رسالة من المرشد العام للإخوان المسلمين- الأستاذ محمد مهدي عاكف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله ومن والاه إلى يوم الدين، وبعد..
مرةً أخرى- وندعو الله أن تكونَ الأخيرةَ- عادَ العنفُ ليضربَ من جديد في مدينة شرم الشيخ الساحلية ليحصدَ أرواحَ عشراتٍ من إخواننا المصريين الأبرياء وبعضö الأجانب المستأمنين.
وإذْ نكرر استنكارَنا لتلك التفجيرات ونُعرب عن حزننا إزاءَ ما أصاب الضحايا وأُسَرَهم ومصر كلهاº فإننا نؤكد على اعتبار هذه الأفعال مخالöفةً للشرع الحنيف الذي كرَّم الإنسانَ وأمرَ بحفظ الأنفس والدماء والأرواح، كما نعتبرها عدوانًا على القيم والأعراف الإنسانية.
لقد استغلَّ البعضُ الحادثَ على وجه السرعة وقام ليصطادَ في الماء العَكöر، وعادت الألسُن لöتَلُوكَ الحديثَ عمَّا أسمَوه زُورًا وبُهتانًا (الإرهاب الإسلامي)، ونقول إن العدوان والعنف لم يكن يومًا من الأيام بضاعة إسلامية، بل كان المسلمون ولقرون عديدة غرضًا لعدوان الغرب والشرق، يشهد على ذلك التاريخ وما سجله من آثار جرائم التتار والصليبيين القدامى والجدد.
إنَّ الإسلامَ ينهى عن العدوان {وتَعَاوَنُوا عَلَى البöرّö والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمö والْعُدْوَانö} (المائدة: 2)، ويصون النفس الإنسانية ويعتبر إزهاقها بغير حقٍ جريمةً كبرى بحق الإنسانية، {مöنْ أَجْلö ذَلöكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنöي إسْرَائöيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بöغَيْرö نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فöي الأَرْضö فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمöيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمöيعًا} (المائدة: 32)، كما أنه يحضُّ على العدل حتى ولو لم يعدل خصومنا {ولا يَجْرöمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدöلُوا اعْدöلُوا هُوَ أَقْرَبُ لöلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبöيرñ بöمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة8).
وقد اعتاد البعضُ أن يسارع بتوزيع الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، منطلقًا من اتهام بعض التنظيمات التي ترفع رايات إسلامية بتنفيذ تلك الأفعال، ثم يسحب الاتهام على القوى والحركات الإسلامية جميعًا، غامزًا في قناة الإخوان المسلمين على وجه الخصوصº ليصل إلى غرضه الخبيث وهو اتهام الإسلام ذاته بأنه المحرّöض على العدوان والعنف {كَبُرَتْ كَلöمَةً تَخْرُجُ مöنْ أَفْوَاهöهöمْ إن يَقُولُونَ إلا كَذöبًا} (الكهف: 6).
ومن المعروف في عالم المكائد والدسائس أنَّ مَن يدبر حادثًا يسعى إلى إلقاء العديد من الخيوط المضللة التي تقود التحقيقات إلى نتائج متضاربة أو إلى طريقٍ مسدود، وكما يقول أحد رجال المخابرات إنَّ 90% من جهود تدبير عمليةٍ ما تنصب على عمليات التضليل بينما لا يأخذ تنفيذ العملية أكثر من 10% من الجهد.
لذا فإن هؤلاء الذين يسارعون بإلقاء التهم جزافًا ينقصهم التبيّن والتثبت قبل الإساءة إلى الأفراد والجماعات ومحاولة تشويه صورتها أمام الشعوب، وليتدبروا قول الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسöقñ بöنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصöيبُوا قَوْمًا بöجَهَالَةٍ فَتُصْبöحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادöمöينَ} (الحجرات6).
فتش عن المستفيد
ومن القواعد التي تساعد على حل مثل هذه الألغاز الغامضة قاعدة "ابحث عن المستفيد".. فمَن المستفيد من وراء أعمال العنف والقتل في مصر؟
إنَّ النَّيْلَ من أمن مصر وزعزعة استقرارها هدفñ دائمñ للمخططاتö الصهيونية والأمريكية مهما تحدث البعضُ عن معاهدات السلام واتفاقات الشراكة، وأيُّ عملٍ على غرار ما حدث في شرم الشيخ يصب في خانة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة.
من الواضح أنَّ هناك قوًى وأجهزةً من مصلحتها التغطية على ما يحدث في فلسطين من جرائمَ يرتكبها الكيانُ الصهيوني ومن مخططاتٍ لضرب قوى المقاومة الفلسطينية، وهناك سياسة أمريكية معلنة تُسمَّى سياسة "الفوضى الخلاقة" والتي تهدف إلى خلخلة أسس المجتمعات والأنظمة العربية ليتاح لها إحداث التغيير الذي كثر الحديث عنه وفق منظورها ورؤيتها.
كما أنَّ هناك قوًى وأجهزةً من مصلحتها إحراج النظام المصري بتدبير مثل هذا الحادث المروع قبل فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، وفي ظل عمليات الاختراق المتواصلة للأمن المصري- بعد أن أصبحت الساحة مستباحة- لا يُستبعد أن نجد من بين المصريين مَن ينفذ أهداف الأعداء!!.
مَن يتحمَّل الوزر؟
إنَّ ما حدث في شرم الشيخ وما شاكله من أحداثٍ يمثل عدوانًا آثمًا يتحمل وزره فاعلوه المباشرون الذي قاموا بهذه التفجيرات وخططوا لها وحرَّضوا عليها، مثلما يتحمل وزره مَن أرسوا ثقافة العدوان والعنف والاعتداء على حقوق العباد، ومَن أسسوا شريعة الغابº حيث يُتاح لكل مَن يملك شكلاً من أشكال القوة أن يستخدمه دون رادعٍ من دينٍ أو وازعٍ من ضميرٍ ليسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل ويروع الآمنين.
إنَّ هذا الفكر العدواني عادةً ما يظهر في غياب الحرية والعدل، فغياب الحرية وضياع العدل، والعدوان على الحقوق وهضمها، وانتشار الاستبداد والفساد، واستمرار حالة "الاحتقان السياسي" السائدة بسبب رفض النظام لمطالب الإصلاح، وغياب الشورى والديمقراطية والتمسك بالديكور الديمقراطي المزيف، وانسداد أفق الحوار، وتدني سقف الحريات العامة، ومواصلة العمل بقانون الطوارئ لسنوات طويلة منذ عام 1981مº مما مكَّن ضعاف النفوس في جهاز الشرطة من التمادي في الظلم والعدوان على البشر تحت حماية الطوارئº ذلك كله يشكل بيئة صالحة لنمو ثقافة العدوان في مصر، وفي كل بيئة مشابهة.
لقد رصدت منظمات حقوق الإنسان ما يصعب حصره من تجاوزات بعض رجال الشرطة، كما رصدت ما وقع في سيناء من عقابٍ جماعي طال قرابة خمسة آلاف مواطن بعد حوادث التفجير في طابا في أكتوبر 2004م، أفلا يفكر كل عاقل في عواقب مثل هذه الممارسات؟
وكما هو الحال في الداخل فإنَّ الممارسات الاستبدادية الدولية، والعدوان على الشعوب، وغطرسة القوة، والحروب التي تشنها القوى العالمية في أكثر من مكان في العالم هي التي أوجدت ثقافة العنف والعدوانº حتى أصبح العالم أقل أمنًا واستقرارًا ، وإنَّ استمرارَ هذا الحال على ما هو عليه من ظلمٍ وطغيانٍ وقوة غاشمة لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من سفك الدماء.
وها نحن نرى ما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستانº حيث تتجلى غطرسة القوة في أبشع صورها، وتسيل دماء المسلمين هناك أنهارًا، أفلا يفكر أي عاقل في عواقب تلك الجرائم؟!
لقد بدأ البعضُ يتحدث بعد تفجيرات لندن وشرم الشيخ عن الحاجة إلى معالجة أسباب العنف، وهو أمر محمود لو صدقت النوايا والتوجه وتوفرت الإرادة والعزم، ووضع العلاج الصحيح لذلك الداء الذي أصاب العالمº وفي سبيل تشخيص تلك الأسباب فإننا نطرح أمام الباحثين عددًا من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات شافية:
على المستوى الداخلي:
- ما العلاقة بين التجديد المتكرر للعمل بقانون الطوارئ، وعدم إلغاء القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات العامة، ونمو ثقافة العنف والعدوان؟
- ما العلاقة بين الاستبداد السياسي واحتكار السلطة وتزوير الانتخابات، وسيادة الصوت الواحد، والتضييق على الأحزاب والقوى السياسية وعلى حركتها في الشارع وعلى حقها في إقامة المؤتمرات والمسيرات، وبين زيادة الميل إلى العنف، خاصةً عند الشباب؟
- لماذا زادت حوادث العنف في مصر بعد توقيع معاهدة الصلح مع الكيان الصهيوني؟
- هل استطاع الصهاينةُ اختراق النسيج المصري وإلى أي مدى نجحوا في تجنيد البعض لتنفيذ مخططاتهم مع كسوتها بثياب المسلمين بدلاً من تغطيتها بنجمة داود؟
وعلى المستوى الدولي:
- ما العلاقة بين ممارسة واشنطن لسياسة غطرسة القوة وتنامي العداء والكراهية لها في مختلف أنحاء العالم؟
- كيف كان وقع دخول كابل وسقوط بغداد على نفوس المسلمين خاصةً، وما تأثير ذلك على موقف المسلمين من السياسة الأمريكية في المنطقة؟
- ما العلاقة بين تفجيرات لندن وسياسة بريطانيا المنحازة لواشنطن في العراق وأفغانستان؟
إنَّ العالم بحاجةٍ للانتقال من ثقافة العنف والعدوان إلى الثقافة المضادة التي تقف في وجه الأولى وتحدّ من استشرائها، ثقافة الأمن والقيم الإنسانية الراقية، ولن يجد العالم مَن يُقدّöم له ثقافةَ الأمن والقيم الراقية سوى الإسلام.. فهل يقر المتغطرسون مدبرو المكائد ومشعلو الفتن بتلك الحقيقة ويكفوا عن تغذية ثقافة العدوان؟
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.