س13- بمناسبة التهجم على كتبك تهجم بعضهم على من أثنيت عليهم من أمثال الجنيد رحمه الله والغزالي، كما تهجم على أفراخ الخلف دون تفصيل فما الموقف من ذلك؟
جِ13- لم يزل المسلمون يتحامون الهجوم الظالم على العلماء والأولياء وفي الحديث الصحيح: "من عادي لي وليّاً فقد آذنته بالحرب" فلحوم العلماء والأولياء مسمومة، والملاحظ أن بعض الناس بحجة الجرح والتعديل ينبشون ما قاله أهل العصور ببعضهم لمبلابسات معينّة ويحاولون أن يعمموه مع أن الذي استقر عليه علم الجرح والتعديل أن الأئمة تجاوزوا القنطرة ثم إن بعضهم يتهجمون على الخلف، وبالتحقيق فإنهم يريدون أمثال النووي والسيوطي فلو أنّك أتيت إلى هؤلاء وقلت لهم: من تقصدون بفراخ الخلف فإنهم يقولون: ذلك الذي يقول كيت وكيت فإذا قلت لهم: الغزالي والنووي والسيوطي وابن الجوزي وأمثالهم يقولون بهذا الكلام، فإنهم عندئذ يصرحون، ولو أنك تأملت كلام هؤلاء لوجدت أنهم بقدر ما يوافقون على الاجتهاد والتجديد يحاربون أهل الاجتهاد والتجديد على مر العصور وإنما يدافعون عن هذه الأمور ليصلوا بالناس إلى نتيجة هي أنهم هم المجتهدون وهم الأئمة فسلموا لنا. ويكفيني لتعرف غلو هؤلاء أن تقرأ كلامهم عن الجنيد وتقارنه بما قاله أعلام العلماء ممن لا يتهمون كالذهبي وابن كثير فهذان لا يتهمهما إلا ظالم جائر غال، قال بعض المتهجمين:
(إن التصوف يشتمل على أساس التقية دون أن يعلن ذلك على الملأ وذلك حين بدأ يتخذ سبيله إلىعقائد دونها قطع الرقاب فقد كان الجنيد عاملاً بالتقية...).
(وأما اتهامهم للقائلين بالعقائد الضالة بأنهم زنادقة فليس كما يتوهم بعض المسلمين أنهم تبرؤوا منها ومن أصحابها بل هو مدح لهم واعتزاز بمواقفهم وهو تطبيق واقع للتقية فهذا الجنيد يحدثنا عن ذلك...).
(وآخرون قالوا: إن شيوخ التصوف الذين ذكرتهم أسندوا الحديث ووثقهم علماء الجرح والتعديل ومثال ذلك إبراهيم بن أدهم والجنيد، إن هذه المقولة التي تضع بيننا وبين الحقيقة ستاراً كثيفاً من الشك سرعان ما يذوب ويتلاشى أمام نور الحقيقة...).
"لقد فرق جمهور علماء الحديث بين المبتدع الداعية والمبتدع غير الداعية... إذا علمنا هذه القاعدة المهمة والتي سار عليها علماء الحديث يتضح لنا لماذا أخرج هؤلاء العلماء لهؤلاء المتصوفة ورووا عنهم وقد مر معنا أن الجنيد كان يستتر بالفقه حتى مات....."
"لذلك سارع السذج من المسلمين وعامة المقلدين إلى الصوفيين ليتعلموا العلوم بسرعة البرق... وهذا الأمر تتضح صحته وتظهر أدلته إذا عدنا إلى التاريخ واستقرأنا حياة المتصوفة... الجنيد بن محمد: فارسي من نهاوند توفي عام 297 هِ وهو من أئمة القوم ويسمى سيد الطائفة وقد كان فقيهاً على مذهب أبي ثور...."
"ولو استقصينا سيرة أعلام التصوف لوجدناهم ينتسبون إل مذهب من المذاهب الأربعة..." هذا بعض الكلام الذي قاله هؤلاء في الجنيد، قارن كلامهم عن الجنيد بما ترجم له الذهبي وابن كثير لتعلم أن كلام هؤلاء سم يجب أن يتحاشى، وأن دورهم في المجتمع الإسلامي دور المشوّش الذي لا يعرف كيف يبني ويحاول أن يهدم كل بناء. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته للجنيد / المجلد 14 ص 66 من طبعة الرسالة:
الجنيد
ابن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، والده الخزاز. هو شيخ الصوفية، ولد سنة نيف وعشرين ومئتين، وتفقه على أبي ثور، وسمع من السّري السقطي وصحبه، ومن الحسن بن عرفة، وصحب أيضاً الحارث المحاسبي، وأبا حمزة البغدادي، وأتقن العلم، ثم أقبل على شأنه، وتأله وتعبد، ونطق بالحكمة، وقل ما روى. حدث عنه: جعفر الخلدي، وأبو محمد الجريري، وأبو بكر الشبلي، ومحمد ابن علي بن حبيش، وعبد الواحد بن علوان، وعدّة. قال ابن المنادي: سمع الكثير، وشاهد الصالحين، وأهل المعرفة، ورزق الذكاء وصواب الجواب. لم يُرَ في زمانه مثله في عفة وعزوف عن الدنيا. قيل لي: إنه قال مرة: كنت أفتي في حلقة أبي ثور الكلبي ولي عشرون سنة. وقال أحمد بن عطاء: كان الجنيد يفتي في حلقة أبي ثور. عن الجنيد قال: ما أخرج الله إلى الأرض علماً وجعل للخلق إليه سبيلاً، إلا وقد جعل لي فيه حظاً. وقيل: إنه كان في سوقه وورده كل يوم ثلاث مئة ركعة، وكذا كذا ألف تسبيحة. أبو نعيم حدثنا علي بن هارون وآخر قالا: سمعنا الجنيد غير مرة يقول: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه. قال عبد الواحد بن علوان: سمعت الجنيد يقول: علمنا – يعني التصوف – مشبك بحديث رسول الله. وعن أبي العباس بن سريج: أنه تكلم يوماً فعجبوا! فقال: ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد. وعن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة: رأيت لكم شيخاً ببغداد، يقال له الجنيد، م رأت عيناي مثله! كان الكتبة – يعني البلغاء – يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه، والمتكلمون يحضرونه لزمام علمه، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم. قال الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علمñ وحال غير الجنيد. كانت له حالñ خطيرة، وعلمñ غزير، إذا رأيت حاله رجحته على علمه، وإذا تكلم رجحت علمه على حاله. أبو سهل الصعلوكي: سمعت أبا محمد المرتعش يقول: قال الجنيد: كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين، فتكلموا في الشكر، فقال: يا غلام ما الشكر؟ قلت: أن لا يعصى الله بنعمه، فقال: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد: فلا أزال أبكي على قوله. السلمي حدثنا جدّي ابن نجيد قال: كان الجنيد يفتح حانوته ويدخل، فيسبل الستر ويصلي أربع مئة ركعة. وعنه قال: أعلى الكبر أن ترى نفسك، وأدناه أن تخطر ببالك – يعني نفسك. أبو جعفر الفرغاني: سمعت الجنيد يقول: أقل ما في الكلام هيبة الرب جل جلاله من القلب، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان. قيل: كان نقش خاتم الجنيد: إن كنت تأملُه فلا تأمنه. وعنه: من خالفت إشارته معاملته، فهو مدّع كذاب. وعنه: سألت الله أن لا يعذبني بكلامي وربما وقع في نفسي: أن زعيم القوم أرذلهم. وعنه: أعطي أهل بغداد الشطح والعبارة وأهل خراسان القلب والسخاء، وأهل البصرة الزهد والقناعة، وأهل الشام الحلم والسلامة، وأهل الحجاز الصبر والإنابة.
قال أبو محمد الجريري: سمعت الجنيد يقول: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل، بل عن الجوع، وترك الدنيان وقطع المألوفات. قال الذهبي: هذا حسن، ومراده: قطع أكثر المألوفات، وتركُ فضول الدنيا، وجوع بلا إفراط. أما من بالغ في الجوع كما يفعله الرهبان، ورفض سائر الدنيا، ومألوفات النفس، من الغذاء والنَّومö والأهل، فقد عرّض نفسه لبلاء عريض، وربما خولط في عقله، وفاته بذلك كثير من الحنيفيّة السمحة، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، والسعادة في متابعة السنن، فزن الأمور بالعدل، وصم وأفطر، ونم وقم، والزم الورع في القوت، وارض بما قسم الله لك، واصمت إلا من خير، فرحمة الله على الجنيد، وأين مثل الجنيد في علمه وحاله؟. قال ابن نجيد: ثلاثة لا رابع لهم، الجنيد ببغداد، وأبو عثمان بنيسابور، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام. وقال ابن كثير رحمه الله الجنيد بن محمد بن الجنيد:
أبو القاسم الخزاز، ويقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها، وسمع الحديث من الحسين بن عرفة. وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سري السقطي، ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوماً كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية، وكان ورده في كل يوم ثلثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، فتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوهاً كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يصلي ويتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال؟ فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن، وهذا أوان طيّ صحيفتي، قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي ثور ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريج يصحبه ويلازمه، وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة. فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها عليّ. فأعادها بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله عليّ حتى أكتبه. فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، وإنما هذا من فضل الله عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه والله أعلم.
وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت. وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا. ورأة بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه. وقال له خاله السري: تكلم على الناس. فلم ير نفسه موضعاً. فرأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: فتكلم على الناس. فغدا على خاله فقال له: لم تسمع مني حتى قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتكلم على الناس، فجاءه يوماً شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام" البداية والنهاية مجلد /11/113 – 114.