
رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
تمر المنطقة العربية والإسلامية الآن بظروف قاسية، وتقع فيها أحداثñ مزلزلةñ، ويعاني أهلُها من مشكلات جمَّة، يمثّöل فيها أصحابُ المشروع الصهيوني الأمريكي التحديَ الأكبرَ، والمعتديَ والباغيَ المستمرَّ على شعوب هذه المنطقة، ولا يخفَى على أحد الدورُ الإجراميُّ الذي يقوم به الصهاينةُ المدعومون بكل أنواع الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الأمريكي، فهم يُثيرون الفتنَ والدسائسَ في كل بلاد المنطقة، ويُريقون دماء الفلسطينيين صباح مساء، يمارسون في حقّöهم كلَّ صنوف التصفية والطرد والإبادة، ولا يلتزمون بعهدٍ ولا ميثاقٍ، ولا ينفّöذون اتفاقًا ولا وعدًا.. {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرöيقñ مöنْهُمْ} (البقرة: من الآية 100).
وغنيّñ عن البيان أيضًا ما تقوم به أمريكا بقوَّاتها، من تدميرٍ للعراق، ومن سفكٍ لدماء أبنائه، ومن وقيعةٍ بين طوائفه وأهلهº حتى بات القتلُ والذبحُ والاعتداءُ على الأعراض يهدّöد العراق الوطن، شعبًا ودولةً وحكومةً وطوائفَ وأجناسًا، وفي الوقت ذاته يبذل الأمريكيون المتطرّöفون في إدارة بوش كلَّ ما في وسعهم لاستكمال غزو المنطقة بالثقافة والسيطرة والسلاحº حتى عمَّت البلوى، وظهَر الفساد، برعايتهم في كل بلد حلُّوا به، كما هو الحال في أفغانستان، وفي كل قُطرٍ استهدفوه، كما في العديد من بلدان المنطقة، فهم الشرُّ بعينه، وهم بيت الداء، وأصل البلاء، ومصدر الوباء {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتöلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دöينöكُمْ إöنö اسْتَطَاعُوا} (البقرة: من الآية 217).
ورغم هذه الأجواء الملبَّدة بغيوم الكراهية والحقد الصهيوني الأمريكي هبَّت شعوبُ المنطقة لمقاومة الغازي المحتل والباغي الأثيم، ففي العراق الآن شعبñ يقاوم.. نعم هو يدفع ثمنًا باهظًا لكي يمتلك إرادتَه ويؤسّöس دولتَه، إلا أنه أوجَعَ الأمريكان في قلوبهم، وأحدَث الرعبَ والخوفَ في نفوس جنودهم، فأصبحت خسائر الغزاة بالآلاف.. {إöنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنَ اللَّهö مَا لا يَرْجُونَ} (النساء: من الآية 104).
وبسبب هذه المقاومة الباسلة والتضحيات العظيمة- مع ما في القلبö من ألمٍ وحسرةٍ نتيجةَ الاقتتال الداخلي بسبب طائفيةٍ قديمةٍ بغيضةٍ يؤجّöجها المحتل المجرم بسبب ضربات هذه المقاومة واشتداد ساعدها يومًا بعد يوم- تراجعت القواتُ الغازيةُ، وتراجعت معها مواقفُ شعوبها وحكوماتها، فها هو الكونجرس الأمريكي يضغط لمنع بوش- سفَّاح هذا العصر- من الاستمرار في غيّöه ومراجعة مواقفه وإعادة النظر في صلفه وكبره وغروره، وسيُجبَر في النهاية بفضل الله- ثم بالمقاومة الصادقة- على التراجع والفرار، وما أدلَّ على ذلك من جولاتö وزيرة خارجيته المتكررة الفاشلةº لإثارة الفتنة في المنطقة {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (القمر: 45).
وها هي الحكومة البريطانية وبضغط شعبي وبرلماني تقرّöر سحْبَ قواتها من العراق، لا حبًّا في أهل العراق ولا رأفةً بهم، وإنما هو انهزامñ وتراجعñ ومحاولةñ لوقف نزيف الخسائر لجنودهم، والله لهم بالمرصاد!!
وفي فلسطين اهتزَّت أركان الدولة الصهيونية المعتدية، واهتزَّ معها الدور الإجرامي الذي تمارسه الإدارة الأمريكية بسبب المقاومة الباسلة والتضحيات الغالية التي قدمها- وما زال يقدمها- الشعب الفلسطيني البطل من دمه ومن رجاله ونسائه وأطفاله، ولقد رأى العالم كله السياسة الجائرة الظالمة التي يمارسها أعضاء مجموعة الرباعية ضد الفلسطينيين والكيل بكل مكاييل الظلم غير المعقولة.
ومع ذلك فإن الموقف الروسي الآن بدأ في الانحياز ولو بعض الشيء إلى جانب حقّ الشعب الفلسطيني، وقد يكون ذلك مع تنامي دور الصين وإيران، ومع ثبات المقاومين الشرفاء في كافة الفصائل الفلسطينية، وصمود حكومة حماس المنتخبة.. قد يكون ذلك من عوامل حدوث بعض التوازن في النظر إلى المشكلة الفلسطينية ووضع الدولة الصهيونية، التي تحاول دائمًا أن توجöد حالةً من الاضطراب والفوضى وتؤجّöج النيران وتُشعل الفتن وتسعى الآن جاهدةً إلى إشعال حرب عالمية لا تُبقي ولا تذر {لَتَجöدَنَّ أَشَدَّ النَّاسö عَدَاوَةً لöلَّذöينَ آمَنُوا الْيَهُودَ} (المائدة: من الآية 82).
وعلى مستوى حكومات الدول في المنطقة فإن الاضطراب وعدم الثبات في المواقف ومحاولة تطبيق سياسة إمساك العصا من المنتصف قد ظهرت، وكان معها إيجاد محاور عدة حول فلسطين والعراق، وباتت هذه الحكوماتُ أقربَ إلى حالö الأيتام على موائد اللئام، وهي تجني بذلك ثمارًا مُرَّةً من الضغط والتهميش والابتزاز والتخويف من قöبَل الصهاينة والأمريكانº لأنها لم تحرص على الالتحام مع شعوبها والتصالح مع أبناء وطنها على هدف واحد، وهو تحقيق مصالح أوطانها، بل مارست ظلمًا وجورًا وعنفًا ضد هذه الشعوب من أبناء جلدتها ودافعي الضرائب فيها، فانزَوَت وتشرذَمَت وضَعُفَت وهَانَت على أعداء هذه الأوطان، فضلاً عن هوانها على نفسها، وبذلك يسهُل على جرَّافات الأعداء أن تدوسَها وذئابö الصهاينةö والأمريكانö أن تأكلَها كما فعلت بأسلافها، وما زالت الأمثلة واضحةً وماثلةً لكل ذي بصر وبصيرة.
إن هذا التراجع في مواقف الغزاة والمعتدين الصهاينة والأمريكان، وهذا الاضطراب والقلق والخوف الذي ينتاب الكثير من حكَّام المنطقة من أعدائها ومن شعوبها.. يقابله وعيñ ينمو لدى الشعوب، وحركةñ إيجابيةñ داخل الأوطان، ومقاومةñ واعيةñ لثقافة الغزو والظلم والبغي ولقوات المعتدي الآثم، وتستمر هذه المقاومة بكل أنواعها وتزداد وتقْوَى وتثبُت وتصمُد، فتراق دماء الشرفاء في مواجهة الاحتلال، ويُعتَدَى على أعراض النساء، ويُضطَّهَد الأبرياء، ويُعتقَل الرجالُ الأوفياءُ للدين والوطن، ولكن كل ذلك لا يفتُّ في عضدهم، ولا يؤثر بالسلب أبدًا على تقدُّمهم نحو أهدافهم، ولا يجرفهم أبدًا عن طريقهم ودعوتهم الخلاَّقة الواعية المتوازنة بالحكمة والموعظة الحسنة {وَلا تَهöنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ} (آل عمران139).
إن هذه الصورة الواضحة وهذه الحالة البيّöنة تُمثّöل ما صارَ إليه وضْعُ المنطقة العربية والإسلامية، فعدوانñ وبغيñ من الأعداء، وظلمñ وجَورñ من الحكَّام، ومقاومةñ وصمودñ وتضحيةñ وثباتñ وصبرñ واحتسابñ عند الله من الشعوب والأبناء، ولا تزال الصورة هكذا، وينمو فيها مؤشرُ نجاح الشعوب، ويتراجع فيها منحنى الغزو والعدوان والظلم، والله يرقب ويسمع ويرى، ولا يُضيع سبحانه أجرَ العاملين المخلصين، والمقاومين الشرفاء المضحين، وسينصر جندَه، ويُعزُّ حزبَه، ويُظهر الحق، وسيزول الباطلُ {وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمöنُونَ* بöنَصْرö اللَّهö} (الروم: 4، 5) {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطöلُ إöنَّ الْبَاطöلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء: 81) {وَلا تَهöنُوا فöي ابْتöغَاءö الْقَوْمö إöنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنَ اللَّهö مَا لا يَرْجُونَ} (النساء: من الآية 104).
فيا شعوب المنطقة.. ويا أبناء العرب والمسلمين.. عليكم بالمقاومة والوحدة، فكونوا يدًا على من سواكم، ولا تضعوا أيديَكم في يد الصهاينة ولا الإدارة الأمريكية المتطرفة، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا.. إن مع العسر يسرًا، وأن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، {وَسَيَعْلَمُ الَّذöينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلöبُونَ} (الشعراء: من الآية 227) {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافöلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالöمُونَ إöنَّمَا يُؤَخّöرُهُمْ لöيَوْمٍ تَشْخَصُ فöيهö الأَبْصَارُ} (إبراهيم: 42).
فلنَجöدَّ ولنجتهدْ ولنَثبُت مهما كانت التضحيات، فالاعتدال منهجُنا، وسنةُ محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه والسلف الصالح من بعدهم طريقُنا، والقرآن دائمًا في أيدينا وعقولنا وقلوبنا، والصبر عنوان المرحلة {إöنَّمَا يُوَفَّى الصَّابöرُونَ أَجْرَهُمْ بöغَيْرö حöسَابٍ} (الزمر: من الآية10)، والله ينادينا من فوق سبع سماوات لننصت ونعي ونطمئن ونعمل، وإنها لإحدى الحسنيين{إöنَّ الَّذöينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهöمُ الْمَلائöكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشöرُوا بöالْجَنَّةö الَّتöي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلöيَاؤُكُمْ فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَفöي الآخöرَةö وَلَكُمْ فöيهَا مَا تَشْتَهöي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فöيهَا مَا تَدَّعُونَ} (فصلت:30- 31).
وليكن شعارنا دائمًا قول الحق تبارك وتعالى: {الَّذöينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إöنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إöيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنöعْمَ الْوَكöيلُ} (آل عمران: 173)، {وَاللهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لاَ يَعْلَمُوْنَ} (يوسف: من الآية 21).
والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.