لم يزل الاسلاميون في سورية منذ الاستقلال يصارعون من أجل دستور اسلامي أو دستور يعترف بأن دين الدولة الإسلام، وكان أشد أنواع الصراع الذي قام في أوائل أيام الاستقلال وقد بذل الدكتور السباعي رحمه الله جهودا هائلة، وفعل ما لا يخطر بالبال من تعبئة الجماهير واقامة الحجج والاقناع والانذار، ولكنه لم يصل الا الى أن دين رئيس الدولة الإسلام وأن الإسلام مصدر من مصادر التشريع وأن هدف التعليم ايجاد جيل مؤمن بالله، ثم تتابعت الأحداث والانقلابات على سورية. فلما استلم حافظ أسد عزم على اصدار ما سماه بالدستور الدائم لسورية، وكان يريد أن يجعله انجازا من انجازاته، ويركز السلطة فيه بيده بشكل دستوري، وكان يريد أن يمرر الدستور بنوع من المظاهر الديمقراطية وأن يرضي كل الأطراف، وكان يأمل من خلال الدستور أن يوجد وضعا جديدا في سورية. أنجز الدستور مجلس الشعب المؤقت وطرح الدستور على المناقشة العامة وأعلن أنه سيصوت عليه من قبل الشعب كله وكان حافظ أسد يخطط لأن تأتيه برقيات التأييد على الدستور من كل جهة. قرأت الدستور وشعرت بالخطر فالدستور كان علمانيا محضا، وكان أول محاولة من النظام الحاكم في سورية، مبادئه من الاطار الحزبي الخاص الى الاطار الدستوري العام، وكان واضحا أن الدستور سيكون مقدمة لانهاء التعليم الديني في البلاد فهدف التعليم في الدستور ايجاد جيل علماني، ومقدمة لانهاء قانون الأحوال الشخصية الاسلامية وهذا كذلك واضح من بنوده، وتجاهل الدستور دين رئيس الدولة وأشار اشارة ما الى أن الإسلام مصدر من مصادر التشريع، وقيد حرية العبادة بما لا يخل بالنظام، وجعل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد الرئيس، فكان واضحا أن سورية مقبلة على مرحلة ديكتاتورية لم نعرفها من قبل، وأن الإسلام سيصفى تصفية تامة، وأن المرأة المسلمة لن تعطى أي فرصة للمحافظة على شيء من اسلامها وعفافها، والحق أقول: أنه لولا أحداث الدستور لحدث هذا كله، ولكن أحداث الدستور خففت أو أجلت أو ألغت الكثير من هذه التوجهات. لقد طرح حافظة أسد فيما بعد فكرة تعديل قانون الأحوال الشخصية وفكرة التجنيد الإجباري للمرأة، كما مزق الحجاب في شوارع دمشق، ومنع المتحجبات من دخول المدارس بحجابهن، ونقل كل من عنده تدين خارج ملاك التعليم، كل هذا قد تم فيما بعد ولكن الدستور كان المقدمة لهذا كله، وأحداث الدستور هي التي أخرت هذه الاجراءات وخففتها، كما كانت أول هزة عنيفة لحافظ أسد، فقد كان حافظ أسد يطمع في تصاعد مستمر ليرث عبد الناصر في زعامة العالم العربي ان لم يكن يطمع في ما هو أكثر من ذلك، فجاءت أحداث الدستور فهزت هذا كله، فكانت نكسة كبيرة. وقف الشعب ضد الدستور، صوتت بعض قطع في الجيش نفسه ضد الدستور حتى ان نسبة الرافضين للدستور في سلاح المدفعية كان أكثر من خمسين بالمئة، قاطع قسم كبير من الشعب التصويت على الدستور، أثبت الشعب أنه حريص على اسلامه، عرف حافظ أسد أن هذا الإسلام عميق الجذور وأن عليه أن يراعيه في كل تصرف. لكن هذا كله كلف كاتب هذه السطور غاليا، فقد كان حافظ أسد مصمما على اعدامه ثم صمم على أن يبقيه مدى الحياة في السجن ولكن لله مرادا آخر. ولنبدأ عرض الأحداث:
عندما قرأت الدستور وجدت أنه لا بد من عمل، وأن هذا العمل يجب أن يكون باسم علماء سورية، ورأيت أن طوائف كثيرة ستتجاوب مع هذا التحرك، فالناصريون والاشتراكيون وحتى مجموعة صلاح جديد وكل الناقمين سيلتقون حول هذا التحرك، وما دام التحرك باسم العلماء فستظهر الحركة كلها بالمظهر الإسلامي وهذا سيجبر حافظ أسد الى تنازلات أو يعطيه درسا للمستقبل في وجوب مراعاة الاسلام، ورأيت أن علينا نحن الاخوان المسلمين أن نوصل الناس من وراء ستار الى وضع يندفعون فيه دون أن يكون هناك أي ممسك علينا، وعلى هذا الأساس تحركت وأنا أدوام على تدريسي في المعرة، وقد سارت الأمور كلها على ما يرام وبالشكل المخطط له ولكن لله مرادا.
***
كان خوف الناس من النظام كبيرا وكان علي أن اهتك عقدة الخوف، وعلماء سورية بطبيعتهم حذرون فكيف بالامكان أن نجمعهم على موقف سياسي موحد؟ ومن هو الذي يجرؤ على أن يكون هو البادئ؟ كان الأمر في غاية الصعوبة، لكن كنت أستشعر خطورة أن يقول المسلم لدستور حافظ أسد نعم، كان واضحا لدي أن من يقول ذلك بعلم يرتد، والمسلم الذي لا يعلم سيغرر به وسيوقع على ذبح اسلامه وهو لا يعلم، لذلك صممت على الحركة. وكان زملائي في قيادة مركز حماة كلهم أصحاب عقل نظيف. بعد أن قررت العمل كتبت بيانا عاما في مناقشة الدستور وكتبت صيغة فتوى قصيرة بشأنه. بين يدي محاولتي اقناع من استطيع اقناعه من العلماء بالتوقيع على هذا وهذا. والعجيب أنني لم أكد أنتهي من ذلك الا وجاءني أحد الشباب يقول لي: أن مجموعة من علماء حلب قد مرت على حماة وطلبت أن يجتمعوا بعلماء حماة وحددوا لذلك وقتا وأنهم سافروا الى حمص ليجتمعوا بعلمائها ثم يعودوا، وانه قد اتصل بالشيخ خالد الشقفة والشيخ عبد الله حلاق رحمهما الله فطلبوا منه أن يدعوني مع آخرين لحضور هذا اللقاء فوعدته أن أحضر.
***
كان الشيخ محمد الشامي رحمه الله معروفا عند الجميع انه له صلاته القوية بالنظام، وكان فلسفة الرجل تقوم على أساس الخدمة من خلال الصداقات مع الحاكمين، والناس في شأنه منقسمون فمنهم من يحسن الظن به على أنه لا يفعل ذلك الا لمصلحة اسلامية وهي خدمة الناس ومنهم من يسيء الظن به. المهم أنه لم تكن هذه القضية خافية علي وكنت أشعر أن الشيخ محمد الشامي قد أعطي ضوءا أخضر لنوع من التحرك بين المشايخ للمطالبة بشيء ما. كنت أشعر أن الشامي يتحرك ضمن حد وبضوء أخضر من الدولة وقررت أن أستفيد من ذلك ثم اندفع بعملية خاطفة لتحقيق ما أريد متجاوزا الحد الذي يريد. وكان من المهم عندي أن يبدأ أحد العلماء بالتوقيع الأول ولم يكن في سورية أجرأ من الشيخ محمد النبهان رحمه الله في حلب وكان الشيخ الشامي هو مفتاح الشيخ محمد البنهان.
***
حضرت مساء وفي نفسي أو أوجه الأمور بالشكل الذي خططت له... حضر شيوخ حماة مساء وتأخر شيوخ خلب في حمص، تذاكرنا مع شيوخنا بخطورة الدستور وضرورة أن نفعل شيئا ما، حللت الوضع السياسي أمامهم ومناسبته للتحرك، وبقيت ضمن هذه الحدود، تأخر وفد حلب كثيرا، انتظرهم شيوخنا فترة طويلة ثم ملوا، رغبوا أن ينصرفوا أعلنت أنني على استعداد للبقاء منتظرا الآخرين، سر الشيوخ لذلك، وانصرفوا على أن أبلغهم ماذا عند الآخرين، سررت لانصرافهم لأن هذا يعطيني حرية الكلام باسم شيوخ حماة ويجعلني أكثر حرية في النقاش. جاء الوفد الحلبي، لم يكد الوفد يسمع ارائي ووجهة نظري حتى اقترحوا أن أسافر معهم الى حلب لعرض وجهة نظري على شيوخها وأخبروني أن هناك اجتماعا في حلب لمثل هذا، استجبت للعرض مباشرة وركبت في سيارتهم وتوجهنا الى حلب. ووصلنا الى المسجد، كان الاجتماع منفضا الا من قلة كان أحدهم الشيخ محمد الشامي، ذاكرتهم في الأمر، عرضت وجهة نظري في اخراج بيان وفتوى، أعطيتهم نسخة البيان والفتوى اللذين كتبتهما طلبت من الشيخ الشامي أن يوقعها من شيوخ حلب، ثم يرسلها الينا في حماة لنعمل على توقيعها من شيوخ حماة ثم ننطلق الى حمص فدمشق فوافق على ذلك. رجعت مباشرة الى حماة وفي اليوم التالي كنت في مدرستي أدرس في المعرة، اجتمعت بقيادة المركز في حماة وحدثتهم عن وجهة نظري فوافقوا على المنحى العام للعمل. تأخر جواب شيوخ حلب عدة أيام ثم جاء أحدهم ومعه الفتوى والبيان موقعين من حوالي ثلاثة عشر شيخا هم أكابر شيوخ حلب وكان الذي جرأهم على التوقيع هو اسم الشيخ محمد النبهان عندما رأوه على البيان والفتوى، كان ذلك بتأثير الشيخ الشامي وقناعة من الشيخ النبهان رحمه الله عليه بضرورة العمل ضد النظام. كان ذلك نجاحا فوق ما كنت أتصور، كتمت عن كل الناس أن البيان والفتوى كانا من كتابتي.
***
كنت أعلمت شيوخ حماة بالحديث الذي جرى بيني وبين وفد حلب وأن هناك وجهة نظر ترى أن يصدر العلماء بيانا، وبقي علماء حماة ينتظرون الجواب فلما جاء الجواب دعونا لاجتماع، قرأ المجتمعون البيان والفتوى فوجدوهما شديدين، فقرروا أن يكتبوا بيانا ألين لجهة ويوقعوه وأن يتركوا للشيخ حسن حبنكة رحمه الله في النهاية حق وضع الصيغة النهائية للبيان وذلك من باب الأدب مع الشيخ حسن وكنت حريصا على أن يصاغ البيان وأن يوقع مهما كانت الصيغة لينة. وكتب البيان وبدأ الشيخ خالد الشقفة رحمه الله فوقع وكان هو رئيس جمعية العلماء في حماة وقال وهو يوقع: سيعيد التاريخ نفسه فكما أنه حكم على ثلاثة من علماء حماة في أواخر الدولة العثمانية بالاعدام فسيحكم على بعض علماء حماة بالاعدام من جديد، ثم تتابع من وقع من العلماء على التوقيع، وقد رأى الشيوخ الا يوقع على البيان الاخوان حتى لا يأخذ طابعا اخوانيا وكان هذا ما نريد ولذلك لم أوقع على البيان مع اعلان استعدادي واخواني للتوقيع. كلف أحد الشيوخ أن يذهب الى حمص ومعه صيغة البيانين الحلبي والحموي ليعرضهما على شيوخ حمص وكان رأي شيوخ حمص أن بيان حلب شديد وبيان حماة لين والحكمة الوسط، وقرروا أن يكتبوا بيانا بين بين ويوقعوه، ومبدئيا اتفق على توقيعه حوالي خمسة عشر عالما من حمص وبذلك نكون قد حصلنا توقيعات علماء حلب وحماة وحمص، وكنا دائما نطرح فكرة أن الصياغة النهائية يجب أن تكون للشيخ حسن وكل ذلك قبل أن نلقى الشيخ رحمه الله.