الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - الصفات

الفصل الأول - الصّöفات الأسَاسية - التزامه الكامل صلى الله عليه وسلم بتطبيق ما يدعو إليه

2 – التزامه الكامل صلى الله عليه وسلم بتطبيق ما يدعو إليه

 

          شهدت البشرية في تاريخها الطويل انفصالاً بين المثل والواقع، بين المقال والفعال، بين الدعوى والحقيقة، وكان دائماً المثال والمقال والدعوى، أكبر من الواقع والفعال والحقيقة، وهذا شيء يعرفه من له أدنى معرفة بالتاريخ والحياة، غير أن هذه الظاهرة تكاد تكون مفقودة في واقع أتباع الرسل المخلصين، فمن باب أولى أن تكون مفقودة في حياة الرسل الذين تجد واقعهم أعظم من كل تصور نظري، فهم وحدهم الذين دعوا الإنسانية إلى أعظم قمم السمو، ومثلوا هم بسلوكهم العملي هذه الذروة بشكل رائع مدهش عجيب، وهذا بحد ذاته من أدلة صدقهم. إذ الالتزام بالسمو لا تطيقه النفس البشرية عادة ما لم تتهذب هذه النفس بدافع الخضوع لأمر الله بعد الإيمان به، ومعرفة أمره، ويستطيع الإنسان أن يعرف هذا بالتجربة، إذا شاهد أحوال الكافرين، فمثلاً قد يحاول كافر أن يقلد مسلماً في صلاته متظاهراً بالإيمان، فإذا ما راقبت مثل هذا وجدته عملياً لا يبقى على حالة واحدة من التطبيق، كما أن تطبيقه يكون بسيطاً جداً، ثمّ هو إن كان بحيث لا يراه الناس فإنه لا يفعل شيئاً أصلاً، فعندما ترى الرسل في عبادتهم العجيبة الكثيرة لله، مع قيامهم بأمر الله كما كلفهم على ما في ذلك من مشقة أو جهد، دون تكلف بل بكامل الرضا والسعادة، فذلك لا شك دليل صدق لا يدحض.

 

          ولما كان الكلام هنا خاصاً عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهور هذا في حياته العملية على أعلى ما يخطر بقلب بشر، رأينا أن نختار بعضاً من الأوامر والنواهي القرآنية التي وجهها الله لرسوله في قضايا متعددة، لنرى كيف كان قيام رسول الله بها دليلاً كاملاً على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصنا على أن تكون الأوامر التي ندرسها مختلفة الجوانب لنرى كيف كان يقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أمْر أُمöرَ به بشكل كامل. بحيث لا يكون تنفيذه لأمر مضيعاً لأمر آخر، كما نرى عند بعض الناس، إذ نراهم مقبلين على تنفيذ أمر الله في العبادة مثلاً، مفرطين في بقية أوامر الله وتكاليفه، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم بكل أمر بما لا يسبق إليه، مع إحاطته وعدم تفريطه بأي جانب من جوانب الإسلام الذي كلف به، وأمر أن يدعو إليه، حتى إنّ الدارس المنصف لحياته في هذا الجانب لا يتمالك إلا أن يشهد أنه رسول الله حقاً. يقول الجلندي ملك عُمان لما بلغه أن رسول الله يدعوه إلى الإسلام: ( والله لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر ويُغْلَبñ فلا يضجر، ويفي بالعهد وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي ).

 

          والتكاليف التي اخترناها لرؤية تطبيقه العملي لها هي ما يلي:

 

أ-      قوله تعالى: {بَلö ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مّöنَ ٱلشَّاكöرöينَ}[1].

ب-    قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفöقُونَ قُلö ٱلْعَفْوَ}[2]. {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إöلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بöهö أَزْوَاجاً مّöنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةö ٱلدُّنْيَا}[3].

ج- قوله تعالى: {وَٱخْفöضْ جَنَاحَكَ لöلْمُؤْمöنöينَ}[4].

د- قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöيُّ جَاهöدö ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافöقöينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهöمْ}[5].

هِ- قوله تعالى: {وَأَنö ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بöمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبöعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتöنُوكَ عَن بَعْضö مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إöلَيْكَ}[6]. {كُونُواْ قَوَّامöينَ بöٱلْقöسْطö}[7].

 

          فلنر نماذج من تطبيقه لكل أمرٍ من الأوامر الآنفة الذكر، مع ملاحظة أن كل أمر من أوامر الله له كان يقوم به على مثل هذا، بحيث لا تجد أمراً من أوامر الله إلا وله من تنفيذه أعلى حظ يتصوره بشر، لأنه أعظم إنسان مثّل العبودية لله على الأرض.

 

أ – نماذج من تنفيذه للأمر الأول {بَلö ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مّöنَ ٱلشَّاكöرöينَ}:

 

          أخرج الشيخان عن عائشة قالت:” كان النبي يقوم من الليل ( أي مصلياً لله ) حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبداً شكورا ؟!”.

 

          وذكر المغيرة عن رسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا.

 

          وأخرج البخاري عن عائشة” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة ( أي في الليل ) يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة”.

 

          وأخرج الشيخان عن ابن مسعود قال:” صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء، قيل: ما هممت ؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه”.

 

          وأخرج مسلم عن حذيفة قال:” صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها ركعة ( أي بالبقرة ) فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها ( وهذه السور تعدل سدس القرآن ) يقرأ مسترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بتعوذ تعوّذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه”.

 

          وروى مسلم عن عائشة قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة ( أي قيام الليل ) من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة”.

 

          وأخرج مالك والترمذي وأبو داود عن عائشة قالت:” فقدته صلى الله عليه وسلم من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”.

 

          وأخرج البخاري عن أنس قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته”.

 

          وروى الترمذي عن عائشة قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس”.

 

          وروى النسائي عن ابن عباس قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر البيض في حضر ولا سفر”.

 

          وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان”.

 

          وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر”.

 

          وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت:” لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله وفي رواية: كان يصوم شعبان إلا قليلاً”.

 

          وعن ابن مسعود قال:” قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ عَلَيَّ القرآن. فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت هذه الآية: {فَكَيْفَ إöذَا جöئْنَا مöن كُلّö أمَّةٍ بöشَهöيدٍ وَجöئْنَا بöكَ عَلَىٰ هَِٰؤُلاۤءö شَهöيداً} فقال: حسبك فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان” ( أي يبكي ) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود ومالك.

 

          وروى مسلم عن عائشة قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه”.

          وروى أبو داود والترمذي بإسناد حسن صحيح عن ابن عمر قال: كنا نعدل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب عَلَيَّ إنك أنت التواب الرحيم”.

 

          وروى مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إنه ليران على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة”.

 

          وقال الحسن بن علي:” سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أي إلى بيته ) فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، وكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءاً لله وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه، ثم جزَّأ جزأه بينه وبين الناس فرد ذلك على العامة بالخاصة” أخرجه الطبراني في الكبير.

 

          وهذه نماذج متممة من مناجاته لله وذكره له في بعض أحواله:

 

          عن جويرية – زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح. وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها قالت: نعم، قال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن:” سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته”[8].

 

          عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي، سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال: أقول” اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد” أخرجه الخمسة إلا الترمذي وهذا لفظ الشيخين.

 

          زاد أبو داو والنسائي في أوله:” اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب”.

 

          وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلانيته”[9].

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن”[10] (أي يطبق ما جاء في القرآن من أمر الله ).

 

          وفي أخرى لمسلم وأبي داود والنسائي: كان يقول في ركوعه وسجوده” سبوح قدوس رب الملائكة والروح”.

 

          وعن جابر – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي وعظامي لله رب العالمين”. أخرجه النسائي.

 

          وعن ابن أبي أوفى – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع ظهره من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد” أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.

 

          وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني” أخرجه أبو داو والترمذي واللفظ له.

 

          وعن علي – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت”[11].

 

          وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد التشهد: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات”[12].

 

          وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حين فرغ من صلاته يقول: اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي وترد بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء. اللهم أعطني إيماناً ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك لي في الدنيا والآخرة. اللهم إني أنزل بك حاجتي، وإن قصر رأيي وضعف عملي وافتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور كما تجبر بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور. اللهم ما قصر عنه رأيي، ولم تبلغه مسألتي ولم تبلغه نيتي من خير وعدته أحداً من خلقك أو خيرٍ أنت معطيه أحداً من عبادك، فإني راغب إليك فيه وأسألك برحمتك يا رب العالمين.

 

          اللهم يا ذا الحبل الشديد والأمر الرشيد أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وإنك تفعل ما تريد. اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك حرباً لأعدائك، نحب من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان. اللهم اعل نوراً في قلبي، ونوراً في قبري، ونوراً من بين يدي، ونوراً من خلفي، ونوراً عن يميني، ونوراً عن شمالي، ونوراً من فوقي، ونوراً من تحتي، ونوراً في سمعي، ونوراً في بصري، ونوراً في شعري، ونوراً في بشري، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي، ونوراً في مخي، ونوراً في عظامي، اللهم أعظم لي نوراً، وأعطني نوراً، واجعل لي نوراً، سبحان الذي تعطف العز وقال به، سبحان الذي لبس المجد وتكرم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام”[13].

 

          وعن ثوبان – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم يستغفر ثلاثاً ويقول:” اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام”[14].

 

          عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت مالك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت”[15].

 

          عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أمسى: أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها. رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر. رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر. وإذا أصبح قال ذلك: أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله..”[16].

 

          عن أنس – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا فكم من لا كافي له ولا مؤوي”[17].

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ المعوذتين، وقل هو الله أحد، ويمسح بهما وجهه وجسده، يفعل ذلك ثلاث مرات فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به”[18].

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من الليل قال: لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً. ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب”[19].

 

          وعن علي – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند مضجعه: اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وبكلماتك التامات من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. سبحانك اللهم وبحمدك”[20].

 

          عن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته قال: بسم الله توكلت على الله. اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل أو نضل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا”[21].

 

          وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال:” قلَّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلسه حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصي، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكثر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا”[22].

 

          وعن مالك:” أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز وهو يريد السفر يقول: بسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ومن سوء المنظر في المال والأهل”[23].

 

 

          وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من السفر يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث مرات، ثم يقول: لا إله غلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده”[24].

 

          وعن عبد الله الخطمي – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ودّع أحداً قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم”.

 

          وله في أخرى عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال:” أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك”[25].

 

          وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل عليه في السفر قال: يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ووالد وما ولد”[26].

 

          وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم”[27]. وعن أنس – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر يقول: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. وقال: ألظوا بياذا الجلال والإكرام”[28].

 

          عن الخدري – رضي الله عنه – قال:” كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً قال: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا ويسميه، أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له”[29].

 

          وعن أبي سعيد – رضي الله عنه – قال:” كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين”[30].

 

          وعن أنس – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء لقضاء الحاجة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث “[31].

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك”[32].

 

          عن فاطمة بنت الحسين بن علي، عن جدتها فاطمة الكبرى – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد صلى الله عليه وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد صلى الله عليه وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك”[33].

 

          عن طلحة بن عبيد الله – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله”[34].

 

          وعن قتادة – رضي الله عنه – قال:” أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد ثلاث مرات، آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا”[35].

 

          عن ابن عمر – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك”[36].

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به”[37].

 

          عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحةً لي من كل شر”[38].

 

           وعن أنس – رضي الله عنه – قال:” كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار”[39].

 

          عن أنس – رضي الله عنه – قال:” كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات”[40].

 

          وعن أنس أيضاً – رضي الله عنه، قال:” كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون ومن سيء الأسقام”[41].

 

          وعن ابن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع”[42].

 

          وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – رفعه:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق”[43].

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل موته: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، فقلت له في ذلك، فقال: أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها: {إöذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهö وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فöي دöينö ٱللَّهö أَفْوَاجاً * فَسَبّöحْ بöحَمْدö رَبّöكَ وَٱسْتَغْفöرْهُ إöنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}[44]“.

 

* * * * *

 

          هذه نماذج من عبادته صلى الله عليه وسلم لله شكراً، وهذا كله ولم نذكر إقامته للصلوات الخمس ولا لرواتبها، ولم نتعرض لكل ما اثر عنه من عبادة لله جل جلاله، فهل بلغ أحد في عبادة الله وشكره ما بلغه رسول الله ؟ وهل يستطيع أحد أن يتصور أن هذا ممكن الوقوع والحصول بهذا الكمال والجلال، وبهذه الكثرة والسعة وبهذا الانسجام التوافق، مع هذه المعرفة العظيمة لله وكمالاته. لولا أن محمداً رسول الله يقوم بأمره كأعظم ما يقوم به أحد ؟

 

* * * * *

 

          ب – نماذج من تنفيذه لأمر الله في المثال الثاني: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفöقُونَ قُلö ٱلْعَفْوَ}، ولنهي الله {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إöلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بöهö أَزْوَاجاً مّöنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةö ٱلدُّنْيَا لöنَفْتöنَهُمْ فöيهö وَرöزْقُ رَبّöكَ خَيْرñ وَأَبْقَىٰ}.

 

          روى البخاري ومسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة”.

 

          وروى البخاري عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال:” كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال: يا أبا ذر ! قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثالثةñ وعندي منه دينارñ – إلا شيئاً أرصُدُه لدَيْنٍ – إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا º عن يمينه وعن شماله ومن خلفه”.

 

          وروى مسلم عن النعمان بن بشير – رضي الله عنه – قال:” ذكر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه” الدقل: رديء التمر.

 

          وروى البخاري ومسلم عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي”.

 

          وروى البخاري عن عمر بن الحارث أخي جويرية بنت الحارس أم المؤمنين – رضي الله عنهما – قال:” ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة”.

 

          وروى ابن جابر عن جابر – رضي الله عنه -:” أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه، ثم أتاه آخر فسأله فوعده، فقام عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال: يا رسول الله ! سئلت فأعطيت، ثم سئلت فأعطيت، ثم سئلت فوعدت، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهها، فقام عبد الله بن حذافة السهمي – رضي الله عنه – فقال: أنفق يا رسول الله ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، فقال: بذلك أمرت” كذا في الكنز ج 3 ص 311.

 

          وأخرج البزار بإسناد حسن والطبراني عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال:” دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بلال – رضي الله عنه – وعنده صبر من تمر فقال: ما هذا يا بلال ؟ قال: أعد ذلك لأضيافك قال: ما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم، أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً”. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ج1 ص 149 عن عبد الله نحوه، ورواه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة – رضي الله عنه – بنحوه بإسناد حسن وكما في الترغيب ج 2 ص 174.

 

          وأخرج أبو يعلى عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال:” أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث طوائر فأطعم خادمه طائراً. فلما كان من الغد أتته بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم أنهك أن ترفعي شيئاً لغد، فإن الله تعالى يأتي برزق كل غد” قال الهيثمي ج10 ص241 ورجاله ثقات.

 

          وأخرج الطبراني في الكبير – ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح – عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال:” كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة دنانير وضعها عند عائشة – رضي الله عنها – فلما كان في مرضه قال: يا عائشة ابعثي بالذهب على علي، ثم أغمي عليه وشغل عائشة ما به حتى قال ذلك مراراً، كل ذلك يغمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشغل عائشة – رضي الله عنها – ما به، فبعث إلى علي فتصدق بها. وأمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديد الموت ليلة الاثنين فأرسلت عائشة – رضي الله عنها – بمصباح لها إلى امرأة من نسائها فقالت: أهدي لنا في مصباحنا السمن فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسى في حديد الموت”. ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة بمعناه. كذا في الترغيب ج2 ص 178.

 

          وعن أحمد عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتصدق بذهب كان عنده في مرضه. قالت: فأفاق، قال: ما فعلت ؟ قلت: شغلني ما رأيت منك. قال: فهلم بها. قال: فجاءت بها إليه سبعة أو تسعة – أبو حازم يشك – دنانير. فقال حين جاءت بها: ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده وما تنفي هذه من محمد صلى الله عليه وسلم لو لقي الله هذه عنده”. قال الهيثمي ( ج10 ص240 ): رواه أحمد بأسانيده، ورجال أحدها رجال الصحيح.

 

          أخرج أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” حدثني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير. قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية الغرفة، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناي فقال: ما يبكي يا ابن الخطاب فقال: يا نبي الله، ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك. قال: يا ابن الخطاب. أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا”. قرظ: ما يدبغ به. إهاب: جلد. ابتدرت: بكت.

 

          وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض” وفي رواية:” ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعاً حتى قبض” متفق عليه.

 

          وعن عروة عن عائشة – رضي الله عنها – أنها كانت تقول:” والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال – ثلاثة أهلة في شهرين – وما أوقد في أبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قلت: يا خالة فما كان يعيشكم ؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، وكنت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقيناه” متفق عليه. منائح: جمع منيحة وهي ناقة يعيرها صاحبها إنساناً ليشرب لبنها ويعيدها.

 

          وعن أنس – رضي الله عنه – قال:” لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات، وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات”. أخرجه البخاري. الخوان: ما يؤكل عليه.

 

          وعن خالد بن عمر العدوي قال:” خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميراً على البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً” رواه مسلم.

 

          وعن جابر – رضي الله عنه – قال:” ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال لا” متفق عليه.

 

          وعن أنس – رضي الله عنه – قال:” ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها” رواه مسلم.

 

          وعن عمر – رضي الله عنه – قال:” قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً فقلت: يا رسول الله لغير هؤلاء كانوا أحق به منهم ؟ فقال: إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش فأعطيهم أو يبخلوني ولست بباخل”. أخرجه مسلم.

 

          وعن جبير بن مطعم – رضي الله عنه – أنه قال: بينما هو يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم مَقْفَلَهُ من حنين فعلقه الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” أعطوني ردائي فلو كان لي عدد هذه العضاة نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً”. رواه البخاري. مقفله: حالة رجوعه. السمرة: شجرة، والعضاه: شجر له شوك.

 

          وأخرج أحمد عن جابر – رضي الله عنه – قال:” أقبل أبو بكر – رضي الله عنه – يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أقبل عمر – رضي الله عنه  فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو صلى الله عليه وسلم ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك. فقال عمر: يا رسول الله ! لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: هن حولي يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده. فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله عز وجل الخيار فبدأ بعائشة فقال: إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: وما هو ؟ قال: فتلا عليها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöيُّ قُل لأَزْوَاجöكَ}[45] – الآية. قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً ولكن بعثني معلماً ميسراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها”. أخرجه مسلم والنسائي، وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:” قالت عائشة: أنزلت آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه فقال صلى الله عليه وسلم إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت ثم قال: إن الله تبارك وتعالى قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöيُّ قُل لأَزْوَاجöكَ} – الآيتين. قالت عائشة: فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الاخرة. ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة” وأخرجه البخاري ومسلم عن عائشة مثله.

 

* * * * *

 

          هذه الأمثلة على الزهد والإنفاق وتحمل خشونة الحياة والإقبال على الله طلباً لمرضاته، وحرصاً على نيل ثوابه في اليوم الآخر، وهي قليل من كثير، تبين كيف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله حق القيام بحيث لا يسبق ولا يلحق، غذ لو رجعت إلى الأمرين اللذين ذكرنا الأمثلة على تطبيقهما. فإنك لا تستطيع أن تجد أبلغ من هذا في تنفيذ أمر الله وإنه لمجافاة لكل واقع بشري وتنكب عن كل حقائق النفس البشرية، أن تتصور أن مثل هذا التطبيق والتنفيذ، بهذا الشكل، لمثل هذه الأوامر، يمكن أن يكون، لولا أن صاحبه رسول الله حقاً. صغرت لديه الدنيا بما فيها وهان لديه المال بكل أنواعه لمعرفته بأن الله أعظم من كل شيء ويهون في سبيله كل شيء.

 

* * * * *

 

ج- نماذج من تنفيذه صلى الله عليه وسلم للأمر الثالث: {وَٱخْفöضْ جَنَاحَكَ لöلْمُؤْمöنöينَ}:

 

          عاتب الله رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه أتاه مرة مؤمن مسلم وهو يعرض دعوة الإسلام على زعيم من زعماء المشركين فلم يقبل على المسلم تقول عائشة:” أنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعْرöضُ عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما أقول بأساً ؟ فيقول: لا. ففي هذا أنزلت” أخرجه مالك والترمذي.

 

          وآيات العتاب هي: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرöيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذكْرَىٰ * أَمَّا مَنö ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ *... }.

 

          فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب وبعد ذلك الأمر في علاقته بالمؤمنين عوامهم وخواصهم ؟

 

          أخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس لطفاً، والله ! ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد ولا من أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء فيغسل وجهه وذراعيه، وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه أذنه، فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد بيده إلا ناوله إياها فلم ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه”.

 

          وعند يعقوب بن سفيان – عن أنس رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح الرجل لا ينزع يده، وإن استقبل بوجه لا يصرفه عنه، حتى يكون الرجل ينصرف عنه , ولا يرى مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له”. ورواه الترمذي وابن ماجه، كما في البداية ج 6 ص 39.

 

          وعند أبي داود عنه قال:” ما رأيت رجلاً قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذاً بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده”.

 

          تفرد به أبو داو كذا في البداية ح 6 ص 39.

