من السادسة والعشرين الى التاسعة والعشرين
(1961 – 1964 م)
التدريس والخدمة العسكرية
كان بين تخرجي من الجامعة وثورة حماة عام 1964 م ثلاث سنين تقريبا قضيتها في التدريس وفي الخدمة العسكرية الالزامية وكانت هذه المرحلة ثرة بعطائها وتجربتها وما جرى فيها. فقد شهدت هذه المرحلة عهد الانفصال كما شهدت انقلاب 8 آذار (مارس) ومحاولة الاطاحة بالبعثيين في تحرك 18 تموز (يوليو)، وشهدت الانتخابات البرلمانية زمن الانفصال وعودة الديمقراطية الى سورية، وشهدت عودة الاخوان المسلمين بشكل غير مرخص لممارسة شيء من نشاطاتهم، ولعل من أهم جوانب الحياة اثارة في سورية الحياة الطلابية والحياة العسكرية، وقد مارست التدريس في هذه المرحلة ودخلت الجيش ولعله من المناسب أن نقف عند هذه الأمور لنأخذ بعض عبرها:
(1)
في السنة اللاحقة لتخرجي من الجامعة أعلن عن مسابقة لانتقاء مدرسي تربية اسلامية فتقدمت لذلك مع عدم حرصي على الوظيفة ولكني فعلت مراعاة للوالد، كان يستوي في أعماق نفسي النجاح فيها وعدمه، وعندما أعلنت النتيجة ظهر اسمي مع الناجحين وكانت هناك اجراءات لا بد منها، منها مقابلة المخابرات في دمشق، وقد دعوت الله عز وجل ألا يتم ذلك لكراهتي لأمثال هذه المقابلات وفعلا قد حدث ما تمنيت. كان ذلك قبيل بدء الانفصال بقليل، عندما حدث نزاع بين عبد الحميد السراج وعبد الحكيم عامر، اعتزل على اثرها السراج فاضطرت أجهزة المخابرات فتأجلت مقابلتي ثم ألغيت، وكان تعييني في محافظة الحسكة فألتحقت بها. وفي طريقي الى الحسكة مررت بحلب فوجدت فيها شابا من رأس العين من تلاميذ الشيخ عبد القادر عيسى جاء الى حلب طلبا للعلم فلما علم أنني متوجه الى الحسكة قرر الرجوع معي ليأخذ العلم مني وكان ذلك. ذهبنا إلى الحسكة ونزلنا عند الأخ (م). ثم سافرنا الى رأس العين ريثما يبدأ التدريس، وأعلن الانفصال ونحن في رأس العين ثم التحقنا بالتدريس وكان عاما دراسيا صعبا وكان مجمل أعمالي فيه: التدريس المدرسي، وخطب الجمعة، والتدريس المسجدي. درست في دار المعلمين وفي ثانوية الحسكة ثم نقلت الى القامشلي على أثر بعض الخطب في المسجد الجامع. فقد ألقيت خطبة تحدثت بها عما بشرت به التوراة والانجيل برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الصوت مسموعا لأهل الحسكة وقسم كبير منهم من النصارى مما جعل رجال الدين النصارى يطالبون بنقلي من الحسكة. وفي الأيام نفسها أرادت ثانوية الحسكة أن تقيم ليلة سمر ذات فقرات منكرة وصاروا يبيعون تذاكرها للناس فألقيت خطبة جمعة حذرت الناس فيها بشكل خفيف من مثل هذا، لكن أحد رواد المسجد حرض الناس على التظاهر احتجاجا بعد الصلاة فخرجت مظاهرة، المهم أنني نقلت بعد ذلك الى القامشلي لأدرس في مدرسة خاصة لآل الخزنوي فكنت أذهب يوميا الى القامشلي وأعود الى الحسكة. وجدت فقراء المسلمين ولا أحد يقوم بشأنهم فحرضت على انشاء جمعية للنهضة الاسلامية على غرار أمثالها في حماه وحلب ودمشق.
كانت علاقاتي طيبة بأكثر من جبهة: بعض رؤساء العشائر، بعض شيوخ الدين، وكنت وقتذاك لم أزل مستغرقا بالحياة الصوفية. وفي جو الغربة وجدت مجموعة من المتاحبين في الله ليس لهم هم الا الدعوة الى الله، وكان مركز تجمع هؤلاء دار الحاج عبد الكريم الشامي رحمه الله وكان المحرك لهؤلاء أحد تلاميذ الشيخ أبي الخير الميداني رحمه الله وهو دمشقي لم أجد مثل صفائه ووده الا قليلا. كنت أتردد على رأس العين بلدة تلميذنا وهي فيما يبدو لي بلدة تصلح لحمل المبادئ. درست الأخ المذكور فقها وتوحيدا وشيئا من اللغة العربية. وحدثت خلال هذه السنة انتخابات، وقد طلب مني الاخوان المسلمون في حماة العمل لدعم قائمتهم وجئت الى حماة، وكان أن ألقيت خطبة شديدة تناولت فيها من يعطون أصواتهم لمن لا يؤمن بدين الدولة الاسلام وكان لذلك أثره، واستطعنا عبر اخواننا ومن نثق به أن نعمق التأييد لمرشحي الاخوان. وفي العطلة الصيفية تابعت مع اخوان الطريق الدعوة الى الله واقامة الحلقات العلمية وعملت على أن تنتقل وظيفتي الى حماة وكان ذلك. وبعد أن نقلت الى محافظة حماة عينت في السلمية مدرسا للتربية الاسلامية، وتدريس التربية الاسلامية في مدارس السلمية له وضع خاص، فالسلمية هي عاصمة الطائفة الاسماعيلية تاريخيا ثم ان في منطقة السلمية قرى نصيرية، والاسماعيليون نوعان فمنهم من يؤمن بآغا خان وأسرته ومنهم من ليس كذلك، فالأولون يعطلون العبادات الاسلامية ويمارسون شعائر خاصة بهم أما الآخرون فيقيمون الشعائر الاسلامية. والأقليات المذهبية والدينية في سورية كانت تتطلع دائما الى نظام علماني، والأحزاب العلمانية كحزب البعث والحزب القومي السوري الاجتماعي والحزب الشيوعي كانت تركز على هذه الأقليات. لذلك كان التدريس الديني في السلمية يعني مواجهة فكر مذهبي وفكر سياسي يقوم على رفض فكرة التدين. ومع هذا فقد كان لمخاطبة العقل ولقوة الحجة ولرقة الحاشية آثارها في تخفيف حدة المواجهة بل لكسب كثيرين لصالح التدين.
(2)
التحقت بالخدمة الاجبارية في 5 كانون ثاني (يناير) 1963، وبقيت فيها حوالي سنة وأربعة أشهر ثم دفعت بدلا وكانت المدة المتبقية ثمانية أشهر تتمة السنتين. قضيت حوالي ستة اشهر في كلية ضباط الاحتياط في حلب ثم فرزت الى فرع السجلات العسكرية في مبنى الأركان القديمة في دمشق. ومن ذكرياتي في كلية ضباط الاحتياط: انني اصطدمت مع المتقدمين أكثر من مرة واصطدمت مع بعض الناس فقد وجدتني في مجتمع ذئاب فتحركت عندي عاطفة التحدي. يوجد في أنظمة الكليات العسكرية نظام المتقدمين، وهو نظام يعطي لأبناء الدورة الأقدم سلطانا على الجهة الأحدث لصالح فرض النظام وتعميقه وتعويد الجدد الأنظمة المرعية في هذه الكليات ويعطونهم حق العقوبات المتعارف عليها عسكريا من عقوبة الزحف والجري وأمثال ذلك. رأيت المتقدمين يصطدمون مع أخينا الشيخ مصطفى الأعسر رحمه الله أثناء الخروج من المطعم وهم مجتمعون عليه فركضت لأحجز بينهم فحاول مسؤول المتقدمين منعي من ذلك فرفعت صوتي عليه وعلى المتقدمين فاحتشد الناس وكان المتدينون كثيرا فانسحب المتقدمون ثم جاء مسؤول المتقدمين ومعه نفر منهم الى مهجعنا وأخذ يتفقد طلاب الضباط حتى وصل إلي فاصطدمت معه فتدخل أحد المتقدمين الحمويين وسحبه من المهجع فشكاني المسؤول الى الضابط المناوب فاستدعاني وكان درزيا فهونت ما حدث وقلت له: ما جرى بيننا وبين فلان كان بداية مودة وما ذلك الا من نوع:
وأول ما قاد المودة بيننا بوادي بغيض يابثين حجار
وانصرفنا نحن الاثنين ومر الأمر دون مضاعفات، واصطدمت مرة أخرى بالمتقدمين حين فرضوا عقوبة جماعية على مهجعنا فشاركت فيها، حتى اذا تجاوزوا الحدود تمردت وانتهت العقوبة ولم تحدث مضاعفات. وكان أحد مدربينا مدرسا جامعيا ضابط احتياطي نصراني، وكانت سريتنا غير مسلحة وأكثرها ممن تقدم في السن نسبيا ولذلك لم نكن نهتم كثيرا بالنظام المنضم ولا نوجه له كل همنا، وفي ساعة تدريب ونتيجة لبعض التساهلات والمداعبات، وجه لي الضابط كلمة قاسية فقفزت بلا وعي وهددته فانسحب، ولحساسية الأمر لكونه بين شيخ مسلم وضابط نصراني فقد اكتفى بالاعتذار وقد اعتذرت.
مررت مرة على اثنين يختصمان أحدهما شيخ حمصي، وقد سفه الثاني عليه فسبه وسب المشايخ معه، فجئت اليه وقلت له: أنا من المشايخ: فقال أنا لا أقصدك، فدفعته فألقيته أرضا ثم مضيت وكأني لم أفعل شيئا ولم يكن للموضوع مضاعفات. وفي كلية ضباط الاحتياط قررنا أن نقيم صلاة الجمعة فأقمناها أكثر من مرة، وتضايق من ذلك بعض ضباط الكلية فحاولوا منعنا فلم يفلحوا فأعطونا أذنا للصلاة في الخارج، فزاد عدد الراغبين في الصلاة للرغبة بالخروج الى البلد واستمرت صلاة الجمعة. لقد كانت كلية ضباط الاحتياط فرصة تعرفنا بها على عدد كبير من الناس وكانت فرصة للدعوة وأن أنس فلا أنسى كثرة الصائمين في رمضان مما يدل على أصالة شعبنا وقربه من الاسلام لو وجد قادة ودعاة وحرية. حدث انقلاب الثامن من آذار (مارس) ونحن في الكلية واعتقل بعض الضباط، وتمت مباحثات الوحدة بعد ذلك في القاهرة وأعلن عن ميثاق الوحدة الثلاثية بين سورية والعراق ومصر وكانت فرصة كبيرة هتف فيها المتدينون بهتافات الفرح فلقد كان التقدير العام أن الوحدة لصالح الإسلام. وخزيت جهات كثيرة بسبب ذلك وشعر الوحدويون وكلهم سنيون أن النفس الحقيقي للمتدينين نفس وحدوى فكان ذلك عاملا من عوامل تعاطفهم معنا. وخلال وجودي في كلية ضباط الاحتياط تيقنت أنه لا بد من المشاركة في العمل الاسلامي العام وأن الطريق اليه هو الاستغراق في العمل مع الاخوان المسلمين. وأخيرا فرزت الى السجلات العسكرية فأصبحت في دمشق، وكان وقتي مقسما بين السجلات والعمل مع طلاب الجامعة الحمويين وفي هذه المرحلة تقدمت الى الاخوان المسلمين بوجهة نظري حول النظرية الثقافية والتربوية التي يجب أن يقوم عليها صرح البناء العلمي والروحي للاخوان، وقد رفع ذلك باسم مركز حماة، ولقيت النظرية قبولا واجماعا وكلفت أن أضعها موضع التنفيذ وكان من آثار ذلك أكثر ما كتبته فيما بعد، عكفت على الكتابة وعلى توجيه الاخوة الحمويين ولقد تنامى عدد الطلاب الحمويين في جامعة دمشق، وجدت بينهم روح جديدة. وما عدا العمل مع طلبة حماة في الجامعة والكتابة فقد كانت حياتي عادية، كان عصام العطار يحاول اعادة بناء الجماعة وكان يخطب خطبا نارية في مسجد دمشق وكان البعثيون متمكنين وكانوا يهزأون من مثل هذه الخطب وكان هذا عاملا من عوامل تحركنا في حماة فيما بعد. بعد سنة وأربعة أشهر من الخدمة الاجبارية خرج قانون يبيح لطلاب الضباط غير المسلحين من دورتنا أن يدفعوا بدلا فدفعت وسرحت واستقبلت حياتي المدنية بخطبة في مسجد جامعة دمشق، تحدثت بها عن الآفاق الرحيبة التي ينطوي عليها تطبيق الاسلام، ودعوت الى وحدة العمل الاسلامي، وأثناء خدمتي في السجلات العسكرية قامت محاولة 18 تموز (يوليو) الفاشلة واعتقل على أثرها بعض العاملين معنا في السجلات.
وحدث أن آل اليّ أمر رئاسة القسم الذي أعمل فيه وكان العمل متراكما، فأحصيت انتاج الفرد يوميا ثم حسبت البطاقات المتراكمة، وقدرت العدد اللازم والأيام اللازمة لازالة التراكم وحدثت بذلك الضابط المسؤول عن السجلات العسكرية وطلبت أن يتسلم غيري الادارة فكان ذلك كله وأنهينا التراكمات. كان في القسم شيخ صالح من دوما وكان عمله خطاطا وكان حلو الحديث فكها، وكان فيما بين أفراد القسم حسن علاقة ومودة، وكان رئيس القسم دمشقيا من الميدان وكانت زوجته حموية وكان يعتز بهذا الزواج وكان جونا أقرب ما يكون الى الأسرة الواحدة لذلك لم نكن نحس بالزمن. كان المسؤول عن السجلات العسكرية العقيد كمال الدين مقصوصة وهو دمشقي من الميدان وكان متدينا رقيق الحاشية وكان يعتبر من أكفأ العسكريين الاداريين في سورية، ولقد تغيبت مرة عن الدوام دون اجازة بسبب بعض اللقاءات الاخوانية فاستدعاني وعاتبني برفق ولم يتخذ أي اجراء ولقد آل اليه بعد ذلك أمر التجنيد في سورية عام 1967 وقد اغتيل ايامها، كما شاع وقتذاك وادعى أنه انتحر ولم يكن الرجل لينتحر وهو متدين ولكن هكذا زعموا وقيل: ان السبب في قتله أنه رفض أمرا غير معقول فقد كلف أن يستدعى من المجندين المسرحين أبناء المدن فقط فاعتذر بأن هذا مستحيل فعوقب بالقتل وادعوا أنه انتحر وخرجوا بجنازته. لقد كان الاغتيال السياسي والقرارات الحاقدة جزأين رئيسين من السياسات التي حكمت سورية منذ تلك المرحلة. خطبت فتاة دمشقية بواسطة أخينا ولم أتابع الأمر بسبب سفر الأخ والتحاقه بعمله المدرسي. وأخيرا خطبت أم محمد بواسطة الشيخ مصطفى الأعسر رحمه الله وتمت الموافقة ثم جاءت أحداث حماة العاصفة ولم يتم الزواج الا بعد أن عدت الى سورية وعادت الأمور طبيعية. وأنني أحب ههنا أن أسجل بعض ملاحظاتي حول تجربتي ومشاهداتي في هذه المرحلة:
الملاحظة الأولى:
أن النجاح الحق في التدريس يقتضي عددا من الأمور:
أولاً: أن يحضر المدرس درسه تحضيرا جيدا ولا يعتمد على محفوظاته فقط بل لا بد من التحضير الجيد ورسم مخطط لكل درس.
ثانيا: يجب أن يشعر الطالب أن عين المدرس لا تغيب عنه فمتى غابت عين المدرس عن طالب فان ذلك قد يحدث خللا.
ثالثا: أن العلاقة الأبوية الحانية والايناس المستمر للطلاب وشعور كل طالب بالحب والحنان وكل ذلك مع الحزم والعدل عوامل لا بد منها لنجاح المدرس الداعية.
رابعاً: أن العلاقة الطيبة مع آباء الطلاب وأهليهم عامل مساعد في نجاح الطالب وفي تحسين سلوكه.
الملاحظة الثانية:
ان الحياة الانتخابية في العالم الثالث لا قيمة لها اذا لم تكن مدعومة بالجيش والشعب بآن واحد، وان سورية تحتاج الى حياة نيابية يحميها الجيش والشعب وهذا لن يتم لسورية الا اذا وجد دستور وميثاق وقانون انتخابي ذا مواصفات وشروط اذا ما أردنا أن تشكل سورية المستقبل نموذجا رفيعا مستقرا.
الملاحظة الثالثة:
اول ظاهرة تلفت نظر المعايش للجيش العربي السوري كثرة السباب والشتائم لله والأديان حتى لتكاد هذه أن تكون وسيلة السيطرة للأعلى على الأدنى، ووسيلة المؤانسة بين المتماثلين، ولقد اعتاد على ذلك الجميع، وكأن التدين في الجيش ظاهرة فردية ومحدودة، حتى أنه أصبح من المعتاد اذا دخل المتدين الجيش أن يترك دينه الا من رحم ربي. وكان من المستغرب في طبقات الضباط أن يذكر الانسان الله باحترام واجلال، واذا حدث أن توسعت دائرة المتديني في صفوف الضباط فان التسريحات تطالهم بسرعةن فلا يبقى متدين في الجيش الا من لا شوكة له، وقد حدث أن صفى بعض الضباط زميلا لهم لأنه متدين فأردوه قتيلا، ولهذا الوضع جذور عميقة، فقد ورثت سورية الجيش الذي كونته فرنسا ليأتمر بأمرها وليكون ولاؤه لها، وكانت تنتقي لهذا الجيش من صفوف الأقليات أو تتخير العناصر الفاسدة التي فقدت عواطفها الخيرة وتعاطفها مع الناس وتعاطف الناس معها أو من تختارهم لأسباب خفية كأن كانت أصولهم جواسيس مثلا وقد تدخل بعض العناصر النظيفة ذرا للرماد في العيون وتجعلهم تحت الرقابة أو السيطرة المباشرة أو في زوايا ميتة. وكان بعض هؤلاء يدينون لفرنسا بنوع من الولاء عجيب، حتى أن بعض هؤلاء التحقوا بالجيش الفرنسي بعد الاستقلال وبقوا فيه ستة أشهر ثم عادوا الى الجيش السوري وهم الذين يسمون بأصحاب البطاقات الحمراء، ولقد مرت علي في السجلات العسكرية بطاقة واحد من هؤلاء وقد كتب عليها أربعة أسطر بالحبر الأحمر تذكر أن هذا الذي فضل خدمة المستعمر على خدمة بلاده، ومن العجيب أن هذا الجندي كان قد سرح لكنه استدعى بعد انقلاب الثامن من آذار (مارس) ليخدم في الكتيبة المكلفة بحماية مبنى الأركان، وكان ذلك مؤشرا على المستقبل.
كان المفروض أن يحل الجيش السوري بعد الاستقلال وأن يعاد تشكيله من جديد على أسس سليمة ونظرية واضحة المعالم، وبلغني أن شكري القوتلي أول رئيس لسورية بعد الاستقلال قد نصح بذلك لكنه رفض، ومن ههنا تبدأ مأساة سورية. فسورية بلد شديد التعقيد من الناحية الدينية والمذهبية والتاريخية والحضارية ولشعبه نفسية خاصة فأكثر أبنائه طموحون للحكم أو للمشاركة فيه والسوري يستشعر أن عنده قدرات ابداعية والتطلعات الى الجديد عميقة والحرص على الجذور، والتدين كامن في أعماق النفوس وهو أظهر منه في أقطار أخرى، ثم ابتليت سورية بالحركة الصهيونية وبالتيارات العالمية وهذا وأمثاله كان يقتضي من القائمين على أمر سورية بعد الاستقلال أن يوجدوا الاطار النظري المناسب لهذه الأوضاع المعقدة ولكن ذلك كله لم يحدث فدخلت سورية مرحلة الانقلابات ودخلت في اطار الديكتاتوريات: دكتاتورية الفرد ودكتاتورية الحزب، وكان الجيش يلعب الدور الأكبر ان لم يكن الوحيد في كل ما يجري. ونتيجة لتدخل الجيش السوري في السياسة فقد أعطى هذا المبرر للجهات المتعاقبة للتصفيات مما أحدث خللا في التوازن الطائفي في الجيش فأوصل الطائفة النصيرية الى الحكم في المآل. لقد كان الجيش السوري مرشحا لأن يكون أقوى الجيوش، وكان الاقتصاد السوري مؤهلا لأن يكون أقوى اقتصاد ولكن قضى على هذا كله عدم وجود النظرية السياسية التي يرتاح لها الجميع وعدم وجود الاستشراف على أوضاع البلد والمنطقة والعالم وعدم وجود الكفاءة في الحياة الحزبية وفي الحاكمين هذا مع ما في الخفايا من بلايا كالارتباطات الخارجية والتآمر المحلي والعالمي. هذه المعاني أوصلتني الى قناعات:
ان العمل السياسي في سورية ينبغي أن ينبثق عن عمل حزبي مستكمل لشروط العمل السياسي الذي يستوعب وضع سورية الديني والنفسي والاجتماعي والحضاري والمحلي والعربي والاسلامي والعالمي عبر التزام جميع العاملين بالاسلام دينا للدولة.
وأن يعاد ترتيب الجيش بحيث يكون سندا وشريكا.
وأن توجد نظرية انتخابية يستشعر معها الشعب أن من انتخبهم يعتبرون ممثليه الحقيقيين وهذا يوصلنا الى ملاحظة رابعة.
الملاحظة الرابعة:
تظهر في تاريخ سورية الحديث ظاهرة الانقلاب بعد كل تجربة برلمانية ويلاحظ أن عامة الشعب السوري تستقبل الانقلاب باتبهاج لأن التجربة الانتخابية لم تجعل الشعب يحس أن النظام الذي وجد عقب الانتخاب نظامه، وذلك لأن بعض الانتخابات جرى فيها تزوير وبعض الانتخابات كانت تقذف الى المجالس النيابية بغير المتمرسين في الحكم وبغير المؤهلين له، وبعض الانتخابات كان نتائجها لا تمثل الاجيال الصاعدة المثقفة، وبعض الانتخابات لم تكن ترضي الجيش وبعضها لم يكن يرضي المتدينين، وكان من صورها الواضحة أن تتحكم الأقلية في الأكثرية فاذا ما اتفقت أقلية دينية أن ترجح جانب مرشح يمثلها فانها كانت تستطيع أن تنجح من لا يمثل الأكثرية وهذا كله جعلني مقتنعا أنه لا بد من قانون انتخابي جديد لسورية المستقبل. لقد أعطت حماة في انتخابات الانفصال للقائمة التي نزل بها الاخوان المسلمون أكثرية الأصوات لكن جاءت نتائج منطقة الريف التي فيها أصوات نصيرية ونصرانية فرجحت قائمة أكرم الحوراني. وفي حلب كاد أن يسقط الذين أخذوا أكثر من ثمانية عشر ألفا من أصوات المسلمين لصالح الذين أخذوا خمسة آلاف صوت من المسلمين ودعمهم نصارى حلب. كانت أجود تجربة انتخابية هي التجربة التي تمت في زمن الوحدة اذ قسمت سورية الى وحدات صغيرة حتى البلد الواحدة قسمت الى وحدات صغيرة فكانت النتيجة أن كانت النتائج متوازنة ولكن اعطاء عبد الناصر لنفسه حق الاختيار من بين الناجحين – لأن الانتخاب كان على درجتين – أوجد وضعا جديدا. المهم أن تجربة الحياة النيابية زمن الانفصال جعلت عندي قناعات ثابتة بضرورة الحياة النيابية من جهة وبضرورة أن يكون ذلك على ضوء نظرية مناسبة في سورية. انني أميل الى فكرة الانتخاب على أساس البرنامج الحزبي وعلى اساس اعطاء الصوت للحزب أو على أساس الدائرة الانتخابية الضيقة.
الملاحظة الخامسة:
لقد أصبحت عندي قناعة كاملة أنه بلا تربية روحية على ضوء علم صحيح وبيئة نظيفة فان الشخصية الاسلامية لا تنمو نموا سليما وبالتالي فان المجتمع الاسلامي المنشود سيبقى أملا، ولا يصلح آخر هذا الأمر الا بما صلح به أوله، فقد بدأت الدعوة بهذه ولا بد من هذه الأجواء لتنطلق انطلاقة صحيحة وكان الأمل أن يتبنى الاخوان المسلمون انشاء هذه الأجواء وتلك طبيعة الدعوة على منهاج الأستاذ البنا لكن الأجواء الأخرى كانت تغلب هذه التوجهات، وكان لذلك أثره في توجهي نحو انشاء حركة احياء الربانية كمكمل للعمل الاسلامي القائم لا كبديل. ولنعد الى سرد الأحداث، فبعد أن سرحت من الحياة العسكرية عدت الى التدريس في السلمية ولم تمض الا أيام وقامت ثورة حماة سنة 1964. ومن ذكريات التدريس في هذه الأيام القلائل، أنني عينت في ثانوية السلمية للبنات، وكان ذلك مقصودا، وكما ذكرنا فان السلمية عاصمة الطائفة الاسماعيلية والحزبية العلمانية فيها قوية، ولذلك لم يكونوا رجالا ونساء يرغبون في درس الدين، وقد اعتادت بنات الثانوية أن يستقبلن مدرس التربية الاسلامية بأصوات مرتفعة وضجيج صاخب وقد جرت عادتي في التدريس أن ألبس عمامة وجبة، وكان جسمي ضخما كما هو معروف وكان بعض أهل السلمية يشبهونني ببعض الأئمة. المهم أنني كنت أتهيب الدخول الأول الى ثانوية البنات بسبب ما ذكرت ومع ذلك دون مقدمات فلم أسمع الأصوات المعتادة ثم علمت فيما بعد أن فتاة قد أغمي عليها وشغل البنات بها، وعلل لذلك أنها أغمي عليها عندما رأتني وأعتقد أن الأمر ليس كذلك ولكن الله عز و جل أعان، وكان تدريسي في اليوم الأول كافيا بفضل الله لأن يوجد جوا من الهيبة والاحترام، انتهت به تلك العادة السيئة ولكن الأيام لم تطل فقامت أحداث حماة (1964).
(3)
حيثما وجدت حياة انتخابية حرة في سورية فان الإسلام بخير لأن التدين الأصيل في سورية يفرض نفسه على المرسحين جميعا والناجحين في النتيجة أما متدين أو مضطر لمراعاة التدين وتجربة الانتخابات زمن الوحدة كافية كمؤشر، فاذا ما وجد قانون انتخابي يمثل فئات الشعب تمثيلا صحيحا ووجد شعب وجيش يحمي الحياة النيابية فذلك هو الوضع الأمثل للاسلام وللشعب السوري، والحماية المطلوبة من الشعب أن يعلن المقاومة السلبية من اضرابات وغيره اذا مست الحياة النيابية واذا لم تنجح هذه الأساليب فعليه أن يعلن الثورة فهذا وحده يردع عن المس بالحياة النيابية وأما حماية الجيش فبأن تكون عبر حماية الدستور والتدخل اذا مس الدستور بحكم المحكمة الدستورية العليا. ان الحياة النيابية الحزبية هي التي تنضج البرامج السياسية وهي التي تنضج الوعي السياسي للمواطنين وهي التي تخرج القادة السياسيين الحقيقيين، وبلد كسورية لا بد أن يراعي في حياته النيابية أنه بلد مهدد بالحرب وبالتالي لا بد من صيغ أمنية وعملية تحمي قرارات الساسة من الخطأ. ولقد دخل الاسلاميون في سورية تجارب انتخابية متعددة تحتاج الى دراسة واستخراج عبر، كما أن لهم ممارسة نيابية تحتاج الى دراسة واستخلاص نتائج، لقد دخلوا الانتخابات أحيانا ببعض الأسماء مجتمعة ومنفردة دون أن يشكلوا قوائم كاملة ودون تحالفات فأعطوا فرصا لغيرهم، ودخلوا أحيانا في تحالفات وقوائم متفق عليها تضمهم وتضم غيرهم كما حدث في حماة اذ قامت لجنة تمثل كل القوى المقابلة لأكرم الحوراني ونزل الاخوان مع غيرهم في قائمة واحدة ضمت أحد النصارى وربحوا الجولة داخل المدينة وخسروها خارج المدينة، كما شاركوا في وزارات، وهذا يثري التجربة الاسلامية لكن ذلك كله يجب أن يدخل في دائرة الدراسة والمدارسة للوصول الى وضع أمثل للتحرك الاسلامي في سورية وبالتالي الوصول الى وضع أمثل في سورية تكون الحياة النيابية جزءا منه ويرتاح فيه المواطنون وتكون السياسة السورية الخارجية فيه على منتهى الحكمة وتكون فيه سورية في غاية القوة ويبقى القرار السوري بيد أمينة وحازمة ومستوعبة أوضاع الداخل والخارج، وتلعب فيه سورية دور المنسق للسياسة العربية والاسلامية بانية علاقات حميمة مع كل الحكومات العربية والاسلامية.
***
(4)
كانت أكثر القوى الفاعلة في سورية ساخطة على الانفصال: الجيش والطلاب والموظفون والمثقفون وكانت السلطة التي آل اليها أمر الحكم ضعيفة، وكان من أوائل مظاهر الضعف أنها لم تستطع أن تعبئ القوى المؤمنة بالحياة النيابية في معسكر واحد، ولما أحس الجميع بضعفها كثر الراغبون في انهائها وايجاد وضع بديل، ولقد حاول بعض المتديني في الجيش أن يفعلوا شيئا ففشلوا، وتلاهم البعثيون والناصريون وبعض الطامحين فقاموا بحركة انقلابية في 8 آذار (مارس)، و كان البعثيون هم الجهة الأقدر على المبادرة والتخطيط فصفوا شركاءهم جميعا وانفردوا بحكم سورية وكان الرد الأول هو محاولة الناصريين أن يقوموا بانقلاب وكان ذلك في 18 تموز (يوليو) لكن الحركة فشلت في ساعاتها الأولى وكان لفشلها أسباب كثيرة. منها أنهم علقوا كل شيء على احتلال الأركان والاذاعة بدلا من أن يتحركوا على كل صعيد فيستولوا على القطاعات العسكرية حيث أمكنهم ذلك فاذا فشلت حملة الاذاعة تحركوا من كل مكان نحو دمشق، المهم أن الحركة فشلت، ولقد كانت أقوى رد فعل ضد استلام البعث السلطة وكان التحرك الشعبي الذي يعتبر رد الفعل الثاني هو تحرك حماة (1964).