سلّم الإخوان المسلمون كما سلم السلف الصالح، في ظاهر الأوامر والنواهي وبواطنها، سلموا أن الأمر كله لله، فلم يجادلوا في أمر.. فلماذا أو كيف وأين ومتى؟ ولم يعرضوا أمر من أوامر الله أو نهيا من نواهيه على عقولهم إلا لينفذوه، لأنهم بكل إيمان وطاعة ويقين وارتياح قالوا: سمعنا واطعنا، ومن هنا كان النظام في صفوف الإخوان المسلمين كاملا والالتزام واضحا، والطاعة غير مشوبة باهتزاز، تعلموا أن الدين لو كان بالرأي لما كان للألوهية من جلال.
كيف يرون أن المسح على الخفين لو كان بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولما كان يرضى المسلم –بعقله- أن يمسح وجهه بالتراب تيمما –كما يقول الإمام علي رضي الله عنه- وكرم الله وجهه. جزاهم الله عن فهمهم لدينهم خير الجزاء إذ كانت حياتهم كلها الإيمان، لان الإيمان هو الحياة، وما عداه موات..
"أو من كان ميتا فأحييناه"()..
والإيمان نور وما عداه ظلام..
"وجعلنا له نورا يمشي به في الناس"() ..
ألم اقل لك أن انتسابي إليهم علمني الكثير مما كنت اجهله وما أكثر ما كنت ولا زلت اجهل.
تعال إذن إلى فهمهم، فنفذ الأمر الإلهي بحذافيره، وابتعد عن المنهي عنه بعقابيله، وما دام الله قد قال، فقد بطل كل شيء مع قول الله عز وجل، فهو وحده صاحب الأمر والنهي ومرجع الأمر إليه وحده أولا وأخيرا. ألا تعلم انه إذا وجد الماء، امتنع التيمم، كذلك إذا جاء الكتاب أو الحديث بأمر من عند الله، وجب علينا جميعا أن نمنع عقولنا من النظر في ذلك الأمر، نفيا أو قبولا، فان النعمة قد تمت، والدين قد كمل، فلا زيادة بعقل، ولا نقص بفهم، ومن أراد أن يستعمل عقله وفهمه، فليبحث له عن مجال خارج القرآن وبعيدا عن سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
لن يرضى مسلم يفهم دينه حق الفهم أن يفصل في دينه بين العبادة والمعاملة. والصلاة عبادة، والقرض معاملة، فإذا قرأ المسلم وهو يتعبد لربه بالصلاة، إذا قرأ في صلاته قول الله تبارك وتعالى:
"وأحل الله البيع وحرم الربا"()..
فهو كما يقرأ الآية الكريمة عبادة، فانه يطبقها معاملة، و الا فكيف يؤمن بحرمة الربا وهو يصلي، ثم هو يتعامل بالربا إذا كان مؤمنا يصدق الله الذي يتعبد بكلامه!. هذه بديهيات يريد البعض أن يضعها في صيغ وعبارات، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله الانحراف عن دين الله. لا يا سادة، شرع الله عند غيركم ولو كان بعضكم لبعض ظهيرا، مع حرصكم على مظاهرة بعضكم لبعض في صورة متفاهمين، وانتم في حقيقة الأمر عن دين ربكم حائدون. ورفقا بكم أقول أنكم تظنون أن ما تقولون هو الحق، الذي يسير مع التطور والتحديث والتغريب.. شرح الله صدوركم وأنار بصائركم، وجمعنا وإياكم على الحنيفية السمحاء، ليلها كنهارها، وقافين عند حدود الشرع الحنيف، رجاعين إلى الحق، وليس الأمر بيدي ولا بأيديكم، ولكن.. "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" ()..
للإسلام واضحا مقيدا بالكتاب والسنة، فنحن نتأسى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عبادته في تصرفه الشخصي، في معاملته المنزلية لأهل بيته، في اختلاطه بالمسلمين وتعامله معهم في كل شيء، وما أتانا من أمور الدنيا أو الآخرة فنحن تبع له مهما تغير الزمان، واختلف المكان، ولن تغرنا قوة الغرب المادية ولا حضارته الزائفة، فكلها إلى زوال إن لم يكن اليوم فغدا، وإنّ غدا لناظره قريب. وبالمثل ما نهانا عنه صلوات الله وسلامه عليه، فإننا منتهون عنه قطعا، لان:
" من يطع الرسول فقد أطاع الله"()..
علمني الإخوان المسلمون في هذا المجال، وجوب التأسي الواقعي العملي برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فالحق في هذا الدين، لن يخفى أبدا ولن يزول، فكما أن هناك من يحاول أن يصرفنا عن التأسي برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهناك في نفس الوقت، وبعلم أعمق والتزام أدق من يتأسى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في كل شئونه، وقد قال عنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما معناه: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"(). كما قرن العليم الخبير طاعته بطاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) فقال في أكثر من آية:
" وأطيعوا الله ورسوله"()..
كما قال على التحديد:
"يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا اله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون"..