نشرت "حضارة الاسلام" في العدد الثالث من المجلد الثاني ص 351 عنوان ملكات الجمال" ما يلي:
كثرت ملكات الجمال في هذا الزمان، حتى أصبحن أكثر من الهم على القلب، أو أكثر من دود القطن في فصل الصيف. وأكثرهن يشبه دود القطن نعومة والتواء وقلة كساء وحياء، ونحن نعلم أن الأمراض والأوجاع تنتشر على أثر الحروب في شكل وبائي، ولدينا جدول مفصل لهذه الأمراض ولا بد لنا أن نضيف الى هذا الجدول، والى أصناف الحميات التي تتفشى بعد الحروب هذا الداء الجديد، وهو حمى ملكات الجمال، كان هذا المرض موجوداً قبل الحرب، ولكنه لم يعدو في حالات فردية نادرة. أما الآن فقد أضحى مرضاً وبائياً، مثله كمثل الحمى الاسبانية التي اجتاحت جميع القارات في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أو الحمى الاسيوية التي اكتسحت القارات والمحيطات بعد الحرب العالمية الثانية بعشر سنين. والاسم الذي أطلق على هذا المرض يوهمنا، لأول وهلة، أنه مما يصيب النساء دون الرجال، فيكون – في هذه الحالة – من اختصاص أطباء الأمراض النسائية. غير أن التشخيص الدقيق أثبت أن جرثومة المرض متأصلة في الرجال أيضاً، وإن كانت أعراضه قلما تظهر إلا على النساء. لذلك يرى العلماء ان الرجل هو بمثابة حامل الجرثومة وناقل المرض، وان كانت الضحايا في "الاكثر الأغلب" من النساء. ولم يكن بد – بعد ان كثرت ملكات الجمال هذه الكثرة الهائلة – ان تتعدد أنواعها وأشكالها، فأصبحت هنالك ملكات للقرى والمدن والعواصم والأقطار والقارات، وملكات لبعض أعضاء الجسم، مثل ملكات الساق والأنف والأذن والحنجرة، وملكات لبعض السلع التجارية كملكة القمح أو الأرز أو البامية. ولا شك أن مجال التعدد والتنوع لا يزال واسعاً فسيحاً. وبعد أيها القارئ الكريم! ما أظنك إلا مدركا ان هذه المبتدعات الغربية ما هي إلا من قبيل تمجيد الجسد الزائل الحائل، في زمن لم يتعلم أهله بعد كيف يمجدون الروح، ولا بد أن يمضي وقت طويل، بل لا بد أن تبدل الأرض غير الأرض، والناس غير الناس، قبل أن نسمع بملكات للصدق والأمانة، والوفاء والاخلاص.
الدكتور محمد عوض محمد
رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونيسكو