رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلي يوم الدين، وبعد!!
فإن اللحظات الحاسمة في تاريخ الأمم والشعوب تبقى عادةً مرتبطةً بقدرتها على التوحُّد في مواجهة أعدائها، كما أن المعتدي عادةً ما يسعى إلى الحلقة الأضعف في سلسلة الدول والشعوب.
ولئن كانت أمتنا في مرحلة الاستضعاف، فإنها بلا شكٍّ تمتلك من عوامل القوة الكامنة ما يؤهّöلُها للمقاومة والانتصار، بشرط إحيائها واستعادتها لأسباب الصمود المتمثلة في:
- الإيمان العميق.. برب واحد، ونبي خاتم، وكتاب خالد تهتدي به منهاجًا، وصلوات خمس تتجه لقبلة واحدة.
- الفهم الدقيق.. لمكونات دين يُعلي قيمة الإنسانية، ويحفظ للإنسان كل مكونات حياته وخصوصية آدميته.
- الحب الوثيق.. الذي يستهدف رöضَا ربّö الأرباب جلَّ في علاهº حيث يذوب كلُّ خلاف في الرأي، أو تبايُن بين المذاهب.
ومن هذه الأسس تنطلق رسالتنا هذه إلى المرابطين في العراق، الصامدين في بلاد الرافدين، الرافعين رايةَ الجهاد في مواجهة محتلٍّ لم يحمل إلى بلادنا إلا كلَّ بلاءٍ وفرقةٍ ووبالٍ.. إليهم جميعًا بكلّö ألوانö طيفöهم السياسي والمذهبي والعرقي، نخاطب عقولَهم الحية، وقلوبَهم التي تنبض بالوحدانية لله الواحد القهار، نضع أمام ناظريهم صورة واقعهم الدامية، التي ترسم ملامحُها أشلاءً تُعيد صياغة خارطة العراقº لتصبغَها بلون دم بشري قانٍ بريء، ومداد جديد حوَّل صفاء دجلة والفرات إلى أنهار دماء لا يستمتع بمطالعتها إلا المحتلّ الذي يُدمن مذاق الدم ورائحته وصورته!! ومن ثمَّ تعلو أصواتُ الضحايا تخاطب الجميع:
- من الرابح في هذا السباق الدامي؟!
- ولمصلحة مَن تصعد أرواح الشيوخ والنساء والرجال والشباب والأطفال، إلى بارئها شاكية {بöأَيّö ذَنْبٍ قُتöلَتْ} (الشمس: 9)؟!
- وكم من المكاسب يتحقق لمحتل يطالع مآذن المساجد تندكُّ فوق رؤس الركَّع السجود بأيدٍ مسلمة؟!
- وأي هناءٍ لمحتلٍّ يرى رصاصات تخترق صدور أهل العراق لا جنود الاحتلال، وقنابل تدكُّ بيوت الآمنين بدلاً من خنادق المعتدين، وشراكًا تُنصب في أسواق الأبرياء لا في حصون الأعداء؟!
إنها تساؤلات مشروعة، تطرح نفسها على واقع مرير، لا يحكمه عقل ولا يسيطر عليه منطق، ويتحمل مسؤليته ويخسر من جرائه الجميع بلا استثناء.
فيا علماء العراق..
إلى السيد طارق الهاشمي والشيخ حارث الضاري والشيخ عدنان الدليمي، وإلى آية الله السيستاني والمرجع الشيعي عبد العزيز الحكيم والزعيم الشابّ مقتدى الصدر، بما لَهم من مواقع الصدارة ومرجعية المشورة وحقوق السمع والطاعة التي لا يخفى على كل متابع مدى تأثيرها على شيعة العراق.. جميعكم شيعة وسنة.. مراجع وشيوخًا.. أيًّا ما كان سنُّكم وقدرُكم ومكانتُكم.. لا نستثني منكم أحدًا.
إلى جميع هؤلاء القادة والأعلام والرموز.. نقول إنكم تتحملون تبعة كل مسلم في العراق بواقع مكانتكم، من أصل قول المصطفى- صلوات الله وسلامه عليه-: "كلكم راعٍ وكلُّ راع مسئولñ عن رعيته"، فلئن كانت لكم أيها القادة الكلمة والمسئولية فاعلموا أنكم موقوفون أمام الله، مسئولون بين يديه عن الدماء التي تُراق بغير جريرة ولا ذنب.
فقفوا مع أنفسكم على عöظَم التبعة المُلقاة على عاتقكم، فإنها أمانة ثقيلة، إما أن توفوها أو تكونَ فوقكم جبالاً يوم لا ينفع مال ولا بنون {إöنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتö وَالأَرْضö وَالْجöبَالö فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمöلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مöنْهَا وَحَمَلَهَا الإöنْسَانُ إöنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب: 72)، وحسبكم وصية ربكم للمصطفى محمد- صلى الله عليه وسلم-: {يَا أَيُّهَا النَّبöيُّ اتَّقö اللَّهَ وَلا تُطöعْ الْكَافöرöينَ وَالْمُنَافöقöينَ إöنَّ اللَّهَ كَانَ عَلöيمًا حَكöيمًا* وَاتَّبöعْ مَا يُوحَى إöلَيْكَ مöنْ رَبّöكَ إöنَّ اللَّهَ كَانَ بöمَا تَعْمَلُونَ خَبöيرًا* وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهö وَكَفَى بöاللَّهö وَكöيلاً} (الأحزاب: 1- 3).
فإن وَعَيتم خطورة ما تحملون، وعöظَم ما عنه ستُسألون فاحذروا و{لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتöكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27)º فإن عدوَّكم الرابض على أرضكم لن يكون يومًا عليكم أرحمَ من بني جلدتكم، فحدّöدوا ولاءَكم- حتى لا تَفسد الأوطان وتسري الفتنة فيهلك النسل والحرث- وفق النهج الرباني الثابت {وَلا تَكُونُوا كَالَّذöينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مöنْ بَعْدö مَا جَاءَهُمُ الْبَيّöنَاتُ} (آل عمران: من الآية 105)، خاصةً أن معالم الولاء واضحة وأصولها لا تتغير.. {وَالَّذöينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلöيَاءُ بَعْضٍ إöلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فöتْنَةñ فöي الأَرْضö وَفَسَادñ كَبöيرñ} (الأنفال: 73).
فاجعلوا قول الله تعالى {تَعَالَوْا إöلَى كَلöمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} (آل عمران 64) شعارًا للحوار، واجلسوا لتحددوا أولويات المرحلة الحالية على أن يكون في مقدمتها:
- حقن دماء المسلمينº إعمالاً لقول الله {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتöي حَرَّمَ اللَّهُ إöلاَّ بöالْحَقّö ذَلöكُمْ وَصَّاكُمْ بöهö لَعَلَّكُمْ تَعْقöلُونَ} (الأنعام: من الآية 151)، ولقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
- توحيد الصف العراقي دونما التفاتٍ إلى مذهب أو عرق أو إقليم، فالأصل الحافظ للعبادة هو توحُّد الأمة {إöنَّ هَذöهö أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحöدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونö} (الأنبياء: 92) كما أنها في الوقت ذاته من الأسباب المؤدية إلى التقوى {وَإöنَّ هَذöهö أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحöدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونö} (المؤمنون: 52).
- تحرير العراق من كل معتدٍ غاشم، شيمته {لا يَرْقُبُونَ فöي مُؤْمöنٍ إöلاً وَلا ذöمَّةً وَأُوْلَئöكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ} (التوبة: 10)، وسلاحه الفساد والإفساد {وَيَسْعَوْنَ فöي الأَرْضö فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحöبُّ الْمُفْسöدöينَ} (المائدة: 64) فلا يكون سلاحهم هو فرقتكم، ولا تكون سهامهم هي بأسكم على أنفسكم، بل {قَاتöلُوهُمْ يُعَذّöبْهُمْ اللَّهُ بöأَيْدöيكُمْ وَيُخْزöهöمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهöمْ وَيَشْفö صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمöنöينَ} (التوبة: 14) وأَرُوا اللهَ من أنفسكم إخلاصًا يصله بجهادكم فيكن هو سند جهادكم، وأمن خائفكم سلام حربكم على عدوكم {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لöلْحَرْبö أَطْفَأَهَا اللَّهُ} (المائدة: من الآية 64).
ويا حكومة العراق
ألا من وقفة مع النفس لتُعيدوا ترتيب الأوراق، وتحديد الولاءات، ورسم السياساتº بحيث تتحوَّلون من نظامٍ ناقصö السيادة إلى حكومةٍ تمثّöل شعبًا تحمل همومَه، وساعتها- بلا شك- سيستحيل الواقع مغايرًا، فتنقلون أمتَكم من واقع الفرقة والتشرذم إلى وحدة وائتلاف، وتحفظون للدماء المهدَرَة بغير حقٍّ حرمتها، وتجتمعون مع شعبكم على حقيقة العدوّ، فتتوجه جهودكم صوبَ البناء لا الهدم.
واعلموا أن الشعوب لا يستطيع أحدñ خداعَها، ولا يجرؤ ديكتاتورñ على الجزم بمَواتها، ولئن كانت أمريكا اليوم بين ظهوركم تحتلُّ أوطانَكم وتدعم وجودكم.. فإن عجلة الأيام دوَّارةñ، وغدًا تستفيقون على محكمة ربانية أو إنسانية تسألكم ولن ينفعكم وقتَها محتلّñ غاصب.
ويا جيش الأمريكان المحتل..
ليلُك لن يطول، وسوف ينجلي بصبح قريب بإذن الله، صبحه حرية الإسلام، وشمسُه مجدñ ربانيّñ لا يزول، نقولها بيقينö وعدö الله الثابت {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلöبَنَّ أَنَا وَرُسُلöي إöنَّ اللَّهَ قَوöيّñ عَزöيزñ} (المجادلة: 21)، وساعتها لن يبقَى لكم إلا خزي التاريخ الذي امتلأت صفحاته بسجلاَّت مطوَّلة من تاريخٍ قبيحٍ سطَّرته دماءُ الأبرياء عبر ربوع العالم، من أندونسيا، ونيكاراجوا، وكولومبيا، وبنما، وشيلي، والفلبين.. إلى فلسطينº حيث بني صهيون بدعمكم في أرض الإسراء يرتعون، وعلى كل قرارات العالم يدوسون، وفي أفغانستان حيث تقتل كل معالم الإنسانية مع مرور كل دقيقة احتلال باسم الحرية والتحرير!!
وفي العراق.. لم يكن لوجود المحتل بكل مبرراته مغزًى، وبالتالي صارَ لزامًا على كل مؤسسات المجتمع الدولي أن تسعى إلى مطالبته بالرحيل حتى تنقذ ماء وجهها الذي أهدرته الوحشية الأمريكية بحريتها الزائفة.
فبادöرْ يا بوش بأمر قواتك بالرحيل عن العراق، حتى تتوقَّف كلُّ عمليات الإبادة الحادثة حاليًا، والتي تتحمَّل أنت ونظامُك والحكومةُ العراقيةُ الحاليةُ- التي نَمَت في أحضان مجنزراتك وطائراتك- أوزارَها، ولْتتحمَّلْ وحدَكَ نفقات حرب غاشمة كنت تأمل أن تحصد أرباحَها من نفط عراقöنا، غير أن الأيام السوداء لجنودك في العراق أثبتت أنه حلمñ بعيدُ المنال، أحالَه الواقعُ إلى كابوس.
ويا جموع المسلمين..
إن الحرب التي شهرها بوش على الإسلام، والتي ينضمُّ إلى خندقها كلَّ يوم جنديّñ شاهرñ سيفَه في مواجهة حَمَلة شهادة التوحيد.. لا تتطلَّب منا إلا توحُّدًا في مواجهتها، فدعوا الأنظمةَ تُسايس وتهادن، فسيفيقون على الحقيقة الثابتة {إöنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إöلَيْكُمْ أَيْدöيَهُمْ وَأَلْسöنَتَهُمْ بöالسُّوءö وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} (الممتحنة: 2).
فاعملوا على نشر ثقافة التوحُّد في كل الربوع، وكلّñ في مجاله، وليكن شعار المرحلة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".
ودَعْكم من كل متردّöدٍ أو متخوّöفٍ أو خانعٍº فإن ساعة الحقيقة حين تدقُّ سيستوعب الجميع الدرس {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إöنَّ الْعöزَّةَ لöلَّهö جَمöيعًا هُوَ السَّمöيعُ الْعَلöيمُ} (يونس: 65).