
رسالة من أ. محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدُ للهö ربّö العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ النبيّö الأميّö الأمينö، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
العقولُ المستبدةُ والأنظمةُ الديكتاتوريةُ لا تستهدفُ إلا الشعوبَ ومقدراتöها لتستمدَّ من استنِزافöهöما قدرتَها على البقاءö وتحقيقَ حلمöها في السيطرةö والتسلطö.. منطقñ قديمñ وحديثñ، باقٍ بقاءَ الصراعö بين الحقّö والباطلö، بين سالبöي الحقوق وأصحابöها، بين الساعين للحقيقةö والمزيّöفين لها، صراعñ يتذرَّع المستبöدُّون فيه باستئثارö الحقيقةö!!
غيرَ أنَّ مَن يرَون في أنفسهم قدرةً على أنْ يأسöروا العالمَ ويُخضöعُوه لأهوائهم- مثلَ ما يفعلُ "بوش" الابنُ ومَن حولَه- لم يقرأوا التاريخَ جيدًاº ليعلَموا مصيرَ البغيö والعدوانö بغيرö الحقّö، فراحُوا يكرّöرون فعلَ "أتيلا" ملك الهون، المملكة البربرية التي سَوَّل البغيُ لمَلöيكöها أنه قادرñ على امتلاكö العالم، فكان مآلُه ومَملَكتöهö الدمارَ والفُرقةَ، ويسيرون على دربö "نيرون" دون أن يَعُوا أنَّ آخرَ دربöه نارñ تأتي على الأخضرö واليابسö بعد أن تحرقَهم ومطامعَهم..!!
ارتدَى "بوش الابن" ومَن حولَه حُلَّة "الطغيان" وتوشَّحوا بöوöشَاحö "التجبُّر" ورَاحُوا يحلمون بمَجْدö "القياصرة" دون أن يعلموا أنَّ للتاريخö دوراتٍ، وأن عجلَتَه سرعانَ ما تأتي على كلّö باغٍ.. فلقد قال بطانةُ "فرعون" له: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لöيُفْسöدُوا فöي الأَرْضö وَيَذَرَكَ وَآلöهَتَكَ}؟ (الأعراف: من الآية 127) فأجابَهم بلسانö الكöبرö: {قَالَ سَنُقَتّöلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيö نöسَاءَهُمْ وَإöنَّا فَوْقَهُمْ قَاهöرُونَ}!! (الأعراف: من الآية 127) فما كان مöن صوتö الحقّö إلا أن قالَ: {قَالَ مُوسَى لöقَوْمöهö اسْتَعöينُوا بöاللَّهö وَاصْبöرُوا إöنَّ الأَرْضَ لöلَّهö يُورöثُهَا مَنْ يَشَاءُ مöنْ عöبَادöهö وَالْعَاقöبَةُ لöلْمُتَّقöيْنَ} (الأعراف128) .
وعلى الباغي تدورُ الدوائرُ، وتبقَى الشعوبُ دائمًا لتسطّöرَ كتبُ تاريخöها سطورًا سوداءَ لكلّö ديكتاتورٍ مستبدٍّ، ولتعلنَ على مسامعö الخلقö أنه ما ضاعَ حقّñ وراءَه مُطالبñ يجاهدُ في سبيلö تحقيقöهö، وساعتَها يتجسَّدُ وَعْدُ اللهö للمستضعفين.. {أُذöنَ لöلَّذöينَ يُقَاتَلُونَ بöأَنَّهُمْ ظُلöمُوا وَإöنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرöهöمْ لَقَدöيرñ(39){ (الحج) {الَّذöينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إöنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إöيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنöعْمَ الْوَكöيلُ(173) فَانْقَلَبُوا بöنöعْمَةٍ مöنْ اللَّهö وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءñ وَاتَّبَعُوا رöضْوَانَ اللَّهö وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظöيمٍ(174) { (آل عمران).. إنَّه {وَعْدَ اللَّهö لا يُخْلöفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ(6){ (الروم).
