الحج مؤتمر الأمة نحو الوحدة والنصر
[28/10/2010][17:45 مكة المكرمة]
رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
فيقول الله تعالى: ﴿وَأَذّöنْ فöي النَّاسö بöالْحَجّö يَأْتُوكَ رöجَالاً وَعَلَى كُلّö ضَامöرٍ يَأْتöينَ مöنْ كُلّö فَجٍّ عَمöيقٍ (27) لöيَشْهَدُوا مَنَافöعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهö فöي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ.....﴾ (الحج).
استجابةً لنداء سيدنا إبراهيم- عليه السلام- يتوجه المسلمون من كل أنحاء العالم لحج بيت الله الحرامº حيث تتعلق قلوبهم، وتهفو أفئدتهم لمشاهدة هذه الأماكن المقدسة: ﴿رَبَّنَا لöيُقöيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئöدَةً مöنْ النَّاسö تَهْوöي إöلَيْهöمْ وَارْزُقْهُمْ مöنْ الثَّمَرَاتö لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: من الآية 37).
أمتنا أمة واحدة
أيها المسلمون: الأصل في الإسلام هو وحدة الأمة، وتواصل أبنائها وقيامهم بكافة متطلبات هذه الأمة مهما اختلفت الأوطان والأزمنة.
والحج مؤتمر عالمي يتكرر كل عام مرة، ويعقد في الأرض المباركة حول الكعبةº يجمع المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويوحد غاياتهم، تحت شعار: "أمة واحدة" قال تعالى: ﴿إöنَّ هَذöهö أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحöدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونö (92)﴾ (الأنبياء). وقال تعالى: ﴿وَإöنَّ هَذöهö أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحöدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونö (52)﴾ (المؤمنون).
وقد أمرنا الله بالاتحاد وحذَّرنا من التفرق فقال: ﴿وَاعْتَصöمُوا بöحَبْلö اللَّهö جَمöيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، كما أمرنا الله بطاعة الله ورسوله، وحذرنا من التنازع وجعل عقوبته الفشل قال الله تعالى: ﴿وَأَطöيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رöيحُكُمْ وَاصْبöرُوا إöنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابöرöينَ (46)﴾ (الأنفال).
عوامل الوحدة بين المسلمين
وما أعظم عوامل الوحدة بين الأمة الإسلامية، فربها واحد، وكتابها واحد، ورسولها واحد، وشريعتها واحدة، وعباداتها تجمعها وتوحد بينها، فالصلاة إلى قبلة واحدة، والصيام في شهر واحد، ويأتي الحج ليقوي هذه الوحدة، ومن أهم مظاهر ذلك:
* ألسنتهم تلهج بشعار واحد: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرöيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إöنَّ الْحَمْدَ وَالنّöعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرöيكَ لَكَ".
* ويلتقون في مكان واحد على جبل عرفات الفسيح: قَالَ رَسُولُ اللَّهö- صلى الله عليه وسلم-: "الْحَجُّ عَرَفَاتñ الْحَجُّ عَرَفَاتñ الْحَجُّ عَرَفَاتñ أَيَّامُ مöنًى ثَلاَثñ ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فöي يَوْمَيْنö فَلا إöثْمَ عَلَيْهö وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إöثْمَ عَلَيْهö﴾ (البقرة: من الآية 203)، "وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ".
* ويطوفون حول الكعبة المشرفة.. التي جعلها الله قيامًا للناس، ومحطًّا لأنظارهم وقبلة لهم ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهöكَ فöي السَّمَاءö فَلَنُوَلّöيَنَّكَ قöبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّö وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجöدö الْحَرَامö﴾ (البقرة: من الآية 144). وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قöيَامًا لöلنَّاسö﴾ (المائدة: من الآية 97).
* وفي زمن واحد: قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرñ مَعْلُومَاتñ فَمَنْ فَرَضَ فöيهöنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جöدَالَ فöي الْحَجّö﴾ (البقرة: من الآية 197).
* ولباسهم واحد تذوب معه كل الفوارق.. يذكرهم بالأكفان عند لقاء الرحمن.
* وحدة الحركة في أعمال هذه الشعيرة حيث تراهم في صعودهم إلى عرفات، ونزولهم منه، ورجمهم للشيطان عدوهم جميعًا عن يد واحدة، وطوافهم حول البيت في فلك واحد واتجاه واحد..
