من الثالثة والأربعين الى السابعة والأربعين
(من كانون الثاني (يناير) 1978 الى أواخر نيسان (أبريل) 1982 )
عندما خرجت من السجن كانت الأجواء العامة في سورية رخية، فحافظ أسد يريد أن تمر الانتخابات بشيء من الانفتاح على الشعب، لذلك زارني الناس بسبب خروجي من السجن بكثرة، كان مدير المخابرات العسكرية في حماة شاب معتقل وهو المسؤول عن متابعة نشاطاتي فقد أرسلت اليه ابتداء، مما يدل أنه هو المسؤول عن متابعتي ومراقبتي، فكان يزورني اذا أحس بوضع غير عادي في البلد ليبقى أجواء البلد قارة. جاءت بعد خروجي من السجن بقليل مناسبة المولد النبوي وبدا وكأن كل شيء هادئ، واذا بالبلد فجأة تشتعل نارا فقد خرجت تجمعات للاحتفال بالمولد من ههنا وهناك وفجأة شكلت أمواجا من البشر تهتف وتتحدى فاعتقلت السلطة بعض الأفراد، فقررت أن أتحرك بسرعة قبل أن يجر التحقيق الى أشياء لا تحمد عقباها، اتصلت بمدير المخابرات العسكرية وكلمته بضرورة عدم جرح البلد فوعدني خيرا، فقررت السفر الى دمشق في الظاهر للمطالبة بأوراقي الموجودة في السجن وفي الباطن من أجل اطلاق سراح المعتقلين الجدد والكلام في المعتقلين القدامى. وكانت جمعية العلماء قد أعلنت عن احتفال بمناسبة المولد وكلفتني أن أكون أحد المتكلمين وكان الجو قد أصبح مشحونا في البلد واهتمت السلطة لذلك، وسرت شائعة أن الثورة ستعلن في هذا الاحتفال واستقدمت الدولة قوى من خارج المحافظة، وحاولت السلطة الغاء الاحتفال أو الغاء كلمتي على الاقل، وكنت أجد في الاحتفال فرصة أن آخذ وضعا عاديا في علاقتي مع الشعب أو العلماء، وهذا يقتضي أن أتكلم في الاحتفال كما هو مقرر، لكن الموقف كان في غاية الدقة فالشباب متحمسون، وفي السلطة والحزب تياران: تيار يقول: ان حماة لا تعامل الا بالحسنى وكان علي أن أقوي هذا التيار، وتيار يقول: ان حماة لا تصلح معها الا الشدة، والوضع متفجر، ومكان الاحتفال محاط بقوى الأمن. وجاءت كلمتي بفضل الله عز وجل ملطفة للأجواء، قبلها المتحمسون وارتاح لها العلماء والعامة، وفرحت بها أجهزة الأمن وهلل لها المعتدلون في السلطة والحزب، وكانت عاملا من عوامل الافراج عن المعتقلين الجدد، دون أن يكون فيها كلمة ضعف أو مجاملة. تحدثت في هذه الكلمة عن عمق الاسلام في بلاد الشام، وعن طبيعة حماة، وأن حماة تهزها المعاملة الطيبة والتصرف الأريحي وهذا هو مفتاح التعامل مع حماة، وأن الذي لا يتعامل مع حماة كذلك مخطئ، ثم تحدثت عن الشغب الذي يرافق الاحتفال بالمولد وأن ذلك خطأ فلا يصلح أن يصبح هناك ارتباط بين مناسبة المولد والشغب، وشكرت المتعقلين من رجال السلطة الذين تعاملوا مع المتظاهرين بلطف، وكان بعض أهل الفتنة قد رجموا بيت نصراني بالحجارة أثناء الاحتفالات، فذكرت كيف أنه مع ايماننا بالاسلام ودعوتنا له وحرصنا على أن تكون البلاد اسلامية فنحن لا ننسى أن لنا جوارا، هؤلاء الجوار عشنا معهم قرونا طويلة وعاشوا معنا فكانوا شركاءنا في السراء والضراء هم المسيحيون، ثم تحدثت بمناسبة المولد عن بعض المعاني الاسلامية، وكانت عناصر كثيرة من الشرطة والجيش خارج المسجد تسمع الخطاب فارتاحت أعصابهم، وارتاحت أعصاب الناس، خرج الجميع مرتاحين، واعتبر بعضهم هذه الخطبة من أنجح الخطب السياسية وحققت هذه الخطبة مجموعة أغراض كنت أريدها. سافرت بعد ذلك الى دمشق.
اتصلنا بالعميد علي مدني فرحب بنا وذكر أنه مشغول في ساعته تلك، لذلك يرجو أن نزوره مساء، ورتب لي خلال ذلك أن أذهب الى سجن المزة لاستلام أوراقي التي كنت موعودا بها، ذهبنا الى السجن وقابلنا مدير السجن، وطلبت منه أن يدعو لي بعض الاخوة لأعرفهم على الأوراق التي أريدها، وكان ذلك، جاءتني أوراقي الا قليلا. وفي المساء تمت مقابلة العميد علي مدني وصار حديث مطول، تحدثنا فيه عن المعتقلين القدماء فوعد خيرا، وصار حديث عن المعتقلين الجدد فوعد خيرا وفعلا فقد أفرج عنهم بعد قليل، أما القدماء فلم يفرج الا عن ثلاثة تقريبا ثم اعتقل اثنان منهم فيما بعد وفر الثالث. زرنا الشيخ حسن حبنكة وكانت جلسة طويلة مباركة تمت فيها أحاديث شتى عن سجننا وعن جهوده التي بذلها من أجلنا، وعدنا الى حماة. وبعد أيام جاء الأستاذ عدنان سعد الدين الى حماة وكان قد انتخب مراقبا عاما للاخوان المسلمين أثناء وجودي في السجن، جلسنا سوية يوما تقريبا أطلعني فيه على مجريات الأمور اطلاعا تاما، فهمت منه أن الاخوة في الخارج يكادون يكونون مجمعين على خروجي من سورية، أعلمته أنني لن أخرج مهما كلف الأمر وعندما رأى اصراري على هذا الموضوع، طلب مني أن أخرج للعمرة فأنشط في رحلتي هذه الاخوة في الخارج، وكان مصرا على هذا القدر فوعدته أن أفعل. وفعلا بدأت الاجراءات لأخذ تأشيرة خروج وصادف ذلك مجيء أحد الاخوة الذين يدرسون في السعودية ومعه سيارته فساعد على استكمال الاجراءات. ومن عجائب الرؤى أنه في يوم سفري جاءني أخي الشهيد محمود رحمه الله على أثر رؤيا رآها، قال لي: رأيت في المنام أننا في جلسة تضم عددا من الناس وأن شيخنا اتجه اليك وقال: عمان سهل لك، أو أسهب لك، عجبت من هذه الرؤيا ولم أفهمها وقتذاك، ومن قبل ونحن في السجن رأى أحد الاخوة – وهو أخ دمشقي صالح يحفظ كتاب الله – في المنام أنني أتحدث من التليفزيون الأردني وأنا ألبس عمامتي وجبتي، وكان قدر الله كما سنرى أن تكون عمان هي وطن الاقامة، مع أنني كنت عازما على المكث في سورية ابتداء ثم العودة اليها ولكن لله قدراً. وقبيل سفري اتصل بي أحد الاخوة الناشرين فأعطيته مسودة كتاب "من أجل خطوة الى الأمام على طريق الجهاد المبارك"، وقلت له: أن يعرض الكتاب على الاخوة وهم مفوضون أن يحذفوا منه ما شاءوا، فالكتاب لم يكتب في صيغته المكتوب فيها للنشر، وكان لنشر هذا الكتاب دخل في بقائي خارج سورية كما سنرى، خرجت من سورية بعد شهرين من خروجي من السجن تقريبا كان ذلك في 30 آذار (مارس) 1978 وكان خروجي من السجن في أواخر كانون الثاني (يناير). استمرت رحلتي حوالي شهرين ونصف، خرجت من الأردن في 31 آذار (مارس) وعدت اليها في 14 حزيران (يونيه) وجاء أهلي الي من سورية في 18 حزيران (يونيه)، ومن يومها حتى كتابة هذه السطور وطن الاقامة عمان. زرت في جولتي هذه السعودية والامارات وقطر، وتعطل سفري الى الكويت في آخر لحظة، وقد ألقيت عددا من المحاضرات في جولتي هذه، كانت لها آثارها الطيبة، ألقيت أكثر من محاضرة في المدينة المنورة وكذلك في مكة وألقيت محاضرة في كلية الشريعة في الرياض وزرت الاخوة في الطائف، وأما في الامارات فقد ألقيت خطبة جمعة، واجتمعت بالاخوة أكثر من اجتماع ورأيت بعضهم على انفراد، وألقيت في قطر أكثر من محاضرة منها محاضرة في المسجد ومحاضرة في مركز ثقافي. وقد حاولت أن أقطع رحلتي أكثر من مرة للعودة السريعة الى سورية فكان الاخوة يمنعونني من ذلك، وكان أدبنا يفرض علينا أن نبقي تصرفاتنا ضمن حدود، كان الجميع يلحون على البقاء في الخارج، وأرسل لي الوالد يطلب مني ذلك، وكانت رغبتي أن أدخل سورية مهما حدث، وبعد مناقشات طويلة مع الأخ عدنان سعد الدين اتفقنا على النزول، وأخيرا علقنا الدخول على استشارة اخوة الداخل، وكان اخوة الداخل مجمعين على دخولي ولكن ظهور كتابي "من أجل خطوة الى الأمام..."، جعل الجميع يجمعون على عدم الدخول فقد كان في الكتاب عبارات، كما أن في الكتاب شدة على كل التوجهات السياسية غير الاسلامية، وعرضا لبعض وجهات النظر الاسلامية سياسيا لم يكن على حجة فيما حدث لأنني أذنت للاخوان أن يحذفوا ما شاءوا، ولما سئل الأخ المراجع كيف أجاز هذه الأشياء قال: وجدت أن ما يحتاج الى الحذف كثير وقرأت قول المؤلف: ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا... فأجزته وهكذا اتخذ قرار البقاء خارج سورية.
عكفت بعد اقامتي في عمان على التأليف وتنقيح بعض المؤلفات وارسالها للطبع، أرسلت في هذه المرحلة للطبع "تربيتنا الروحية" و "المدخل الى دعوة الاخوان المسلمين" وعكفت على تبييض التفسير الذي ألفته في السجن واستغرق معي تبييضه حوالي سنتين. كانت علاقتي مع اخوان الأردن ضعيفة جدا وقد حرصت أن تكون رسمية. دعتني رابطة الطلاب العرب في أمريكا لالقاء محاضرة هناك، فذهبت وكانت فرصة طيبة أن أتعرف على النشاط الاسلامي في أمريكا كما كانت فرصة أتعرف بها على الاسلاميين، وكانت أجواء الحوار طيبة، وفي عودتي من أمريكا كان للطائرة وقفة في مطار دمشق ولم أكتشف ذلك الا في مطار لندن ساعة الاقلاع. ولكن الله سلم، دعيت لالقاء محاضرات في لبنان فوافقت وسافرت، وكنت مريضا جدا، ومع ذلك تحاملت على نفسي، وزاد مرضي فكنت أبقى في الفراش حتى ساعة المحاضرة لألقيها ثم أعود الى راحتي وقد عدت الى عمان وأنا في غاية التعب واستمر المرض حتى اضطررت أن أفطر في رمضان على غير عادتي في المرض أو في السفر. جاءت القيادة السورية الى عمان، اجتمعت بها، وصار هناك نقاش ودي غير رسمي، عرضوا علي أن يدفعوا لي راتبا، كنت آمل أن أسدد نفقاتي من خلال التأليف، وعدتهم أنني اذا احتجت سآخذ. كان هناك مؤتمر شعبي اسلامي في أوروبا، وكانت هناك بعض لقاءات للتنظيم العالمي وكان ينبغي أن يحضرها اثنان من سورية، وكان هناك احتمال أن يغيب أبو عامر، فذهبت بصحبة علي البيانوني، شاركنا في محاضرات المؤتمر، وقد غلب على الجو الحب والمودة، وكان في الاجتماعات عدد من كرام الاخوان وكانت حرارة المودة بيننا وبينهم عالية ولقد اشتركنا في الجلسات المهمة، وكانت هناك أسئلة وأجوبة عمقت الخط الاخواني عامة وخط حسن البنا خاصة، وبالجملة كان هذا المؤتمر ناجحا. حضر الأخ أبو عامر الى مكان الاجتماع في أوروبا فأصبح هو كمراقب عام وعلي البيانوني كنائب مراقب عام هما الأحق في حضور جلسات التنظيم العالمي، وقد أصررت على عدم الحضور كممثل عن سورية، وحضر الاثنان دوني، لكن المجتمعين اتخذوا قرارا بحضوري. تقدمت بمشروع مكتوب يقضي بأن تحدد الأجهزة التي تحتاجها الجماعة وأن ينقسم المجتمعون الى مجموعات، كل مجموعة تضع اقتراحاتها بشأن جهاز من الأجهزة ثم يلتقي الجميع لمناقشة المشاريع واقرارها، والانطلاق على ضوئها، وقد تم ذلك كله وخرج المجتمعون بانجاز ضخم ارتاحوا له جميعا........ كان المراقبون العامون للأقطار يجتمعون مع من يحضر من مكتب الارشاد، وكانوا قد وضعوا اطارا للحركة لمدة خمس سنوات في آخر اجتماع لهم، وقد كلفت لجنة لوضع هذا الاطار موضع التنفيذ، وقد اخترت لأن أكون واحدا من أعضاء هذه اللجنة، واجتمعنا، ولم تكن آراؤنا موحدة حول ما ينبغي فعله وأخيرا اتفقنا على أن أكتب مقدمة الخطة ويكتب أحدهم في الأهداف والآخر في وسائل التنفيذ، وأن نلتقي فيما بعد لمدارسة انتاجنا، ولم أسافر من المكان الذي أنا فيه الا وقد أنهيت مهمتي فوضعت كراسة في أكثر من سبعين صفحة وقد طبعت فيما بعد ووزعت على بعض الأقطار. ثم بعد ذلك عدنا الى الاردن، وكان قد وصلنا ونحن في سفرنا نبأ اعتقال بعض الاخوة القياديين في سورية، وهذا يفيد أننا على أبواب محنة شاملة في سورية. وتطورت الأحداث بعد ذلك تطورا سريعا. وفي هذه المرحلة سافرت الى السعودية، وألقيت في هذه المرحلة محاضرة في جامعة البترول في المنطقة الشرقية من السعودية. وفي هذه المرحلة اتفقنا مع أصحاب القرار أن تنتقل قيادة العمل في سورية الى الخارج. وطلب مني الأخ أبو عامر أن أشارك في أعمال القيادة، ولم تكن المرحلة تبيح الاعتذار وكان مجلس شورى سورية قد أعطى أبا عامر ونائبه تفويضا أن يستكملا القيادة اذا حدث شيء، وكان الأخ أبو أنس قد حصر في أوروبا بسبب ضياع محفظته التي فيها جوازه، وكان هناك اثنان من أعضاء القيادة قد اعتقلا، وخرج ثلاثة منهم أديب الجاجة ومحمد الحسناوي وقد طلب أبو عامر من الجميع أن يلتحقوا بمقر القيادة الجديد، وأعيد تشكيل القيادة. وكانت مهمة القيادة شاقة، فالخيوط مقطعة، والضربة صاعقة، والاخوة في الخارج في أزمة نفسية ولا مال ولا اعلام ولا اتفاقات مع أحد، وكانت علاقات النظام في سورية قوية مع البلدان العربية، وكانت مهماتنا المباشرة:
أولا: اعادة ربط الخيوط في الداخل.
ثانيا: ترميم التنظيم.
ثالثا: تقوية علاقاتنا مع اخواننا في الخارج واحكام الصلة مع التنظيمات الاخوانية.
رابعا: مساعدة المعتقلين والمطلوبين ورعاية اسرهم.
خامسا: تأمين المال اللازم لكل هذه العمليات.
لقد كانت الضربة التي وجهها النظام في سورية للتنظيم ضربة قاتلة. وكان بالامكان أن تنهينا الضربة فعلا ولكن بدلا من ذلك حدث ما لا يخطر بالبال، والذين لا يعرفون الحقائق، يهاجمون قيادة المرحلة بألسنة حداد، ولكن لو قارن كل انسان انجازات تلك القيادة التي كنت شريكا فيها بانجازات أي قيادة لاحقة، لرأى الفارق. اقسم عدنان دباغ وهو يحقق معي أن سيصفي للاخوان المسلمين من العالم العربي وقد أصبح فيما بعد وزيرا للداخلية وهو الذي أعلن من راديو دمشق أنه سيصفي الاخوان المسلمين. هم بدأوا ونحن رددنا... تحرك أبو عامر حركة قوية لتأمين المال اللازم ثم انهال علينا المال من كل جانب، حدد أبو عامر تصوراته عن المرحلة القادمة وأرسلها لنا وكانت خلاصة رأيه أن ردنا على السلطة ينبغي أن يكون التعبئة والمواجهة. راسلنا اخواننا في الداخل فتجاوب معنا عدد منهم، استطعنا من خلالهم اعادة ربط الخيوط، وفي هذه الأجواء ونحن في العمل حدثت حادثة المدفعية التي أوجدت أجواء جديدة وقلبت الاستراتيجيات رأسا على عقب، وأعطت السلطة مبررات لتصرفاتها المقبلة، وقد أصدرنا بيانا نعلن فيه أنه لا علاقة لنا بهذا الموضوع.
***
وزرنا باكستان في هذه المرحلة أكثر من مرة. كانت زيارتنا الأولى لباكستان فرصة طيبة فقد زرنا الأستاذ المودودي وكانت الزيارة الثانية لباكستان زيارة تشييع لجنازته رحمه الله، وكانت جلستنا معه جلسة مباركة فان القلة من الناس هم الذين اذا اجتمعت اليهم تشعر أنك أخذت مع العلم عقلا، كان حديثا شاملا عن الدعوة الى الله في العالم العربي، عن وجهة نظره في التعامل مع الخارجين على الصف وأن أفضل شيء عدم الرد عليهم، ولقد داعبنا في الجلسة وآنسنا رحمه الله، ومن لاهور انطلقنا الى بيشاور وهناك اجتمعنا ببعض قادة الثورة الأفغانية، استمعنا للجميع وتقدمنا بعد ذلك بمشروع مشترك نحن والجماعة الاسلامية بعد أن عدنا للاهور. كان المشروع ينص على ايجاد قيادة عليا لحركة الجهاد الأفغاني فما اتفقوا عليه ينفذ وما اختلفوا فيه يحكمون فيه الجماعة الاسلامية والاخوان المسلمين، وقد قبلت الجهات كلها هذا المشروع ولكن كان علينا أن نكون بجانبهم بشكل دائم، ولقد وعدهم بعضنا أن نرجع خلال شهر ولكن لم يحدث ذلك مما أوقف المشروع، ولقد عاتبونا على ذلك يوم زرناهم مرة أخرى بمناسبة وفاة الأستاذ المودودي رحمه الله. ومن باكستان انطلقنا الى ايران وكان ذلك في أواخر أيار (مايو) سنة 1979، كنا على صلة دائمة مع أحد اخواننا وكان هو صلة الوصل، وكان قد أبلغهم عن قدومنا، لذلك وجد من استقبلنا في المطار وسهل لنا الدخول ثم الخروج، وقد رغبنا أن ننزل على حسابنا وكان ذلك فدفعنا نفقات النزول في الفندق، مع أنهم عرضوا علينا أن ننزل ضيوفا وأن نعامل معاملة رسمية. رتبوا لنا زيارتين رئيستين احداهما للخميني والأخرى لابراهيم يازدي وزير الخارجية وقتذاك، وكان الذي يتولى شأن الترتيب وكيل وزارة الاعلام. كانت أحاديثنا مع ابراهيم يازدي مطولة فهو على صلة وثيقة من بعض الاخوان عندما كان يدرس في أمريكا فهو يعرف الاخوان من قرب ويستطيع أن يفهمهم ويفهم تطلعاتهم. كان من حديثه ان هناك سنيين محمديين وشيعة علويين، فهؤلاء وهؤلاء لا يختلفون، كان هناك حديث مطول عن العلاقات الخارجية الايرانية، كما كانت هناك مصارحة في ما نريده من الثورة الايرانية ولها. وفي زيارتنا للخميني وجدنا أنفسنا أمام طوفان من البشر كل يريد أن يقابل الخميني وأخبرنا منظمو برنامجه في "قم" أن الموعد المحدد لنا قد فات بسبب تأخرنا ورغبوا الينا أن نصبر لعلهم يجدون لنا مدخلا، وقد أدخلونا على الخميني مع وفد لتتاح لنا فرصة الجلوس معه مرتين، مرة مع هذا الوفد ومرة بعد خروج الوفد. حدثنا الخميني عن معرفته بما يجري في سوريا، وأنه سيتكلم مع حافظ أسد، وحدثنا أن الثورة الايرانية قامت بالايمان وباليد الخالية، وأن الطريق الوحيد لانقاذ المسلمين هو توعيتهم، فمتى وعي الشعب لا يستطيع أن يحكمه أحد. وكنا نأمل ألا تتورط الثورة الايرانية فيما يجعلها لا تتلاقى مع الفكر الاسلامي الصحيح، ولكنها تورطت.
***
شاركت في أعمال القيادة ثلاث سنين الا قليلا، سنتان منها قبل ما سمي بالوفاق وسنة تقريبا بعد الوفاق. كان الخط البياني للثورة خلال هذه السنوات في تصاعد حتى نهاية آذار (مارس) سنة 1980 فقد استقطبت الثورة الجماهير كلها، وكان من آثار ذلك تحرك النقابات العلمية حركتها الشهيرة، ثم بدأ مد الثورة يتقلص، كان الشعور بذبول الثورة أحد العوامل التي دفعت نحو الوفاق بين فصائل الاخوان المسلمين على أمل تقوية الثورة ووضعها في طريق النجاح، ولقد قام الوفاق بعد تعثرات، وتنازلنا الى أقصى حدود التنازل، وبدأت قيادة الوفاق تتحرك على أرض من الألغام ومن خلال تناقضات كبيرة. كانت تناقضات قيادة الوفاق كبيرة، وتمخضت خلافات القيادة عن خروج بعضهم من الوفاق، ولقد اعتزلت قبل أحداث حماة أكثر من شهر، ثم عدت الى القيادة، وفي هذا الجو جاءت أحداث حماة، فقررنا الحركة واعلنا النفير. وانتهت أحداث حماة ولم نفعل شيئا، وأعلنا فك النفير في جو متأزم، وكانت النفوس في غليان وتوجهت كل الألسنة لتضع اللوم على القيادة في تقصيرها وأمام هذا الجو العاصف، قررنا اجراء انتخابات لمجلس الشورى وتمت الانتخابات، وحضرنا تحضيرا جيدا لمجلس الشورى، هيأنا مسودة نظام داخلي، وتقدمت القيادة بتقرير عام، وتقدمت أجهزة الجماعة بتقاريرها وكنت مسؤولا عن هذه التحضيرات كلها بغياب أبي عامر، اجتمع مجلس الشورى وسمع التقارير، وأثر ذلك في الروح العامة، وبدأت المناقشات، وظهر بعض الاخوة في القيادة وكأنهم لا علاقة لهم في المرحلة كلها وتبنيت الدفاع عن كثير من النقاط، وكنت مقررا من قبل ان استقيل، وفي اليوم الثالث للاجتماعات طلب الكلام وأصررت عليه وكان الاخوان يظنون أنني سأهاجم بعض الاخوة ولم يكونوا مرتاحين لذلك، فغضبوا لاصراري وانسحب ثلاثة من الاخوة من مجلس الشورى، وواحد من القيادة، وكانت مفاجأة للجميع أن أتحدث بلغة أخرى، اذ أعلنت أنني أتحمل مسؤولية المرحلة، وأخطاءها وأنني قررت الانسحاب من العمل القيادي وتركت الجلسة وانسحبت. وهذه المرحلة تحتاج الى تأريخ مستقل، وليس من المناسب أن أخوض في تفصيلاتها الآن.