تذكروا حصار شöعب أبي طالب
بالأمسö كانوا قلةً مستضعَفين، ومحاصَرöين بشöعبö أبي طالبٍ لثلاثö سنواتٍ، وكان بينهم خيرُ خلقö اللهö محمدñ- صلى الله عليه وسلم- ولم يمنعْ وجودُه بغيَ البغاةö وسعيَ أصحابö المصالحö وتربيطاتö الساسةö ومكائدَ شيطانٍ تمكنت من النفوسö، فقُلب الحقُّ باطلاً والباطلُ حقًّا، واجتمعت "الإرادةُ الدوليةُ" قبل أربعةَ عشرَ قرنًا من الزمانö على صحيفةö مقاطعةٍ علَّقوها ببطنö أقدسö مكانٍ عرفتْه الأرضُ "الكعبة"، وهتف ذاتُ الصوتö- صوت "بوش" المنبعث اليوم-: لا تُطعöموهم.. لا تُتاجöروا معهم.. لا تمنحوهم.. ولا ولا ولا، مقاطعةñ تامةñ، ومحاولةñ لوأدö إرادةٍ شعبيةٍ، وصبر الرجالُ صبْرَ نسائهم، كما تجلَّدت النساءُ تجلُّدَ رجالöهم، حتى جاء الفرجُ من عند اللهö مؤذنًا ببدءö عصرٍ جديدٍ، وساعتها حرَّك اللهُ روحَ الحöياد في قلبö مشركٍ من قريش "هشام بن عمرو" فطالَب بتمزيقö صحيفةö المقاطعةö التي لم ترضَ عن جَوْرöها حشراتُ الأرضö، فأكلَتْها تاركةً اسم الحقّö علامةً على الحقيقةö "باسمك اللهم"!!
واليومَ.. يقفُ أهلُ فلسطين في أرضö الرباط مستضعَفين لقلةö عتادöهم، مستقوين بسلاحö عقيدتöهم، محاصَرöين بقُوى البَغْي، ومستعلöيْن بسموّö قضيتöهم، تُحاصرُهم إرادةُ "بوش" المتدثّöرةُ بعباءاتö مَن اجتمعوا يومًا بدارö الندوةö ليسطّöروا صحيفةَ المقاطعةَ، وتُحاصرُهم أذنابُه الساعيةُ لرضا الصهيونيةö على حسابö حقّö الشعبö الفلسطينيّö في الحياةö والاختيارö، وتحاصرُهم قُوى العجزö والصمتö المكبّöلةُ لأنظمةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ، ويحاصرُهم أندادُ السياسةö في الداخل الذين ظنُّوا أنَّ معركتَهم هي مع بني جöلدتöهم.
وهكذا يسعَى "بوش" إلى فرضö "ديمقراطيتöه" على الشعوبö، تلك الديمقراطية التي لا تقبلُ الاختلافَ، ولا تحترمُ إرادةً لشعبٍ، ولا تسير إلا في فلكö مصالح الربيبة الأمريكية والتي ترفض كلَّ مَن يقول لها: "لا".. فكم سيطولُ حصار الانتصار الفلسطيني المنشأ.. الحماسي الصُّنع؟! ثلاث سنواتٍ يا فلسطين.. ثلاث سنوات يا حماس.. ثلاث سنوات يا شعب المرابطين؟!
هنيئًا لكم السير على دربö المصطفى- صلى الله عليه وسلم- هنيئًا لكم الصمود في معركة يُعيد التاريخُ رحَاها فما أنتم بأكرمَ على الله مöن محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- {وَاللَّهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ (21) { (يوسف).
ولكن هل ترتضي كلُّ المنظماتö الدوليةö أن تتحوَّل إلى دارö ندوةٍ جديدةٍ.. الأمم المتحدة دار ندوة.. ومجلس الأمن دار ندوة.. والمنظمات المانحة دار ندوة؟! وفي كلٍّ يبحث الجلوسُ عن وسيلةٍ جديدةٍ تُطمَسُ بها معالمُ الحقّö وتَغيب فيها مشاعلُ النور!! ولكن أما مöن فردٍ يرتدي عباءةَ الحيادö التي ارتداها "هشام بن عمرو" يوم أعلنَ مبادرتöه لتقطيعö أوصالö صحيفةö الجورö والمقاطعةö!!
إنَّ التاريخَ يبحث عمَّن ينال شرفَ الحيادö ويحمل لواءَ العدلö في عالمٍ أحاديّö القطب، تحكمُه إرادةُ البيتö الأبيضö "دار الندوة" في القرن الحادي والعشرين، التي تحمل عنوانَ ديمقراطية الألفية الثالثة!!
إيران ومعركة الحقوق المكفولة
ولا عجبَ إذًا في تعدُّدö أدوارö العَداءö الأمريكي للعالمَين العربي والإسلامي، فذاتُ اليدö التي تَمنح الملياراتö للعدو الصهيوني ليوسّöعَ ترسانتَه الحربيةَ هي التي تسعَى لإعلان الحرب على إيرانº بدعوى سعيöها للتوسع في تطوير برنامجها النووي، وتبقى الأزمةُ الرئيسةُ في حال العَداءö المتواصلö من الحلفö الأمريكيّö ضد أمتöنا، والأطماع المتزايدة بمقدرات أمتنا الطبيعية والاقتصادية والإستراتيجية على المستوى الجغرافي والأمني، وبالتالي فالنَّهمُ في تقطيعö أوصالö البدن الإسلامي لا يتوقف، والسعيُ الحثيثُ من قöبَل بوش الابن نحو كل ما هو عربيّñ وإسلاميّñ لن ينقطع، والحُجَج لا أمدَ لأُفُقها: إسقاطُ الأنظمة المستبدَّة تارةً.. وتركيع الأنظمة المناوئة ثانيةً.. وفرض الإصلاحات ثالثةً.. ومكافحة الإرهاب رابعةً.. والبحث عن أسامة بن لادن خامسةً.. واستهداف الزرقاوي سادسةً.. وضرب المؤسسات النووية تارةً أخرى، وغيرها كثير من ذرائع يمرّöر عبرَها بوش فَيَالöقَه ومدمّراتöه وأسرابَ طائراتöه وكتائبَ جيوشöهº لتنعمَ شعوبُنا بديمقراطيتöه التي تقسّöم وتفرّöق وتنشر التفجيراتö وتنتهك الحرماتö وتقنن عملياتö القتل والدمار والتعذيب.
من حقّö كل دولö العالم أن تتعاطَى النشاطَ السلميَّ النوويَّ.. يتساوى في هذا الحقّö المستخدمُ البريطانيّ والهنديّ والإيرانيّ والمصريّ والليبيّ.. ومöن حقّö إيران على الدولö العربيةö والإسلاميةö أن تدعم موقفَها حتى لا تُتركَ وحيدةً في مواجهةö الصلفö الأمريكيّö والاستكبارö الغربيّö الذي يَصبُّ أولَ ما يصبُّ في الصالحö الصهيوني، ومن بعده يُوسّöع مدى التدخل في منطقتنا.
كما أنَّ مöن واجبö إيران على جاراتöها العربيةö والإسلاميةö أن تؤكدَ لها حيادَها التامَّ مع الشأنö العراقيّöº حتى لا تفتح ثغرةً في الجدارö الذي يحويها ودول الجوار لينخرَ منه سوسُ الطائفية الذي يحرّöكه المحتلُ في العراق متذرّöعًا به للبقاء، وبقدر إيران- بالتعاطي مع القضيةö العراقيةö كقضيةٍ إسلاميةٍ- بقدرö ما تنظرُ الشعوبُ الإسلاميةُ إلى إيران على أنها جزءñ من منظومةö العالَمö الإسلاميّö، وبالتالي يُفرضُ على أمةö البدنö الواحدö التلاحمُ معها في وجهö ما تلقاه من تهديداتٍ.
فيا أنظمتنا العربية والإسلامية..
قöبْلَةُ المسلمين تستنصركم، فلئن كانت قُواكم عن نصرتöها قاصرةً فحسبُكم أن تُخَذّöلوا عنها ما استطعتم، فلا تكöلُوا مَن ارتضاها أهلُها حكومةً شرعيةً لهم إلى مجالسَ وقراراتٍ، يُحرّöكُها عدوُّها بأصابöعَ أمريكيةٍ، فإنها- حكومةُ حماس- إن لم تكن بكم كانت بقوةö إيمانöها بقضيتöها وبالحقّö النابعö من قدسيةö رباطöها.
أما أنتم يا ولاةَ الأمر في أوطاننا العربية والإسلامية فإنكم لن تكونوا إلا بصدقö نصرتöكم لأولى قبلتöكم ومسرَى نبيّöكم محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي أوصاكم: "المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلمه ولا يَخذله" فاحذروا ظلمَ المجاهدين وإياكم أن تُسْلöموا رافعًا لذروةö سنامö الإسلام، واتقوا خذلانَ المرابطö أو غلقَ الأبوابö في وجهه وردَّ زيارتöهº حتى لا تدخلوا في قول الحق: {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöنْ تُطöيعُوا فَرöيقًا مöنْ الَّذöينَ أُوتُوا الْكöتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إöيمَانöكُمْ كَافöرöينَ(100){ (آل عمران).
ويا جموع المسلمين..
لئن كان الواقع مظلمًا والظلم محيطًا.. إلا أنَّ إرادةَ الشعوبö هي الأصلُ في معركةö البقاءö، مهما كانت المَطرقةُ الأمريكيةُ طاغيةً وسندانُ الاستبدادٍ متجبّöرًا، ولكم في التاريخ قدوةñ، فإرادةُ الشعبö المسلمö- بدعم قائدöه محمدٍ صلى الله عليه وسلم- انتصرتْ في مكةَ وأقامتْ دولتَها التي سادَت، وما فعلَ عزُّ الدينö القسامö في فلسطين منكم ببعيد!! فلقد ارتضى أن تكونَ رُوحُه هي شرارةَ الثورةö العربيةö الكبرى، فليكُن إحساسُكم بعمقö انتمائكم لدينكم هو الحافزَ على مواجهةö الهجمةö على أمتكم، واستعينوا بوحدتكم لنصرةö المرابطين في فلسطين {وَالْمُؤْمöنُونَ وَالْمُؤْمöنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلöيَاءُ} (التوبة: من الآية 71) وعايöشُوا قولَ الحق: {إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ إöخْوَةñ} (الحجرات: من الآية 10)º لتصلوا إلى حقيقة التعاون المراد من قوله جل وعلا: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبöرّö وَالتَّقْوَى} (المائدة: من الآية 2).
ويا أيها الإخوان في كل مكانٍ..
لا تنسَوا أنكم ارتضيتم اللهَ غايةً والرسولَ- صلى الله عليه وسلم- قدوةً، فتحركوا صوبَ غايتöكم، حاملين رايةَ قدوتöكم في نصرةö الحق والدعوة له والصبر عليه، واجعلوا على رأسö أولوياتكم قضيةَ فلسطين، كونوا رُسُلَ دعوةٍ لنصرتها، ووسائلَ إعلامٍ تَذُود عنها، وسفراءَ لحكومتöها، تكسرُ الحصارَ المفروضَ عليها، شارحين دورَها، ومدافعين عن إرادةٍ انتخبتها وعن جهادٍ زكَّاها، وداعين لدعمöها عبرَ المنافذö الشرعيةö، ولا تنسوا المدَدَ الربانيَّ للنصرةö، الذي يتنزل في ساعاتö السحرö ويفوزُ به كلُّ مجتهد ومشمّöر وراكع وساجد.
وكونوا على يقينٍ بأنَّ مطرقةَ أمريكا لن تدومَ وسندانَ الاستبدادö لا يهزمُه إلا وعيُ الشعوبö {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلöبَنَّ أَنَا وَرُسُلöي إöنَّ اللَّهَ قَوöيّñ عَزöيزñ(21){ (المجادلة).
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.