الوقفة الخامسة - الشيخ عبدالفتاح كلما ازداد علما زاد تواضعا
قالوا : العلم ثلاثة أشبار ، من دخل في الشبر الأول اغتر وتكبر ، ومن دخل الشبر الثاني علم أنه لا يعلم شيئا فتواضع ، وأما الشبر الثالث فلن يبلغه أحد.
ومما ينسب إلى الإمام الشافعي في هذا المعنى :
كلما أدبني الدهِِِِر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علما زادني علما بجهلي
والشيخ عبدالفتاح أبو غدة كلما ازداد علما زاد تواضعا ، وهي الصفة التي اشتهر بها عند القاصي والداني ، وأكدها كل من ترجم له وكتب عنه ، وهذا ما نلاحظه في كثير من كتاباته ، ومن مظاهر ذلك أنه في كتاباته وتحقيقاته وتعليقاته ابتعد قدر الإمكان عن ضمير المتكلم ، فلا تراه يشير إلى نفسه في تعليقه بِكلمة ( أقول ) أو ( قلت ) أو ( أنا ) وما شابهها ، وذلك لأنه لم يكن يرى لنفسه مقاما يستحق أن يشار إليه ، وبدلا من ذلك يقول ( قال عبدالفتاح ) هكذا يذكر اسمه ، وقد رأيته في موضع واحد فقط من تعليقاته استخدم كلمة ( نحن ) ، فقال بعد أن تكلم عن أثر الذنوب في حياة الإنسان وأطال في ذلك :
[[ معذرة من هذه الإطالة ، فإنها في السعي من النجاة من أكبر داء : الذنوب ، ( ونحن ) الضعاف نذنب كثيرا ، ونعصي كثيرا ، فنحتاج إلى أن نشحن بالموعظة شحنا ، لعلنا نكف عن الذنوب ، ونتوب إلى علام الغيوب]] .
وكان في كثير من المواضع ينبه طلبة العلم أن عليهم بالتواضع ، وترك التكبر ، وعدم الاغترار بالنفس ، ومن ذلك قوله في كتابه ( صفحات من صبر العلماء / 386 ) :
[[ إذا صادف أنك ألفت كتابا أو كتبت بحثا أو حققت مسألة فلا تظنن بنفسك أنك بدء تاريخها وأبو عذرتها ونابط وجودها ، فهذا الذي من الله عليك به ِ إن كان كما رأيته صوابا سديدا ِ : قد استندت فيه إلى جهود الأولين وإلى نبوغهم وتفانيهم في العلم ، جمعا وتنسيقا، وضبطا وتحقيقا ، فلولاهم ما كنت شيئا ما ، وهم بعلمهم وفضلهم وصبرهم وآثارهم راشوا جناحيك ، وبصروا عينينك ، وفتحوا أذنيك ، وسددوا عقلك وفهمك ، فأنت حسنة من حسناتهم ، شعرت أو لم تشعر ...
فحذار أن تتعالى على المتقدمين والسابقين فيما تكتب ناسخا ماسخا مختلسا مؤلفا ، وترى نفسك أنك أتيت بشئ فات الأوائل ولم تستطعه الأواخر ، فلا تنزل ( نا ) و ( نحن ) من لسانك وقلمك وذهنك ، فتصاب بمرض نون الجماعة ، كما هي حال من ترى من زعانف الفارغين ، وطحالب التافهين المتعالمين ! ]].
ولقد صدق ، فما أكثر الزعانف الفارغين والطحالب التافهين المتعالمين المغترين بأنفسهم في كثير من مجتمعاتنا ، يكلمونك كما يكلم السيد عبده ، وكأنهم يقولون لك : اعرف من أنا ، ومن أكون ... أصابهم داء إبليس ، وعدوى ( أنا خير منه ) .. فلا أدب ولا احترام ، والأغرب أن يكون كذلك من ينتسب إلى العلم وأهله ممن له حظوة أو منصب ، ممن ينبغي أن يقال له :
قلت للمغرور لمِِِا قال مثلي لا يراجع
يا قريب العهد بالمخِ ِِرج لم لا تتواضع
الشيخ عبدالفتاح محققا ومحبا للكتب
وأما أهم الجوانب العلمية التي نراها في الشيخ عبدالفتاح أبوغدة فهو تحقيقه للرسائل والكتب ومنهجه في ذلك ، والذي فاق فيه غيره ، ولا نعلم من أهل عصره من ينافسه في طريقة تحقيقه وتعليقه على الكتب التي يقوم بإخراجها ، فهو محقق العصر بلا نزاع .
ومن الأسباب التي كانت وراء نبوغه في التحقيق أنه كان ينظر إلى الكتاب نظرة مختلفة ، فالكتاب شيء نفيس جدا ، فهو جهد الكاتب وخلاصة فكره وسهره وتعبه ، ولذا يجب أن يخدم خدمة بالغة ، وطبعا ليس كل كتاب يستحق هذه الخدمة ، بل كم من الكتب التي هي فقط خسارة للحبر والورق وحقها التلف والحرق .
يقول الشيخ عبدالفتاح في كتابه ( صفحات من صبر العلماء ) :
[[ والكتب من حياة العالم تحل منه محل الروح من الجسد ، والعافية من البدن ]] ثم قال : [[ وهي مع هذه المنزلة العالية والحب الشديد في قلب العالم تكون عند بعض الزوجات أنكى من الضرة ، وآلم من الصداع الدائم للرأس ]] .
وقال بعد ذلك مبينا لذة العالم واستئناسه بالكتب :
[[ العالم النابه العاقل الصادق مع العلم والتحصيل وإبلاغ الأمانة إلى من بعده يأنس بالكتب ، ويستوحش من الناس ، وما يعدل بلذة الجلوس مع الكتاب شيئا ، ويرى الازدياد من العلم والمعرفة حقا عليه لله تعالى وللناس وللدين ولمتعة عقله وقلبه .
ومن المؤسف أن كثيرا من المنتمين إلى قبيل العلماء اليوم ، إذا أحرز الواحد منهم شهادة أو أدرك منصبا أو نال وجاهة قل إقباله على العلم والازدياد منه ! وتراه يكبر في منصبه ، ويصغر ويضمر منه العلم حتى يكاد يضمحل ، وتراه يسعى إلى لقاء الناس ، ولا يبالي أن يقضي معهم الساعة والساعتين والثلاث في محادثات خاوية ، وأحاديث بالية ، ويصبح همه الارتقاء في الرتب والرواتب والزعامة لا في تنمية العلم وتوثيقه وتفتيحه وتعميقه فإنا لله ]] .
والكتب ليست للزينة ، وإنما للقراءة والاستفادة ، وقد أجاد الشيخ في ذلك ، فكان الكتاب رفيق دربه في حضره وسفره ، وحتى عند نومه وأكله ترى الكتب بالقرب منه ، وهكذا كانت كتاباته وتأليفاته وتحقيقاته ، وكأنه خلق للقراءة والكتابة والتحقيق ، وكثيرا ما كان يعلق على كتبه ويضيف بعض الفوائد .
يقول ابنه سليمان :
[[ وكان جلدا على العلم قراءة ومطالعة وتأليفا ، لا يغادره القلم والقمطر في حله وسفره وصحته ومرضه ، وقد ألف وأنهى بعض كتبه في أسفاره الكثيرة كما دون في مقدمات بعض كتبه ، وقبل دخوله المستشفى بيوم كان ِ وهو يعارك الآلام ِ يضيف في كتابه الماتع ( الرسول المعلم وأساليبه في التعليم ) كما كان يكثر السؤال وهو في المستشفى عن ( لسان الميزان ) كما أنه كتب مقدمة ( لسان الميزان ) قبل عشرين يوما من وفاته !! ]] .
فالكتب كانت من أغلى الأشياء في حياة الشيخ عبدالفتاح ، وكان حريصا جدا على اقتناء الكتب التي يراها قيمة ونادرة ، ليس من أجل تكديسها ، بل من أجل العناية بها والسهر عليها وخدمتها وتحقيقها ثم إخراجها إلى القراء ، وكم سافر إلى المشرق والمغرب من أجل الحصول على كتاب ربما بحث عنه سنين طويلة إلى أن حصله .
ولنتأمل بعض كلامه لنعرف شغفه بالكتاب ، فيقول في كتابه ( صفحات من صبر العلماء ، صِ 278 ) :
[[ قال العبد الضعيف مؤلف هذه ( الصفحات ) : كنت في أيام الطلب والتحصيل مملقا كأكثر طلبة العلم ، وكنت أشتري من الكتب ما أستطيع شراءه بالاقتطاع من نفقتي الضيقة بالنقد الحاضر أو بالدين الآجل إذا أمكن.
وعرضت لي يوما بعض كتب نادرة تهمني جدا ، ورغبت في اقتنائها ، ولكني كنت في إملاق شديد، فلا سبيل إلى شرائها ، وقلق قلبي وخاطري من جراء ذلك ، فبعت ( شالتي ) التي ورثتها من أبي رحمه الله تعالى في ( سوق الحراج ) ، واشتريت تلك الكتب ، وأرحت قلبي وخاطري ، وفرحت باقتنائها ووصولي إليها فرحا عظيما أنساني فقد الشالة والحمد لله.
وكنت في بعض الأحيان أنذر لله تعالى صلاة كذا وكذا ركعة ، إذا حصلت على الكتاب الفلاني ، ووقعت لي واقعة في شأن الحصول على كتاب ، أسجلها هنا استطرادا لطرافتها :
لما كنت في القاهرة أيام دراستي في كلية الشريعة بالجامع الأزهر ، أوصاني شيخنا العلامة الإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى ، خلال ملازمتي له باقتناء كتاب ( فتح باب العناية بشرح النقاية ) للعلامة الشيخ علي القاري .... وقد مكثت في القاهرة ست سنوات حتى إنهاء دراستي أسأل عنه ، وأنشده في كل مكتبة أقدر وجوده فيها ، فلم أظفر منه بخبر ولا أثر ..... ]] .
ثم يذكر أنه رجع إلى الشام والكتبية فيها وظل يبحث عنه في كل مكتبة وكل بلدة ، حتى سافر إلى مكة المكرمة للحج ، وهناك أخذ يسأل عنه أيضا ، حتى دلوه على شخص بخاري عنده هذا الكتاب ، ولكن لا يعلم مكانه ومستقره .. قال الشيخ :
[[ فصرت في أثناء طوافي حول الكعبة المعظمة زادها تشريفا وتعظيما أطلب من الله تعالى أن يرشدني إلى ذلك الإنسان ، وييسر لي اقتناء هذا الكتاب ، وصرت أكرر هذا الدعاء والطلب مرات تلو مرات ، ومضى أسبوع وأنا في تشتت بال من حال البحث عن الكتاب وصاحبه ... ]].
ثم يذكر كيفية العثور على منزل هذا البخاري ولقائه وشراء الكتاب منه : [[ فذهبت إليه مرة بعد مرة ليلا ونهارا ، حتى لقيته ، فتنازل لي عن الكتاب بالثمن الذي اختار وأحب ، فكانت عندي فرحة من فرحات العمر]].
وهذا الكتاب تراه الآن موجودا في المكتبات في أحسن حلة بتحقيق الشيخ عبدالفتاح ، وقد بذل فيه ما بذل ، فجزاه الله خيرا عن العلم وأهله.
ومن الكتب التي كان يبحث عنها طويلا حتى وجدها وحققها وأخرجها للناس ، كتاب ( التصريح بما تواتر في نزول المسيح ) ، للمحدث الكبير الشيخ محمد أنور شاه الكشميري الهندي ) ، حيث بحث عنه خمسة عشر سنة ، ويذكر قصته مع هذا الكتاب في مقدمة الكتاب ، وقد قرأه في مطار كراتشي على شيوخ تلك الديار الذين جاؤوا لتوديعه فتأخر موعد إقلاع الطائرة .. !!
فسبحان الله ، ما هذه الهمة العالية ، وما هذا النفس الطويل ، والصبر الجميل ، فهذا الكتاب الذي هو مجلد واحد والذي لو رآه الناس لزهدوا فيه، ولو خيرت أكثر الناس بين أن تقدم لهم هذا الكتاب أو زجاجة عطر لاختاروا الثاني ، فهل يستحق كل هذا العناء ؟!
طبعا إنه يستحق ، ولكن لا يعرف ذلك إلا أهله ، وإنهم قلة .
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
ولذلك كان الشيخ رحمه الله تعالى يبذل كل جهده في خدمة الكتب وتحقيقها وإخراجها ، وكان التحقيق أحب إليه من التأليف ، ويقول إن العالم الإسلامي مليء بالمخطوطات التي كتبها جهابذة العلماء ولم تخرج إلى النور بعد ، وكان يقول : ( إتمام بناء الآباء خير مائة مرة من إنشاء البناء من الأبناء ).
ثلاثة أشهر يبحث عن تصحيح كلمة واحدة !!
وكان مدققا جدا في التحقيق ، وضبط الألفاظ وتصحيحها ويعمل جهده في ذلك . فيذكر الأستاذ محمد عوامة أنه دخل على الشيخ عبدالفتاح يوما فرأى الغرفة مفروشة بالكتب ، لا يكاد يجد الرجل مكانا للجلوس فيه ، فسأل شيخه قائلا : خيرا إن شاء الله! فقال : ( مرت بي كلمة في هذا الكتاب ، ومنذ ثلاثة أشهر وأنا أتعب في الكشف عنها ، وقد انكشفت الآن والحمد لله ، ولذلك جئت بالكتب إلى هنا واحدا بعد واحد ، وكشفت فيها كلها عن موقع هذه الكلمة منها ) .
فتأمل أخي إلى هذا النفس الطويل ، والصبر العجيب من أجل تصحيح كلمة واحدة في كتاب ، فسبحان واهب الهمم .