
رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، فكل عام وأنتم بخير، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعلى أمتنا بالخير واليمن والبركات، وقد تحققت آمالنا في الحرية والعدالة والتحرير والتمكين لدعوة الإسلام، والانتصار لشريعته في مواجهة قوى الشر والبغي والظلم والطغيان.. آمين.
إن العالمَ بأسره، وليس أمة الإسلام وحدها، يتطلع إلى حملة المبادئ، وحُرَّاس القيم، ودعاة التوحيد، وحماة العدل والحرية، فقد عمَّ الظلم وانتشرت الفوضى وازداد القهر والعدوان والتسلط، وكثُر الفساد والانحلال وانعدم الأمن والأمان، والعالم كله يترقب أمةً جديدةً متجددة، أمةَ القرآن الكريم، التي تعبد الله حق العبادة، وتسير على خُطى الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم-، وتغرس المبادئ والأخلاق النبيلة في نفوس أبنائها.
وهاهو شهر رمضان المبارك، مدرسة الربانية والإيمان، مدرسة القرآن والطاعة، يمنحنا هذا العطاء، ويفيض علينا بهذه الرحمات والفيوضات.
إن شهر رمضان المبارك هو مدرسة إيمانية متكاملة، تحوي من الدروس والمعالم والقيم التربوية، ما يحتاج إليه كل مسلمٍ في حياته المعاصرة، وما تحتاج إليه الأمة في نهضتها المرجوة والمأمولة، فرمضان شهر الإيمان والتقوى والقرب من الله، وهو شهر العبادة والتضرع والاستغفار والتوبة والدعاء، وهو شهر الإنفاق والبذل والعطاء والبر والإحسان ورعاية الفقراء والمساكين والأيتام، ينعم فيه المسلمون بنعمة التكافل والتعاون فيما بينهم.
ورمضان هو شهر الصوم والمجاهدة والصبر والتحمل، والانتصار على النفس والهوى والشيطان، وفيه يتدرب المسلم على تقوية الإرادة، وشحذ الهمة والعزيمة والانطلاق نحو التغيير الإيجابي.
ورمضان كذلك هو شهر القرآن الكريم، يتلوه المسلم آناء الليل وأطراف النهار، ليتعلم من دروسه وآياته، ويتدبر في توجيهاته ومعانيه، ويتأمل في منهجه وأسلوبه، حتى يصبح هذا الدستور الخالد، طريقه في الحياة، ومنهجه في النهضة، وسر قوته وعزيمته.
هذه المدرسة الإيمانية، وهذا المحضن التربوي، وهذا الفيض الرباني الذي يتجدد كل عام، هو فضلñ من الله- عز وجل- على هذه الأمة، وهو نعمةñ كبرى ومنةñ عظمى، تفتح الباب واسعًا أمام النهوض من جديد، وإعادة المسلمين إلى سابق عزهم ومجدهم الذي كانوا عليه لقرون طويلة، وسنين عديدة.
حاجتنا إلى رمضان
هذه المدرسة الربانية، نحن في أشد الاحتياج إلى دروسها، خصوصًا شباب الأمة الناهض، وبخاصة شباب الإخوان المسلمين، الذين نرجو منهم الكثير من الجهد والعطاء، ومن العمل والبذل والتضحية، ومن الإخلاص والصدق والصبر، ومن قوة الإرادة وعلو الهمة وسمو الغاية، حتى نُغيّöر من هذا الواقع المؤلم الذي نحيا فيه، وحتى نبعث الأمل في النفوس الحيرى، التي ترقب الفجر بعد طول انتظار.
ورسالتي إلى الشباب في شهر رمضان، هي دعوة إلى التزود بالوقود الإيماني {وَتَزَوَّدُوا فَإöنَّ خَيْرَ الزَّادö التَّقْوَى} (البقرة: من الآية 197) والاستفادة من خير هذا الشهر وبركاته وعطائه من خلال إحياء الأيام والليالي بالقرآن والذكر والدعاء والاستغفار والتهجد والعبادة، ومن خلال الدعوة إلى الله في المساجد والمنتديات والبيوت وأماكن العمل، ومن خلال المشاركة في العمل الخيري والاجتماعي مثل توزيع الزكوات والصدقات، وملابس طلاب وطالبات المدارس وزيارات المرضى والمستشفيات والتخفيف عن أصحاب الحاجات، وأيضًا التزود بالإيمان من خلال إكرام الأهل والأقارب وصلة الرحم وإصلاح العلاقات العائلية والصلح بين المتخاصمين.
إن الأمة في حاجةٍ إلى جهد الشباب المؤمن الصالح، الذي يُحرّöكه الإيمان، وتدفعه العقيدة، وتضبطه أحكام الشريعة، وتسمو بسلوكه أخلاق الإسلام.. هذا الجهد المطلوب يفتح أبواب الأمل للنهوض ويحارب اليأس والإحباط ويُقوّöي المناعة لمواجهة الضعف والفساد والانحلال، ورفض الظلم والقهر والاستبداد.
إننا على يقينٍ من أن الإيمان الصحيح هو الركيزة الأولى لبناء المجتمع المسلم الصالح، وهو الأساس الأول لنهضة الأمة وتقدُّم الوطن، وما ضعفت أمتنا وتأخَّرت وتكالبت عليها الأمم الأخرى، واستسلمت لأسباب الضعف والهوان، إلا بسبب ابتعادها عن طريق الله، وتفريطها في معالم الدين ومبادئ الشريعة، وعدم غيرتها على محارم الله وحقوقه، ولكي تنهض الأمة ينبغي أن يكون الإيمان رائدها، والتوحيد قائدها، والقرآن دستورها، والجهاد سبيلها، والرسول زعيمها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.
العلم النافع
ومع الإيمان يأتي العلم النافع، سواء كان علمًا دينيًّا أو دنيويًّا، وتحصيل العلم بكلّö فروعه هو واجبñ على الأمة، ولا قيامَ لنهضةٍ ولا أملَ في مستقبلٍ، ما لم يأخذ العلم موقعه في صدارة الأولويات، وفي رأس الاهتمامات، وإذا كان على الحكومات والدول أن تُوفّöر الأسباب والوسائل التي تتيح التعليم وتطور أساليبه ومناهجه، وتُهيئ الأسباب أمام الطلاب والعلماء لبلوغ الأهداف، فإن واجب الشباب أن يقبل على التعليم، وأن يجد ويجتهد في سبيل التحصيل والفهم، وبلوغ أعلى المراتب وأسمى الدرجات، فالمسلم الصحيح عليه أن يتقدَّم الجميع في تحصيل العلم، والمسلم الواعي برسالته وهدفه، لا يهمل واجبه أبدًا، بل يُقدّöم النموذج العملي على نعمة الالتزام بالإسلام من خلال تفوقه العلمي وتميزه الخلقي، واجتهاده الدائم في قاعات البحث والدرس، وحسن تعامله مع أساتذته ومعلميه وزملائه، وحرصه المستمر على دور العلم ومؤسسات التعليم، وهكذا يكون الشباب المسلم الصالح، وهكذا يكون شباب الإخوان المسلمين.
إن الأمة المجاهدة في سبيل التقدم والرقي، تحتاج إلى العلماء والأساتذة والمعلمين، الذين يخلصون لها، ويبذلون كل جهدهم في سبيل تربية أبنائها على حبّö العلم والعلماء، ويصبرون على توجيههم وإرشادهم، ويبذلون ما في وسعهم من أجل رعايتهم وتربيتهم، وعلى الأمة أن تُقدّöر هؤلاء العلماء والأساتذة والمعلمين والمربين، حق قدرهم، وأن تهيئ لهم أسباب الحياة الكريمة، وأن تُعينهم على البذل والعطاء والتربية والتوجيه، فالعلم هو طريقنا للنهوض والتقدم، والعلماء هم الساهرون على نهضة الأمة وتقدمها.
حاجتنا إلى الشباب المؤمن
إننا في حاجةٍ إلى الشباب المؤمن، الذي يتسلح بالعلم النافع، ويملك الإرادة التي تدفعه إلى البذل والعطاء من أجل نهضة الأمة، وعودتها إلى سابق عزها ومجدها وفخارها.. هذا الشباب هو الأمل في ترسيخ القيم النبيلة، ومحاربة الجشع والغش والتدليس، ومناهضة الظلم والاستبداد، ومقاومة الانحلال والعُري والتفسخ، وغرس قيم الحق والعدل والحرية والشورى، وتقوية الأخلاق والمبادئ، ودعم التراحم والتواد بين الناس.
وأخيرًا.. نتوجه إلى الإخوان خلف الأسوار، وإلى إخواننا الأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل المضطهدين في العالم، بخالص التهنئة بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، سائلين المولى- عز وجل- أن يُفرّöج الله عنهم، وأن ينعم عليهم بالحرية، وأن يُعيدهم إلى أهليهم وذويهم غانمين سالمين، وأن يربط على قلوبهم ويشرح صدورهم، وأن يرزقهم الصبر والصمود والثبات، وأن يُهيئ لهم من أمرهم رشدًا، وأن يجعلهم من دعاته المجاهدين العاملين، وأن يرفع الظلم عنهم وأن يكلأهم بعنايته ورعايته، وأن يمدهم بمددٍ من عنده، وأن ينصرهم نصرًا مؤزرًا، إنه نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلّö اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّöم.