الوقفة الأولى
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة .... رجل بألف
يقول الشاعر :
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا إلى المجد حتى عد ألف بواحد
ولقد صدق ، فهناك من الرجال الذين يأتون إلى هذا العالم ويؤدون دورهم على أكمل وجه ، وقد يفعلون منفردين بسبب همتهم العالية وإيمانهم العميق بمبادئهم ما يعجز عن فعله جماعات من الناس .
فترى في ذاته شخصاً واحداً، ولكنه يعد بألف، طبعاً إنهم قلة، بل من النوادر ، ولكنهم موجودون .
وقد يأتي على رأس هؤلاء الرجال العلماء ، ولهذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( لموت قبيلة أهون عندي من موت عالم ) ، وذلك لأن هذا العالم العامل قد يفعل بمفرده ما تعجز عنه قبيلة بأكملها .
وهناك أيضاً من هم على عكس هؤلاء، تفتح عينك لترى ألفا منهم ، ولكنهم بلا فائدة ولا تأثير ، ولا دور لهم في هذه الحياة ، يصدق فيهم قول الشاعر :
إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا
وأما الشيخ عبدالفتاح أبو غدة فقد كان من الصنف الأول .
التربية في الصغر
ولد الشيخ عبدالفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبوغدة في مدينة حلب بسوريا ، في 17 رجب سنة 1336هِ ، الموافق 1917م ، في بيت ستر ودين.
اهتم به والده كثيراً ، وحرص على أن ينشأ ولده على حب كتاب الله تعالى، وعلى التقوى ومجالسة أهل العلم والصلاح ، حتى عرف عنه وهو صغير بحسن السمت وجودة القراءة ( بخلاف الطريقة التي ينشأ عليها للأسف كثير من أبنائنا ) .
يقول الشيخ عبدالفتاح عن نفسه : [[ كنت لحسن قراءتي وسدادها الفطري يدعوني كبار أهل الحي ووجهاؤه إلى سهراتهم الأسبوعية الدورية لأقرأ لهم تاريخ فتوح الشام المنسوب للواقدي ، وغيره من الكتب التي كان الناس يسمرون قراءتها ، فحظيت بصحبة الكبار الوجهاء والنخبة العقلاء الفضلاء وأنا في سن العاشرة ]].
وطبعاً هكذا يتخرج الأئمة البارعون ، وهذه الدروس التي علينا أن نستفيدها من سير هؤلاء العباقرة عندما نترجم لهم ، فلا نقرأها بطريقة السرد العادية وكأننا نقرأ مجرد خبر عابر ، نمر عليها مرور الكرام دون أخذ عبرة منها ، (( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)) ، بل علينا أن نحلل ونفكر ما السر الذي كان وراءهم ؟ وكيف نربي أولادنا لكي يصلوا إلى ما وصل إليه أولئك الأفذاذ .
الحياكة
يقول الشيخ عبد الفتاح : [[ رأى جدي ووالدي بعد أن صلب عودي ، وتكاملت يفاعتي أن أتعلم حرفة أو صنعة ، وقالا لي : صنعة أو حرفة في اليد أمان من الفقر ، ولم أكن في ذلك فقيرا بيسر أسرتي والحمد لله ، ولكن أرادا أن يكون بيدي حرفة خشية تحول الأيام ، وتقلبها على الكرام ، فتعلمت حرفة الحياكة .. ]] .
وهكذا نجد في تراجم كثير من أهل العلم حرصهم على تعلم بعض الحرف اليدوية خشية تحول الأيام، وأنت ترى في ذلك عزة النفس التي يتمتع بها هؤلاء ، فهم لا يريدون أن يكونوا عالة على الناس ، ولا يريدون أن يستغلوا في المستقبل جاههم ومكانتهم لتتدفق عليهم الأموال ، بل هؤلاء يأكلون من عمل يدهم ، ولهذا يسهل عليهم قول : لا ، للظلم . لأنهم تمسكوا بالقناعة التي هي كنز لا يفنى .
رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها ممتسِِِك
فلا ذا يراني على بابِِِِه ولا ذا يراني به منهمِِِِِك
أروح وأغدو بلا درهِِِم أمر على الناس مر الملك
فما هي الحرف التي حرصنا أن يتعلمها أبناؤنا ؟ وهل يستطيعون أن يعتمدوا على أنفسهم في كسب لقمة عيشهم ؟
نعم ، هناك في مجتمعنا من الآباء من حرص على ذلك ، ولكن هؤلاء للأسف قلة ، وإلا لكنا الآن نعد من الدول الصناعية المصدرة ، ولكننا للأسف نعتبر من الدول (المستهلكة) ، ومن المعلوم أن المستهلك ضعيف ، دائما ينظر إلى غيره من المحسنين ... والسبب الأول وراء ذلك هو نحن، وطريقة تربيتنا لأجيالنا، فإذا كان أحد يلام فإنه (نحن) وليست (أمريكا) التي لسان حالها يقول (( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم )).
وإذا أردنا أن نحلل أسباب الضعف الاقتصادي وتخلف ركبنا فلندرسها بهذه الطريقة بنظرة عميقة ، فوالله لو أننا ربينا أبناءنا على معالي الأمور ومكارم الأخلاق لكنا الآن في القمة .
فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
التدريس ...
تخرج الشيخ عبدالفتاح أبو غدة من كلية الشريعة بجامعة الأزهر سنة 1368 هِ 1948 م ، ثم تخصص في أصول التدريس ودرس التربية وعلم النفس ، ثم رجع إلى بلده حلب سنة 1951 م ، وبدأ عمله مدرسا للتربية الإسلامية في ثانويات حلب ، ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة بجامعة دمشق ، إضافة إلى دروسه وخطبه في المساجد التي كان يحرص على حضورها الآلاف ، بل كان يحضرها غير المسلمين !!
وفي عام 1385 هِ 1968 م طلبه مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ من أجل التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وفي المعهد العالي للقضاء ، وبقي فيها حتى سنة 1991 م ، انتدب خلالها إلى عدة جامعات إسلامية في السودان واليمن والهند وباكستان وغيرها .
كما عين عضوا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ممثلا علماء سورية خلفا لفضيلة الشيخ حسن حبنكة رحمه الله تعالى .
وقد عاش الشيخ عبدالفتاح حياة حافلة بالعطاء ، ولكنها لم تخل من الأذى، وهكذا تجد حياة الدعاة والمصلحين لا تخلو عن عدو يقف في طريقهم ويحاول أن يتصدى لهم ويمنعهم من الوصول إلى بغيتهم ، أو ابتلاءات تظهر من خلالها قوة بأسهم ، وتكشف عن عز جوهرهم ، وذلك لأن هؤلاء الدعاة المصلحين والعلماء المخلصين هم أشد الناس بلاء بعد الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .
فمن أراد أن يسلك دربهم ، وينتهج منهجهم فعليه أن يستعد لتحمل الشدائد والأذى ، فبذلك جرت السنة الإلهية كما قال تعالى : (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون )) ، وقال : (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا )) .
فإذا كان هذا شأن الرسل وهم أحب الخلق إلى الله وأكرمهم فكيف شأن من هو دونهم من الذين يريدون السير على منهجهم .
وراء كل شخصية عظيمة مربٍ عظيم
عاش الشيخ عبدالفتاح حياة حافلة بالعطاء ، ولا شك أن رجلا مثله لم ينشأ من فراغ ، بل كانت هناك عوامل كثيرة أثرت في شخصيته ، وهكذا كل إنسان هناك عوامل كثيرة لها دور في بناء شخصيته وفكره ومنهجه ... وقد يأتي على رأس هذه العوامل والمؤثرات الدور الكبير الذي يؤديه الشيخ أو الأستاذ الذي يحتك به الفرد أو يتأثر به ويتخذه قدوة لنفسه .
وأحياناً قد تكون كلمة واحدة من أشخاص نعتبرهم قدوة لنا لها تأثير عميق في نفوسنا تغير منهجنا في الحياة و تجعلنا نسلك دربا معينا نختاره في طرق هذه الحياة الوعرة .
وإذا كان البعض يقول ( وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة ) فإننا نقول: ( وراء كل شخصية عظيمة مرب عظيم ) .
وكذلك كان الشيخ عبدالفتاح أبوغدة التقى بمربين عظماء استفاد منهم وتأثر بهم ، أولهم هو والده محمد بن بشير بن حسن الحلبي الذي يقول عنه الشيخ عبدالفتاح : [[ كان أبي كثير تلاوة القرآن، والمحافظة على قراءته في المصحف ، لم يكن بعالم ، ولكنه يحب العلماء، ويتقصد حضور مجالسهم ودروسهم، والاقتباس من علمهم وإرشادهم، فكان من المتمسكين بحب الدين ، والراغبين في طاعة الله تعالى في مختلف الشؤون ]] ، فمثل هذا الأب المؤمن الصالح ، الصادق المخلص ، المحب للعلم والعلماء لا شك أن أبناءه سيتأثرون به ، لأن الأبوين هما القدوة الأولى في حياة الطفل.
نعم ، قد تتدخل عوامل أخرى خارجة عن دائرة الأسرة مؤثرة في حياة الأبناء ، وربما تكون تأثيرها أكبر من تأثير الأب والأم , وقد يكون ذلك نتيجة إهمال الأب والأم تربية الأبناء ، والأخطر أن يتخذ الابن من أبويه قدوة سلبية .
ويحضرني قول الشاعر :
إذا كان رب البيت للدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
تعلم الشيخ عبدالفتاح من والده حب القرآن الكريم ، وحضور مجالس العلم، واحترام العلم والعلماء ، كما تعلم منه عزة النفس وضرورة الاعتماد عليها في كسب العيش ، فقد سبق وأن ذكرنا أن هذا الأب حرص على تعليم ابنه حرفة يدوية وصنعة التجارة ، كما حرص على أن يلحقه بمدرسة مناسبة ومن ثم إلى الأزهر الشريف .
البيانوني
وأما الأساتذة الذين درس عليهم واحتك بهم وتأثر واستفاد منهم فهم قرابة المائة ، ربما كان أولهم الشيخ الصالح عيسى البيانوني ، وقد تعلق به الشيخ عبدالفتاح واستفاد منه في صغره ِ إضافة إلى علمه ِ خلق الزهد والتواضع ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكره في مجمع علمي بمدينة جدة سنة 1425 هِ عندما طلب منه أن يذكر بعض شيوخه ، فذكر الشيخ البيانوني ، وقال عنه :
[[ كان شيخنا من محبي النبي صلى الله عليه وسلم حبا جما جما جما، وكان حبه للرسول صلى الله عليه وسلم يؤثر على مجالسيه ، وكان يدرسنا الأخلاق ، والأخلاق تدرس ، ولكن تدريسها غير تطعيمها ، التدريس سماع الأذن ، والتطعيم إشباع القلب ، ففرق بين الأذن والقلب .
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
فكان الشيخ رحمه الله بحاله ومقاله محببا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان سالكا السلوك الصالح التقي النقي مع الزهد والورع والتقوى والحب للخير، والصبر على طلبة العلم ، جزاه الله خيرا ]] . ا هِ
فهل أبناؤنا اجتمعوا بمثل الشيخ البيانوني ، أو قل هل أمثال هؤلاء الشيوخ يوجدون أصلا في مجتمعنا ؟ ! قد يكونون فلو ( خليت خربت ) ، ولكنهم قلة بل أقل من القليل .
وقد كنا نعدهم قليلا فقد صاروا أقل من القليل
لقد كان الملوك في السابق يحرصون على تسليم أبنائهم إلى مربين ينتقونهم من بين شيوخ البلد وصلحائها ، وقد اشتهر بعض الأئمة في السابق بمؤدب أبناء الملوك .
وهكذا نشأ رجال أمثال صلاح الدين الأيوبي ، والظاهر بيبرس ، ومحمد الفاتح ..
فهل نحن حرصنا على أن نسلم أبناءنا إلى صلحاء أفاضل ننتقيهم من أجل تربية فلذات أكبادنا ؟ أم نكتفي بالأساتذة الذين يعترضون حياة أبنائنا في المدارس أو الجمعيات أو بعض المؤسسات والمراكز .. الذين ربما كانوا هم أحوج إلى التربية والتأديب ؟!
أرى أن هذا جانب مهم جدا أهملناه في تربية الأبناء فعلينا أن نتداركه .
يغلبه البكاء
يقول الشيخ عبدالفتاح : [[ ومن مشايخي الشيخ إبراهيم السلقيني رحمه الله تعالى ، وكان شيخا من الأولياء ، من أهل الصلاح ، ومن الزهد والعلم والتقوى على مرتبة عالية ، وعاش قريبا نحوا من مائة سنة ، كان يدرسنا النحو في ( القطر ) وكان يغلبه البكاء ، فكان حاله ينفعنا أكثر من انتفاعنا بالمواعظ ]] .
ولقد صدق والله ، فهناك من الرجال من ينتفع الشخص بحالهم قبل مقالهم، وذلك لأنهم يجسدون الأخلاق الرفيعة عمليا ، فرؤية شخص زاهد متواضع قانع قد تنفع أكثر من سماع خطب ومواعظ كثيرة في الزهد والتواضع ...
فليس من رأى كمن سمع ، وهذا يدل على صدق في التعامل مع الله تعالى، وكم للأسف نرى ونشاهد أناسا كلامهم في وادٍ وأحوالهم في وادٍ آخر ، وكم من الدعاة و الخطباء والوعاظ الذين نعرفهم يتكلمون عن الصدق والإخلاص وعفة اللسان والقناعة في الحياة الفانية ، ولكنهم على خلاف ذلك تماما، فأنى ننتفع بمثل هؤلاء ؟
يا أيها الرجل المعلم غيِِره هلا لنفسك كان ذا التعليِِِِِم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيِِم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنها فأنت حكيم
وكما قال الغزالي : فاقد النور كيف يستنير به غيره ، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج !
ومن مشايخه أيضا الشيخ العلامة مؤرخ حلب ومحدثها الشيخ محمد راغب الطباخ ، واستفاد من رؤيته ومن بركته وعلمه كثيرا .
ومن مشايخه أيضا الشيخ محمد سعيد الإدلبي ، وكان هذا الشيخ سهلا هينا لينا بسيطا ، أخذ منه أبو غدة هذه الصفات ، وهكذا على أهل العلم أن يكونوا ، يقول أبوغدة فيه : [[ إنه كان مثل الجمل ، تأخذ الوليدة بعنانه ، فيمشي وراءها ، بسيط جدا جدا ، وأما في العلم فهو بحر واسع المدى والصدى ، وفضله كبير ، وتقواه كثير، وفطرته معلمة رحمه الله تعالى ]].
وطبعا أمثال هؤلاء الأفذاذ الربانيين لا يقارنون أبدا بكثير من المتمشيخين في زماننا ، فشتان بينهما ، وبين ما كانوا يخرجونه من أجيال .
لا تعرضنا لذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
وأما أكثر شيخ تأثر به أبو غدة من الناحية العلمية ، وأخذ عنه جرأته وصلابته في الحق ، فإنه الإمام الفذ العبقري الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى علامة الدنيا في عصره ، الذي يقول فيه الشيخ عبدالفتاح:
[[ قد شهد له بالإمامة البعيد والقريب ، والصديق وغير الصديق ، لأن الله آتاه علماً وحفظا وفهما وقدرة وأداء ، فكان فيه مجمع خصال فاضلة ، لا تتوفر إلا في عدد قليل من العلماء ، فكان هو مجمع الفضائل ، فلذلك كان ينتفع به علماء الهند وباكستان، والشام والمغرب والأزهر الشريف في مصر ، وكانوا ينظرون إلى هذا الشيخ أنه إمام أهل عصره ومصره رحمه الله تعالى ]] .
وأرجو أن يوفقني الله تعالى لكتابة رسالة خاصة نتجول من خلالها في حياة الشيخ الكوثري ونرى كيف يكون تقلب الزمان على أهله وتجلد العالم الرباني في مواجهة نكبات الدهر .