شهدت في أخريات هذه المرحلة الحماس الشديد الذي استقبل به الشعب السوري فكرة الاستيلاء على فلسطين وطرد اليهود منها، فقد شهدت بعض الخطب والهياج الشعبي وتطوع الناس في جيش انقاذ فلسطين، وكنت أتابع الأخبار عن كثب، وأسمع نشرات الأخبار التي تتحدث عن سير المعارك على أرض فلسطين، كنت أعرف بعض من تطوع للجهاد في فلسطين وكان بعضهم أصدقاء للوالد، فكانوا اذا رجعوا في اجازة أسمع منهم ما يجري هناك، وأسمع منهم عن البطولات الهائلة لبعض المتطوعين، وعرفت عن قرب قصص جيش الانقاذ والعثرات التي كانت تعترض سبيله، وكان ممن تطوع في جيش الانقاذ عدد من زعماء الأحزاب والعسكريين، وكان مصطفى السباعي رحمه الله وأكرم الحوراني وأديب الشيشكلي وعبد الحميد السراج بعض من تطوع في جيش الانقاذ، وكان على رأس هذا الجيش مجاهد قديم معروف هو فوزي القاوقجي، وانتهت هذه الحرب بالهدنة، وعاد الناس إلى أوطانهم وكانت هذه الحرب علامة على أن ارادة الشعوب الصغيرة محكومة بارادة الشعوب الأقوى. فقد دخلت الجيوش العربية حرب فلسطين وأكثر البلدان العربية لا زال مستعمرا، والبلاد التي تحررت حديثا كسورية لم تكن قد وقفت على رجليها بعد، لقد كان التفوق العسكري والسياسي لصالح اليهود بنسبة هي أكبر بكثير مما حاولت الشعوب أن تصوره، ومع ذلك فقد ظهرت بطولات هائلة سجلها المتدينون فاستطاع الاسلاميون بقيادة الدكتور السباعي – رحمه الله – أن يحافظوا على القدس القديمة، واستطاع الاسلاميون أن يقهروا اليهود في معارك عديدة، ونحن نعتقد أن حرب فلسطين سنة 1948 كان لها أثران كبيران في السياسات الصهيونية والصليبية والعالمية، وقد استخلص هؤلاء منها العبر وكان من أعظم آثارها السياسية على المنطقة:
1- الحرب العنيفة ضد الحركة الاسلامية واعطاء ذلك أولوية، وقد خدم هذا الاتجاهات السياسية الأخرى وقد ظهر بجلاء أن الروح المعنوية الهائلة التي يمكن أن يفجرها الاسلام تحول دون تحقيق المخططات.
2- ظهور فكرة الانقلاب كوسيلة يفرض بها على الشعوب ما لا يمكن فرضه بالوسائل الأخرى. ومن ثم لم تكن كارثة المسلمين في فلسطين كارثة محلية، بل تعدت فلسطين لتؤثر على وضع الأمة الاسلامية كلها، ومن ههنا كان حل المشكلة الفلسطينية منوطا الى حد كبير بوضع الاسلام والمسلمين في العالم.