الفصل الثامن عشر
من وصايا الأمراء للأمراء
ننقل في هذا الفصل وصيتين تعتبران من أعظم وصايا الأمراء للأمراء فهما خلاصة تجربتي حياتين من أغنى وأثرى حيوات القادة العظام، صاحبا هاتين الوصيتين هما عمر بن الخطاب وهو أشهر من أن يعرف ووصيته هذه أرسلها الى سعد بن أبي وقاص، والثاني هو طاهر بن الحسين قائد المأمون في حروبه، ووصيته هذه وجهها لابنه وقد ولاه المأمون مصر والرقة وما بينهما:
(1)
رسالة عمر رضي الله عنه الى سعد بن أبي وقاص:
(الفقرة الأولى: في الأمر بطاعة الله وتقواه)
"أما بعد، فاني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فان تقوى الله افضلُ العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي، من احتراسكم من عدوكم، فان ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. وإنما ينصر المسلمون على عدوهم بمعصية عدوهم لله. ولولا ذاك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فان استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا والقوة، وان لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله تعالى يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله. وأنتم في سبيل الله. ولا تقولوا إن عدونا شر منا. فلن يسلطوا علينا. وإن أسأنا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني اسرائيل لما عملوا بمعاصي الله، كفرة المجوس "فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً". فاسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه على عدوكم. اسأل الله ذلك لنا ولكم".
(الفقرة الثانية: في الرفق بالجيش وأهل الذمة)
"وترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تسيرهم سيراً يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل الرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم، فانهم سائرون الى عدو مقيم جام الأنفس والكراع. وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة، يكون ذلك لهم راحة يجمون به أنفسهم، ويرمون أسلحتهم، وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح. فلا يدخلها من أصحابك الا من تثق به وبدينه، ولا يرزؤا أحداً من أهلها شيئاً، فان لهم حرمة وذمة. ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها. فكما صبروا لكم فوفوا لهم".
(الفقرة الثالثة: في الاستطلاع الجيد الصادق)
"ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. واذا وطئت أدنى أرض العدو، فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخفى عليك أمرهم. وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تثق به وتطمئن الى نصحه وصدقه، فان الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في بعضه، والغاش عليك، ليس عيناً لك".
(الفقرة الرابعة: في الاكثار من الطلائع بين يدي الجيش)
"وليكن منك عند دنوك أرض العدو، أن تكثر من الطلائع، وتبث السرايا بينك وبينهم فتقطع السرايا امدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم، وانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من اصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فان لقوا عدوك، كان أول من يلقاهم، أهل القوة".
(الفقرة الخامسة: في أدب القتال)
"واجعل أمر السرايا الى أهل الاجتهاد. والصبر والجلد، ولا تخص بها أحداً من خاصتك، فيضيع من رأي مؤامرتك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك، ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه يتخوف فيه عليها ضيعة ونكاية. فاذا عاينت العدو فاضمم اليك أقاصيك وطلائعك وسراياك واجمع اليك مكيدتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفتك أهلها. فتصنع بعدوك كصنعه بك. ثم أذك أحرار حراسك على عسكرك، وتحفظ من البيات جهدك. وكل أسير أتيت به ليس له عهد، فاضرب عنقه، لترهب به عدو الله وعدوك.
والله ولي أمرك، ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان".
(2)
وصية طاهر بن الحسين لابنه عبدالله:
(الفقرة الأولى: في التذكير بالواجبات العامة والمحاسبة عليها)
"بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد، فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته عز وجل، ومزايلة سخطه وحفظ رعيته بالليل والنهار، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر اليه، وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله عز وجل وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه. فان الله سبحانه قد أحسن اليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده. وألزم العدل فيهم، والقيام بحقه وحدوده عليهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسلبهم، وادخار الراحة عليهم، (ومؤاخذك بما فرض عليك، وموقفك عليه عنه) مسائلك ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فهمك وعقلك وبصرك، ولا يشغلك عنه شاغل، وإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله عز وجل به لرشدك".
(الفقرة الثانية: في اقامة الصلاة والعدل والأحكام والاقتصاد)
"وليكن ما تلزم به نفسك وتنسب اليه فعلك، المواظبة على ما افترضه الله عز وجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك وتوقعها على سنتها في اسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، وحض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها، لأنها كما قال الله عز وجل: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ثم أتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمثابرة على خلائقه واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده. واذا ورد عليك أمر، فاستعن عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه، وبلزوم ما أنزل الله عز وجل، في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه، واتمام ما جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بما يحق لله عز وجل عليك، ولا تميلن عن العدل فيما أحببت وكرهت لقريب من الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله عز وجل والعاملين به، فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به منه الى الله عز وجل، فانه الدليل على الخير كله، والقائد اليه، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبه مع توفيق الله عز وجل يزداد العبد معرفة به، واجلالاً له، ودرك الدرجات العلى في المعاد، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنس بك، والثقة بعدلك. وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها. فليس شيء أبين نفعاً ولا أحسن أمناً، ولا أجمع فضلاً منه. والقصد داعية الى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد الى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها، ولا تقصر في طلب الآخرة والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد، ولا غاية للاستكثار من البر والسعي له، اذا كان يطلب به وجه الله تعالى ومرضاته، ومرافقة أولياء الله في دار كرامته".
(الفقرة الثالثة: في القصد وحسن الظن والمتابعة)
"واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب وإنك لن تحوط نفسك ومرتبتك، ولا تصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به، تتم أمورك وتزدد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك وأحسن ظنك بالله عز وجل، تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة اليه، في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحداً من الناس، فيما وليته من عملك، قبل أن تكشف أمره. فان ايقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم مأثم. فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم يعنك ذلك على اصطناعهم، ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزاً، فانه إنما يكتفي بالقليل من وهنك، فيدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم، ما ينغص لذاذة عيشك".
وأعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة.
وتكفي بها ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس الى محبتك والاستقامة في الأمور كلها. ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية، والنظر في ما يقيمها ويصلحها، بل لتكن مباشرة أمور الأولياء والحياطة للرعية بالنظر في حوائجهم، وحمل مؤوناتهم، آثر عندك مما سوى ذلك، فانه أقوم للدين وأحيا للسنة.
(الفقرة الرابعة: في العقوبة والمجازاة)
وأخلص نيتك في جميع هذا. وتفرد بتقويم نفسك، تفرد من يعلم أنه مسؤول عما صنع ومجزي بما أحسن ومأخوذ بما أساء، فان الله عز وجل جعل الدين حرزاً وعزاً، ورفع من أتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقه الأهدى، وأقم حدود الله تعالى في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما يستحقونه، ولا تعطل ذلك، ولا تتهاون فيه، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فان في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك. وأعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب البدع والشبهات، يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك، واذا عاهدت عهداً فوف به واذا وعدت الخير، فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك.
(الفقرة الخامسة: في التمسك بأمهات الأخلاق)
"وأشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهل النميمة فان أول فساد أمورك في عاجلها، وآجلها، تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب لأن الكذب رأس المآثم والزور، والنميمة خاتمتها لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم لطبعه أمر. وأحبب أهل الصلاح والصدق، وأعز الأشراف بالحق وأعن الضعفاء وصل الرحم. وابتغ بذلك وجه الله تعالى، واعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة. واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، واظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأقم بالعدل سياستهم، وقم بالحق وبالمعرفة التي تنتهي بك الى سبيل الهدى. وأملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، واياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، واياك أن تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء. فان ذلك سريع فيك الى نقص الرأي وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له. وأخلص لله النية فيه واليقين به. وأعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء من عباده وينزعه ممن يشاء. ولن تجد تغيير النعمة وحلول النقمة، الى أحد أسرع منه الى جهلة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة، اذا كفروا نعم الله عز وجل واحسانه، استطالوا بما آتاهم الله عز وجل من فضله، ودع عنك شره نفسك. ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والعدل واصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدمائهم، والاغاثة لملهوفهم".
(الفقرة السادسة: في ايصال الحقوق المالية لمستحقيها)
"واعلم أن الأموال اذا كنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وإن كانت في صلاح الرعية واعطاء حقوقهم وكف الأذية عنهم، نمت وزكت، وصلحت بها العامة. وتزينت بها الولاة، وطاب بها الزمان واعتقد فيها العز والمنعة، فليكن كنز ذخائرك تفريق الأموال في عمارة الاسلام وأهله. ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم. وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد بما يصلح من أمورهم ومعاشهم، فانك اذا فعلت ذلك قرت النعمة بملكك واستوجبت المزيد من الله عز وجل، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وخراجك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك واحسانك أسكن لطاعتك. وأطيب نفساً بكل ما أردت. فاجهد نفسك. فيما حددت لك في هذا الباب. ولتعظم خشيتك فيه، فانما يبقى من المال، ما أنفق في سبيل الله وفي سبيل حقه".
(الفقرة السابعة: في القيام بشكر الله ومكافأة الشاكرين)
"وأعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه، واياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فان التهاون يورث التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك لله عز وجل وفيه، وارْجُ الثواب، فان الله سبحانه قد أسبغ عليك نعمه في الدنيا، وأظهر لديك فضله، فاعتصم بالشكر. وعليه فاعتمد، يزدك الله خيراً واحساناً، فان الله عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين".
(الفقرة الثامنة: في الحذر من أخلاق ومن أصناف من الناس)
"واقض بالحق فيما حملت من النعم وألبست من الكرامة، ولا تحقرن ذنباً، ولا تمارين حاسداً، ولا ترحمن فاجراً، ولا تصلن كفوراً، ولا تداهنن عدواً ولا تصدقن نماماً، ولا تأمنن غداراً، ولا توالين فاسقاً، ولا تتبعن غاوياً، ولا تحمدن مرائياً، ولا تحقرن انساناً، ولا تردن سائلاً فقيراً، ولا تحسنن باطلاً، ولا تلاحظن مضحكاً ولا تخلفن موعداً، ولا تزهون فخراً، ولا تظهرن غضباً، ولا تأتين بذخاً، ولا تمشين مرحاً، ولا تزكين سفيهاً. ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفعن الأيام عمايا ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا".
(الفقرة التاسعة: في الشورى والكرم)
"وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الرفه والبخل، ولا تسمعن منهم قولاً، فان ضررهم أكثر من نفعهم، وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح. واعلم أنك اذا كنت حريصاً، كنت كثير الأخذ قليل العطية. واذا كنت كذلك، لم يستقم لله أمرك إلا قليلاً، فان رعيتك إنما تعتمد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم. ووال من صفا لك من أوليائك بالأفضال عليهم وحسن العطية لهم. واجتنب الشح، واعلم أنه أول ما عصى به الانسان ربه. وأن العاصي بمنزلة الخزي قال تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 09] فسهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم في فيئك حظاً ونصيباً، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فأعده لنفسك خلقاً، وارض به عملاً ومذهباً".
(الفقرة العاشرة: في تفقد أحوال الجيش وحسن التعامل مع الجند)
"وتفقد الجند في دواوينهم وأمكنتهم وادرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معاشهم. ليذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم، فيقوى لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في طاعتك، وأمرك، خلوصاً، وانشراحاً، وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا رحمة في عدله وعطيته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به، تلق إن شاء الله به نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً".
(الفقرة الحادية عشرة: في القضاء)
"واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان ليس فوقه شيء من الأمور، لأنه ميزان الله تعالى الذي تعتدل عليه أحوال الناس في الأرض وباقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم من الظالم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة. ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على مجاريها لتنجز الحق والعدل في القضاء ليتمكن ربحك ويقر جدك. واستوف أمر الله عز وجل وتورع عن الشبهات، وامض لاقامة الحدود، وأقلل العجلة. وابعد عن الضجر والقلق، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك واسدد في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة.
ولا تأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا مجاملة، ولا لومة لائم، وتثبت وتأن، وراقب، وانظر، وتفكر، وتدبر، واعتبر، وتواضع لربك، وأرفق بجميع رعيتك، وسلط الحق على نفسك، ولا تسرعن الى سفك دم، فان الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم فاياك انتهاكاً لها بغير حقها".
(الفقرة الثانية عشرة: في الخراج والضرائب وحسن توزيع بيت المال)
"وانظر حق الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للاسلام عزاً ورفعة، ولأهله توسعة ومنعة، ولعدوه وعدوهم كبتاً وغيظاً، ولأهل الكفر من بغاتهم ومعاديهم ذلاً وصغاراً، فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا عن أحد من خاصتك ولا حاشيتك. ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلفن أمراً فيه شطط. واحمل الناس كلهم على أمن من الخوف، فان ذلك أجمع لألفتهم، والزم الرضى العامة. وأعلم أنك جعلت بولايتك خازناً وحافظاً وراعياً، وإنما سمي أهل عملك ورعيتك، لأنك راعيهم وقيمهم، فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم، ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم. واستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف. ووسع عليهم في الرزق، فان ذلك من الحقوق اللازمة لك في ما تقلدت وأسند اليك. ولا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف فانك متى آثرت وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتنك، وأعنت على الصلاح، فدرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، وكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتياض جندك.
أرض العامة بافاضة العطاء فيهم من نفسك وكن محمود السياسة، ومرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكن في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة. فنافس في هذا، ولا تقدم عليه شيئاً تحمد مغبة أمرك إن شاء الله تعالى".
(الفقرة الثالثة عشرة: في المراقبة والمحاسبة والحزم)
"واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك بخبر عملك، ويكتب اليك بسيرهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله معايناص لأموره كلها، وإن أردت أن تأمرهم بأمر، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع، فأمضه والا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به ثم خذ فيه عدته، فانه ربما نظر الرجل في أمر من أموره، وقد أتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك وأعجبه، فان لم ينظر في عواقبه، أهلكه، ونغص عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله عز وجل بالقوة".
(الفقرة الرابعة عشرة: في عدم تأخير عمل اليوم الى غد)
"وأكثر من استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك، فان لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. واعلم أن اليوم اذا مضى، ذهب بما فيه، فاذا أخرت عمله، اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك، حتى تمرض منه، واذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت بدنك ونفسك، وأحكمت أمور سلطانك".
(الفقرة الخامسة عشرة: الوصاة بأصناف من الناس)
"وانظر احرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهرة مودتهم لك. ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك فاستخلصهم وأحسن اليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، واحتمل مؤونتهم، وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا، وافرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة اليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أحفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم اليك لتنظر فيها، بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم واراملهم، واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، يرزقك به بركة وزيادة".
(الفقرة السادسة عشرة: في الوصاة بالعميان والمرضى)
"وأجر للأضراء من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دوراً تؤويهم، وقوماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم واسعفهم بشهواتهم، ما لم يؤد ذلك الى سرف في بيت المال".
(الفقرة السابعة عشرة: في الصبر على مطالب الناس)
"واعلم أن الناس اذا اعطوا حقوقهم، وأفضل امانيهم، لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفاسهم دون رفع حوائجهم الى ولاتهم طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق بهم. وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذكره وذهنه وفكره منها ما يناله به مؤونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذي يستقل ما يقربه من الله تعالى، ويلتمس به رحمته".
(الفقرة الثامنة عشرة: في الظهور للناس ومقابلتهم)
"وأكثر الأذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم حواسك وأخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولين لهم النطق في المسألة والتصريح والنظر. وأعطف عليهم بجودك وفضلك، واذا أعطيت فأعط بسماحة، وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر من غير مكدر ولا منان للصنيعة فان العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى".
(الفقرة التاسعة عشرة: عود الى الوعظ)
"واعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله سبحانه وتعالى، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، واقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه، ودعا الى سخط الله عز وجل".
(الفقرة العشرون: في كيفية التعامل مع الولاة)
"وأعرف ما يجمع عمالك من الأموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراماً، ولا تنفق اسرافاً، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن واقامتها، وايثار مكارم الأخلاق ومعاليها، وليكن أكرم دخلائك عليك وخاصتك اليك من اذا رأى عيباً فيك، فلا تمنعه هيبتك من انهاء ذلك اليك في ستر واعلامك بما فيه من النقص. فان أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك.
وأنظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامراته، وما عنده من حوائج عمالك، وأمور كورك، ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك. وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله عز وجل فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه الى التثبت فيه، والمسألة عنه".