عرفت الإخوان المسلمين، وتعلمت هذا منهم عمليا، عرفوا مدى سلطان الله عز وجل، الذي لا حد له، والذي لا يمكن أن يتصوره عقل المخلوق العاجز الضعيف، مهما صورت له عنجهيته، مهما استبد به غروره العلمي، الذي جعله يظن انه بما وصل إليه من العلم قد استولى على مقدرات هذا الكون، ومهما أطاحت به قوته المادية إلى تخيلات لا أساس لها ولا قوام.
وصل الإخوان إلى هذا اليقين، وتعلمته منهم، لأنهم عرفوا في أنفسهم العجز المطلق، فوصلوا إلى معرفة ربهم، واتصافه بالقدرة الكاملة التي لا تحد.
"وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا"().
من روحانيتهم، علموا أن الله سبحانه وتعالى قدر وقضى قبل أن يخلق ويبرز إلى الوجود ما خلق، وانه ابرز مخلوقاته إلى الوجود الحسي على النحو الذي علمه قبل أن يريها خلقه، فثبت لديهم انه علم علما قديما، لم يتجدد مع تجدد الأوضاع، واختلاف الظروف والمناسبات، ومن استقر عنده هذا الفهم، وأصبح يعيش فيه ويعمل له، ويسير معه، فقد أدرك من الإيمان بالله قدرا طيبا يصلح به عمله، ويطمئن به خاطره، وما عاد يسأل نفسه أو غيره: لم حدث هذا ؟؟ وكيف؟. وهنا تبرز في الإخوان المسلمين الخلة التي يفتقدها غيرهم، لم ينسوا القدرة الربانية ولم يشكوا فيها، ولكنهم آمنوا بها واستيقنتها أنفسهم، وان تساءلوا فإنما يتساءلون عن الكيف لا عن الماهية. علموا واستيقنوا وآمنوا وساروا وأبدعوا، وصبروا واحتملوا، فكان ما يعرفه الناس جميعا عن الإخوان المسلمين على صورة أذهلت من كان يظن أن المسلم الحق على غير هذه الثقة من رب العالمين، لا بحثا عن الذات العلية، لأنه إشراك، ولكن استجلاء للصفات الربانية، وهذا هو عين الوصول والإدراك.
لا يعجبون للإرادة والأمر، ما دامت القدرة وافرة، والسلطان شامل، إنهم أيقنوا أن الله يريد أمرا ولكنه في نفس الوقت لا يريد الشيء المأمور به، لان هذا شيء وذاك شيء آخر، فقد تأمر ولدك بأن يتعب وينصب لتحصيل أمر، ولكنك في نفس الوقت لا تريد له التعب والنصب، ولله المثل الأعلى.
وقد كان فهم الإخوان لهذا الملحظ الدقيق، سببا في تجنبهم الكثير، فلم يقفوا الموقف المتردد أمام قضاء الله وقدره، بل انطلقوا للعمل استجابة للأمر، وتركوا تحقيق النتائج لمن بيده مقاليد الأمور لأنهم قرءوا في كتاب الله الأمر بالعمل، فقد كثر ما جاء في الآيات البينات الأمر بالعمل "قل اعملوا"() ، ولكن ما جاءت آية واحدة تحمل المسلم مسئولية تحقيق نتيجة ما يعمل، لان مرد الأمر في تحقيق النتائج متروك لله وحده ومن وصل إلى هذا المستوى من الفهم والعمل، فلن يضل ولن يحزن، ولن يعتمد على العمل وحده في سعيه إلى الدنيا أو الآخرة، ثقة منه بأن عمله لن يوصله إلى تحقيق أمنيته إلا أن يمده الله بعونه، ويتغمده برحمته. وتعلمت هذا عمليا من الإخوان المسلمين أيضا، يبدءون كل عمل خلوا من كل مقوماته، إلا الجد والتوكل على الله، فما بدءوا عملا متضائلا إلا ونماه الله ووسعه وبارك فيه، وأمامنا منشآتهم الاقتصادية والتعليمية والتربوية والعبادية، كيف بدأت والى ماذا انتهت؟.. ولولا أن الله سلط عليهم أعداءه وأعداء دينه، يلاحقونهم بالتخريب والتعذيب، والحيلولة دون المضي إلى غايتهم، لكان للإخوان المسلمين اليوم الأثر الواضح في كل مناحي الحياة، ولقد كافأهم الله تعالى على ذلك، بأن نزع اليأس والتردد من قلوبهم، فما أوقفتهم القوة الغاشمة الظالمة، فترة من الزمن، إلا وعادوا اشد عزما، وأعمق أملا، وأقصى جهدا، في استئناف العمل فيما عاهدوا الله عليه، وكلما مضى منهم سيد، قام سيد، قئول بما قال الرجال فعول.
والمؤثر في هذا، تبينهم أن العلم الصحيح، لا يأتي إلا من رؤية البصيرة، التي لا تقف عند حد الرؤية العابرة، بل تذهب إلى ابعد من هذا، فتنفذ إلى أغوار ما تراه وتبصره، فيتحقق لها بذلك العلم الصحيح. أما رؤية البصر عندهم، فما هي إلا طريق حصول العلم في ذاته، فعقلك وحده غير قمين برؤية النور، إلا أن توصله إليه عين مبصرة، وبالمثل، فسماع النغم العذب الرقيق من ترجيح اليمام وهديل الحمام، ونوح البلابل على الأكمام، لا يميزه العقل إلا إذا أوصلته إليه الأذنان.. وهكذا. فليس العقل وحده ولا الحواس التي تعينه وحدها، وليس ما وراء ذلك ولا أمامه، بموصل إلى حقيقة واقعة إلا إذا كانت هناك بصيرة نافذة، لا يمنحها إلا علام الغيوب وحده، المستغني عن كل شيء بعلمه وحده فهو العليم بعلم حقا وصدقا.