
من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
إخوان أون لاين - 16/03/2006
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد!!
اللجوء إلى اللعبة القديمة أصبح ديدنَ العالم المحكوم بإستراتيجيات الطغيان ولغة القوة والقهرº حيث يتم عن عمدٍ قلبُ الحقائق، وليُّ ذراع الواقع، واللجوءُ إلى الأوضاع الاستثنائية، وتسفيهُ الأفكار، واعتبارُ الحقّö باطلاً والحقيقةö رجسًا، والمظلومö ظالمًا والظالمö صاحبَ حق لا بد من نصرته!!
بنفس قواعد هذه اللعبة- القديمة- صمَّ قومُ نوحٍ آذانَهم عن سماعö كلماتö الحقيقةö، حتى قال منذرُهم {وَإöنّöي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لöتَغْفöرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابöعَهُمْ فöي آذَانöهöمْ وَاسْتَغْشَوْا ثöيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتöكْبَارًا(7)} (نوح)، وتتابَعَ منطقُ الباطل ليهتف قومُ لوطٍ في شرفائهم: {أَخْرöجُوا آلَ لُوطٍ مöنْ قَرْيَتöكُمْ إöنَّهُمْ أُنَاسñ يَتَطَهَّرُونَ(56) } (النمل)، وكذب النمرودُ عينيه، معتبرًا خروجَ النارö عن طبيعتöها سöحْرًا {قُلْنَا يَا نَارُ كُونöي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إöبْرَاهöيمَ (69) } (الأنبياء)، ومن ثم سرعان ما هتف: {أَنَا أُحْيöي وَأُمöيتُ(258) } (البقرة)، ولم يفُت فرعونَ أن يمارسَ ذات اللعبة وهو يسعى لسياسةö قومöه، فهتفَ: {يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلöمْتُ لَكُمْ مöنْ إöلَهٍ غَيْرöي(38) } (القصص).
وعلى ذات النسق سار أبو جهل ورفقتُه، رافعين شعارَ الأولين في الجحودö وعدمö الانصياعö للحقّö المشهورö والجليّö {وَجَحَدُوا بöهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(14)} (النمل)، واستمرت حلقاتُ الجحودö على مدارö التاريخö لتصلَ بنا إلى عصرö العالَمö أحاديّö القطبöº حيث لغةُ الشرّö تسودُ كلَّ المنظماتö الدوليةö لتسيّöرَ كل مفرداتö العالمö صَوبَ أُتونö العولمةö الأمريكي.
إنسان العالم والإنسان الأمريكي..
الإنسانُ في ظلّö النظامö العالميّö الأمريكيّö تم تقسيمُه إلى فئاتٍ:
- إنسان من الدرجة الأولى: ويندرج تحت هذه الفئة الأمريكان والصهاينة.
- ثم إنسان من الدرجة الثانية: وهو الغربيُّ من غيرö الأصولö الشرقيةö طبعًا.
- ثم إنسان الدرجة العاشرة، وتحتها يأتي مواطنو العالم العربي والإسلامي والشرق عمومًا.
وفْق هذا التصنيف تخرجُ تقارير حقوق الإنسان الرسمية عن الخارجيةö الأمريكيةö وغيرöها من مؤسسات نظام بوش الابن، الذي اعتمد تقريرًا لحقوقö الإنسانö في العالمö يوم 8 من مارس الماضي، راحَ يتحدثُ عن الرّöدةö الديمقراطيةö لمصر والسعودية، وانتهاكاتö حقوقö الإنسانö في إيران والسجونö العراقية وسوريا ومصر، وأثرö النزاعاتö العرقيةö على حقوقö الإنسانö في دارفور السودانيةö، ومحاصرةö المجتمعö المدنيّö وأجهزةö الإعلامö في الدول العربيةö وعدم خضوعö حكامö إيران وسوريا للشعوبö، وملفّö الانتهاكاتö الإنسانيةö للجمهوريةö الصينيةö.
هكذا تخرجُ الإدارةُ الأمريكيةُ متدثّöرةً بثَوب الحمَلö الوديعö لتوزّöعَ الاتهاماتö على العالمö، مبشّöرةً بسماءٍ شمسُها نجماتُ العلمö الأمريكيّö وأُفُقٍ تلوحُ فيه حريةُ الاجتزاءö والافتراءö.
أمريكا تنتقد نُظُمًا تدعمها، وتعيبُ على سياساتٍ صنعتْها، تلوحُ بشعارö حقوقö الإنسانö، ومöن خلالöهö تمنحُ نفسَها الحقَّ في التدخلö في شئونö الدولö، والتعدّöي عليها، وفرضö العقوباتö الدوليةö ثم احتلالöها، ثم نشرö حقوقö الإنسانö بالقوةö عبرَ نماذج للديمقراطية، من عيّöنةö سجن "أبو غريب" وأمثلةٍ عمليةٍ للحرية، كتلك التي جسَّدها الجنودُ البريطانيون بساديةö تعذيبö الفتيةö والشبَّانö في العراقö!!
وتبقى الأسئلةُ حائرةً في معادلةö حقوقö الإنسانö الأمريكيةö، وفقَ ما ترصده شبكاتُ حقوق الإنسان، مثل (الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير- الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان- منظمة هيومان رايتس ووتش- منظمة العفو الدولية).. هذا إضافةً إلى ما ينشره بعضُ كتَّابö الصحفö الأمريكيةö، والأمثلةُ في هذا الصددö كثيرةñ، وكلها بلا إجاباتٍ في سöجöلّö حقوقö الإنسانö الأمريكيّö:
- فمَن يكشف حقيقةَ زجّö الولايات المتحدة الأمريكية للصحفيين في معسكري بوكا وجوانتانامو؟!
- ومَن يرصد انتهاكاتö حقوقö الحياةö في جوانتانامو؟!
- ومن يحقّöق تحقيقًا عادلاً في أحداثö "أبو غريب" التي يندَى لها جبينُ الإنسانية؟!
- ومن يُسائلُ الأمريكان عن أسبابö اعتقالö مصوّöرö وكالةö (رويترز) ثمانيةَ أشهرٍ لدى معسكراتö الجيشö الأمريكيةö في العراقö؟!
- ومَن يفتح ملفَّ مراكز الاعتقال الأمريكية السرية في أوروبا الشرقية المخالöفة للقانون الدولي، ومثلها "المواقع السوداء" للاعتقال السري الخاضعة لوكالة الاستخبارات المركزية، والتي باتت منتشرةً في العديدö من دولö العالمö، ومنها بالطبعö عالمُنا العربيُّ؟!
- ومَن يبرّöرُ تدابيرَ المملكةö المتحدةö لمكافحةö الإرهابö التي تقنّöن عملياتö التعذيبö للبشر؟!
بعد كل هذه الأسئلةö الحائرةö كيف لأمريكا أن تسألَ عن التعذيبö، وهو الذي باتَ وسيلةً أمريكيةً من خلال إنابةö الأنظمةö العربيةö والإسلاميةö عنها في هذا الأمر؟! ومَن هو الإنسانُ الذي تدافعُ عنه الولاياتُ المتحدةُ، وهي التي تتخذه رهينةً للوصولö إلى أهدافöها، وعلى ذات النهج تَسöيْر الأنظمةُ العربيةُ، فتقوم قواتُ الأمنö باستخدامö أُسَرö النشطاءö السياسيّöين كرهائنَ حتى يسلّöموا أنفسَهم!!
كما تبرّöرُ الولاياتُ المتحدةُ ومنظماتُها الدوليةُ مصادرةَ أموالö الشركاتö والأشخاصöº بحجة دعمö وتمويلö الإرهابö، وليس ببعيدٍ نماذجُ مثل رجل الأعمال يوسف ندا، ومطالبتُها الأخيرة الحكومةَ اليمنيةَ بالقبضö على الداعيةö اليمنيّö عبد المجيد الزنداني ومصادرةö أموالöهö بحجةö دعمö حماس، بل وزاد الأمرُ بممارسةö ضغوطٍ قاسيةٍ على المنظماتö والدولö المانحةö للشعبö الفلسطينيّö لعدم تقديمö المöنَحö المقررة للفلسطينيين في أعقابö فوز حماس، ثم تهديدُها لإيران بفرضö عقوبات دولية إذا استمرت في مشروعöها النوويّö!!
كل هذه التصرفاتö المخالöفةö لمبادئö حقوقö الإنسانö والمواثيقö الدوليةö اتخذتْها الدولُ والأنظمةُ المستبدَّةُ قدوةً لتسيرَ على نفسö النهجöº لتعتقلَ وتغلقَ الشركاتö والمؤسساتö وتجمّöدَ الأقواتَ، وتشرّöدَ الأُسَر والعائلات، وهكذا يستمر مسلسلُ الانتهاكات في العالم الإسلامي.. من فلسطين إلى أفغانستان إلى الشيشان والعراق فالسودان فتونس فالفلبين فتركستان الشرقية والغربية و.. و.. و.. تتداعى الأكلةُ إلى البدنö الإسلاميّö وصوتُ الصحابةö ينبعث من قöدَمö التاريخö "أوَمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟!" وتأتي إجابته- صلوات الله وسلامه عليه-: "لا.. إنكم كثيرñ ولكنكم غثاءñ كغثاءö السيلö"، وفي المقابل يبقَى الناموسُ الثابتُ يهتف في العالم {إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنفُسöهöمْ(11) } (الرعد).
فيا أيها الساعون لحقوق الإنسان..
ميزانُكم مختلّñ.. وقوانينُكم يحيكُها النخاسون.. ومبادئكم يكتبها المتاجرون بالقيم.. وتسقط منها الحقوقُ ما لم تكن لكم.. ويضيع بين محاكمöها العدلُ ما لم يُصدöرْ قاضيه الحكمَ لصالحöكم.. {وَإöنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إöلَيْهö مُذْعöنöينَ(49) أَفöي قُلُوبöهöمْ مَرَضñ أَمْ ارْتَابُوا(50)} (النور).
