الوقفة الثالثة - الشيخ عبدالفتاح وحرصه على تربية الناشئة والطلبة
ومن الجوانب الأخرى التي ينبغي الوقوف عندها وتأملها في حياة الشيخ عبدالفتاح أبوغدة حرصه الشديد واهتمامه الكبير بتربية الناشئة والشباب وغرس الأخلاق والمبادئ السامية فيهم .
ولهذا أحب الشيخ وظيفة التدريس ، وهي الوظيفة التي اختارها وبرع فيها سواء في المدارس أوالجامعات ، إضافة إلى دروسه في المساجد .
وقد كان يركز على أمور معينة يراها مهمة جدا في حياة الفرد وتكوين شخصيته ، من ذلك وجود القدوة الصالحة والتي يسميها علماء التربية بِ ( النمذجة ) .
وهذا الذي جعل الشيخ عبدالفتاح يؤلف كتابه الرائع الممتع ( صفحات من صبر العلماء ) وهو أروع ما كتب في بابه وقد جمعه في عشرين سنة ، وكذلك كتابه ( العلماء العزاب) ، بل وفي كثير من رسائلة وتحقيقاته نراه يسهب في تراجم بعض الأفراد بأسلوب تحليلي دقيق ونظرة فاحصة ، وذلك للاستفادة منهم والسير على منوالهم .
فيقول في مقدمة تحقيقه كتاب ( رسالة المسترشدين ) :
[[ وقد جبلت القلوب على حب تقليد الصالحين والسير على منوالهم ، وعلى الرغبة في التأسي بهم والاقتداء بأفعالهم ، فلذا تراني أوردت في تعليقاتي من أقوال ووقائع العلماء والصالحين ، والعابدين والمجاهدين ، والزهاد والصابرين : ما يدفع بالمؤمن الموصول بإيمانه إلى أن يتأسى بهم، ويتشبه بسيرتهم ، ويعمل بعملهم ، وأن يزداد قوة وشكيمة في دينه وجهاده وصبره وبلائه ، وأن يكون خير خلف لخير سلف ، وكما قيل :
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ومجالسة الصالحين ، أو سماع أخبارهم ، أو قراءة وقائعهم وسيرهم ، من أهم مقاصد الحياة عند العقلاء الصلحاء ، فما تحبب الدنيا للعاقل إلا لتكميل صفاته ، وتكثير حسناته ، وتزوده منها لآخرته ..
وقد حرصت أن تتضمن تلك الوقائع والشواهد والأخبار ، كثيرا من الأمور الهادفة التي يحتاجها شبابنا وبناتنا في البيت والمجتمع ، من التوجيهات الغالية ، والأفكار الهادية ، والأخلاق الواعية ، لتكون لهم عونا في حضرهم ، وزادا معهم في سفرهم ، فما أحوج الطالب الشاب الأعزل الغريب ، المحارب بالمغريات من كل جانب ، مع دفع تيار المجتمع الذي يعيش فيه إلى الانسياق والانخراط في كل شيء ! ما أحوجه أن تغذى فيه العقيدة المؤمنة ، ويذكى فيه الخلق المسلم ، ويشب فيه العمل الصالح في الجو الفاسد ، ويذكر بسيرة السلف الأبرار، ليحفظ نفسه بتقدير الله تعالى بما يحيط به .
فما أشد حاجة الشاب المؤمن في غربته إلى مثل هذا الزاد الروحي السليم ، ليتغذى به كل يوم غدوة أو عشيا ، فيبقى محافظا على شخصيته المؤمنة من أن تذيبها بهرجة الحضارة الفاتنة الخلابة ، ويسلم من التردي في مساوئ أخلاق أهلها ، التي تبدو زينتها وتخفى محنتها .. ]] . انتهى
كما ركز الشيخ عبدالفتاح على تنمية الروح وتزكية النفس ونشر الأخلاق والآداب الإسلامية الرفيعة التي نسيت بسبب العصر المادي ، وكان من أروع ما أخرجه من المصنفات المختصرة في ذلك رسالته النافعة ( من أدب الإسلام ) ، وتحقيقه كتاب ( رسالة المسترشدين ) ، و ( عنوان الحكم ) ، وغير ذلك .
ويقول في تحقيقه ( رسالة المسترشدين ) : [[ من أشد ما يحتاجه الناس في هذا العصر العناية بالروح ، والفهم للدين ، والعمل به ]] .
ثم يقول في التحذير من الدنيا :
[[ مفاتن الدنيا براقة خلابة ، تجلب لك الغفلة عن عاقبتك ، وتنسيك ما أنت صائر إليه ، فالعمل على تحصيل أسباب التيقظ لازم لك لسلامتك من دار الغرور ]] .
فمثل هذه الكلمات والمعاني تجدها في أكثر رسائله ومؤلفاته ، وفي هوامش كثير من رسائله العلمية التي يحققها ، مما يدلك على مدى تركيزه و حرصه على إرشاد القراء وطلبة العلم إلى العناية بالجانب الروحي والخلقي .
الوقت هو رأس مال الإنسان .. فهل معك كتاب ؟
( قيمة الزمن عند العلماء ) .. هذا عنوان رسالة ألفها الشيخ عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى ، و كتب على غلافها :
الوقت أفضل ما عنيت بحفظه وأراه أرخص ما عليك يضيع
وقد بين فيه أهمية الوقت ، وكيف علينا أن نستفيد منه لأن كل ساعة بل كل دقيقة بل كل نفس جوهرة ثمينة لا تقدر بثمن ، فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك .
قال رحمه الله تعالى في تحقيقه ( رسالة المسترشدين ) :
[[ إذا كنت في مجلس وطال ، فشعرت بفراغه من الخير فقم عنه لسلامتك، ولا تطل جلوسك فيه ]] .
وقال معلقا على كلام المحاسبي ( وحصل الأوقات ) :
[[ أي اكتسب الأوقات ، ولا تضيعها فارغة من غير أن تملأها باستفادة أو إفادة ، وخاصة إذا كنت طالب علم ، فالوقت هو رأس مالك .
ولقد كان مؤرخ بغداد ومحدثها الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه . كسبا للوقت في أثناء المشي ]]. ثم أورد قصصا أخرى في حرص أهل العلم على الأوقات ثم قال :
[[ وسامحني أيها القارئ فقد أطلت عليك في هذه التعليقة ، ولكن أرجو أن ينفعك الله بها لتعرف قيمة الوقت ، فإنه أرخص ما يكون عند الجهال ، وأغلى ما يكون عند العلماء والعقلاء ، فهو قوام علمهم وعماد حياتهم ]] .
وكان أبوغدة هو خير مثال يقتدى به في تنظيم الوقت والاستفادة منه ، فمن يقرأ ترجمته يستغرب كيف استطاع شخص واحد مثله أن يوفق بين أعماله الكثيرة من الدعوة إلى الله تعالى ، وتوليه التدريس ، والخطابة ، ورقابة الإخوان ، إضافة إلى رحلاته الكثيرة إلى الهند وباكستان ودول الخليج والشام ومصر و المغرب والدول الغربية مع كثرة قراءته ، وتخريجه هذا الكم من الرسائل والمؤلفات المفيدة مع التحقيق المتقن الذي عرف عنه ، مع حرصه الشديد على الإكثار من العبادة والذكر .
فهذه البركة في الوقت لا يوفق إليها إلا قلة من الرجال ، وقد كان رحمه الله تعالى منهم .
يقول عنه ابنه سليمان :
[[ وكان خدناً للقرآن ، له ورد صباحي يومي ، لا يدعه إلا مضطرا ، مع إكثاره من الأذكار والأوراد ، فلا تجده جالسا بدون عمل علمي من تأليف أو تحقيق أو تعليم أو مذاكرة أو إفتاء ، إلا وجدته يسبح ويحمدل ويهلل ويكبر ]].
ثم قال عنه : [[ وكان قليل النوم ، يستكثر ساعات نومه مع قلتها ، وكان في شبابه يواصل اليوم واليومين ، كما ذكر لي عدة مرات ...
فهو حريص على وقته أشد من حرصه على ماله ]].
وحدثني بعض طلبة الشيخ الذين كانوا برفقته في بعض أسفاره أنه حتى عند نومه لم يكن يفارق الكتاب ، فكان عندما يذهب إلى فراشه يأخذ الكتاب ويقرأ فيه إلى أن يغلبه النوم.
وكثيرا ما كان يراه طلابه وقد أخذه النوم وهو جالس على الكرسي والكتاب مفتوح أمامه !!
ويقول تلميذه الشيخ مجاهد شعبان رحمه الله :
[[ كان الشيخ لا يفارقه الكتاب في حضر ولا سفر ، حتى وإن كنا في السيارة داخل شوارع البلدة ، فكان يسألني قبل أن يخرج من البيت : هل معك كتاب ؟ وما هو ؟ حتى أثناء السفر يطلب مني أن أقرأ داخل السيارة ، وأثناء توقفنا ، حتى في المطعم والناس من حولنا ...
نزلنا لنتناول طعام الغداء في أحد مطاعم منطقة القساطل ، وما إن جلسنا حتى التفت الشيخ قائلا: أين الكتاب ؟ قلت : حتى هاهنا يا مولاي ؟ قال : ما المانع .
وكان معنا جملة من الكتب منها كتاب ( الكامل للمبرد ) فأحضرته من السيارة ، وأخذت بالقراءة ، وأخذ الشيخ بالشرح والتقرير ، والناس على سفرهم من حولنا .. ]].
طلبة اليوم و طلبة الأمس !!!
وكان رحمه الله تعالى يتأسف كثيرا لأحوال كثير ممن يدعون الانتساب إلى العلم كيف يضيعون أوقاتهم ويهدرونها هدرا ، وكم كان يقارن بين طلبة الماضي وطلبة هذا العصر ويذكر الفارق الكبير بين الفريقين ويقول: ( إننا في زمن أوتي الطلبة من الكسل والتواني أضعاف ما أوتي أجدادهم من الجد والاجتهاد ) .
وقد بين في كتابه ( صفحات من صبر العلماء ) كثيرا من هذه المفارقات ، فيقول في موضع منه :
[[ كانت تلمذة الطلبة على الشيوخ عند المتقدمين : أربعين سنة ، وعشرين سنة ، وعشر سنين ، والطالب عالم جد عالم ، ومجلس الدرس طول النهار أو أكثره أو ربعه ، لا خمسين دقيقة أو خمسا وأربعين دقيقة ! فغدا أولئك الطلبة أئمة بملازمة الأئمة .
أما اليوم فالدراسة أشهر محدودة ، ودقائق معدودة ، ومن الصحف والكراسات الصماء ، يتلقون منها دون مناقشة أو فهم أو هضم ، والحضور بين يدي العلماء مفقود ، والدعاوي عريضة ، والألقاب أعرض! والعلم يشتكي إلى الله تعالى من أكثر هؤلاء المنتسبين إليه المتاجرين به]].
وقال في نفس الكتاب صِ 375 :
[[ شهدنا في هذه الصفحات المفارقة الكبيرة بين حالنا اليوم وحال طلاب العلم في القديم ، فقد كانوا يضربون آباط الإبل ، ويقطعون الفيافي والقفار في الليالي والهواجر مشيا على الأقدام ، ويقعون في المتاعب والمهالك حتى يلقوا عالما ، أو يسمعوا محدثا أو يأخذوا عن فقيه أو يتلقوا من أديب.
كل ذلك يكون منهم وهم صامتون ، فلا تشهد منهم غرور المغرورين ، وانتفاخ المدعين ، الذين اغتروا بالشهادات والألقاب ، كالذي ابتلى به بعض الناس اليوم .
واليوم والحمد لله تيسرت السبل ، ولانت الوسائل ، ودنا القاصي والبعيد ، وطويت أبعاد الزمان والمكان ، ومع هذا اليسر كله : ونت الهمم ، وفترت العزائم ، وضعف الإنتاج ، وغاب النبوغ ، والحال في العلوم الإسلامية وأهلها إلى ما ترى .
ومع هذا كثر في الناس اليوم المدعون ، أصحاب التعالم ، الذين همهم إظهار علمهم وتعالمهم ، وتجهيل السلف ، وادعاء الاجتهاد بكثرة الشطط والشذوذ ورغوة الكلام ، ظنا منهم أن الرغوة في الكلام ، والتعالم وكثرة التجريح والتقبيح : عنوان التفوق العلمي على من تقدم ومن سيأتي ! ]] .
و قال في صِ 376 ، واصفا حال كثير من المتخرجين من الجامعات اليوم:
[[ .. وأنصف وصدق بعض المعاصرين ، إذ حكى حاله عند بدء دخوله الكلية ، وعند انتهاء دراسته فيها :
ودخلت فيها جاهلا متواضعا وخرجت منها جاهلا مغرورا
وفي رواية : وخرجت منها جاهلا دكتورا ..
ولقد ظن أولئك النفر الذين منحوا تلك الألقاب : شراء ، أو استجداء ، أو استغلالا لمنصب تسلقوه دون استحقاق ، أنهم بمجرد منحها لهم قد حصلوا العلم ، وخرجوا من الجهل ، فاللقب هو المهم ، وقد فازوا به ! ]].
وأعرف حال كثير من المحسوبين على طلبة علوم الشريعة يقضون أوقاتهم في اللهو واللعب ، وربما فاقوا غيرهم في عشق المباريات والأفلام والمسلسلات ، وخاصة أثناء سفرهم إلى خارج البلاد حيث لا رقيب ولا حسيب ، بل وربما يقضون غالب أوقاتهم بين النوم واللعب والمجمعات والسياحة .. ثم يتخرجون ويحملون شهاداتهم الشرعية !!.
ومع هذا التقصير العجيب تراهم يغترون بشهاداتهم وينتفخون ويضعون أنفسهم في مصاف أولئك الأئمة الذين احترقوا في طلب العلم وبذلوا فيه الغالي والنفيس .
فهذا حال بعض طلاب العلم الشرعي اليوم ، كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد ، وكم أتألم حقيقة عندما أرى مثل هؤلاء يحتلون المناصب الشرعية فمنهم من يعظ ، ومنهم من يخطب ، ومنهم من يؤم الناس ، ومنهم من يدرس ، ومنهم من يقضي ويفتي ، ومنهم من يظهر عندنا على شاشات الإذاعة ، وقد يعتبره العوام من علماء العصر وهو خاو لا بضاعة له في العلم بل كل فنه أن يستعد قبل المقابلة والتصوير بشهر أو أكثر أو أقل ويحفظ ما يريد أن يقوله بعبارات رنانة ، وإشارات متصنعة يغتر بها المشاهد المسكين .
وقد رأيت مرة استعداد بعض هؤلاء المتعالمين وهو يجمع بعض العبارات من هنا وهناك من ( مواقع الانترنت ) ، لأنه سيكون عنده لقاء بعد شهر على الهواء مباشرة في قناة من القنوات وهو لا يعرف أبسط قواعد الإعراب فكان يسأل من بجانبه : هل الاسم بعد ( كان ) يكون منصوبا أو مرفوعا ؟!
وحال بعضهم حقيقة يصدق فيها قول القائل :
رأيت جرذا يخطب اليوم عن النظافة
وينذر الأوساخ بالعقاب
وحوله .. يصفق الذباب !!!
وإذا كان هذا حال كثير من المحسوبين على طلبة العلم الشرعي ، فكيف حال غيرهم ، فالله المستعان .
والأغرب أن أمثال هؤلاء هم الذين يبرزون عادة ، ويحتلون المناصب الحساسة غالبا ، بسبب ما يتمتعون به من نفوذ و ( واسطات ) اكتسبوها بسبب سياستهم في التعامل وتنازلهم عن مبادئهم في سبيل مصالحهم !!