شَعْبَانُ.. شَهْرُ المُرَاجَعَة والاسْتöعْدَاد
[13-06-2013][11:34:0 مكة المكرمة]
رسالة من: أ.د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..
مضى شهر رجب بحُرْمَته وتفرُّده، ودخل شهر شعبان، واقتربنا من واحة رمضان الوارفة الظليلة.. والعاقل من يترقب مواسم الخير ومواقيت القبول وميادين السباق والفوز.. فلا يغفل عنها ولا ينام، وليتَّعöظ بمرور الشهور والأيام، وليذكر قول الله تبارك وتعالى: (وهُوَ الَّذöي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ خöلْفَةً لöّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان: 62)، وقول حبيبه صلى الله عليه وسلم: "إن لله في أيام دهره لنفحات، ألا فتَعَرَّضُوا لها".
لقد كان الشعور بالزَّمَن وترقُّب الأوقات المباركة حöسًّا مرهفًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يقترب شهر رجب حتى يكون دعاؤه "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبَلöّغنا رمضان"، وكان أكثر صيامه بعد الفريضة صيام شهر شعبان، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله استكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا من شعبان"، ويُعلöّل ذلك بقوله:
ذاك شهرñ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان"، ويقول: "إنه شهر تُرْفَعُ فيه الأعمال إلى ربöّ العالمين، وأُحöبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم".
ولعلَّ من أهم الفوائد التي تعود على المسلم من إتقان العبادة فيه وتكثيفها هو الاستعداد لشهر رمضان المبارك، فمن قَلَّ صيامه وقيامه طيلة العام يُسْتَحَبّ له أن يستعدّ بالتدريب على النَّوافل قبيل رمضان، حتى إذا أتى شهر الفريضة وجده على أُهْبة الاستعداد، في شوقٍ وترقُّبٍ لأداء العبادات، مهما صعب القيام بها لظروف الطقس أو طول النهار "صُمْ يومًا شديد الحرöّ ليوم النشور".
إن أنفاسنا معدودة، وأعمارنا محدودة، والعاقل من يسابق الزمن، ويُعöدّ لكل شيء عُدَّته، حتى يحصد في أيام عمره من الأعمال الصالحة والحسنات السانحة ما يسُرُّه يوم انتهاء عمره وحلول أجله، وانتقاله إلى دار الجزاء والخلود، وما أقربه مöنَّا.. "إنَّ الجنة هي أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك".
إنَّ إعداد العُدَّة للأوقات المباركة والمواسم الطيبة ذكاءñ وفöطنة، وأعظم منه انتهاز أوقات الغفلات التي تضيع على معظم الناس في تحصيل الطاعات، فهنا السَّبْق وهنا التميُّز، وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "العبادة في الهرج كالهجرة إليَّ"، وفي رواية "العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ".
وقد كان السَّلَف الصالح يسمون شهر شعبان (شهر القراء)º لأنهم يحرصون خلال هذا الشهر على مراجعة ما يحفظونه من آيات الذöّكر الحكيم، فيتداركون ما قد يتفلَّت منهم طيلة العام، استعدادًا للشهر العظيم الذي يُتْلَى فيه القرآن كله على الأمة كلها، هذا الكتاب المبارك الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأخرج للعالم (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö)، فهدى القلوب، وأنار البصائر، ونَظَّم الحياة، وحسَّن الأخلاق، وصنع الحضارات .
في هذا الشَّهر الكريم حدثت حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، وقد أعطتنا نموذجًا لسرعة الاستجابة والتلبية لأوامر الله تعالى.. دون تردد أو تأخير، ودون نظر لاعتراضات المعترضين، وأراجيف المبطلين، وتهكُّم الساخرين، من أعداء الأمة الظاهرين، أو كارهيها المستخفين، والذين ليس لهم دورñ ولا فعل إلا النَّقْد والاعتراض، حتى على الشيء ونقيضه.
حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّجöه إلى بيت المقدس في الصلاة بعد هجرته للمدينة قال اليهود: "يخالف ديننا ويتبع قبلتنا"، وحينما تحوَّل– بأمر من الله تعالى إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة-قالوا كما ذكر الله تعالى في كتابه الكريم: (مَا ولاهُمْ عَن قöبْلَتöهöمُ الَّتöي كَانُوا عَلَيْهَا) (البقرة: 142)، فهم لا يكُفُّون عن السخرية والنقد والتهكُّمº لما تحويه قلوبهم من غلٍّ وحسد، وكراهيةٍ وبغض، فما على المؤمنين إلا تنفيذ أوامر الله عز وجل في سرعة وجöدöّيَّة، وعن حُبٍّ وشَوْقٍº لأن في أوامر الله حكمة وفي طاعته خير، وفي سرعة الاستجابة سبقñ إلى الفلاح، وإن تغيير القبلة بأمر الله سبحانه كما أن تغيير أي قرار بالشورى وإجماع الآراء يختلف جذريًّا عن تلوُّن المواقف بالهوى والمصلحة الشخصية وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فما يزيدنا تربُّص المتربصين، وكيد الكائدين، وحقد الحاسدين، وتشكيك المبطلين إلا تمسُّكًا بالحقöّ الذي هدانا الله إليه، ومسارعة إلى الخيرات، مقتدين بأنبياء الله صلوات الله عليه أجمعين، وبالسَّلف الصالح من عباد الله الطائعين (إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارöعُونُ فöي الخَيْرَاتö ويَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا وكَانُوا لَنَا خَاشöعöينَ) (الأنبياء: 90).
إننا نستعدُّ لمواسم الخير بالعبادة والتطهر، والتدريب والعزم، وتقديم الخير للناس جميعًاº لنقترب أكثر من الله تعالى خالقنا ورازقنا، ولنقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثرº لنكون أمةً واحدةً وصنفًا واحدًا في خلال هذه الأشهر الوارفة (وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلöحُونَ) (الحج:77)، (وإنَّ هَذöهö أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحöدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونö) (المؤمنون: 52).
وهناك من يستعدّ لاتباع الهوى وطاعة الشيطان، يكره وحدتنا ويمقت أخوتنا، يكيد بليلٍ ليدبöّر المؤامرات، ويشعل الفتن.. يُقلöّب الحقائق ويزوöّر التاريخ، لا يستمع لنصح ناصحٍ ولا إرشاد أمين، يُزيöّن القول ليخدع البسطاء من الناس (شياطين الإنس والجن يُوحöي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا)، وفي النهاية يبرأ منهم الشيطان ويقول لهم: (إنöّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمöينَ)، (الحشر:16) (ومöنَ النَّاسö مَن يُعْجöبُكَ قَوْلُهُ فöي الحَيَاةö الدُّنْيَا ويُشْهöدُ اللَّهَ عَلَى مَا فöي قَلْبöهö وهُوَ أَلَدُّ الخöصَامö * وإذَا تَوَلَّى سَعَى فöي الأَرْضö لöيُفْسöدَ فöيهَا ويُهْلöكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحöبُّ الفَسَادَ * وإذَا قöيلَ لَهُ اتَّقö اللَّهَ أَخَذَتْهُ العöزَّةُ بöالإثْمö فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبöئْسَ المöهَادُ) (البقرة: 204 - 206).
هؤلاء ينبغي أن نَحْذَرَهمº حتى لا يفرقوا جمعنا، ويُمزöّقوا صفوفنا، ويُعكöّروا صفونا، ويُفْسöدُوا علينا الأيام المباركة والمواسم الطيبة.
إننا ندعوهم جميعًا إلى الأمن والأمان والسَّعادة والسلام، وإيثار المصلحة العامة على الأنانية المفرطةº لأن الخير حينما يَعُمّ سَيُسْعöد الجميع، أما الفتنة فهي تأكل اليابس والأخضر، وتستجلب غضب الله تعالى: (واتَّقُوا فöتْنَةً لا تُصöيبَنَّ الَّذöينَ ظَلَمُوا مöنكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدöيدُ العöقَابö) (الأنفال: 25).
والملائكة تنادي في الطرقات وتهيب بالبشرية كلها أن تسمع، فإن الخير سيعمّ البشرية، كما أن الشرَّ سيحرق الجميع فتقول الملائكة: "يا بَاغöيَ الخَيْرö أَقْبöل، ويا بَاغöيَ الشَّرöّ أَقْصöر".
ولنذكر نöعَمَ الله تعالى علينا جميعًا بالحُرöّية والكرامة والخلاص من الظالمين المفسدين، بأقل قدرٍ من التضحيات والآلام، ولنتطلَّع دائمًا إلى الأمام متوكلين على الله سبحانه، معتصمين بحبله.. إخوةً متحابöّين، متعاونين على الخير، نابذين للفرقة والشر...
ولنأخذ الحذر.. من أعداء خارجيٍّين.. لن يتوقَّفُوا عن نسج الشöّبَاك وحَبْكö المؤامراتº لإجهاض ثورتنا وتكدير ربيعنا، والشيطان لا يُحöبّ أن يرانا سعداء أبدًا(إنَّمَا النَّجْوَى مöنَ الشَّيْطَانö لöيَحْزُنَ الَّذöينَ آمَنُوا ولَيْسَ بöضَارöّهُمْ شَيْئًا إلا بöإذْنö اللَّهö) (المجادلة10)، (قَدْ بَدَتö البَغْضَاءُ مöنْ أَفْوَاهöهöمْ ومَا تُخْفöي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران: 118)، (إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةñ تَسُؤْهُمْ وإن تُصöبْكُمْ سَيöّئَةñ يَفْرَحُوا بöهَا)(آل عمران: 120).
ولندخل جميعًا في ميدان السöّلْم والتَّعاون على الخير (يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فöي السöّلْمö كَافَّةً ولا تَتَّبöعُوا خُطُوَاتö الشَّيْطَانö إنَّهُ لَكُمْ عَدُوñّ مُّبöينñ)(البقرة: 208)، (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبöرöّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإöثْمö وَالْعُدْوَانö وَاتَّقُوا اللَّهَ إöنَّ اللَّهَ شَدöيدُ الْعöقَابö ) (المائدة: 2)طوبى لمن جعله الله تعالى مفتاحًا للخيرö مöغلاقًا للشرöّ (وفöي ذَلöكَ فَلْيَتَنَافَسö المُتَنَافöسُونَ) (المطففين:26).
والله أكبر ولله الحمد
القاهرة في: الخميس 4 من شعبان 1434هِ، الموافق 13 من يونيو 2013م