ويا أمة الإنسانية..
تحملون بين ضلوعöكم منهاجَ الحياةö للعالمö {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشöي بöهö فöي النَّاسö كَمَنْ مَثَلُهُ فöي الظُّلُمَاتö لَيْسَ بöخَارöجٍ مöنْهَا(122)} (الأنعام) وتسيرون فوقَ الأرضö بمنهاجö السماءö بأصلö الوعد الثابت {وَإöنَّهُ لَذöكْرñ لَكَ وَلöقَوْمöكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(44) } (الزخرف) وتدركون معنى التكريمö الحقيقيّö للإنسانيةö {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنöي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö وَرَزَقْنَاهُمْ مöنْ الطَّيّöبَاتö وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثöيرٍ مöمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضöيلاً(70) } (الإسراء) وأصلَ المرتبةö الربانيةö للإنسانö بالاستخلافö على الأرض {وَإöذْ قَالَ رَبُّكَ لöلْمَلائöكَةö إöنّöي جَاعöلñ فöي الأَرْضö خَلöيفَةً (30)} (البقرة)، فاعلموا أنه:
- لا عزَّ إلا بالإسلامö {وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ (8) } (المنافقون).
- ولا حريةَ إلا في ظلّö الإسلامö {لا إöكْرَاهَ فöي الدّöينö (256) } (البقرة) و{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمöنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) } (الكهف).
- ولا حفظَ للأرواحö إلا بالإسلامö {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ(29)} (النساء).
- ولا حفظ لمالٍ واقتصادٍ إلا بالعودةö للحقلö الربانيّö {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بöالْبَاطöلö إöلاَّ أَنْ تَكُونَ تöجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مöنْكُمْ (29) } (النساء).
وفي كلٍّ فالقاعدةُ المُرساةُ مöن لدن حجةö الوداعö ثابتةñ: "يا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا".
فأقيموا- أيها المسلمون- في قلوبكم للإنسانية دولةً تحميها قواعدُ دينكم تَقُم هذه الدولةُ بعد حينٍ على أرضكم، واعلموا أن إيمانكم بصدقö رسالتöكم هو مفتاحُ الخلاص من أَسْرö قواعدö التبعيةö وجَورö قوانينö العولمةö.
ويا شطرَ الخلق والمجتمع..
في ذكرى يومöكنَّ الذي أعلنه العالم (يوم المرأة العالمي).. إلى كل سيدة وفتاة في بقاع الأرض..
أنت عندنا الأم والزوجة والأخت والابنة.. حياةñ تسري في عروق الرجال، وركنñ ركينñ يأوي إليه كلُّ المجتمع، فلا تنخَدöعْنَ بأوهامö التحريرö المصنوعةö من أوراقٍ تكشفُ ولا تسترُ، ولا تستسلöمْنَ لمَنْ يسعَى لطرْحö أجسادöكُنَّ سلعةً في سوقö إعلامö النخاسةö و"كليبات" التعرّöي، وقفْنَ دونَ محاولاتö استثمارö أنوثتöكنَّ في بورصات الأبدان، واعلمْنَ أن أياديَكنَّ في البناء أقدرُ مöن كل قدرةٍ لرجلº لأنكن تبنöيْنَ مجدَ ما تصنعْن وتغرöزْنَ في الرجالö مجدَ ما يصنعون على كلّö صعيدٍ.
وإلى الأخوات المسلمات..
الداعياتö هنا وهناك.. الصامداتö في أرضö الإسراءö والرافدين وأفغانستان والشيشان وكشمير، وفي كلّö بقعةٍ ترفعُ علَمَ المقاومةö ورايةَ الجهادö.. يا راياتö العزةö التي تسعى عولمةُ الغربö لتنكيسöها.. ويا شاماتö العفةö التي نفخرُ بالسيرö إلى جوارöها.. يا أخواتنا في كل مجال (الشركة والمصنع والوزارة والبرلمان والجمعية والمستشفى و.. و.. و..) وقبل كل هذا وبعده في المنازل.. حملُكنَّ ثقيلñ، وتبعاتكنَّ أثقل، وواجباتكن عظيمة، فكونوا على قدرö المسئولية، عطاءً في كلّö مجالٍ، وثباتًا على كل ثغرٍ وحائطَ صدٍّ دون معاولö الهدمö الاجتماعيّö، ومتاريسَ قوةٍ بخُمُرöكُنَّ تُعيد صياغةَ معنى الحرية المستَمَدّ من جمالö الارتباطö بالربانية والتعففö عن قبحö الجاهليةö، ولا تشغلْكنَّ دروبُ الحياة عن بيوتكنَّ وأزواجكنَّ وأبنائكنَّ، فمن تُحسن الزرعَ تهنأ بنعيمö الحصادö {وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتöرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)} (محمد).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين