ومع هذا فإننا نجد الاسلام قد فرق بين الرجل والمرأة في بعض المجالات، ومن المؤكد أن هذا التفريق لا علاقة له بالمساواة بينهما في الانسانية والكرامة والأهلية – بعد أن قررها الاسلام لها على قدم المساواة مع الرجل – بل لضرورات اجتماعية واقتصادية ونفسية اقتضت ذلك، وإليك البيان:
1- في الشهادة:
جعل الاسلام الشهادة التي تثبت الحقوق شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين، وذلك في قوله تعالى في آية المداينة: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى} [البقرة: 282]. ومن الواضح أن هذا التفاوت لا علاقة له بالانسانية ولا بالكرامة ولا بالأهلية، فما دامت المرأة انسانا كالرجل، كريمة كالرجل، ذات أهلية كاملة لتحمل الالتزمات المالية كالرجل، لم يكن اشتراطه اثنتين مع رجل واحد إلا لأمر خارج عن كرامة المرأة واعتبارها واحترامها، وإذا لاحظنا أن الاسلام – مع إباحته للمرأة التصرفات المالية – يعتبر رسالتها الاجتماعية هي التوفر على شؤون الأسرة، وهذا ما يقتضيها لزوم بيتها في غالب الأوقات – وخاصة أوقات البيع والشراء – أدركنا أن شهادة المرأة في حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادراً، وما كان كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره حين مشاهدته، فانها تمر به عابرة لا تلقي له بالاً، فاذا جاءت تشهد به كان أمام القاضي احتمال نسيانها أو خطأها ووهمها، فاذا شهدت امرأة أخرى بمثل ما تشهد به زال احتمال النسيان والخطأ، والحقوق لا بد من التثبت فيها، وعلى القاضي أن يبذل غاية جهده لإحقاق الحق وإبطال الباطل....
هذا هو كل ما في الأمر، وقد جاء النص عليه صراحة في الآية ذاتها حيث قال تعالى في تعليل اشتراط المرأتين بدلاً من الرجل الواحد: {أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى} أي خشية أن تنسى أو تخطئ إحداهما فتذكرها الأخرى بالحق كما وقع. ولهذا المعنى نفسه ذهب كثير من الفقهاء إلى أن شهادة النساء لا تقبل في الجنايات، وليس ذلك إلا لما ذكرناه من أنها غالباً ما تكون قائمة بشؤون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها، وإذا حضرتها فقل أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينيها، وتظل رابطة الجأش، بل الغالب أنها اذا لم تستطع الفرار تلك الساعة كان منها أن تغمض عينيها وتولول وتصرخ، وقد يغمى عليها، فكيف يمكن بعد ذلك أن تتمكن من أداء الشهادة فتصف الجريمة والمجرمين وأداة الجريمة وكيفية وقوعها؟ ومن المسلّم به أن الحدود تدرأ بالشبهات، وشهادتها في القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة: شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها. ويؤكد مراعاة هذا المعنى في الاحتياط لشهادتها فيما ليس من شأنها أن تحضره غالباً، أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يطلع عليه غيرها، أو ما تطلع عليه دون الرجال غالباً، فقد قرروا أن شهادتها وحدها تقبل في إثبات الولادة، وفي الثيوبة والبكارة، وفي العيوب الجنسية لدى المرأة وهذا حين كان لا يتولى توليد النساء وتطبيبهن والاطلاع على عيوبهن الجنسية إلا النساء في العصور الماضية.
فليست المسألة إذاً مسألة إكرام وإهانة، وأهلية وعدمها، وإنما هي مسألة تثبت في الأحكام، واحتياط في القضاء بها. وهذا ما يحرص عليه كل تشريع عادل. وبهذا نعلم أنه لا معنى للشغب والتشنيع على الاسلام في هذه القضية، واتخاذها سلاحاً للادعاء بأنه انتقص المرأة، وعاملها دون الرجل كرامة ومكانة. مع أنه أعلن إكرامها ومساواتها بالرجل في ذلك بنصوص صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وقد ذكرنا بعضها فيما مضى.
2- في الميراث:
أثبت الاسلام تقديره للمرأة، ورعايته لحقوقها، باعطائها حق الميراث، خلافاً لما كان عليه عرب الجاهلية وكثير من الشعوب القديمة وبعض الشعوب في العصر الحاضر بالنسبة للزوجة مثلاً. وهذا النصيب يختلف في أحكام الارث بين حالات:
1- بين أن يكون نصيبها مثل نصيب الذكر، كما في الأخوات لأم، فان الواحدة منهن إذا انفردت تأخذ السدس كما يأخذ الأخ لأم إذا انفرد، وإذا كانوا ذكوراً وإناثاً، اثنين فأكثر: فإنهم يشتركون جميعاً في الثلث، للذكر مثل حظ الانثى.
