بالشكر تدوم النعم وتزداد (رسالة الأسبوع)
رسالة من: أ.د. محمد بديع- المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على إمام الشاكرين، ورسول الله الأمين، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، وبعد..
واجب اليوم شكر المُنْعöم:
فإن القلوب لتهفو إلى بارئها في كل لحظة، تنطق بحمد المنعم تعالى، على جميل نعمائه، وعظيم عطاياه، وكريم تأييده، يقول تعالى: (وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نöعَمَهُ ظَاهöرَةً وبَاطöنَةً) (لقمان: 20)، فمنذ ثورة الشعب المصري ونعم الله تعالى تَتْرى على مصرنا الحبيبة، تخرجها من كل غبراء مظلمة، وتدفع عنها كل بلاء، وتكشف بآياته الناصعات مكر الماكرين، وتظهر بالبراهين الواضحات كيد الكائدينº لتضع مصراليوم قدميها بخطى واثقة ثابتة على أول طريق الاستقرار والبناء والإنتاج، وتعود إلى ريادتها للأمة، وقيادتها لحرية الشعوب، وتتبوَّأ مكانتها على مستوى العالم أجمعº مما أوجب على الصادقين الشرفاء أن يتَّجهوا إلى الله تعالى شاكرين لنعمائهº ليجلبوا المزيد من فضل الله ونعمه وتدوم لهم النعم السابقة (لَئöن شَكَرْتُمْ لأَزöيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، وقال تعالى:(وسَنَجْزöي الشَّاكöرöينَ) (آل عمران: 145)، ولولا أن الشاكر حبيب رب العالمين ما قطع الشيطان وجنده الذين لا يهدءون لحظة طريق الحامدين، فقال لرب العالمين: (ثُمَّ لآتöيَنَّهُم مّöنْ بَيْنö أَيْدöيهöمْ ومöنْ خَلْفöهöمْ وعَنْ أَيْمَانöهöمْ وعَن شَمَائöلöهöمْ ولا تَجöدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكöرöينَ) (الأعراف: 17).
الشاكرون على مزيد:
ونحن على ثقة بهذا المزيد الذي يستقبل الأمم الناهضة.. حريةً وأخلاقًا ونهضةً وعلمًا وتثبيتًا وأمنًا واستقرارًا، ما داموا يُقöرُّون بأن هذه النعم من المولى وحده لا شريك له، وليست بيد أحد مهما أوتي من قوة وسلطان، يقول تعالى: (ومَا بöكُم مّöن نّöعْمَةٍ فَمöنَ اللَّهö) (النحل: 53)، واليوم ليس أمام الأمة وهي تتَّجه بالحمد على نعم الله عليها، إلا سبيل من ثلاث:
الأول: المزيد من العمل
فالإنتاج والعمل هما شعار المرحلة، وعدم التوقف عن البناء لحظة هو جوهر المرحلة، وهذا هو النوع العملي لمعنى الشكر، يقول تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ: 13)، فروح الشكر في المزيد من العمل، فعندما رُوجöع النبي صلى الله عليه وسلم في مشقته على نفسه في العبادة واجتهاده، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"، فأخبر أن المجاهدة، وحسن العمل شكر لله عز وجل، وتلك حقيقة الشكر.
الثاني: المزيد من التقوّöي والعطاء المعنوي والمادي
فخير ما يبدأ به الشاكر لربه على نعمائه أن يقدم بين يدي ربه ثمن الشكر، في المزيد من التقوّöي، بإظهار التواضع، وترك حظ النفس، والبُعْد عن التزاحم على المطامع الشخصية، يقول تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران: 123)، وشكر الله يتطلب العطاء من النعمة لمن حُرöم منها، فمثلاً إذا رزقك الله سبحانه حلمًا وصبرًا وجب عليك أن تجود به على من فقد الصبر أو ضاق بالبلاء، ويأتي أيضًا الإنفاق من الماديات كدليل على شكر النعمة في المرتبة الثانية، فمن أهمية الإنفاق والبذل ينبّöه الرسول صلى الله عليه وسلم أن "من كان عنده فضل زاد فليَعُدْ به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر (مواصلات) فليَعُد به على من لا ظهر له..."، والأمة تحتاج من كل القادرين والمُوسرين في ظروفنا الاقتصادية الصعبة أن يجودوا بالنعم على مستحقيها (والَّذöينَ فöي أَمْوَالöهöمْ حَقّñ مَّعْلُومñ * لöلسَّائöلö والْمَحْرُومö) (المعارج: 24-25).
الثالث: المزيد من الصبر
الصبر على تكاليف العمل، ودفع ضريبة البذل والعطاء، وعدم استعجال الثمار، والسير بخطوات متدرجة، فالصبر والشكر يسيران معًا، ولا يكتمل أحدهما إلا بالآخر، فالصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل، والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد، يقول تعالى: (إنَّ فöي ذَلöكَ لآيَاتٍ لّöكُلّö صَبَّارٍ شَكُورٍ) (إبراهيم: 5)، وصيغة المبالغة في الصبر والشكر تحتاج من الأمة أن تحقق المعنى والجوهر، في العمل والأداء والإتقان، فإن كان الصبر واجبًا عند البلاء والمحنة، فالصبر عند الرخاء والمنحة هو عين الشكر وسعي الشاكرينº لذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامع المانع: "اللهم اجعلني لك صبَّارًا، لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، واجعلني إليك أوَّاهًا منيبًا".
دوام النعم بالمحافظة عليها وشكر واهبها:
لا ملجأ ولا منجى لأبناء الأمة وحملة الرسالة، إلا بالتوجه الصادق لله تعالى، حتى نحافظ على نعمائه، وهذا خير ما يقتنيه العقلاءº لأنه أغلى وأعز من كل كنوز الدنياº ففي الحديث عن ثوبان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حين نزل قول الله في الكنوز، سأله عمر: أي المال نتخذ؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "ليتخذ أحدكم لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا" (رواه أحمد)، واللسان الذاكر يشمل في هذا الزمان الإعلام الهادف الذي ينشر الأمل، ويبثّ التفاؤل، ويغرس في الأمة روح العطاء والبذل والعمل، والقلب الشاكر هو فؤاد الأمة ووجدانها الذي يعرف بأن النعم من المنعم لا غير، فيزداد لله شكرًا وتفضلاً وإنعامًا.
ولنا في قول الله عز وجل العبرة والعظة لدفع الضر وجلب المنفعة منه وحده لا شريك له (وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بöضُرٍّ فَلا كَاشöفَ لَهُ إلا هُوَ وإن يَمْسَسْكَ بöخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ) (الأنعام: 17)، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى لزوم الاستغفار لتحقيق ذلك عمليًّا بتعبير نبوي شريف جامع للكلام كله "لَزöم"، أي داوم وتمسَّك وعايش وتعلَّق، وليس استغفر بلسانه فقط وقلبه غافل "من لَزöم الاستغفار جعل الله له من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍّ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
ومع القلب الشاكر واللسان الذاكر لا بد من شمول معنى النعم كل الأعضاء، فالصحة والعافية والأرزاق والمال والأولاد والممتلكات نöعَم تستوجب الشكر، ولا بد أيضًا الإحساس بالنعم السلبية التي عافاك الله بها مما ابتلى غيرك، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى أحدًا ابتلاه الله قال: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من خَلْقöه"، فهو شكر على نعم أخرى بالمعافاة من ابتلاءات الآخرين.
وكل هذا دليل قاطع على ضرورة ربط شكر اللسان مع شكر القلب، سواءً بسواء، ويكون عمل الجوارح مترجمًا حقيقيًّا لهذا النبع الصافي من الشكر الذي يضخُّه القلب مع الدم، فتتحرك كل الأعضاء بالعمل الصالح المعبّöر عن الشكر لله وعلى نعم الله والفيوضات على خلق الله سبحانه وتعالى، وهذا الصنف فعلاً يصبح نادرًا بين جموع الشاكرين (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلöيلñ مّöنْ عöبَادöيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13).
نسأل الله تعالى لأمتنا نصرًا قريبًا، ولمصرنا الحبيبة أمنًا واستقرارًا، وأن يُوحّöد القلوب على حمده، ويوفّöق الألسنة بشكره، ويرزقنا جميعًا العمل الصالح الذي يحقق رضا رب العباد، وأن يجمعنا على مفتاح كلام أهل الجنة في قوله تعالى: (وآخöرُ دَعْوَاهُمْ أَنö الحَمْدُ لöلَّهö رَبّö العَالَمöينَ) (يونس: 10).
والله أكبر ولله الحمد
القاهرة في: 21 من صفر 1434هِ، الموافق 3 يناير 2013م.