفراد هذه الأمة مختلفي المدارك، ومختلفي المستويات. ومختلفي الاختصاصات ومختلفي المشارب، منهم الغني والفقير والقائدة والرئيس والعالم والعابد وغيرهم وغيرهم، كل منهم متمسك بحبل الاقتداء برسول الله في الصغيرة والكبيرة. حتى أنك لتجد النماذج المتباينة من هؤلاء وكل منهم يقيم الدليل على أن سلوكه هو سلوك رسول الله فيما يسير عليه، وكل ذلك في الواقع ناتج عن الخصب في حياة الرسول التي استوعبت أحوال البشر جميعاً.
والرسول عليه الصلاة والسلام في كل موقف من هذه المواقف، وفي كل حال من الأحوال، وفي كل جانب من الجوانب، كان المثل الأعلى للبشر والقدوة العليا لهم. إذ إليه يرجع الكمال في كل شيء، ومنه يعرف الكمال في كل شيء، وهذا هو الجانب الذي سنعرض له في هذا الفصل ليتضح لنا أنه لا كمال لأي إنسان مهما كان في أي حالة. إلا باتباعه والاقتداء به والتأسي به، وإن الله لم يعط من الكمال لإنسان ما أعطاه محمداً، ولم يجتمع في إنسان من الكمالات ما اجتمع في شخصه العظيم، وذلك آية لله على أن هذا الإنسان رسوله º إذ ما كان ليجتمع لإنسان منبت عن الله وكمالاته، وإحاطة علمه وتوفيقه.
وطبعاً نحن لا نستطيع – وخاصة في مثل هذا الفصل القصير المخصص لهذا البحث – أن نحيط بجوانب شخصية الرسول – عليه الصلاة والسلام – مع الإشارة إلى الكمال عنده في كلٍّ. فذلك شيء يستنفد جهد الباحثين الكثير ولا يحاط به. وإنما سنكتب هنا أربع فقرات فقط وباختصار. حول أربعة جوانب من حياته عليه الصلاة والسلام ونرى فيها ما قدمناه واضحاً وهو مقصود هذا الفصل.
هذه الفقرات هي:
الفقرة الأولى: الأخلاقي الأول
الفقرة الثانية: رجل الأسرة الأول أباً وزوجاً
الفقرة الثالثة: المعلم والمربي الأول
الفقرة الرابعة: رجل الدولة الأول سياسيّاً وعسكريّاً.
واخترنا هذه الجوانب لأن المعروف عند الناس أن كمال الإنسان في جانب من هذه الجوانب يكون على حساب تفريطه في بقية الجوانب، وكلامنا في غير المقتدين بالرسل من أتباعهم، فاجتماع الكمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الجوانب كلها دليل على صحة ما قلناه. ولتبدأ باستعراض الفقرة الأولى.
* * *
1- الأخلاقي الأول
{وَإöنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظöيمٍ}
إن أبرز سمة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم المتعددة الجوانب أخلاقياته التي لا مثيل لها، فلو أجمعت أنك جمعت كل خلق عظيم في العالم، وكل تصرف أخلاقي سليم تصرفه في يوم من الأيام إنسان، فإن ما تجده في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يربو على هذا كله مجتمعاً. مع انعدام التصرفات غير الأخلاقية في حياته عليه الصلاة والسلام، مما لا تستطيع معه أن تجد في حياته كلها تصرفاً يمكن أن ترى أعظم منه. وكان أصحابه – رضي الله عنهم – يعرفون منه هذا، ويتصرفون على أساسه معه، فكثيراً ما كانوا يوقفون ناساً مواقف سنّ الأنبياء السابقون فيها سنناً فكان يفعل ما فعلوا، ويعرف الصحابة ماذا سيفعل، إذ أنهم يعرفون عنه أنه لا يرضى أن يكون أحد أرقى منه تصرفاً أو مسلكاً.
في الطريق إلى فتح مكة لقي الرسول صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية، وهما ابن عمه وابن عمته، وكانا من أشد الناس إيذاء له بمكة، فأعرض عنهما فأشار علي بن أبي طالب على ابن عمه قائلاً:” ائته من قبل وجهه وقل له ما قال إخوة يوسف: {تَٱللَّهö لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإöن كُنَّا لَخَاطöئöينَ} فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه جواباً، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفöرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحöمöينَ}.
فانظر ذلك الذي لا يرضى أن يسبقه أحد في موقف من مواقف مكارم الأخلاق. إن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم هي ميزة شخصيته الكبرى، حتى أنه ليحدد مهمة رسالته بقوله:” إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” والواقع أنك لا تستطيع أن تأخذ صورة كاملة عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا إذا فهمت القرآن والسنة، وكل ما له علاقة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ أخلاقه كما وصفته سيدتنا عائشة – رضي الله عنها – هي القرآن، إذ قالت:” كان خلقه القرآن”.
وقد رأيت بشكل عملي في بحث الأمانة من الفصل الأول أن كل آية من القرآن كان صلى الله عليه وسلم المظهر العملي لها، إذ استعرضنا هناك عدداً من الآيات والأمثلة التطبيقية على ذلك.
إلا أننا نريد بهذا البحث أن نأتيك ببعض أمهات الأخلاق ومظاهرها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشكل الذي لا يرقى إليه أحد سابقاً أو لاحقاً.
ونختار من هذه الأخلاق أخلاق الصبر والرحمة والحلم والكرم والتواضع. فهذه من أمهات الأخلاق التي تحمد إذا كانت في محلها، وسنرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع كل شيء في محله فإذا كان العفو غير محمود فلا عفو، وإذا كانت الرحمة غير محمودة فلا رحمة، وهكذا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الذي توزن بتصرفاته أخلاق البشر ويتحدد بهذه التصرفات حدود كل خلق فلا يطغى خلق على خلق.
أولاً: نماذج من صبره صلى الله عليه وسلم:
1- مر معك في مبحث التبليغ صور من صبره صلى الله عليه وسلم على الاضطهاد والتعذيب، والإيذاء والتجويع والسخرية والردود القبيحة عليه والإهانات المتوالية، وكل هذا تحمله بصبر. فإذا ما علمنا أن هذه الفترة استغرقت ثلاثة عشر عاماً، أدركنا مقدار الصبر الذي تمتع به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس هذا فحسب بل كل ما أصيب به هو أصيب به أتباعه والأذى الذي لحق به لحق بأقاربه وهو الشريف، وكل هذا يجرح نفس الإنسان، ويحطم أعصابه، ومع ذلك فما أبه صلى الله عليه وسلم لهذا كله، بل تحمّله وتحمّل معه الاتهامات الباطلة بالجنون والكذب والسحر....,...
والذي جرّب هذه القضايا كلها يعلم كم تحتاج إلى طاقة من الصبر لا تنفد. فإذا ما علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل هذا كله، وهو يقف من الناس موقف الهجوم على باطلها وموقف الدعوة إلى ما عنده. نعلم أن المسألة هنا أكبر من الصبر ذاته.
2- فإذا ما انتقلنا إلى موطن آخر يمتحن فيه الصبر وهو موطن القتال، رأينا كذلك عجباً. ولعل أبرز مواقفه الصابرة في الحرب والتي تتحطم فيها أقوى الأعصاب موقفاه يوم أحد ويوم الخندق، يوم الهزيمة الذي بقي فيه ثابتاً، ويوم الحصار الذي أخذ بالأنفاس وبقي فيه كله أمل وهاك وصفاً مختصراً لموقفه الصابر في اليومين.
روى مسلم:” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش”.
“ واستطاع المشركون أن يخلصوا قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم فرماه أحدهم بحجر كسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفجر منه الدم، وشاع أن محمداً قتل، فتفرق المسلمون ودخل بعضهم المدينة وانطلقت طائفة فوق الجبل، واختلط على الصحابة أحوالهم فما يدرون ما يفعلون”.
“ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينثل السهام من كنانته ويعطيها سعد بن أبي وقاص يقول: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة الأنصاري رامياً ماهراً في إصابة الهدف قاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رسول الله شخصه ينظر أين يقع سهمه”.
في هذا اليوم الشديد إذ فرّ المسلمون فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا العدد القليل، بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً يدير المعركة التي طرفاها ثلاثة آلاف مقابل أفراد. ولم يهزم ولكنه أصر مع من معه على الاستبسال، حتى رأى المشركون أن خسارتهم أكبر من ربحهم فتركوهم.
فأي صبر هذا الصبر ؟
ولا ننسى أن نذكر أن شائعة قتل محمد صلى الله عليه وسلم كانت قد راجت والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه منع مَنْ عرفه مöن تكذيبها º حتى يثبط قريشاً عن المضي في المعركة، فإذن هو صبر في أحرج المواقف لا يخرج صاحبه عن كامل التدبير.
ويوم الخندق وقد حوصرت المدينة هذا الحصار الطويل الصعب الذي لم يعرف المسلمون فيه نوماً ولا راحة، والأحزاب تمطرهم بوابل من الهجمات على الأمكنة الضعيفة، وتحركات المسلمين متلاحقة من مكان إلى مكان خشية المباغتة وقد طالت الفترة وتعب المسلمون، وكانوا كما وصفهم الله {إöذْ جَآءُوكُمْ مّöن فَوْقöكُمْ وَمöنْ أَسْفَلَ مöنكُمْ وَإöذْ زَاغَتö ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتö ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجöرَ وَتَظُنُّونَ بöٱللَّهö ٱلظُّنُونَاْ * هُنَالöكَ ٱبْتُلöيَ ٱلْمُؤْمöنُونَ وَزُلْزöلُواْ زöلْزَالاً شَدöيداً} في هذا الوضع المخيف يأتي الخبر الصاعق أن قريظة نقضت عهدها وقررت القتال وأصبح المسلمون جميعاً معرضين لقتل الأنفس وسبي الذرية، فأي صبر يحتاجه القائد في تلك اللحظات في ذلك الموقف الذي يحطم الأعصاب.
لقد تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه واضطجع ومكث طويلاً حتى إذا هضم المسلمون خطورة موقفهم قام يبث الأمل ويشد العزائم ويرفع المعنويات وهو يقول:” أبشروا بفتح الله ونصره”.
إن خطورة الموقف الشديد لم تؤثر ذرة على أعصاب القائد العظيم بل هو الصبر الذي يربو على الصبر.
3- فإذا ما انتقلنا إلى موطن آخر من المواطن التي يمتحن فيها الصبر، وهو موطن موت الأولاد والأقارب والأصحاب وقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القلب الرحيم، نجد الصبر الذي يفيض العبرة بلا شكوى ولا ضجر، وهذه أمثلة من مواقفه في هذه المواطن:
أخرج ابن سعد عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال:
رأيت إبراهيم وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله:” تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون”.
وأخرج ابن سعد أيضاً عن مكحول قال:
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتمد على عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – وإبراهيم يجود بنفسه فلما مات دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عبد الرحمن: أي رسول الله ! هذا الذي تنهى الناس عنه متى يرك تبكي يبكوا، قال: فلما شريت عنه عبرته قال:” إنما هذا رحم وإن من لا يرحم لا يُرحم، إنما ننهى الناس عن النياحة وأن يندب الرجل بما ليس فيه”.
ثم قال:” لولا أنه وعد جامع وسبيل مئتاء وأن آخرنا لاحق بأولنا لوجدنا عليه وجداً غير هذا وإنا عليه لمحزونون. تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، وفضل رضاعه في الجنة”.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال:
“ لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه، لا تدري ما صنع، فلقيت عليّاً والزبير فقال علي للزبير: اذكر لأمك، وقال الزبير لعلي: لا، اذكر أنت لعمتك، قالت: ما فعل حمزة ؟ فأرياها أنهما لا يدريان فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أخاف على عقلها فوضع يده على صدرها ودعا فاسترجعت وبكت، ثم جاء فقام عليه وقد مثّل به، فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحصل من حواصل الطير وبطون السباع، ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم، فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يؤتوا بتسعة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يؤتوا بتسعة فيكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ منهم”.
وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو عوانة وابن حبان عن أسامة ابن زيد – رضي الله عنه – قال:
“ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيّاً لها في الموت. فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال وانطلقت معهم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شن ففاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله ؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده إنما يرحم الله من عباده الرحماء”.
4- فإذا ما انتقلنا إلى موطن آخر من المواطن التي يمتحن بها الصبر وهو الصبر على المرض والجوع والفقر. نجد دائماً القمة التي لا يرقى إليها الراقون.
أخرج أحمد والطبراني وهذه رواية الطبراني:
“ أن فاطمة ناولت النبي صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز الشعير، فقال: ما هذه ؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتينك بهذه الكسرة، فقال لها: هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام”.
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن ابن البحير:
“ أصاب النبي صلى الله عليه وسلم جوع يوماً فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه، ثم قال: ألا ربّ نفسٍ طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين , ألا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم” وحسّنه السيوطي.
وأخرج مسلم والترمذي عن النعمان بن بشير – رضي الله عنه – قال:
“ ألستم في طعام وشراب ما شئتم ؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه ( الدقل: أردأ التمر )” وفي رواية لمسلم عن النعمان – رضي الله عنه – قال: ذكر عمر – رضي الله عنه – ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه”.
وأخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب وابن عساكر، وابن النجار عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:
“ دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي جالساً فقلت: يا رسول الله ! أراك تصلي جالساً فما أصابك ؟ قال: الجوع يا أبا هريرة. فبكيت. فقال: لا تبك يا أبا هريرة، فإن شدة الحساب يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا”.
وأخرج الطبراني وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:
“ خرج أبو بكر –رضي الله عنه- بالهاجرة إلى المسجد، فسمع عمر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة ؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاق الجوع ( أي شدة الجوع ) قال: وأنا –والله- ما أخرجني غيره. فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أخرجكما هذه الساعة ؟ قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع . قال: وأنا – والذي نفسي بيده – ما أخرجني غيره. فقوما فانطلقوا”.
وأخرج ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي سعيد –رضي الله عنه-
“ أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة فوضع يده فوق القطيفة فقال: ما أشد حماك يا رسول الله. قال: إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر. ثم قال: يا رسول الله ! من أشد الناس بلاء ؟ قال: الأنبياء. قال: ثم من ؟ قال: العلماء. قال: ثم من ؟ قال: الصالحون”.
وخرج البيهقي عن أبي عبيدة بن حذيفة – رضي الله عنه – عن عمته فاطمة – رضي الله عنها – قالت:
“ أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء نعوده وقد حُمَّ، فأمر بسöقاء فعلق على شجرة ثم اضطجع تحته فجعل يقطر على فواقه من شدة ما يجد من الحمى فقلت: يا رسول الله، لو دعوت الله أن يكشف عنك، فقال: إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”.
فأنت ترى من هذه الأمثلة أنه ما من موطن من مواطن امتحان الصبر إلا امتحن فيه صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل مرة نجد عنده الصبر الذي لا يخالطه هلع، إنها أخلاق النبوة في أعلى كمالات البشر.
* * *
ثانياً: نماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم:
1- والناس الذين يخوضون المعارك ويسوسون البشر، تقسو قلوبهم وتجف دموعهم، ونادراً ما تجد الموغل في ذلك متصفاً بصفة الرحمة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقتدى به ليسوا من هذا الطراز، فمهما شئت عندهم من شجاعة وقوة وشدة وصبر وجدت، ولكنها صفات لا تطغى على خلق الرحمة أبداً، بل كما أن هذه الصفات في كمالها فكذلك خلق الرحمة عنده صلى الله عليه وسلم في كماله، وقد رأيته في فقرة سابقة كيف تفيض عينه صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف رحمة وشفقة، وهو الصابر الذي ما عرف أكثر صبراً منه، والمقاتل الذي ما عرف أكثر حنكة منه، يفيض قلبه بالرحمة فيبكي وتدمع عيناه، وقد يسمع صوت بكائه º إنها نفس تجيش جيشاً ببحار الرحمة.
2- وهناك مواطن يفقد فيها الرحماء رحمتهم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفارقه رحمته، يُؤذى ويُضرب ويُضطهد فيقول:” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” ويوم فتح مكة وقد فعلت به ما فعلت، كان موقفه غير المتوقع كما قص عمر قال:” لما كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام قال عمر: فقلت:
لقد أمكن الله منهم لأعرفنهم بما صنعوا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين }.
قال: عمر فافتضحت حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية أن يكون بدر مني، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال”.
إن المواطن التي تُغلب عادة فيها عواطف الرحمة بعواطف الانتقام أو الانتصار تبقى صفة الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في محلها لا تطغى على غيرها ولا يطغى غيرها عليها.
وكانت رحمته تسع الناس جميعاً ويحس بها المستضعفون قبل الأقوياء، يقول عبد الله بن عمرو:” دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فجلس إلى الفقراء وبشرهم بالجنة وبدا على وجوههم البشر فحزنت لأنني لم أكن منهم”.
وجاء في صحيح البخاري:” أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذات يوم رجلاً أسود فقال: ما فعل ذلك الإنسان ؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: أفلا آذنتموني ؟ فقالوا: إنه كذا وكذا قصته فحقروا من شأنه، قال: دلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه”.
وقال معاوية بن سويد:” كنا بني مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا خادم إلا واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اعتقوها، فقيل: ليس لهم خادم غيرها، فقال: فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها”.
وأخرج الشيخان عن أنس –رضي الله عنه- أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:” إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه”.
وبلغت رحمته الحيوان فكان أرحم الخلق به.
قال عبد الرحمن بن عبد الله:” كنا مع رسول الله في سفر فرأينا حمرة ( طائر مثل العصفور ) معها فرخان لها فأخذناهما فجاءت الحمرة تعرش ( ترفرف ) فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها”.
ونهى أن يتخذ الحيوان هدفاً يرمى بالنبال ليتعلم فيه الرمي، وأمر من يريد الذبح أن يحد شفرته ويريح ذبيحته وألا يذبح الحيوان بمرأى من الحيوان، إن رحمته بلغت كل شيء.
ولكنها الرحمة التي لا تجاوز حدها:
لما أسر أبا عزة الشاعر أو مرة استعطفه ( أبو عزة ) حتى أطلق سراحه على شرط ألا يقف بعد اليوم ضده، وتدور الأيام ويدخل أبو عزة المعركة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأسره مرة ثانية ويستعطفه مرة ثانية ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ويأمر بقتله. وهذا الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة هو الذي أخذ به القانون الدولي في القرن العشرين حيث نص على أن الأسير الذي يطلق سراحه بشرط عدم الدخول في المعركة ضد آسريه مرة ثانية إذا أسر بعدها يقتل.
إنها الرحمة التي تفيض حتى تكاد تقتل صاحبها أسى لما يرى من انصراف الخلق عن طريق الجنة إلى طريق النار. حتى يعاتب الله – عز وجل – صاحبَها: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً }.
إنها رحمة النبوة وإنها صفاتها.
* * *
ثالثاً: نماذج من حلمه صلى الله عليه وسلم:
1- وله – صلى الله عليه وآله وسلم – من الحلم – كما له من كل خلق – كماله. يغضب للحق إذا انتهكت حرماته وإذا غضب فلا يقوم لغضبه شيء حتى يهدم الباطل وينتهي، وفيما عدا ذلك فهو أحلم الناس عن جاهل لا يعرف أدب الخطاب، أو مسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يمكن إصلاحه، أو منافق يتظاهر بغير ما يبطن. تجد حلمه دائماً عجيباً يفوق الحد الذي يتصوره الإنسان، خاصة وأن حلمه مع القدرة على البطش والقتل والإرهاب.
إذ لا يشك أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أمر بقتل إنسان لتبادر المئات إلى تنفيذ أمره. بل إن بعضهم لا يحتاجون إلى الأمر بقدر ما يحتاجون إلى الإذن. فلو أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لطارت رؤوس عن كواهل أصحابها قبل أن ينهوا كلامهم. ولكن الرسول الحليم صلى الله عليه وسلم كان يتحمل ويحلم حتى إنك لتراه الحلم مجسماً.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال:
“ بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً إذا أتاه ذو الخويصرة – رجل من بني تميم – فقال: يا رسول الله ! اعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك من يعدل إن لم أعدل ! لقد خبت وخسرت ! إذا لم أعدل فمن يعدل، فقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: يا رسول الله ! ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه...”
ويوم حنين إذ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قسم، قال رجل – كما يروي البخاري -:” والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله، فقلت: ( أي عبد الله ): والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته فقال: من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر”.
وروى أحمد عن عائشة قالت:” ما ضرب رسول الله بيده خادماً له قط، ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثماً فإذا كان إثماً كان أبعد الناس من الإثم. ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتي إليه حتى تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله”.
وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك:” أن امرأة أتت رسول الله بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى رسول الله فسألها عن ذلك قالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك علي، أو قال: على ذلك. قالوا: ألا تقتلها ؟ قال: لا...”
وأخرج ابن جرير عن أنس – رضي الله عنه – قال:” دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً المسجد وعليه برد نجراني غليظ الصنعة، فأتاه أعرابي من خلفه فأخذ بجانب ردائه حتى أثرت الصنعة في صفح عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ! أعطنا من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله فتبسم فقال: مروا له”.
وأخرج عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:” كنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغدوات في المسجد، فإذا قام إلى بيته لم نزل قياماً حتى يدخل بيته، فقام يوماً فما بلغ وسط المجلس أدركه أعرابي فقال: يا محمد ! احملني على بعيرين فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، وجذب بردائه حتى أدركه فاحمرت رقبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وأستغفر الله لا أحملك حتى تقيدني قالها ثلاث مرات ثم دعا رجلاً فقال له: احمله على بعيرين. على بعير شعير وعلى بعير تمر” ورواه أحمد.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال:
“ كانت امرأة ترافث الرجال ( أي تكلمهم كلاماً بذيئاً ) وكانت بذيئة فمرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل ثريداً على طربال فقالت: انظروا إليه يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد.
فقال النبي: وأي عبد أعبد مني ؟
قالت: ويأكل ولا يطعمني.
قال: فكلي.
قالت: ناولني بيدك، فناولنها.
فقالت: أطعمني مما في فيك، فأعطاها فأكلت فغلبها الحياء فلم ترافث أحداً حتى ماتت”.
وأخرج أبو نعيم عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فصنعت له طعاماً وصنعت له حفصة طعاماً فسبقتني حفصة فقلت للجارية: انطلقي فاكفئي قصعتها، فأهوت أن تضعها بين يدي النبي فكفأتها فانكفأت القصعة فانتشر الطعام، فجمعها النبي وما فيها من الطعام على الأرض فأكلوا. ثم بعثت بقصعتي فدفعها النبي إلى حفصة فقال: خذوا ظرفاً مكان ظرفكم وكلوا ما فيها، فما رأيته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
وحلمه صلى الله عليه وسلم أوسع من أن يحاط بجوانبه، ولولا هذا الحلم ما استطاع أن يسوس شعباً كالعرب يأنف أن يطيع أو ينصاع أو يجرح، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلöيظَ ٱلْقَلْبö لاَنْفَضُّواْ مöنْ حَوْلöكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفöرْ لَهُمْ وَشَاوöرْهُمْ فöي ٱلأَمْرö فَإöذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهö}
* * *
رابعاً: نماذج من كرمه صلى الله عليه وسلم:
إن الكرم في الإسلام طريق من طرق الجنة، وإن البخل طريق النار. ولذلك فقد كان كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجارى. ولا يبارى. إن الله قد جعل خُمُس الغنائم إليه، وكانت حصته – عليه الصلاة والسلام – من هذا الخمس الخمس. وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع مالاً لكان أكثر الخلق مالاً. إن خمس غنائم حنين كان ثمانية آلاف من الغنم وأربعة آلاف وثمان مائة من الجمال وثمانية آلاف أوقية من الفضة وألفاً ومائتين من السبي. هذا الخمس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرباه منه خمساه فكم نتصور غنى الرسول صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يجمع مالاً من غزواته كلها من خيبر الغنية وقريظة وبني النضير...
فإذا علمنا أن مقدار حق رسول الله صلى الله عليه وسلم المعطى له من هذه الأموال مثل هذا وإذا عرفنا أنه كان بالإمكان استثماره وتنميته ثم علمنا بعد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي وأنه أمر أن يوزع ميراثه إن كان على المسلمين، وأنه ليس لأقاربه من ميراثه شيء، وأنه ما كان يلبس إلا الخشن ولا ينام إلا على القليل، وأنه يجوع الأيام وأنه كان يخشى إذا بقي في بيته مال فلم يوزعه على الناس، إذا عرفت هذا أدركت أي كرم كان عنده صلى الله عليه وسلم وأي نفس طاهرة هذه النفس وأدركت أنها النبوة. وأن غير النبوة لا تجود بهذا الجود وترضى مع القدرة بهذه الحياة. إلا إذا كانت نفساً متأسية برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد شهد على ذلك أقوى الناس شركاً وعناداً وبغضاً له صلى الله عليه وسلم فأسلموا نتيجة ذلك ولعل في ما ذكرناه غنية عن ضرب الأمثلة ولكن في المزيد خيراً.
أخرج الشيخان عن ابن عبسا – رضي الله عنه – قال:
“ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل عليه السلام. وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن قال: فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة”.
وأخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال:” ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا..”.
وأخرج الطبراني عن الربيع بنت معوذ بن عفراء – رضي الله عنها – قالت:” بعثني معوذ بن عفراء بصاع من رطب عليه آخر من قثاء زغب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يحب القثاء، وكانت حلية قد قدمت من البحرين فملأ يده منها فأعطانيها”.
وفي رواية:” فأعطاني ملء كفي حلياً أو ذهباً” ورواه أحمد بنحوه وزاد:” فقال: تحلي بهذا”.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سنبلة – رضي الله عنها –” أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بهدية فأبى أزواجه أن يقبلنها، فقلن: إنا لا نأخذ، فأمرهن النبي صلى الله عليه وسلم فأخذنها ثم أقطعها وادياً..”
وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال:” جاءت امرأة إلى رسول الله ببردة فقالت: يا رسول الله جئتك أكسوك هذه، فأخذها رسول الله وكان محتاجاً إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه اكسنيها فقال: نعم. فلما قام رسول الله لامه أصحابه وقالوا: ما أحسنت حين رأيت رسول الله أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه. قال: والله ما حملني على ذلك إلا رجوت بركتها حين لبسها رسول الله لعلي أكفن فيها”.
وأخرج أحمد عن أنس:” أن رسول الله لم يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين ما شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم ! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء ما يخشى الفاقة”.
وزاد في رواية:” فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها”.
وأخرج ابن عساكر في قصة إسلام صفوان بن أمية عن عبد الله بن الزبير ما يلي:
“ وخرج رسول الله قبل هوازن وخرج معه صفوان وهو كافر وأرسل إليه يستعيره سلاحه فأعار سلاحه مائة درع بأداتها. فقال صفوان: طوعاً أو كرهاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عارية رادة فأعاره. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملها إلى حنين فشهد حنيناً والطائف ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة فبينما رسول الله يسير في الغنائم ينظر إليها – ومعه صفوان ابن أمية فجعل صفوان بن أمية ينظر إلى شعب ملاء نعماً وشاء ورعاء فأدام النظر إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه فقال: أبا وهب يعجبك هذا الشعب. قال: نعم. قال: هو لك وما فيه.
فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأسلم مكانه”.
هذه نماذج من الكرم تضيع بجانبها كل قصص الكرم المعروفة المشهورة عند الناس. كرم يجعل صاحبه يعيش حياة الجهد والمشقة والفاقة، حياة لا يطيقها أحد غيره هو وعياله، مع هذا الملك العريض الواسع، والسلطان الكبير والواردات الكثيرة، وزيادة على ذلك أنه لو أراد من أموال المسلمين شيئاً لخاصة نفسه لكان المسلمون في ذلك كراماً. وله الحق في ذلك أليس هو مدبر شؤونهم ومعلمهم، ولكن هذا كله لم يحدث، إنه كرم في النفس يمنع صاحبه عن التطلع إلى أموال الآخرين، وكرم في النفس لا يقوم معه من ملك صاحبه شيء. إنها أخلاق النبوة العربية الهاشمية المصطفاة سليلة إبراهيم عليه السلام.
* * *
خامساً: نماذج من تواضعه وتياسره صلى الله عليه وسلم:
ننقل هنا ما كتبه صاحب بطل الأبطال تحت هذا العنوان مكتفين به في هذا الباب مع حذف بعض جمل المقال يقول:
“ صفة بينة لبطل الأبطال صلى الله عليه وسلم كانت ولا تزال على مر الأجيال بادية واضحة في طبعه الكريم تلك هي: التياسر والتواضع، فيهما كان محمد صورة صادقة لكرامة الإنسان يؤتاها من صميم نفسه ولا يصطنعها مما يحيط به من مظاهر خادعة متكلفة، كان محمد التياسر نفسه يتمثل في الرجل الكامل، وينبعث من أعماق قلبه، فيبدد ما يتجمع حوله من زخرف السيادة والملك وما يتبعهما من الرياء والزينة، وما يخدع به الناس من قول أو فعل، كان محمد قريباً سهلاً هيناً يلقى أبعد الناس وأقربهم وأصحابه وأعداءه وأهل بيته ووفود الملوك بلا تصنع ولا تكلف، بل بالحق سافراً، فكانت أعماله تصدر طبيعية كل منها يدل على خلقه كما تدل الصورة على صاحبها واسمعوا إلى عدي بن حاتم..
يقول وقد كان يظن أنه سيلقى ملكاً في المدينة:
“ دخلت على محمد وهو في المسجد فسلمت عليه فقال ك من الرجل ؟
فقلت: عدي بن حاتم، فقام وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها، قال فقلت: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بي رسول الله حتى إذا دخل بي إلى بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إلي فقال: اجلس على هذه، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت. فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض، قال: قلت: في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك” هذه طبيعة محمد لا طلاء عليها، يأتيه عدي وقد وقع في بعض أهله قبل ذلك أسرى لجيوشه يأتيه مغلوباً فيجلسه على وسادة ويجلس هو على الأرض..
ثم انظروا إليه وقد مات ابنه إبراهيم، فكسفت الشمس فقال الناس:” كسفت الشمس لموت إبراهيم. فيقوم في المسجد: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا حياته”.
هذه هي النفس البريئة التي تعش الحق للحق. وتتعالى في تواضع عن استغلال وهم من الأوهام.
انظروا كذلك كيف يستأذن على أحد أصحابه وكيف ينصرف ؟
يقول قيس بن سعد:
زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد أبي رداً خفياً، فقلت لأبي: ألا تأذن لرسول الله، فقال: زده حتى يكثر علينا من السلام فقال صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله ! إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك رداً خفياً لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه النبي، وأمر له سعد بغسل فاغتسل ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران فاشتمل بها ثم رفع يديه وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد.
فلما أراد الانصراف قرب له سعد حماراً، فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله، فصحبته فقال: اركب معي، فأبيت فقال: إما أن تركب وإما أن تنصرف”.
هذه زيارة سيد العرب والعجم لأحد أنصاره من كبارة المدينة تمر في غير حفل ولا ظهور. يذهب إليه ماشياً، ويعود على حمار يريد أن يردف عليه رفيقه. تلك السجية الظاهرة لم تحل دون أن يكون محمد مطاعاً وطاعته قربة. فإن يحسب الناس أن مظاهر الرياسة والسلطان لازمة لحسن الولاء واستدامة الطاعة، فلقد كان ولاء سعد والأنصار لمحمد المتواضع مضرب الأمثال في تاريخ الدعوة الإسلامية ( بل في كل تاريخ ) ولم تكن دعوته قيساً إلى الركوب معه على الحمار أمراً غريباً، بل كانت هذه عادته يردف على حماره وبلغته وناقته ويعاقب مع رفاقه ( المعاقبة أن يركب واحد مرة ويركب الثاني أخرى ) قال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحداً بين يديه وآخر خلفه. وقال معاذ: كنت ردف رسول الله على حمار يقال له عفير، وجاء إليه رجل وهو يمشي فقال: اركب، وتأخر على حماره، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: أنت أحق بصدر دابتك مني إلا أن تجعله لي. فقال الرجل: فإني جعلته لك. ويقول جابر: كان رسول الله يتخلف في السير، فيزجي الضعيف ( أي يسوقه ليلحق الرفاق ) ويردف، ويدعو لهم.
كان مرة في سفر مع صحبه، فأرادوا أن يهيئوا لهم طعاماً فقسم العمل بينهم، فقام يجمع الحطب فأرادوا أن يكفوه ذلك فأبى، لأن الله يبغض الرجل يتعالى على رفاقه. ولما وقف عليه أعرابي يرتجف خشية، ذَكَّرَه أنه ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد. وخرج على جماعة من أصحابه يتوكأ على عصا، فقاموا له فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً...
وكان محمد يكره الإطراء والألقاب: انطلق إليه وفد بني عامر، فلما كانوا عنده قالوا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله، فقالوا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طوْلاً، فقال: قولوا قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان.
كان في تياسره جم التواضع، وافر الأدب، يبدأ الناس بالسلام، وينصرف بكله إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا تصدق وضع الصدقة في يد المسكين، وإذا أقبل جلس حين ينتهي المجلس بأصحابه، لم يكن يأنف من عمل يعمله لقضاء حاجته أو حاجة صاحب أو جار، فكان يذهب إلى السوق ويحمل بضاعته ويقول: أنا أولى بحملها، ولم يستكبر عن عمل الأجير والفاعل سواء كان في بناء مسجد المدينة أو في الخندق وهو أمير الجيش يدفع الأحزاب.
وكان محمد كذلك متواضعاً في ملبسه وسكنه، يلبس كعامة من حوله ويسكن، وقد واتته الدولة والسلطان في صف من حجرات واطئة مبنية باللبن، بين كل حجرة وأخرى حائط من جريد النخل ملبس بالطين ومغطى بجلد أو كساء أسود من الشعر، وكان يجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرقع ثوبه ويخصف نعله بيده، ويخدم ونفسه ويعقل بعيره، ويأكل مع الخادم ويقضي حاجة الضعيف والبائس.
كل هذا التواضع والتياسر الصادق من نفسه الطاهرة، والذي هو صورة صادقة له، لم ينقص من هيبته ولا محبته، وقد قيل في وصفه: من رآه بداهة هابه ومن عاشره أحبه. فكانت علاقة أصحابه والناس به علاقة أدب جم وحب ووقار كامل، لم يتكبر ولكنه لم يرض سوء الأدب، وكثيراً ما بين لأصحابه كيف يتصرفون في حضرته وفي خطابه.
يقول.. وليم موير... في وصف تواضعه وتياسره:” كانت السهولة صورة من حياته كلها، وكان الذوق والأدب من أظهر صفاته في معاملته لأقل تابعيه، فالتواضع والشفقة والصبر والإيثار والجود صفات ملازمة لشخصه وجالبة لمحبة جميع من حوله، فلم يعرف عنه أنه رفض دعوة أقل الناس شأناً، ولا هدية مهما صغرت، وما كان يتعالى ويبرز في مجلسه، ولا شعر أحد عنده أنه لا يختصه بإقباله وإن كان حقيراً. وكان إذا لقي من يفرح بنجاح أصابه أمسك يده وشاركه سروره. وكان مع المصاب والحزين شريكاً شديد العطف حسن المواساة وكان في أوقات العسر يقتسم قوته مع الناس، وهو دائم الاشتغال والتفكير في راحة من حوله وهناءتهم”.
ولسنا في تاريخ محمد بحاجة على أحد، فإن مما اختص به من بين رسل العالم وأبطاله وضوح حياته وجلاؤها من جميع نواحيها. وإنما سقنا عبارة” موير” هنا لشعورنا أنها صادرة عن إعجاب صادق. ولو أننا درسنا سيرة محمد الدراسة اللائقة بها، لكان اليوم حياً بين أصحابه، ولوجدنا الصورة التي طبعها على الوجوه بعمله وقوله لا تزال واضحة وضوح نفسه العظيمة، المتحلية بأخلاق لا يغطيها الطلاء ولا يحجبها رياء ولا ترى إلا على حالة واحدة في الليل والنهار وفي السر والعلانية وفي الشدة والرخاء وفي الضعف والقوة، وفي السوق وهو في شبابه، وفي الشيخوخة وهو على عرش النبوة والملك.
وكان محمد بأخلاقه شخصية من اليسر والتواضع لا تبديل ولا تغيير فيها، هي النفس التي اتصلت بالسماء وعاشت على الأرض دانية إلى الناس محببة إليهم في كل أطوار حياته. كان بطل الأبطال صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى الذي نحن اليوم أحوج ما نكون إليه في نطاق الأخوة الإسلامية، لا يرفع من شأن أحدهم غنى أو جاه أو حسب أو نسب وإنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي والناس من آدم وآدم من تراب” اهِ.
وأخيراً وبعد أن ضربنا لك أمثلة على خمس من أمهات أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وضح بما لا يقبل الشك أن العالم لم يعرف ارتفاعاً في الأخلاق في كلياتها وجزئياتها وأبعادها وشمولها كله كما عرفه في رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما شهد بذلك القرآن العظيم. وأن منتهى آمال الأخلاقيين أن يقلدوه في خلق واحد من أخلاقه وهم لا يرتقون بهذا الخلق إلا إلى بعض ما عنده صلى الله عليه وسلم. وإن الناس جميعاً بكل ما أوتوا من أخلاق لو جمعت أخلاقهم الحميدة فإنهم لا يبلغون أن يحيطوا إلا بالأقل مما كان ( عليه الصلاة والسلام ). هذا مع أن الناس لا تخلص أخلاقيتهم مما يعابون عليه بحق. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الأخلاق كلها محضاً. ليس فيها ما يخالط مما يلام عليه الإنسان، إلا إذا كان اللائم أعمى البصيرة، يرى الخير شراً والشر خيراً، أو حاسداً أو متكبراً أعماه الحسد والكيد عن رؤية الحقيقة التي لا تغيب عن أحد. وإن أحد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه من عدو أو صديق إلا وأسلم في ضميره أن الخلق المحمدي لا يرقى إليه مطعن، وقد مر معك كثير من شهادة الأعداء وهم أعداء بذلك. وقديماً قال أحد آباء زوجاته المشركين وقد بلغته خطبته لبنته،” هو الفحل لا يجدع أنفه”. وقال عكرمة بن أبي جهل بعد حربه الطويلة لرسول الله هو وأبوه في لحظة إسلامه:
“ أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنت عبد الله ورسوله وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس، قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطيء رأسي استحياء منه...”
* * *