 

          وأخرج البزار عن أبي هريرة – رضي الله عنه –” أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء – قال عكرمة رضي الله عنه: أراه قال في دم -: فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال: أحسنت إليك، قال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال: إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت، فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً وقال: أحسنت إليك،  فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ! قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم ! فقال: نعم، فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي، كذا يا أعرابي، فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن مثلي ومثل هذا الأعرابي، كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها ! فتوجه بها وأخذ من قشام الأرض وودعاها حتى جاءت واستجاب وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال، ما قال لدخل النار”.

 

          وأخرج الطبراني عن أبي غالب قال:” قلت لأبي أمامة – رضي الله عنه – حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، يكثر الذكر، ويقصر الخطبة ويطيل الصلاة، ولا يأنف ولا يستكبر أن يذهب مع المسكين والضعيف حتى يفرغ من حاجته”. وإسناده حسن، كما قال الهيمثي في (ج9 ص20 ) وأخرجه البيهقي والنسائي عن عبد الله بن أبي أوفى – رضي الله عنه – نحوه كما في البداية ج6 ص45.

 

          وأخرج الترمذي في الشمائل ( ص 25 ) عن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه عَلَيَّ حتى ظننت أني خير القوم فقلت: يا رسول الله ! أنا خير أو أبو بكر – رضي الله عنه -. فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله ! أنا خير أم عمر – رضي الله عنه – فقال: عمر. فقلت: أنا خير أم عثمان – رضي الله عنه – فقال: عثمان فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقني فلوددت أني لم أكن سألته”. وأخرجه الطبراني عنه ونحوه، وإسناده حسن كما قال الهيثمي ج9 ص15 وقال في الصحيح: بعضه بغير سياقه.

 

          وعند البزار والطبراني عن أبي هريرة – رضي الله عنه -:” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد يأخذ بيده فينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسله، ولم يكن يرى ركبتيه أو ركبته خارجاً عن ركبة جليسه، ولم يكن أحد يصافحه إلا أقبل عليه بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه”. وإسناد الطبراني حسن.

 

          وعند أحمد عن أنس – رضي الله عنه – قال:” إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نزع بمن يدها حتى تذهب به حيث شاءت” رواه ابن ماجه. وعند أحمد عنه قال:” إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به في حاجتها”. رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه معلقاً كما في البداية ج6 ص 39، وروى مسلم في صحيحه ج2 ص256 عن أنس” أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك ! فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها”. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة ص 57 عن أنس مثله.

 

          وأخرج مسلم (ج2 ص253) عن أنس – رضي الله عنه – قال:” لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة – رضي الله عنه – بيدي فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إن أنساً غلام كيس فليخدمك قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا ؟ وعنده أيضاً عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم فخرجت حتى أمر على الصبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي ! قال: فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنس اذهب حيث أمرتك ! قال: قلت نعم أنا أذهب يا رسول الله ! قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا ؟ ولشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا وعنده أيضاً عنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أفاً قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا ؟”.

 

          وعند أبي نعيم في الدلائل صفحة 57 عن أنس – رضي الله عنه – قال:” خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين فما سبني سبة قط ولا ضربني ضربة ولا انتهرني ولا عبس في وجهي ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه، فإن عاتبني عليه أحد من أهله قال: دعوه ! فلو قدر شيء لكان”.

 

          وأخرج البزار عن جابر – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت أطلق الناس وجهاً وأكثرها ضحكاً وأحسنهم بشراً”. قال الهيثمي ج9 ص17: إسناده حسن.

 

          وأخرج البيهقي وابن النجار عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: من أنت ؟ قالت: جثامة المزنية قال: بل أنت حنانة المزنية، كيف أنتم، كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا ؟ قالت بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قلت: يا رسول الله ! تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ! فقال: يا عائشة ! هذه كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان”.

 

وأخرج البخاري  في الأدب ص 188 عن أبي الطفيل – رضي الله عنه – قال:” رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة وأنا يومئذ غلام أحمل عضو البعير فأتته امرأة فبسط لها ردائه. قلت من هذه ؟ قال: أمه التي أرضعته”.

 

          وروى الطبراني عن الحسن بن علي – رضي الله عنهما – وقد سأل أباه عن بعض صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من سؤاله وجواب علي – رضي الله عنه – ما يلي:

 

          قال الحسن: وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعينهم ويؤلفهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه ( يجعله ضعفياً واهياً بالمنع والزجر عنه ) معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذي يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة”.

 

          قال: فسألته عن مجلسه كيف كان ؟ فقال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو لميسور من القول. قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أباً وصاروا له أبناء عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن ( تعاب ) فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته ( أي لا تشاع زلاته وهفواته والمراد لا فلتات في مجلسه ) متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب”.

 

          قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ( أي سيء الخلق )، ولا غليظ، ولا سخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مزاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يوئس منه راجيه، ولا يخيب فيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا تكلم سكتوا وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستحلبونه في المنطق ( وفي الكنز: ليستجلبونهم )، ويقول: إذا رأيتم صاحب حاجة فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بانتهاء أو قيام”.

 

* * * * *

 

          هذه أمثلة من مواقفه صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين، وتواضعه وخفض جناحه لهم، ارجع بعد دراستها إلى الآية التي أمرته بذلك فهل تراه إلا قائماً بها حقاً، وهل ترى إنساناً يبلغ عشر ما بلغه محمد صلى الله عليه وسلم من المجد ويبقى يعامل المستضعفين والكبار والصغار والرؤساء الأتباع هذه المعاملة على سواء ؟ وهل هذا وضع طبيعي للنفس البشرية لولا أن الله هذبها وكانت مؤمنة بالله فعلاً متصلة به حقيقة طائعة له طاعة فناء ؟ اللهم ما كان هذا ليكون لولا أن محمداً عبدك ورسولك.

 

* * * * *

 

          د – نماذج من تنفيذه صلى الله عليه وسلم للأمر الرابع: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبöيُّ جَاهöدö ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافöقöينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهöمْ}:

 

          إن خلق الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدانيه فيه أحد من خلق الله. أخرج الشيخان عن أنس أن نبي الله قال:” إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه”. ووسعت رحمته الناس حتى قال الله تعالى له: {فَلَعَلَّكَ بَاخöعñ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارöهöمْ إöن لَّمْ يُؤْمöنُواْ بöهَِٰذَا ٱلْحَدöيثö أَسَفاً}[46] وقد ظهرت هذه السجية على طبيعتها يوم فتح مكة º إذ عفا عن أهلها بعد أن فعلوا فيه ما فعلوا. كما ظهرت على سجيتها بعد انتهاء غزوة بدر وأسر الأسرى، ولم يكن نزل عليه من أمر الله في القضية شيء، وإنما هو الاجتهاد الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القضايا، وكان أمام الرسول اقتراحان في شأن الأسرى: اقتراح أبي بكر واقتراح عمر، وكان اقتراح أبي بكر أخذ الفداء وإطلاق السراح، وكان اقتراح عمر القتل حتى يعلم الله أنه ليس في قلوب المسلمين رحمة بالكافرين، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر لأنه أقرب لطبعه، وهو الذي لاقى من قومه ما لاقى، ثم إن الله عاتبه في هذه القضية على اللين، وليس من إثم ولكن الله يريد أن يأخذ رسوله بالحزم فقال له: {مَا كَانَ لöنَبöيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخöنَ فöي ٱلأَرْضö}[47] ثم نزلت أوامر الله تطالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد والشدة الغلظة على الكافرين، فأصبحت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الرحمة الكبيرة والصبر الطويل والتحمل الكثير والمسالمة الدائمة º المقاتل الشديد والمنفذ الذي جعل طاعة الله فوق كل عواطفه، بل حتى عواطفه هي تنفيذ لأمر الله , واستعراض بسيط لحياته الحربية عليه الصلاة والسلام يرينا أن هذا النوع من القتال الذي خاضه عليه الصلاة والسلام ما كان ليكون من صنع بشر، لولا أن هذا الإنسان ينفذ أمر الله، معتمداً عليه، فإنه ما من مقدمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تشير إلى مثل هذه النتائج، لولا أن المسألة ربانية الطريق بدءاً وختاماً، أسلوباً وتنفيذاً. ربñ يأمر وعبد رسول ينفذ.

 

          يؤمر ألا يخشى شيئاً فلا يخاف إلا الله، ويؤمر بأن يتوكل على الله ويعتمد عليه وحده، فيدخل أي معركة بما يتوفر له من قوة دون خوف من أي حشد يقابله، ويؤمر بألا يكون في قلبه رحمة بالكافرين فيضربهم حتى يستأصلهم، ويؤمر بمتابعة القتال فيقاتل ولما يسترح، ويؤمر بالعمل المتواصل حتى يخضع أعداء الله فلا يكاد ينتهي من تهيئة غزوة إلا إلى غيرها، ومن إخضاع منطقة إلا إلى منطقة أخرى. وهكذا حتى يضع أتباعه على الطريق لإخضاع العالم بعده لسلطان الله.

 

          كان عدد أصحابه يوم بدر ثلاث مائة وخمسة عشر رجلاً، وعدد المشركين حوالي ثلاثة أضعاف تفوقهم بالعدة، ويدخل الرسول صلى الله عليه وسلم المعركة وينتصر فيها ولا يعتمد إلا على الله.

 

          روى مسلم وأبو داو والترمذي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:” خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحَرَّة الوبر أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله ؟ قال: لا. قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم مضى حتى إذا كان بالشجرة أدركه الرجل فقال: كما قال أول مرة. فقال له صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة، قال فارجع فلن أستعين بمشرك. ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال له كما قال أول مرة. وقال: هل تؤمن بالله ورسوله ؟ قال: نعم. قال: فانطلق. فانطلق معه”.

 

          وروى مسلم عن أبي الطفيل – رضي الله عنه – قال: قال حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه -:” ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي الحسيل، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه أن لا نقاتل معه، فلما أتينا المدينة ذكر ذلك له صلى الله عليه وسلم فقال: انصرفا نفي لهم ونستعين بالله تعالى عليهم”.

 

          وأخرج الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس – رضي الله عنه – قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس من قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة – رضي الله عنه – عري في عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا، قال: وجدناه بحراً أو إنه لبحر، وكان فرساً يبطئ”. وأخرج البخاري عن أبي إسحاق: سمع البراء بن عازب – رضي الله عنه – وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله يوم حنين فقال:” لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرر”.

 

          والمعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت في حنين في عشرة من أصحابه، أدار بهم المعركة التي فر فيها أثنا عشر ألفاً ثم كان النصر بعد الهزيمة. وفي غزوة أحد كان المشركون أضعاف المسلمين ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم المعركة , وأفشل المعركة بعض المتسرعين الذين لم يلتزموا خطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب المسلمون يومها إصابات كثيرة وانفصل الجيشان ورجع كل إلى بلده، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كاد يصل إلى المدينة حتى أمر من دخل المعركة بالجهاز السريع فخرجوا بجراحهم وآلامهم، وساروا وراء قريش، فبلغ قريشاً الخبر ففرت وتحولت الهزيمة إلى انتصار، وأكثر من هذا أنه قطع على قريش خط الرجعة إذ فكروا وهم عائدون أن يرجعوا إلى المدينة ليدخلوها فاتحين مستأصلين لجذور الإسلام. مع ملاحظة أن رسول الله بقي يقاتل يوم أحد حتى كف المشركون أنفسهم عن القتال ولم يفر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً.

 

          وفي غزوة الأحزاب تجمعت الجزيرة العربية كلها لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح المسلمون في وضع لا يطيقه أحد من البشر، يتهددهم الخطر من جوانب لا تعد، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انسحبت الأحزاب، ولم يتمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انسحابهم حتى سار إلى قريظة لتأديب هؤلاء الناكثين للعهد فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ حليفهم بالجاهلية فأخذ سعد العهد عليهم وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يلتزموا حكمه فأعطوه، فحكم سعد أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم في يوم واحد أربعمائة رجل صبراً. وهاجم الدولة الرومانية وهي يومها من هي وقوته لم تبلغ إلا قليلاً مما فتح لأصحابه بعد ذلك أن يدخلوا معاركهم مع الدولة الرومانية والدولة الفارسية بآن واحد على قلة في العدة العدد وانتصروا بتلك الشعلة التي أشعلها فيهم الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بنفسه – كما يروي مسلم – تسع عشرة غزوة، هذا عدا عن السرايا والبعوث الحربية التي كان يرسلها. هذا مع أن بقاءه في المدينة كان مدته عشر سنوات فقط.

 

          والحديث عن غزواته طويل جداً نجده مفصلاً في كتب السيرة. ويكفي أن نذكر أن من آثارها أن وحّد الجزيرة العربية كلها، بيمنها وحجازها ونجدها وسواحلها، حتى لم يبق فيها شبر لم يخضع لسلطان الله، وفتح لأتباعه طريق العمل العالمي. من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.ونحن هنا لا نريد التفصيل وإنما نريد فقط إبراز ما به يظهر التطبيق الكامل لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالتالي ما دعا إليه فكان في كل شيء لا تخالف أعماله دعوته.

 

         

 

          هِ - نماذج من تطبيقه صلى الله عليه وسلم للأوامر في المثال الخامس: {كُونُواْ قَوَّامöينَ بöٱلْقöسْطö} . {وَأَنö ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بöمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبöعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتöنُوكَ عَن بَعْضö مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إöلَيْكَ}.

 

          أخرج البخاري عن عروة: أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة:” فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله وقال: أتكلمني في حد من حدود الله تعالى ؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنما هلك الناس أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله”.

 

          وأخرج أبو داود عن العرباض بن سارية السلمي قال:

 

          “ نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلعة خيبر ومعه من معه من المسلمين، وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً متكبراً، فأقبل إلى النبي فقال: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن عوف اركب فرسك، ثم ناد أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة. فاجتمعوا ثم صلى بهم ثم قام فقال: أيحسب أحكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن، إلا إني والله لقد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله تعالى لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوا الذي عليهم”.

 

          وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي أنه” كان ليهودي عليه أربعة دراهم فاستعدى عليه فقال: يا محمد ! إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها، قال: أعطه حقه. قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها. قال: أعطه حقه. قال: والذي نفسي بيده ما أقدر عليها. قد أخبر أنك تبعثنا إلى خبير فأرجو أن تغنمنا شيئاً فارجع فأقضيه، قال: أعطه حقه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال ثلاثاً لم يراجع. فخرج ابن أبي حدرد إلى السوق وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة، فنزع عن رأسه فاتزر بها ونزع البردة فقال: اشتر مني هذه البردة، فباعها منه بأربعة دراهم، فمرت عجوز فقالت: ما لك يا صاحب رسول الله ؟ فأخبرها، فقالت: ها دونك هذا البرد لبرد عليها طرحته عليه” وأخرجه أحمد أيضاً.

 

          وأخرج ابن ماجه عن أبي سعيد قال:” جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه ديناً كان عليه فاشتد عليه حتى قال: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه فقالوا: ويحك تدري من تكلم ؟ فقال: إني أطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا مع صاحب الحق كنتم، ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فاقترضه فقضى الأعرابي وأطعمه فقال: أوفيت أوفى الله لك فقال: أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حق غير متعتع .

 

          وأخرج أبو داود عن أسيد بن حضير:” أن رجلاً من الأنصار كان فيه مزاح، فبينما هو يحدث القوم ويضحكهم إذ طعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود كان في يده فقال: اصبرني يا رسول الله ( أي مكني من نفسك لأقتص منك ) قال: اصطبر فقال: إن عليك قميصاً وليس علي قميص، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ( الكشح ما وفق شد الإزار من جانب البطن ) وقال: إنما أردت هذا يا رسول الله”.

