وماذا بعد الحج؟!
رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد..
فلاح الأمة في الاستمرار على الطاعات:
فمن علامات الحج المبرور أن يستقيم المسلم بعد حَجّöه، فيلزمَ طاعة ربه، ويكونَ بعد الحج أحسن حالاً مما قبلهº فإن ذلك من علامات قبول الطاعة. قال بعض السلف: "علامة برّ الحج أن يزداد بعده خيرًا، ولا يعاود المعاصيَ بعد رجوعه"، وقال الحسن البصري: "الحج المبرور أن يرجع زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة".
يقول الإمام البنا: "ما أجلَّ عظَمةَ الربوبية!، وما أعظمَ فضلَ الألوهية!، وما أجملَ أن يتفضَّل الله على عباده فيدعوَهم إلى بيته العتيقº ليغفرَ ذنوبهم، ويطهرَ قلوبهم، ويضاعفَ أجورهم، ويجدّöدَ أرواحهم، ويمنحَهم من فيض فضله ما لا عينñ رأت، ولا أذنñ سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر!".
وهكذا يعود الحاج كيوم ولدته أمه، ليبدأ صفحةً جديدةً في حياته من النقاء والطهارة والصفاء، يحمل في نفسه طاقةً هائلةً، ليخطوَ خطوات النجاح في حياته مع ربه ونفسه والناس. وهذا هو العَوْد الحميد باستقامةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ.
سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الأعمال أفضل؟" قال: "إيمانñ بالله وبرسوله"، قيل: "ثم ماذا؟"، قال: "ثم الجهاد في سبيل الله"، قيل: "ثم ماذا؟"، قال: "ثم حَجّñ مبرورñ" (رواه البخاري ومسلم). والحج المبرور هو الذي لا تعقبه معصيةñ لله.
حاجة الأمة إلى التلبية الدائمة
التلبية هي هتاف الروحº لا تُقال بالأقوال، بل تُترجَم إلى أفعالٍ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك.. لَبَّيْكَ لاَ شَرöيكَ لَكَ لَبَّيْك.. إöنَّ الحَمْدَ وَالنّöعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْك، لاَ شَرöيكَ لَك لَبَّيْك".. نداءñ تُطلقه القلوب المستجيبة لنداء الله ليستمرَّ معها طَوال العامº تعلن عن ولائها وصدق توجُّهها، متحدّöية المتاعب والمشاقَّ، حبًّا لله وشوقًا إليه، لتبدأ طريق الإصلاح: لبيك اللهم لا للفساد.. لبيك اللهم لا للفجور.. لبيك اللهم لا للإلحاد.. لبيك اللهم لا للإباحية.. لبيك اللهم لا للظلم وانتهاك حقوق الإنسان.. لبيك اللهم لا للتخريب والإرهابº فالحمد والنعمة والملك لله وحده، لا لأية قوة مهما بلغت على الأرض "لا شريك لك لبيك".
إنها صيحة العزة التي هي اليوم مطلب الثورات العربية: ﴿وَللهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).. إنها صرخة المجد للأوطان وهي في طريق نهضتها: ﴿وَلا تَهöنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ﴾ (آل عمران: من الآية 139)، إنها كلمة الأمل للعاملين المجتهدين: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمöنöينَ﴾ (الروم: من الآية 47).
يقول الإمام البنا عن أثر هذه النداء في الحياة السعيدة: "ما أجملَ أن يتفتح قلب المؤمن على هذا النداء العلوي، ويتلقاه كما تتلقى الزهرة الناضرة قطرات الندى!º فيحيا به ويسعدَ، هاتفًا من أعماق قلبه: لبيك اللهم لبيك".
فإن حققت الأمة معنى التلبية، تكفَّل الله بنصرها، ودمَّر عروش الباطل، كما نراها تتهاوى اليوم بأمر من الله، حينما وعت شعوب الأمة التلبية، وأقسمت على التصدّöي للفساد والظلم، فقدَّمت التضحيات من الشهداء والجراحات في مصر وتونس وليبيا. وإن غدًا لناظره قريب في اليمن وسوريا- بإذن الله- التي تتحدَّى نظمُها المستبدةُ إجماعَ الأمة بكل مكوناتها على إزالتها.
وحدة الأمة هي أمل البشرية
يقول تعالى: ﴿وَأَذّöن فöي النَّاسö بöالْحَجّö يَأْتُوكَ رöجَالًا وَعَلَى كُلّö ضَامöرٍ يَأْتöينَ مöن كُلّö فَجٍّ عَمöيقٍ (27) لöيَشْهَدُوا مَنَافöعَ لَهُمْ...ْ﴾ (الحج).
فالحج ذلك المؤتمر الإسلامي الكبير، وتلك المظاهرة الإيمانية الرائعة التي تشترك فيها صنوفñ متعدّöدةñ من الأجناس والفئات والطبقات والقوميات على موعدٍ واحدٍ، وفي أرضٍ واحدةٍ، يردّöدون هتافًا واحدًا، ويمارسون عملاً واحدًا، ويتّöجهون إلى غايةٍ واحدةٍº هي الإعلان عن العبودية والولاء لله وحدهº تلكم الرسالة الممتدة في كل عام: أنتم قوةñ باتحادكم.. أنتم قوةñ بتآلفكمº فعلامَ تتفرَّقون؟! وقد آن لكم اليوم تحقيق فريضتكم الغالية: ﴿وَاعْتَصöمُواْ بöحَبْلö اللّهö جَمöيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نöعْمَةَ اللّهö عَلَيْكُمْ إöذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبöكُمْ فَأَصْبَحْتُم بöنöعْمَتöهö إöخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مّöنَ النَّارö فَأَنقَذَكُم مّöنْهَا كَذَلöكَ يُبَيّöنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتöهö لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ (آل عمران).
فاحذروا كيد أعداء ثوراتكم الذين يُجيدون توجيه استعمال سلاح التشرذم والاختلاف والفُرْقة بينكم، والذين يتقنون نشر الضلالات التي توهن أمتنا، من تغييرٍ للهوية، وتلاعبٍ في الثقافة، وعبثٍ بإرادة الأمة، ونشرٍ للانحلال والإباحية، واحتلالٍ للأوطان، ونهبٍ للثروات والكنوز، وتخريبٍ وتدميرٍ للحياة والأمانº لأنكم إن استجبتم لهم ولم تتصدَّوا لهذه التحديات، أوشك الله أن يعاقبكم بالتفتيت كما عاقب غيركمº لعلكم ترجعون إلى التآزر والصف الواحد. يقول تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادöرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مöنْ فَوْقöكُمْ أَوْ مöنْ تَحْتö أَرْجُلöكُمْ أَوْ يَلْبöسَكُمْ شöيَعًا وَيُذöيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرّöفُ الآيَاتö لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 65). في صحيح البخاري عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك".
إن وحدة الأمة اليوم هي الأمل، بعد أن رأينا كيف يُسقط الحج الحدود بين البلدان، بل بين القارَّاتº تلك الحدود التي صنعتها الأطماع البشرية، والعنصرية والأنانياتº فالحج لا يُشعرنا بوحدة العالم الإسلامي فحسب، بل بوحدة الأرض، ووحدة البشر، ووحدة الإنسانيةº ففي حجة الوداع كان الإعلان الحقيقي في نشر الحريات والمساواة والعدالةº أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، إن ربكم واحدñ، وإن أباكم واحدñ. ألا لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ، إلا بالتقوى" (رواه البيهقي)، وكان الإعلان الصادق في استعادة المرأةö كرامتَها وحقوقَها ومكانتَها، وكان الإعلان العام في حقوق الإنسان وعزته: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم، حرامñ عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (رواه مسلم)º فمتى يُفيق العالم الحائر إلى قارورة دواء الإنقاذ في الإسلام كنظامٍ لحياته، وحلٍّ لمشكلاته؟!
يقول الشهيد سيد قطب عن هذا المعنى في الحج: "وهو مؤتمرñ للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرةً في كل عام".
فهل تستثمر الأمة منافع الحج في وحدةٍ شاملةٍ بحشد كل قواها، وحفز كل استعدادها، وتجميع كل طاقاتها، للبناء والنهضة والإنتاجº لتتهيأ بذلك لحمل الأمانة والقيام بالرسالة؟!º فالحج بجانب كونه عبادةً وتقرُّبًا إلى الله سبحانه، فإن فيه منافعَ اجتماعيةً، وفوائدَ ثقافيةً، واقتصاديةً، وسياسيةً، وتربويةً، تساهم في بناء الأوطان، وتزيد وعي الأمة وتوجّöهها، وتساهم في حل مشكلاتها، وتنشيط مسيرتها.
عهدñ مع الله وثيق
لقد لخَّص الإمام الشهيد واجبات الأمة بعد الحج في كلمته أمام الوفود في موسم الحج قائلاً: "أيها الإخوان، إننا في هذا البلد الحرام، وأمام بيت الله الحرام، وزمزم، ومقام إبراهيمº نعاهد الله عهدًا وثيقًا على أننا سنحمل عبء الجهاد والتضحية في سبيل اعتناق مبادئ الإسلام السامية، وتعاليمه الحكيمة، وسنحارب بعون الله جميع البدع والخرافات الدخيلة على ديننا السليم المبنيّö على التوحيد الصحيحº تلكم الفكرة السليمة التي من ذاق طعمها ذاق حلاوة الإيمان، وكان عند الله من المقبولين..."، ثم ارتفع صوته قائلاً بعبارة مؤثرةٍ بليغةٍ: "اعلموا أن سعادة المسلمين لا تتحقَّق ولا تكون إلا بجعلهم القرآنَ الكريمَ دستورَهم وقانونَهم.. احملوها عني كلمةً: إن الله لا ينصر القوم الفاسقين الذين هجروا دينهم وسلكوا طريق الشيطان الرجيم. ويوم أن نعود إلى حظيرة القرآن والسنة المطهرة يوم أن نرى نصر الله ماثلاً أمام أعينناº لأنه وعدñ من الله. ووعد الله صادقñ لا يتخلَّف.. اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمöنöينَ﴾ (الروم: 47)".
وأذكّöركم أيها الإخوان وأنتم تحملون هذه الدعوة، وتسعَون في نشرها، وتبذلون في سبيلها الوقت والمال والجهد، خاصةً في هذه الأيامº بما أعلنه الإمام البنا في البقاع الطاهرة من وسائلَ تضمن نجاح دعوتكمº يقول الإمام الشهيد حسن البنا في ذلك: "ولكن الذي أقصده أن دعوة الإخوان المسلمين- وهي دعوةñ خالصةñ لوجه الله من أول يوم- مؤسَّسةñ على تقواه، مستندةñ إلى عظَمته سبحانه.. هذه الدعوة أعتقد أنه لا بد لنجاحها من أمرين أساسيين:
أولهما- طهارة القائمين بها، ونزاهة نفوسهم حتى تصلح لتلقّöي المعونة والنصر من الحق تبارك وتعالى.
وثانيهما- صلة هذه القلوب بالداعي الأول صلى الله عليه وسلم، صلةً روحيةً قويةً تؤدي إلى حسن الاتباع والاستمساك بالسنة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
اللهم قد بلَّغت، اللهم فاشهد.. وصلّö اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والله أكبر ولله الحمد.