من الثانية والثلاثين الى السابعة والثلاثين
(1966 – 1971 م)
درست خمس سنوات في السعودية ثنتان منها في الهفوف وثلاثة في المدينة المنورة، وكان تدريسي كله في المعاهد العلمية وهي تشبه المدارسة الشرعية في بعض الأقطار وتشمل في المعاهد المتقدمة المرحلتين الإعدادية والثانوية، وكان أكثر دروسي في اللغة العربية نحواً وصرفاً وبلاغة كما درست الحديث الشريف وأصول الفقه، كانت علاقتي بطلابي علاقة مودة ومحبة ومصارحة وتوجيه، واحتفظ بأغلى الذكريات لتلاميذي في المعاهد وظني أنهم كذلك.
***
أنهيت في هذه السنوات الخمس سلسلة الأصول الثلاثة وأرسلتها للطبع والنشر وكتاب "جند الله ثقافة وأخلاقاً" وفصولاً من كتاب "جند الله تخطيطاً وتنظيماً وتنفيذاً" ولم تنشر وقتذاك هذه الفصول في التخطيط والتنظيم لكني درستها لعدد من الإخوة وأعطيتها لبعض الإخوان في بعض الأقطار وقد جعل الله فيها خيراً كثيراً وبركة، ثم أدخلت بعضها في بعض الكتب.
***
كان الجو مواتياً لإلقاء محاضرات، وقد ألقيت عدداً من المحاضرات في اجواء المعاهد العلمية وبعض الجامعات وفي بعض الثانويات ودور المعلمين وفي بعض الأندية وخاصة في الناديين الرئيسين في المدينة المنورة: نادي الأنصار ونادي أحد، لقد ألقيت فيهما أحب محاضراتي إليّ.
***
كانت المنطقة العربية حافلة بالمفاجآت، وكنت حريصاً على ألا يحدث تغيير في السعودية لأن التغيير سيجعل مكة والمدينة وأرض العرب في مخاطر مجهولة، كتبت تحليلاً حول الوضع في السعودية وبنيت عليه بعض الإقتراحات وقد وصل التحليل الى الملك فيصل رحمه الله، وكانت له آثار طيبة في نفسه كما نقل لي، وتجاوب مع بعض المقترحات، وبعض هذه المقترحات أصبحت الآن واقعاً في السعودية، لا أدعي أن مقترحاتي هي التي قد طبقت لكن تطبيقها يدل على أنها كانت في محلها. وعلى كل الأحوال فقد سبب لي هذا الأمر بعض المشكلات.
***
في صيف 1967 جئت الى لبنان مع زوجتي وابنتي التي ولدت في الهفوف لتجديد التعاقد ولرؤية الأولاد وقضيت الصيف في عاليه وفي صيف 1968 جئت كذلك الى لبنان لنفس الأغراض وقضيت الصيف في "سير الضنية" وأخذت فيما بعد معي الأولاد جميعاً الى السعودية ومعهم عمتهم "هند" وفي صيف 1969 جئت الى لبنان منفرداً وأجريت فحوصاً طبية فتبين أن معي مرض السكري ولم أخرج من السعودية عام 1970 وفي صيف 1971 جئت مع الأهل الى لبنان، وأرسلت الأهل مع الوالد الى حماة وكانت زوجتي حاملاً ثم بعد أيام جاء الوالد وبعد المذاكرة قررت النزول الى حماة ونزلت ولم تحدث مفاجآت على الطريق، كنت قبل الحركة التصحيحية ممنوعاً من الدخول الى سورية ولكن بعد الحركة التصحيحية كنت من جملة الذين سمح لهم بالدخول، ومع ذلك فان السائق تصرف بذكاء حتى لا يمر اسمي على المخابرات وذلك من باب الإحتياط وهكذا عدت الى سورية من جديد.
***
كانت الأوضاع الإخوانية تتردى وتسير في منحدر الإنقسام، وكانت عوامل الإنقسام كثيرة، ولما نزلت الى حماة كان الإنقسام قد تم وأصبحت الجماعة ثلاث فرق، فرقة على رأسها الأستاذ عصام العطار حفظه الله وفرقة على رأسها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله وفرقة تعتبر نفسها على الحياد بين هذين الطرفين وتسمي نفسها مراكز الحياد وتشمل حماة وادلب ودير الزور، كانت عواطف أهل هذه المراكز الثلاثة متباينة فبعضهم أقرب الى الأستاذ عصام العطار وبعضهم أقرب الى الشيخ عبد الفتاح وبعضهم لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء. ولعله من المناسب أن أقف وقفة حول الإنقسام على اعتبار أنه ظاهرة يمكن أن تحدث للأحزاب كلها. فالإنقسامات في الغالب تحدث اذا شعر قطاع من أبناء الحزب أو الجماعة أن هناك بعداً بين المبادئ والتطبيق أو أنه لا سير صحيحاً نحو الهدف، أو أن هناك جموداً في تحرك الصف كله وجموداً في تحرك الأفراد أو أن هناك طموحات للصف لا تستطيع أن تحققها القيادة أو أن القيادة تفتقد قوة المبادرة فلا تسبق المشكلة قبل وقوعها ولا تبادر لحلها بعد وقوعها، أو أن التربية أو النظرية التنظيمية ليست صحيحة أو أن المستجدات لا تأخذ محلها من الدراسة والإعتبار والتحرك، أو أن النبض المركزي من القيادة للأطراف أو للأشخاص ضعيف، أو أن القيادات لا تراعي نضج الصف فعندما يكون الصف كله طلابياً فذلك غير الصف الذي يمتلك كبار مثقفين. وأهم شيء هو الثقة بالقائد الأول فاذا تخلخلت الثقة به ولم يستطع أن يتلافى ذلك فأما أن يستقيل أو يقال أو يحدث الإنقسام.
***
خمس سنوات في السعودية تمت فيها أشياء كثيرة: فقد سقط فيها نظام صلاح جديد على يد حافظ أسد بالحركة التصحيحية، وتمت فيها كارثة حزيران (يونيه)، وتمزقت فيها جماعة الإخوان المسلمين، وأصبح وضع سورية أكثر تعقيداً. القيادات السياسية المكشوفة، وتأكدت محظورية العمل السياسي، الا على من كان جزءاً من النظام القائم في سورية والعمل الخفي في غاية الصعوبة، وأصبح حافظ أسد من أمهر اللاعبين في لعبة الأمم وهذا سيفرض نفسه على الجوار وعلى العالم العربي وعلى العالم برمته، وأحلامنا في دولة اسلامية رائدة دخلت في طور التأمل عند الكثيرين.