2- وبين أن يكون نصيبها مثله أو أقل منه، كما في الأم مع الأب إذا كان للميت أولاد "فإن ترك معهما ذكوراً فقط أو ذكوراً وإناثاً، كان لكل من الأب والأم السدس من التركة، وإن ترك معهما إناثاً فقط، كان لكل من الأب والأم السدس، ويأخذ الأب بعد ذلك مازاد من التركة عن السهام، فمن مات عن بنت وزوجة وأم وأب، كان للبنت النصف، وهو اثنا عشر من أربعة وعشرين، وللزوجة الثمن، وهو ثلاثة، وللأم السدس وهو أربعة، وللأب السدس والباقي فيكون له خمسة.
3- وبين أن تأخذ نصف ما يأخذه الذكر، وهذا هو الأعم الأغلب، بل هو القاعدة العامة إلا ما ذكرناه، فهل هذا لنقصٍ من انسانيتها في نظر الإسلام؟ أم لنقصٍ في مكانتها وكرامتها؟.
ليس في الأمر شيء من هذا، فمن المستحيل أن ينقض الاسلام في ناحية ما يبينه من ناحية أخرى، وأن يضع مبدءً ثم يضع أحكاماً تخالفه، ولكن الأمر يتعلق بالعدالة في توزيع الأعباء والواجبات على قاعدة: "الغْرُم بالغُنْم".
ففي نظام الاسلام يلزم الرجل بأعباء وواجبات مالية لا تلزم بمثلها المرأة، فهو الذي يدفع المهر، وينفق على أثاث بيت الزوجية، وعلى الزوجة والأولاد. أما المرأة فهي تأخذ المهر ولا تسهم بشيء من نفقات البيت على نفسها وعلى أولادها ولو كانت غنية، ومن هنا كان من العدالة أن يكون نصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل، وقد كان الاسلام معها كريماً متسامحاً حين طرح عنها كل تلك الأعباء، وألقاها على عبء الرجل ثم أعطاها نصف ما يأخذ!... لنفرض رجلاً مات عن ابن وبنت وترك لهما مالاً، فماذا يكون مصير هذا المال غالباً بعد أمدٍ قليل؟ إنه بالنسبة الى البنت سيزيد ولا ينقص! يزيد المهر الذي تأخذه من زوجها حين تتزوج، ويزيد ربح المال حين تنميه بالتجارة أو بأية وسيلة من وسائل الاستثمار...
أما بالنسبة إلى أخيها الشاب فإنه ينقص منه المهر الذي سيدفعه لعروسه، ونفقات العرس، وأثاث البيت، وقد يذهب ذلك بكل ما ورثه ثم عليه دائماً أن ينفق على نفسه وعلى زوجته وعلى أولاده. أفلا ترون معي أن ما تأخذه البنت من تركة أبيها يبقى مدخراً لها لأيام النكبات وفقد المعيل من زوج أو أب أو أخ أو قريب!.. بينما يكون ما يأخذه الابن معرضاً للاستهلاك لمواجهة أعبائه المالية التي لا بد له من القيام بها!.
لقد وجهت مرة هذا السؤال على طلابي في الحقوق – وفيهم فتيان وفتيات – وأردفته بسؤال آخر: هل ترون مع ذلك أن الاسلام ظلم المرأة في الميراث أو انتقصها حقها أو نقص من كرامتها؟ أما الطلاب فقد أجابوا بلسان واحد: لقد حابى الاسلام المرأة على حسابنا نحن الرجال!.. وأما الفتيات فقد سكتن، ومنهن من اعترفن بأن الاسلام كان منصفاً كل الانصاف حين أعطى الانثى نصف نصيب الذكر!...
إن الشرائع التي تعطي المرأة في الميراث مثل نصيب الرجل، ألزمتها بأعباء مثل أعبائه، وواجبات مالية مثل واجباته، لا جرم أن كان أعطاؤها مثل نصيبه في الميراث في هذه الحالة أمراً منطقياً ومعقولاً، أما أن نعفي المرأة من كل عبء مالي، ومن كل سعي للانفاق على نفسها وعلى أولادها، ونلزم الرجل وحده بذلك، ثم نعطيها مثل نصيبه في الميراث فهذا ليس أمراً منطقياً مقبولاً في شريعة العدالة!. وقد يقال: لöم لَم يلزم الاسلام المرأة بالعمل ويكلفها من الأعباء بمثل ما كلف الرجل؟ وجوابنا على هذا سنسمعه في آخر هذه الأبحاث حين نناقش هذا الموضوع: هل من مصلحة الاسرة والمجتمع أن تكلف المرأة بالعمل لتنفق على نفسها، أو تسهم في الانفاق على نفسها، وعلى أولادها؟ أم أن تتفرغ لشؤون بيتها وأولادها؟
وحسبنا أن نقول الآن: أنه لا مجال للمطالبة بمساواة المرأة مع الرجل في الميراث إلا بعد مطالبتها بمساواتها في الأعباء والواجبات.. إنها فلسفة متكاملة، فلا بد من الأخذ بها كلها أو تركها كلها.. أما نحن كمسلمين فنرى أن فلسفة الاسلام في ذلك أصح، وأكثر منطقية، وأحرص على مصلحة الأسرة والمجتمع والمرأة ذاتها.. وفي تجارب الحضارة الحديثة التي سنذكر طرفاً منها ما يؤيد وجهة نظر الاسلام لمن أراد الحق خالصاً من الأهواء والرغبات العاطفية.. وقبل أن أنتقل من بحث هذا الموضوع أرى من المفيد أن أتعرض لفائدتين تاريخيتين:
الأولى: ان نصارى جبل لبنان في عهد الحكم العثماني كان من أسباب نقمتهم عليه أنه أراد أن يطبق عليهم أحكام الشريعة الاسلامية فيما يتعلق بالميراث فقد غضبوا لأن الشريعة تعطي البنت نصيباً من الميراث يعادل نصف نصيب أخيها، وليس من عادتهم توريثها لأن ما تأخذه من المال يذهب الى زوجها، وقد ذكر هذا الأب بولس سعد في مقدمة كتابه "مختصر الشريعة" للمطران عبد الله قراعلي واليكم نص عبارته: "جاء في الرسالة التي أنفذها البطريرك يوسف حبيش الى رئيس مجمع نشر الايمان المقدس في 29 أيلول 1840 ما يلي: وأما الآن فمن حيث أن القضاة أخذوا يمشوا كلشي (كل شيء) في الجبل على موجب الشرائع الاسلامية فصار عمال يقع السجن والاضطهاد من هذا التغيير وبالأخص من جهة توريث البنات، لأن الشرائع الاسلامية تحدد أن كل بنتين ترثا بقدر ما يرث صبي واحد، ومن هنا واقع خصومات ومنازعات وشرور متفاقمة واضطرابات، من حيث أن العادة السابقة كانت سالكة في هذا الجبل عند الجمهور أغنياء وفقراء بأن الابنة ليس لها إلا جهاز معلوم بقيمة المثل من والديها، إلا اذا هم أوصوا بشيء خصوصي. ومن سلوك القضاة الآن بخلاف ذلك صار الوالدين في اختباط حال جسيمة مضر بالأنفس والأجساد، من حيث أن الآباء لا يرتضوا بتوريث بناتهم حسب وضع الشريعة الاسلامية حذراً من تبذير أرزاقهم وخراب بيوتهم، ولذلك فيحتالون بأيام حياتهم أن يعطوا أرزاقهم لأولادهم الذكور بضروب الهبة والتمليك ليمنعوا عنهم دعوى البنات بعد موتهم". ثم يقول البطريرك المذكور بعد أن شرح مالحق الآباء من الضرر في هبة أموالهم لأولادهم الذكور: "ومن حيث أن الشرور الناتجة من هذا النوع هي أثقل من باقي الأنواع كما لخصناه أعلاه، فمستبين لنا ضروريا أن نسعى بترجيع توريث البنات والنساء للعادة السالفة، نعني أنهن لا يرثن على الذكور بل لهن الجهاز بقيمة المثل كما ذكرنا أعلاه، ليحصل الهدوء بذلك، وتنقطع أسباب الشرور الخ. 1 هِ. ص 25.
الثانية: إن البلاد السكندنافية لا تزال بعضها حتى الآن تميز الذكرعلى الأنثى في الميراث فتعطيه أكثر منها، برغم تساويهما في الواجبات والأعباء المالية.
3- دية المرأة:
جعلت الشريعة دية المرأة التي قتلت خطأ أو التي لم يستوجب قاتلها عقوبة القصاص لعدم استيفاء شروطه، بما يعادل نصف دية الرجل. وقد يبدو هذا غريباً بعد أن قرر الإسلام مساواتها بالرجل في الانسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية. غير أن الأمر لا علاقة له بهذه المبادئ وإنما هو ذو علاقة وثيقة بالضرر الذي ينشأ للأسرة عن مقتل كل من الرجل والمرأة. إن القتل العمد يوجب القصاص من القاتل، سواء كان المقتول رجلاً أو امرأة، وسواء كان القاتل رجلاً أو امرأة. وهذا لأننا في القصاص نريد أن نقتص من انسان لانسان، والرجل والمرأة متساويان في الانسانية.
أما في القتل الخطأ وما أشبهه، فليس أمامنا إلا التعويض المالي والعقوبة بالسجن أو نحوه، والتعويض المالي يجب أن تراعى فيه – كما هو من مبادئه المقررة – الخسارة المالية قلة وكثرة. فهل خسارة الأسرة بالرجل كخسارتها بالمرأة؟
إن الأولاد الذين قتل أبوهم خطأ. والزوجة التي قتل زوجها خطأ، قد فقدوا معيلهم الذي كان يقوم بالانفاق عليهم والسعي في سبيل اعاشتهم. أما الأولاد الذين قتلت أمهم خطأ، والزوج الذي قتلت زوجته خطأ، فهم لم يفقدوا فيها إلا ناحية معنوية لا يمكن أن يكون المال تعويضاً عنها. إن الدية ليست تقديراً لقيمة الانسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، وهذا هو الأساس الذي لا يماري فيه أحد. ومما يؤكد هذا المعنى أن قوانينا الحاضرة جعلت للدية حداً أعلى وحداً أدنى، وتركت للقاضي تقدير الدية بما لا يقل عن الأدنى ولا يزيد عن الأعلى، وما ذلك إلا لتفسح المجال لتقدير الاضرار التي لحقت بالأسرة من خسارتها بالقتيل، وهي تتفاوت بين كثير من الناس ممن يعملون ويكدحون، فكيف لا تتفاوت بين من يعمل وينفق على أسرته، وبين من لا يعمل ولا يكلف بالانفاق على أحد، بل كان ممن ينفق عليه؟ وأعود فأقول ان ذلك مرتبط أيضاً بفلسفة الاسلام في عدم تكليف المرأة بالكسب للانفاق على نفسها وعلى أولادها، رعاية لمصلحة الأسرة والمجتمع اما في المجتمعات التي تقوم فلسفتها على عدم اعفاء المرأة من العمل لتعيل نفسها وتسهم في الانفاق على بيتها واطفالها، فان من العدالة حينئذ أن تكون ديتها اذا قتلت معادلة على العموم لدية الرجل القتيل.
4- رئاسة الدولة:
يحتم الاسلام أن تكون رئاسة الدولة العليا للرجل، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا النص يقتصر المراد من الولاية فيه على الولاية العامة العليا، لأنه ورد حين أبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفرس ولوا للرئاسة عليهم احدى بنات كسرى بعد موته، ولأن الولاية باطلاقها ليست ممنوعة عن المرأة بالاجماع، بدليل اتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم وأن تكون شاهدة، والشهادة ولاية كما نص الفقهاء على ذلك، ولأن أبا حنيفة يجيز أن تتولى القضاء في بعض الحالات، والقضاء ولاية. فنص الحديث كما نفهمه صريح في منع المرأة من رئاسة الدولة العليا، ويلحق بها ما كان بمعناها في خطورة المسؤولية. أما توليها غير ذلك من الوظائف فهذا ما سنعرض له في آخر هذه الأبحاث. وهذا أيضاً مما لا علاقة له بموقف الاسلام من انسانية المرأة وكرامتها وأهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة، وبحالة المرأة النفسية، ورسالتها الاجتماعية. إن رئيس الدولة في الاسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هو قائد المجتمع ورأسه المفكر، ووجهه البارز، ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج:
فهو الذي يعلن الحرب على الاعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة، إن كانت المصلحة فيهما، أو الحرب والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، وطبيعي أن يكون ذلك كله بعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة، عملا بقوله تعالى {وشاورهم في الأمر} ولكنه هو الذي يعلن قرارهم، ويرجح ما اختلفوا فيه، عملاً بقوله تعالى بعد ذلك: {فإذا عزمت فتوكل على الله}. ورئيس الدولة في الاسلام يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بين الناس في الخصومات، اذا اتسع وقته لذلك. ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، وبخاصة ما يتعلق بالحروب وقيادة الجيوش، فان ذلك يقتضي من قوة الاعصاب، وتغليب العقل على العاطفة، والشجاعة في خوض المعارك، ورؤية الدماء، ما نحمد الله على أن المرأة ليست كذلك وإلا فقدت الحياة أجمل ما فيها من رحمة ووداعة وحنان.
وكل ما يقال غير هذا لا يخلو من مكابرة بالأمر المحسوس، واذا وجدت في التاريخ نساء قدن الجيوش، وخضن المعارك، فانهن من الندرة والقلة بجانب الرجال مالا يصح أن يتناسى معه طبيعة الجمهرة الغالبة من النساء في جميع عصور التاريخ وفي جميع الشعوب، ونحن حتى الآن لم نر في أكثر الدول تطرفاً في دفع المرأة الى كل ميادين الحياة من رضيت أن تتولى امرأة من نسائها وزارة الدفاع، أو رئاسة الأركان العامة لجيوشها، أو قيادة فيلق من فيالقها، أو قطع حربية من قطعاتها. وليس ذلك مما يضر المرأة في شيء، فالحياة لا تقوم كلها على نمط واحد من العبوس والقوة والقسوة والغلظة، ولو كانت كذلك لكانت جحيما لا يطاق، ومن رحمة الله أن الله مزج قوة الرجل بحنان المرأة، وقسوته برحمتها، وشدته بلينها، وفي حنانها ورحمتها وانوثتها سر بقائها وسر سعادتها وسعادتنا.
أما خطبة الجمعة والامامة في الصلاة فلا ينكر أن العبادة في الديانات – وبخاصة في الاسلام – تقوم على الخشوع وخلو الذهن من كل ما يشغله، وليس مما يتفق مع ذلك أن تعظ الرجال امرأة أو تؤمهم في الصلاة. على أن السبب الحقيقي في رأينا ليس هو الخطبة والامامة ولا حل المشكلات، وإنما هو ما تقتضيه رئاسة الدولة من رباطة الجأس، وتغليب المصلحة على العاطفة، والتفرغ التام لمعالجة قضايا الدولة، وهذا مما تنأى طبيعة المرأة ورسالتها عنه.
الخلاصة:
والخلاصة أن الاسلام بعد أن أعلن موقفه الصريح من انسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، نظر الى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو نقصانا. كما أسقط عنها – لذات الغرض – بعض الواجبات الدينية والاجتماعية كصلاة الجمعة "ووجوب الاحرام في الحج، والجهاد في غير أوقات النفير العام، وغير ذلك، وليس في هذا ما يتنافى مع مبدأ مساواتها بالرجل في الانسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية، ولا تزال الشرائع والقوانين في كل عصر، وفي كل أمة تخص بعض الناس ببعض الأحكام لمصلحة يقتضيها ذلك التخصيص دون أن يفهم منه أي مساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الأهلية والكرامة.
حقائق يحسن أن نذكرها:
من هذا الاستعراض السريع الشامل لموقف الاسلام من المرأة، ومبادئه العامة التي أعلنها في كل ما يتعلق بحقوقها وكرامتها، نستطيع أن نستخلص الحقائق التالية:
أولاً: إن موقف الاسلام من المرأة كان ثورة على المعتقدات والآراء السائدة في عصره وقبل عصره من حيث الشك بانسانيتها.
ثانياً: إنه كان ثورة على المعتقدات السائدة قديماً ولا تزال سائدة عند اتباع بعض الديانات والطوائف الشرقية من أنها غير جديرة بتلقي الدين ودخول الجنة مع زمرة المؤمنين الصالحين.
ثالثاً: إنه كان ثورة على المعتقدات والتقاليد السائدة من عدم احترامها الاحترام الحقيقي اللائق بكرامتها الانسانية.
رابعاً: إنه كان تقدما فكريا انسانياً قبل الحضارة الغربية الحديثة باثني عشر قرنا على الأقل في الاعتراف بأهلية المرأة كاملة غير منقوصة. وحسبنا أن نعلم أن أسباب الحجر في التشريع الاسلامي هي: الصغر، والجنون، بينما هي في القانون الروماني، وفي القانون الفرنسي حتى عام 1938 ثلاثة: الصغر، والجنون، والأنوثة. ولما عدل القانون الفرنسي في عام 1938 لرفع القيود عن أهلية المرأة بقيت أهليتها مقيدة بقيود قانونية وقيود ناشئة عن نظام الأموال المشتركة بين الزوجين. فمن القيود القانونية عدم جواز ممارسة المرأة الفرنسية احدى المهن بدون إجازة من زوجها. ومن القيود المنبثقة عن نظام الاشتراك بالأموال أن المرأة الفرنسية المتزوجة لا يمكنها أن تتصرف بأموالها الخاصة، ويجب عليها أن تحتفظ بحق الانتفاع للزوج، ولا يمكنها أن تتصرف بالرقبة إلا بإجازة الزوج، وإذن المحكمة وحده لا يكفي. وإذا قورنت هذه القيود على أهلية المرأة الفرنسية، بالأهلية الكاملة التي تتمتع بها المرأة المسلمة منذ أربعة عشر قرنا، والتي لا تعرف مثيلاً لقيود المرأة الفرنسية المعاصرة أدركنا أي سبق حققه الاسلام في ميدان التشريع الانساني بالنسبة لحقوق المرأة وأهليتها، وأدركنا بذلك مغزى ما يشعر به المتشرعون الفرنسيون من ألم بسبب نقصان أهلية المرأة الفرنسية حتى الآن، حتى قال وزير العدلية الفرنسية السابق "ره نولد" ان حلم المرأة الفرنسية وأملها لم يتحققا الى الآن.
خامساً: إن التشريع الاسلامي كان انساني النزعة والعدالة، حين قرر للمرأة حقوقها دون ثورة النساء ومؤامراتهن، بينما لم تحصل المرأة الفرنسية على حقوقها إلا بعد ثورات ومؤامرات واضطرابات، وكانت تنتزع حقوقها بالتدريج شيئاً بعد شيء، بينما سلم الاسلام لها بحقوقها دفعة واحدة طائعاً مختاراً.
سادساً: كان التشريع الاسلامي نبيل الغاية والهدف حين أعطى المرأة حقوقها من غير تملق لها أو استغلال لأنوثتها، ففي الحضارتين اليونانية والرومانية وفي الحضارة الغربية الحديثة، سمح لها بالخروج وغشيان المجتمعات للاستمتاع بأنوثتها، لا اعترافاً بحقوقها وكرامتها بدليل موقف هذه الحضارات من أهليتها الحقوقية. بينما كان الاسلام على العكس من ذلك، فقد قرر لها كل ما تتم به كرامتها الحقيقية من حيث الأهلية القانونية والمالية، وحد من نطاق اختلاطها بالرجال وغشيانها المجتمعات، لمصلحة الأسرة والمجتمع، ولصيانة كرامتها من الابتذال وأنوثتها من الاستغلال.
سابعاً: إن التشريع الاسلامي بعد أن أعطاها حقوقها، وأعلن كرامتها راعى في كل ما رغب اليها من عمل، وما وجهها اليه من سلوك. ان يكون ذلك منسجما مع فطرتها وطبيعتها، وأن لا يرهقها من أمرها عسراً. ولنضرب لذلك مثلاً، فهو قد أجاز لها البيع والشراء وشتى أنواع المعاملات وصحح ذلك منها، واعتبرها كاملة الأهلية في كل هذه التصرفات، لكنه رغب اليها أن لا تباشر ذلك إلا عند الضرورة، وأفهمها أن الخير لها ولأسرتها ولمجتمعها أن تتفرغ لأداء رسالتها التي لا تقل ارهاقاً عن ارهاق العمل الحر وهي في الواقع تفوقه قدسية وشرفاً، وهو أدل على انسانيتها وكرامتها من مزاولتها العمل خارج البيت لتأكل وتعيش، إن الاسلام كان في هذا الموقف جد حكيم ومعتدل، فلا هو منعها أهلية العمل خارج بيتها كما كان شأن الشرائع قبله، وشأن الأمم كلها حتى العصر القريب، ولا هو حرضها على هجر البيت وزين لها مزاحمة الرجل وترك شؤون الأسرة كما هو شأن الحضارة الحديثة. ولا ريب أن هذا صنع الهö حكيم وتشريع عليم خبير.
ثامناً: ونتيجة لهذا كله يحق للمرأة المسلمة بوجه عام، والمرأة العربية بوجه خاص أن تفاخر جميع نساء العالم بسبق تشريعاتها وحضارتها جميع شرائع العالم وحضاراته الى تقرير حقوقها، والاعتراف بكرامتها، اعترافاً انسانياً نبيلاً لا يشوبه غرض ولا هوى، ولا يدفع اليه قسر ولا ضرورة.
***