إن هذا الركن العظيم يذيب فوارق العرق والنسب واللغة والإقليم والطبقة، ويوحد بين الأمة في مخبرها ومظهرها، ويجعلها أمة واحدة. ويزيل الفرقة التي يسعى إليها أعداء الأمة بالليل والنهار، كما قاله أحدهم: "سيظل الإسلام صخرةً عاتيةً تتحطم عليها محاولات التبشير، ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع: القرآن.. والأزهر.. واجتماع الجمعة الأسبوعي.. ومؤتمر الحج السنوي"، وكما جاء في دائرة المعارف البريطانية عن الحج: "تؤدي هذه العبادة دورَ قوةٍ توحيدية في الإسلامº بأنها تجلب أتباعًا له من مختلف الجنسياتº ليجتمعوا معًا في احتفال ديني".
طريقنا إلى العزة والنصر
من أجل ذلك فإن المسلمين مطالبون بأن يستمسكوا بدينهم الحنيف ليكونوا الأمة الإسلامية بحقº وذلك سبيلهم للنهوض والنمو والتصدي للأعداء، ورحم الله الإمام البنا حين تحدث عن عناصر القوة فقال: "ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا في أعماقها، ولا يزنوا نتائجها، وما يقصد منها، وما يُراد بها، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن تُوصف جماعة بالقوة، حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا.
ولن يتحقق لأمتنا ما تصبو إليه من عزة وسيادة إلا إذا نزعنا من قلوبنا الوهن الذي حذرنا منه رَسُولُ اللَّهö- صلى الله عليه وسلم-: "يُوشöكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إöلَى قَصْعَتöهَا". فَقَالَ قَائöلñ وَمöنْ قöلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئöذٍ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئöذٍ كَثöيرñ وَلَكöنَّكُمْ غُثَاءñ كَغُثَاءö السَّيْلö وَلَيَنْزöعَنَّ اللَّهُ مöنْ صُدُورö عَدُوّöكُمُ الْمَهَابَةَ مöنْكُمْ وَلَيَقْذöفَنَّ اللَّهُ فöي قُلُوبöكُمُ الْوَهَنَ". فَقَالَ قَائöلñ يَا رَسُولَ اللَّهö وَمَا الْوَهَنُ قَالَ: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهöيَةُ الْمَوْتö".
وما أشبه تداعي الأمم على أمتنا الآن بتداعي الأكلة إلى القصعة، حيث نرى الأمة تركن إلى حب الحياة والتعلق بشهواتها فكادت أن تفقد هيبتها أمام أعدائها من الصهاينة وغيرهم.
دعاوى المتشككين ونهوض الأمة
لقد أدرك الإمام البنا- رحمه الله- قيمة ما عند المسلمين من عناصر القوة والمنعة وما لديهم من أسباب النهضة فتصدى للمتشككين ودعاواهم فاهتم بقول الناس: وما وسائلكم أيها المغلوبون على أمركم لتحقيق مطالبكم والوصول إلى حقكم؟ ونقول نحن في سهولةٍ ويسر: وماذا يريد منا الناس؟ ولو أننا مغلوبون على أمرنا مدفوعون عن حقنا؟ وهل يليق بكريم أن يذل ويستخزى، والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: "من أعطي الذلة من نفسه طائعًا غير مكرهٍ فليس مني"، والله يقول: ﴿وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ وَلَكöنَّ الْمُنَافöقöينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).
إن لنا سلاحًا لا يفل ولا تنال منه الليالي والأيام هو (الحق): والحق باقٍ خالد والله يقول: ﴿بَلْ نَقْذöفُ بöالْحَقّö عَلَى الْبَاطöلö فَيَدْمَغُهُ فَإöذَا هُوَ زَاهöقñ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مöمَّا تَصöفُونَ (18)﴾ (الأنبياء).
يقول ﴿َكَذَلöكَ يَضْرöبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطöلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فöي الأَرْضö كَذَلöكَ يَضْرöبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17)، ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطöلُ إöنَّ الْبَاطöلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾ (الإسراء).
ولنا سلاحñ آخر بعد ذلك وهو (الإيمان): والإيمان كذلك سر من أسرار القوة لا يدركه إلا المؤمنون الصادقون، وهل جاهد العاملون من قبل، وهل يجاهدون من بعد إلا بالإيمان، وإذا فقد الإيمان؟ فهل تغني أسلحة المادة جميعًا عن أهلها شيئًا؟. وإذا وجد الإيمان فقد وجدت السبيل إلى الوصول، وإذا صدق العزم وضح السبيل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمöنöينَ﴾ (الروم: من الآية 47)، ولئن تخلى عنا جند الأرض فإن معنا جند السماء ﴿إöذْ يُوحöي رَبُّكَ إöلَى الْمَلائöكَةö أَنّöي مَعَكُمْ فَثَبّöتُوا الَّذöينَ آمَنُوا﴾ (الأنفال: من الآية 12).
والأمل: بعد ذلك سلاح ثالث: فنحن لا نيأس ولا نتعجل ولا نسبق الحوادث ولا يضعف من همتنا طول الجهاد والحمد لله رب العالمينº لأننا نعلم أننا مثابون متى حسنت النية، وخلصت الضمائر، وهي خالصة بحمد الله، والنصر من وراء ذلك لا يتخلف ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلöبَنَّ أَنَا وَرُسُلöي إöنَّ اللَّهَ قَوöيّñ عَزöيزñ (21)﴾ (المجادلة)، ﴿حَتَّى إöذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذöبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّöيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمö الْمُجْرöمöينَ (110)﴾ (يوسف)، ففيم اليأس وفيم القنوط. لن يجد اليأس إلى قلوبنا سبيلاً بإذن الله ﴿إöنَّهُ لا يَيْئَسُ مöنْ رَوْحö اللَّهö إöلاَّ الْقَوْمُ الكَافöرُونَ﴾ (يوسف: من الآية 87).
أيتها الشعوب العربية والإسلامية
* اجعلوا من موسم الحج مؤتمرًا للتعارف والتآلف والاتحاد، وتدارس الواقع المر وكيفية الخلاص منه ونيل الحقوق واسترداد المسلوب والنجاة من قبضة الأعداء.. ومن الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم، واعلموا أن وحدتكم تحقق لكم التكامل الاقتصادي، والاكتفاء الذاتيº حتى لا نكون رهينة في يد الغير، وعليكم بالتكافل فيما بينكم، والتناصح والتناصر، فهذا مما أوصى به الإسلام الحنيف.
* ويا حجاج بيت الله الحرام تعارفوا، واحرصوا على استمرار التواصل فيما بينكم حتى بعد العودة إلى أوطانكم..
وإلى الأنظمة والحكومات تذكير ونصح:
* إن المؤتمرات والمفاوضات مع الصهاينة والأمريكان لن ترد الحق المسلوب، ولا المقدسات المغتصبة.
* وإن محاولات التضييق والضغط على الشعوب لن توقف قدر الله الماضي إلى الإصلاح والتغيير، ولن تمنع نور الله من الانتشار في الآفاق، ويجب أن ندرك جميعًا أن مكر الصهاينة ﴿وَلا يَحöيقُ الْمَكْرُ السَّيّöئُ إöلاَّ بöأَهْلöهö﴾ (فاطر: من الآية 43)، وطغيان وبغي القوة الأمريكية الغاشمة لن يعجز الله شيئًا ﴿يُرöيدُونَ لöيُطْفöئُوا نُورَ اللَّهö بöأَفْوَاهöهöمْ وَاللَّهُ مُتöمُّ نُورöهö وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ (8)﴾ (الصف).
* وإنا لموقنون أن كل الدعم المادي والمعنوي وكل ما ينفق في هذا العالم للحيلولة دون عودة الناس إلى سبيل ربهم سيكون حسرة في الدنيا، وغلبة للمؤمنين عليهم، مع عظيم ما ينتظرهم من عذاب في الآخرة تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿إöنَّ الَّذöينَ كَفَرُوا يُنْفöقُونَ أَمْوَالَهُمْ لöيَصُدُّوا عَنْ سَبöيلö اللَّهö فَسَيُنفöقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهöمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذöينَ كَفَرُوا إöلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).
ولذلك كله فإننا على يقين بأن النصر لأمة الإسلام آتٍ بحول الله وقوته وما ذلك على الله بعزيز.
ولا ننسى في موسم الحج والتضحية إخواننا المقاومين الصامدين الصابرين في فلسطين أرض العروبة والإسلام بالدعاء والعون بكل السبل والوسائل ﴿وَاللَّهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، والله أكبر ولله الحمد.