 

          أخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام بإسناد رجاله ثقات قال:

 

          “ لما أراد الله هدي زيد بن سعنة، قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه º يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، قال زيد بن سعنة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي فقال: يا رسول الله ! لي نفر في قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغداً، وقد أصابتهم سنة وشدة وقحط من الغيث، فأنا أخشى عليهم يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلت، فنظر إلى رجل بجانبه أراه علياً فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء، قال زيد ابن سعنة: فدنوت إليه فقلت يا محمد هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً في حائط بني فلان إلى أجل معلوم، إلى أجل كذا وكذا، قال: لا تسمي حائط: بني فلان، قلت: نعم فبايعني، فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا فأعطاها الرجل، وقال: اعدل عليهم وأغثهم، قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة ودنا إلى الجدار ليجلس إليه، أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ قلت له: يا محمد ألا تقضيني حقي، فوالله ما علمتم بني عبد المطلب إلا مطلاً، ولقد كان بمخالطتكم علم. ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع ؟ وتصنع به ما أرى ؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي في سكون وتؤدة، فقال: يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا º أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن ابتاعه، اذهب به يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين صاعاً من تمر مكان مارعته. قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر ؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان مارعتك، وقال: وتعرفني يا عمر ؟ قال: لا. قلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحبر. قلت: الحبر. قال فما دعاك إلى أن فعلت برسول الله ما فعلت ؟ وقلت له ما قلت، قلت: يا عمر ! لم يكن من علامات النبوة شيئاً إلا وقد عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه º يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، وقد اختبرتهما، أشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً، وأشهدك أن شطر مالي – فإني أكثرها مالاً – صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال عمر: أو على بعضهم فإنك لا تسعهم، قلت أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وآمن به وصدقه وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر – رحم الله زيداً”.

 

          من هذه الآثار يتبين كيف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسط، وأقامه على نفسه وأتباعه وأصحابه بلا محاباة ولا مداراة ولا مداهنة، فكان في القمة التي لا يرقى إليها راق في تنفيذ أمر الله وتطبيقه.

 

* * * * *

 

          هذه نماذج رأينا فيها تنفيذاً لخمسة أوامر قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشكل الذي لا يبقى معه مزيد لمستزيد، وهذا الذي رأيناه هنا هو الذي نراه في كل أمْرٍ أمَرَ الله به عباده، حتى إن عائشة لما وصفت خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:” كان خلقه القرآن”[48] وهذا واقع لا يعرفه حق المعرفة إلا من درس القرآن ودرس معه سيرة رسول الله تفصيلاً، فإنه يرى بوضوح أنه ما من أمر وجهه الله لخلقه إلا وكان رسول الله أعظم الخلق تنفيذاً له وتطبيقاً، بلا تفريط في أمر من أوامر الله، وأي أمرٍ من أوامر الله درست تنفيذ رسول الله صلى الله عليه وسلم له دلك هذا التنفيذ على أن محمداً رسول الله، وقد رأيت في الأمثلة الماضية هذه النماذج العالية من الالتزام الرائع الذي يجعلك كل موقف من مواقفه تستبعد وقوعه من غير رسول، أو تابع رسول يقتدي به، وهذه الصفة التي مرت معنا هي التي يسميها علماء المسلمين الأمانة، إذ الأمانة عندهم تعني القيام بما كلف الله به عباده أخذاً من قوله: {إöنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتö وَٱلأَرْضö وَٱلْجöبَالö فَأبَيْنَ أَن يَحْمöلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مöنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإöنْسَانُ إöنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[49] فالأمانة هي التكليف، وحملها هو إقامة ما كلف الله به عباده , والرسل هم قدوة البشر في القيام بأمر الله، فلا بد أن يكونوا أكثر الخلق أمانة أي التزاماً صادقاً بما يدعون الخلق إليه نيابة عن الله، ووجود هذا الالتزام بما يدعو إليه الخلق من فضائل هو رسول الله رب العالمين.

 

          والآن وقد وضح أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحظ الأعلى من الصفة الثانية التي ينبغي أن يتصف بها كل من كان رسولاً لله حقاً، فلننتقل إلى الصفة الأساسية الثالثة لكل رسول وهي تبليغ دعوة الله مهما كانت الظروف، لنرى كذلك أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحظ الأعلى منها، ونرى في كل موقف من مواقفه فيها ما يثبت أنه رسول الله حقاً.



[1] الزمر : 66 .

[2] البقرة : 219 .

[3] طه : 131 .

[4] الحجر : 88 .

[5] التوبة : 73 .

[6] المائدة : 49 .

[7] النساء : 135 .

[8] أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، ومسلم بلفظه .

[9] أخرجه مسلم وأبو داود .

[10] أخرجه مسلم .

[11] أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

[12] أخرجه الستة إلا البخاري .

[13] أخرجه الترمذي .

[14] أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

[15] أخرجه الستة .

[16] أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود .

[17] أخرجه الترمذي .

[18] أخرجه الستة إلا النسائي .

[19] أخرجه أبو داو والنسائي .

[20] أخرجه أبو داود .

[21] أخرجه أصحاب السنن .

[22] أخرجه الترمذي .

[23] أخرجه مسلم وأبو داود .

[24] أخرجه الستة إلا النسائي .

[25] للترمذي وأبي داود .

[26] أخرجه أبو داود .

[27] أخرجه الشيخان .

[28] أخرجه الترمذي .

[29] أخرجه الترمذي وأبو داود .

[30] أخرجه الترمذي وأبو داود .

[31] أخرجه الستة إلا الموطأ .

[32] أخرجه الترمذي وأبو داود .

[33] أخرجه أبو داود .

[34] أخرجه الترمذي .

[35] أخرجه أبو داود .

[36] أخرجه الترمذي .

[37] أخرجه الشيخان والترمذي .

[38] أخرجه مسلم .

[39] أخرجه الشيخان وأبو داود .

[40] أخرجه الستة إلا مالكاً .

[41] أخرجه أبو داود والنسائي .

[42] أخرجه الترمذي والنسائي .

[43] أخرجه أبو داود والنسائي .

[44] أخرجه مسلم .

[45] الأحزاب : 28 – 29 .

[46] الكهف : 5 .

[47] الأنفال : 67 .

[48] رواه مسلم .

[49] الأحزاب : 73 .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error